بيني وبينكم 2009

بينى وبينكم 2009 الحلقة السادسة والعشرون البركة في ناموس الحركة ج 1

البركة في ناموس الحركة

نسمع كثيراً أن الكون محكوم بعدة نواميس، فهل لدى الدكتور صبري الدمرداش بيان واضح لذلك؟

فقال:

هذا أكبر دليل على أن هناك خالق للكون لأن هناك نواميس، ولكن ما هو الناموس؟

الناموس: هو القانون الإلهي الذي يعمل في السموات وفي الأرض وما بينهما.

خذ مثلاً: ناموس الجاذبية في كل أرجاء الكون، فالجاذبية ناموس، والنسبية ناموس، والاتزان ناموس، والنظام ناموس، والضوء ناموس، والحرارة ناموس، والحركة ناموس.

قلتُ:

إن أذنتَ لي أن نقف مع أحد هذه النواميس، ألا وهو ناموس الحركة الذي نراه في حياتنا وكأنه شيء عادي، فمشكلتنا يا دكتور أننا لا نتأمل في هذا الوجود، بل كل شيء أصبح رتيباً عندنا.

فقال:

قبل أن ندخل في الحديث عن ناموس الحركة، هناك ناموس من أخطر ما يمكن، وهو ناموس النظام، فعندما ذهب جماعة من كلية اللاهوت لأينشتاين وقالوا له: لقد اختلفنا في الله! فقال لهم: تقول الفيزياء النظرية: إن هذا الكون نظام، وما دام أنه نظام فلا بد له من منظم، ويجب أن يكون هذا المنظم خارجاً عن النظام، وليس جزءاً منه، وإلا احتاج هو الآخر إلى منظم ينظمه، وهذا المنظم هو الله سبحانه وتعالى!

قلتُ:

وهذا الكلام الذي قلته أكده صاحب كتاب حول الزمن ثورة أينشتاين التي لم تكتمل، للدكتور بول ديفيز.

فقال:

إن أي فطرة سليمة، وأي عقل راجح، لا يمكنه أن يقول غير هذا الكلام!

قلتُ:

دعنا نرجع إلى حديثنا عن قانون الحركة، وننطلق من قوله تبارك وتعالى في سورة يس: {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون. والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم. والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم. لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون}. والآية هي البرهان.

فقال:

الآية هي العلامة، وهي دليل القدرة، فربنا جل وعلا يلفت نظر البشر بهذا القرآن الكريم إلى تلك الظواهر العجيبة، فيقول: {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون}، فالمقصود بالليل هنا هو الغلاف الجوي؛ لأن النهار لا يأتي إلا من الغلاف الجوي، والغلاف الجوي بطبيعته مظلم، فالليل في الآية هو الغلاف الجوي؛ لأنه مظلم دائماً، فالأصل في الكون هو الليل وليس النهار.

ثم قال: {والشمس تجري لمستقر لها}، وكلمة تجري لا بد من الانتباه لها جيداً، فهذه الكلمة لا يقولها إلا خالق، فهذه الحقيقة لم تعرف إلا سنة 1842!! حيث قاس العلماء هذه الحركة مقداراً واتجاهاً، أما قبل هذا التاريخ بأكثر من 2200 سنة فمن كان يعرف أن الشمس تجري؟!!

قلتُ:

دعنا نبدأ في حديثنا عن الحركات من الأصغر إلى الأكبر، فماذا نقول عن حركة الإلكترون الذي يدور حول النواة، تلك الحركة التي لم نشاهدها، ومع ذلك نصدقها، وندرسها في المدارس، ويتداولها أولادنا، فما هي دلالة هذه الحركة، وماذا يحدث لو توقفت هذه الحركة؟

فقال:

اسمح لي في البداية أن أقول: إن الكون من أصغر لبناته إلى أكبر وحداته، أي من الذرّة إلى المجرة يحكمه ناموس الحركة، فكل شيء متحرك في هذا الكون، وهذا السكون الذي نراه هو سكون ظاهري، وإلا فإن أي شيء هو عبارة عن ذرّات، والذرّة نواة تدور حولها الإلكترونات، إذن هي في حالة حركة دائمة! وصدق الله العظيم: {ولكن أكثر الناس ﻻ يعلمون. يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون}.

قلتُ:

عندما نقرأ في تفسير قوله تعالى: {وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم}، ففي الطبري مثلاً يقول: ما استقر في الليل والنهار.

ويقول ابن كثير: أي كل دابة في السماوات والأرض، الجميع عباده، وخلقه، وتحت قهره، وتصرفه، وتدبيره.

بمعنى أن الآية كأنها تشير إلى أنه يوجد سكون في هذا الكون، ولكن عن أي سكون تتكلم؟

فقال:

من خلال ما قرأتَه من أقوال المفسرين يتضح لنا أن المقصود بسكن له أي الامتثال، والخضوع، والإذعان، فكل مخلوقات الله خاضعة للخالق سبحانه وتعالى، السكون الفيزيائي، وليس السكون الظاهري، وليس السكون المعنوي.

وحتى يتضح هذا الأمر سأشرح المثال الذي ذكرتَه عن حركة الإلكترونات حول النواة، التي تكون في المنتصف، وما يدور حولها هي الإلكترونات في مدارات معينة.

قلتُ:

إذن هناك فراغ بين الإلكترونات والنواة؟

فقال:

بلا شك، وحكاية الفراغ هذه خطيرة جداً، فلو أن إلكترونات شخص ما توقفت عن الدوران، فسوف نراه كرأس دبوس! علماً أن رأس الدبوس هذا هو وزنه!

قلتُ:

ماذا يحدث؟

فقال:

في الذرة توجد نواة، وحولها الإلكترونات تدور في مدارات معينة، ومعظم هذه الذرّة فراغ، ما السبب؟ نرجع للقرن الثاني عشر الميلادي، فهناك عالم إسلامي وهو علي أبو الحسن يقول: لو فلقنا الذرّة لوجدنا في قلبها شمساً!

هذا الكلام لم يكن مفهوماً في القرن الثاني عشر، حتى جاء في العصر الحديث في القرن الـ 19 عالم الفيزياء الدنماركي بور فقال: مثل الذرّة عندي كمثل المجموعة الشمسية، فالمنظومة الشمسية عبارة عن شمس، وهذه تمثل النواة بالنسبة للذرّة، تدور حولها الكواكب السيارة، وهذه تمثل الإلكترونات في دورانها حول النواة، ثم الفراغ ما بين الشمس وكواكبها رهيب جداً، يشبهه الفراغ الذرّي، وهناك فرق بين الفراغ وبين الفضاء، أما الفضاء فمعناه وجود المادة والطاقة، وأما الفراغ الذرّي فهو بمعنى عدم وجود المادة والطاقة، وهذا هو الحاصل في كل من علاقة النواة بإلكتروناتها، وعلاقة الشمس بكواكبها.

قلتُ:

نحن نتكلم عن ناموس الحركة في الكون، وأنه لا سكون في هذا الكون، وبدأنا بأصغر الحركات ألا وهو حركة الإلكترون حول النواة، نريد شرحاً أوسع.

 

 

فقال:

أصغر وحدة لبناء الكون هي الذرّة، وأكبر وحدة هي المجرة، ومن الذرّة إلى المجرة فالنظام واحد تقريباً، فالخالق واحد، والذرّة في أبسط أشكالها عبارة عن نواة في المركز، وهذه النواة شحناتها موجبة، تدور حولها الإلكترونات السالبة، وعندنا النيوترون والبروتون، والفرق بينهما: أن البروتون شحنته موجبة، والنيوترون متعادل لا موجب ولا سالب.
وعدد البروتونات يجب أن يساوي عدد الإلكترونات عدداً، ويخالفها شحنة.

وقد قلنا: إن الذرّة معظمها فراغ، ونسبة المادة الصلبة إلى الفراغ في الكون كله عشر مليار، بمعنى أن المادة الصلبة نادرة في الكون تقريباً، وكذلك جسم الإنسان فإن نسبة المادة الصلبة إلى جسمه هي عشر مليار.

فمثلاً: الشمس: هي في المركز وحولها الكواكب السيّارة الخاصّة بها، وأقرب كوكب لها هو عطارد، والفاصل بين الشمس وبين عطارد 26 مليون ميل فراغ!!

يأتي بعد عطارد كوكب الزهرة، فما بين الزهرة والشمس 80 مليون ميل فراغ تقريباً.

ثم تأتي الأرض وهي تبعد عن الشمس 93 مليون ميل، وكل هذا فراغ!

كذلك زحل بينه وبين الشمس 888 مليون ميل فراغ!

وبلوتو بينه وبين الشمس 3700 مليون ميل فراغ!!

أين المادة الصلبة ؟! عشر مليار الكون مادة صلبة.

نأتي إلى الذرّة: نجد نفس النسبة؛ لأن الخالق واحد، فنجد أن كمية المادة الصلبة في الذرّة التي هي عبارة عن النواة والإلكترونات عشر مليار فقط، وهذا يفسر لنا: أننا عندما نأخذ حيواناً كبيراً كالجمل مثلاً، فإنه يخيل لنا أن حجمه كبير، والحقيقة أن حجمه كبير نتيجة الفراغ الموجود ما بين نواة ذراته والإلكترونات التي تدور حولها!

قلتُ:

فلو توقفت ذرات الجمل عن الحركة والدوران، ما الذي سيحدث؟

فقال:

تحدث كارثة، فنسبة المادة الصلبة في جسم الجمل إلى حجمة هي عشر مليار، فالجمل عبارة عن تريليون تريليون خلية، والخلية الواحدة تتألف من ملايين الجزيئات، والجزيء الواحد يتألف من ملايين الذرات، فعدد ذراته مهول! فإذن لماذا نراه كبيراً في أعيننا؟

نتيجة دوران الإلكترونات حول النواة في ذرات الجمل، فلو افترضنا جدلاً وقوف الإلكترونات في دورانها حول النواة، فالنواة ستجذب الإلكترونات، وينتهي الفراغ، وسيصبح الجمل عشر مليار حجمه الحقيقي!!

قلتُ:

كم سيكون حجمه عندئذ؟

فقال:

قام أحد العلماء بحساب ذلك، فقال إنه سيصبح عبارة عن فتلة طولها 8 سنتيمتر، وسمكها عبارة عن جزء من 50 جزء من المليمتر!! دون أن يفقد جراماً واحداً من كتلته! بمعنى أن هذه الفتلة تكون بنفس وزن الجمل الكبير، فلو كان وزنه 800 كيلو، فإن هذه الفتلة يكون وزنها 800 كيلو!

وفي الآية 40 من سورة الأعراف يقول الله تعالى: {إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سمّ الخياط}، وسمّ الخياط هو ثقب الإبرة، إذن لا يمكن واستحالة أن يدخل الكفار الجنة، لاستحالة دخول الجمل في سم الخياط.

فنفترض جدلاً أن الإلكترونات توقفت عن الدوران في الجمل، ففي هذه الحالة تنضغط الذرّة، وتصبح المادة الصلبة في الجمل عشر مليار حجمه الحقيقي، أي بحجم الفتلة، والفتلة من الممكن ادخالها في ثقب الإبرة بشكل مباشر، ولكن هذا لن يحدث أبداً، لأننا بدأنا بفرض مستحيل وهو توقف الإلكترونات عن دورانها حول النواة، وما بني على مستحيل فهو مستحيل.

قلتُ:

وماذا عن سرعة الدوران؟

فقال:

هو أمر لا يتخيله عقل بشري!

2200 كيلو متر في الثانية، كالمسافة ما بين القاهرة والكويت!!

إذن سرعة دوران الإلكترون حول النواة لا يتخيلها عقل بشري! بمعنى أنه يستطيع أن يسافر من الكويت إلى القاهرة في ثانية واحدة.

وسرعة دورانه سبعة آﻻف تريليون دورة في الثانية! لماذا؟ حتى لا تجذبه النواة، فيظل هذا الكون قائماً أمامنا وثابتاً، لكن لو حدث ذلك فإن الخلق كل الخلق سينتهي، وتنطبق السماء على الأرض، وهذه من حكمة الخالق سبحانه وتعالى.

 

 

قلتُ:

هل من الممكن أن ننتقل من الذرّة إلى المجرة؟ فلو سألنا: ماذا عن دوران القمر حول نفسه، وحول الأرض؟

فقال:

الحركة ناموس كوني، فالقمر يدور دورتين: الأولى حول نفسه، والثانية حول الأرض، ومدة دورانه حول نفسه 27 يوم وثلث، وأما مدة دورانه حول الأرض فهي 29 يوم ونصف، فالسنة القمرية 29 يوم ونصف، هذا الشهر القمري لو ضربناه في 12 فالناتج هو السنة القمرية 354 يوم ونصف، قالوا: إن السنة الشمسية أكبر فهي 365 يوم وربع، إذن السنة القمرية أقل من السنة الشمسية بحوالي 10 أيام وثلاثة أرباع، وهذا معناه أن رمضان الكريم يأتي متقدماً كل عام 11 يوم، وهذا يلاحظه كل الناس، وبالتالي فإن رمضان يمر على كل شهور السنة مرة كل 33 سنة، وتأتي جميع المواقيت بالسنوات القمرية قبل السنوات الشمسية بحوالي 11 يوم، فالكل يدور، وهل هذا الدوران طواف؟ وهل هذا الدوران تسبيح لله؟ ربما! {وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن ﻻ تفقهون تسبيحهم}.

فنجد أن مدة دوران القمر حول نفسه تعادل تقريباً مدة دورانه حول الأرض، فمدة دورانه حول نفسه 27 يوم وثلث، ومدة دورانه حول الأرض 29 يوم ونصف، وبالتالي فالقمر يقابلنا بوجه واحد فقط، ومن المستحيل أن نرى الوجه الثاني له، فنحن نرى من القمر ما يقارب 41 في المئة منه، وأما 59 في المئة منه فلا نراه إلا عندما دخلت البشرية غزو الفضاء، والروس أرسلوا إحدى المركبات الفضائية لتدور حوله، فكشفت لنا الوجه الثاني.

فالكل يدور إذن، والقاعدة الكونية الكلية تقول: إن الصغير يدور حول الكبير، لماذا؟ لأنه إن لم يدر فإن الكبير سيبتلعه ويحرقه، فلو لم تدر الأرض حول الشمس، فإن الشمس بجاذبيتها القوية ستبتلعها وتحرقها، فالخالق سبحانه وتعالى ألهم كل الكواكب، والمجرّات، والكوكيبات، والأقمار، بأن يدور الصغير حول الكبير حتى يمتص جاذبيته، ومع دوران الصغير حول الكبير يبقى عند الكبير طاقة رهيبة للجذب.

قلتُ:

فماذا يصنع الصغير في هذه الحال؟

فقال:

الخالق سبحانه وتعالى أمره أن يدور حول نفسه.

 

قلتُ:

لا يزال هنالك من يشكك أو يقول: لست ملزماً بالتصديق بأن الأرض تدور حول نفسها.

فقال:

هؤلاء الناس الذين لم يروا صورة الأرض كما صوروها من الواقع، ولم يدرسوا العلوم، فهم معذورون لأن الاعتقاد بالحركة بغير الإحساس بها يتحدى العقل البشري في صميم خبراته، لعجزه عن إدراكها.

قلتُ:

ما رأيك لو عدنا مرة أخرى إلى قوله تعالى: {والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم}؟

فقال:

على الرحب والسعة، وأنا أقول: كلمة تجري هذه لا يقولها إلا خالق!!

فالمفسرون القدامى جزاهم الله خيراً طبقوا جريان الشمس في مخيلتهم على الحركة الذاتية للشمس، والتي يرونها كل يوم تشرق من الشرق، وتغرب من الغرب، إلا أن القرآن قال {تجري}: أي جرياناً حقيقياً وليس مجازياً، حاملة معها أوﻻدها كلهم: أقمارها، ونيازكها، ومذنباتها، وتوابعها، وتوابع التوابع.

وكلمة تجري تدل على الحركة، بل وعظم هذه الحركة؛ لأن الجري أدل على السرعة من المشي أو السير، ثم إن العلماء ككريستيان دوبلر صاحب الظاهرة المعروفة بظاهرة دوبلر 1842 أثبت أن الشمس تجري حقيقة، وحدد أمرين: سرعتها، واتجاه جريانها، فسرعتها تساوي 19 كيلو متر في الثانية، وأما اتجاهها فهي تجري تجاه كوكبة تسمى كوكبة هرقل، في نقطة معينة بجانب نجم يسمى بالعربي النسر الواقع.

وأما مستقر الشمس فهذا غيب من غيوب الله تعالى، لا يعلمه إلا هو، ولكن هذا المستقر يعني انتهاء الشمس، أو وفاة الشمس، وهي وفاة ثابتة علمياً!!

قلتُ:

هل الشمس ستموت؟!

فقال:

طبعاً، فكل مخلوق لا بد أن يموت، فالشمس نجم صغير بالنسبة لنجم القيطس، أو نجم بيت الجوزاء، فلو قطعتنا هذه النجوم فإنها تعمل 30 مليون شمس مثل شمسنا حجماً وكتلة!!

ولو قارنّا شمسنا بشمس أخرى اسمها شمس ميرة في كوكبة الحوت، فلو قطعنا شمس ميرة شموساً مثل شمسنا، فإنها تعطينا 64 مليون شمس كشمسنا!!

على أية حال فالشمس تجري لمستقر لها، والشمس تدور دورات عديدة، تدور حول نفسها، فاليوم الشمسي ينتج من دوران الشمس حول نفسها دورة كاملة، في مدة 27 يوم أرضي، إذن اليوم الشمسي يعادل الشهر القمري تقريباً؛ لأن الشمس تدور حول نفسها دورة كل27 يوم وثلث، والقمر يقطع مساره حول الأرض في 27 يوم وثلث، فاليوم الشمسي يعادل الشهر القمري.

ثم إن الشمس تجري لمستقر لها بسرعة 19 كيلو متر في الثانية، ولكنها تدور حول المجرة بسرعة 2200 كيلو متر في الثانية، وهي سرعة رهيبة جدًّا، والشمس بعد ذلك تدور حول المجرة.

ولاحظ تنكير كلمة لمستقر لها فهي تدل على شيئين: عظم شأنه، وهول آثاره، وأما تقدير فتعني الحساب والإرادة.

قلتُ:

وهل هناك كواكب أخرى تتحرك وتطوف؟

فقال:

بالطبع؛ ونبدأ بعطارد، وهو أقرب الكواكب إلى الشمس، وبعد عطارد الزهرة، ثم الأرض، ونلاحظ أن الزهرة والأرض كوكبان توأمان؛ لأن كتلتهما وحجمهما تسعة من عشرة، فهما قريبان جداً من بعضهما، وبعد ذلك هناك المريخ، وكل كوكب من هذه الكواكب له اسم، فعطارد يسمى الكوكب الأقرب أي إلى الشمس، والزهرة يسمى الكوكب التوأم، والأرض تسمى الكوكب الأزرق، والمريخ يسمى الكوكب الأحمر، والمشتري يسمى الكوكب الأكبر.

أما العلاقة بين المشتري وبين الأرض فهي كالتالي:

أحضر ظرفاً من الظروف الصفراء الكبيرة، وأحضر طابع بريد طوله سنتيمتر، وعرضه سنتيمتر، ثم ألزق الطابع على الظرف، فلو كان المشتري هو الظرف، فالأرض هي الطابع؛ لأن المشتري أكبر من الأرض 318 مرة حجماً وكتلة!

ثم يأتي بعد المشتري الكوكب الأجمل وهو زحل، وبعد زحل يأتي أورانوس، وأورانوس يدور حوله 15 قمراً، ثم نبتون ويدور حوله خمسة أقمار.

وكل الكواكب الداخلية بدءً من عطارد، والزهرة، والأرض حتى المريخ، هي كواكب صلبة، يستطيع الإنسان الوقوف عليها، أما الكواكب الخارجية بدءً من المشتري، وزحل، وأورانوس، ونبتون، فهي كواكب غازية، أي عبارة عن غازات، ثم يأتي بلوتو وهو كوكب صلب، فالكل في حالة دوران.

{والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم. والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم. لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون}، فما معنى لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر؟

لأن للقمر مداراً محدداً، وللشمس مداراً محدداً، فمدار القمر حول الأرض، ومدار الشمس حول المجرة، فلا يمكن أن يكون هناك لقاء بينهما، ولذلك لا يقول هذا الكلام إلا خالق!

قلتُ:

وماذا تعتبر هذا الدوران؟

فقال:

أنا أعتبره تسبيحاً أو طوافاً!

قلتُ:

وماذا عن اتجاه هذا الطواف؟ هل اتجاهات الدوران متعاكسة؟ أم متوافقة؟ سواءً في الذرّة أو في المجرة؟

فقال:

فطرة الله التي فطر عليها خلقه من أصغر اللبنات لأكبر الوحدات، من الذرة إلى المجرة، واحدة، فالدوران فيها من الشمال إلى اليمين، أي ضد حركة عقارب الساعة، أو من الغرب إلى الشرق.

قلتُ:

نقل الإمام الشاطبي في كتابه الإفادات في سبب الطواف حول الكعبة من الشمال إلى اليمين أحياناً عن بعض العلماء قوله: لأن القلب على جهة اليسار، فجعل الشق اليسار الذي هو محل القلب إلى جهة البيت؛ ليكون أقرب، موافقة لقوله تعالى: {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم}.

وهناك أجوبة كثيرة على هذه المسألة، ونحن كمسلمين إن لم نجد الحكمة من ذلك، فنحن مستسلمون؛ لأننا مؤمنون بأن هذا الدين حق، وأن الأوامر الإلهية أوامر تكليفية لا يشترط فيها معرفة الإنسان للحكمة منها حتى ينفذها، إلا أن اكتشاف الحكمة، والتسلي بها، أمر جميل، والسؤال: ما الذي توصلت إليه في قضية الطواف حول الكعبة من الشمال إلى اليمين؟

ولنضع في عين الاعتبار أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن في كل شيء، والكعبة رمز الإيمان، والاستسلام، والوحدة، والقبلة، فكان المتوقع أن يكون الطواف من اليمين، لكن الأمر جاء بخلاف ذلك!!

 

فقال:

الوضع الحالي في الطواف حول الكعبة يحقق القاعدة الإسلامية في التيامن! وسأشرح ذلك:

بعض الناس يقولون: لماذا نطوف حول الكعبة من اليسار إلى اليمين؟

فيقال: حتى أجعل الكعبة في قلبي!

أنا أقول: كلاّ، فأنا لا أريد أن أجعل الكعبة في قلبي، بل أريد أن أجعل رب الكعبة في قلبي! فأنا لا أعبد الكعبة، ولكني أعبد رب الكعبة، فهي مسألة رمزية.

أما التفسير الصحيح لذلك فهو الانسجام مع الفطرة في الكون كله، حيث الدوران من الغرب إلى الشرق، أو من الشمال إلى اليمين، والكعبة عبارة عن جسم موجود، ولكي أطوف حوله سأجد شيئين: مركز القوة، واتجاه الحركة.

أما مركز القوة فهي الكعبة، وأما اتجاه الحركة فهي أنك إما أن تدور من اليمين إلى الشمال، أو من الشمال إلى اليمين، والقاعدة الإسلامية هي التيامن، فإذا درتُ من اليمين إلى الشمال، فإن مركز القوة سيكون على يميني، واتجاه الحركة إلى الشمال، وبالتالي سأكون قد خالفت القاعدة الإسلامية التيامن.

أما إذا طفتُ من جهة اليسار أي جعلتُ مركز القوة على يساري، إذن اتجاه الحركة سيكون على يميني، فأنا أكون قد حققت القاعدة الإسلامية في التيامن.

ومن الأمثلة على ذلك: الجري في ملاعب الكرة يكون من الغرب إلى الشرق، أي بنفس اتجاه الطواف حول الكعبة، كذلك حركة الدم في الجسم تكون من الشمال إلى اليمين، أو من الغرب إلى الشرق، بنفس اتجاه حركة الطواف حول الكعبة.

كذلك السيارات في دورانها في الدوارات تجدها من الشمال إلى اليمين، بنفس اتجاه الطواف حول الكعبة، والإعصار كذلك يدور حول نفسه من الشمال إلى اليمين، بنفس اتجاه الطواف حول الكعبة، أيضاً الحيوانات المنوية في دورانها حول البويضة كلها تدور من الشمال إلى اليمين، بنفس اتجاه الطواف حول الكعبة المشرفة.

قلتُ:

من علامات الساعة المتواترة: أن الشمس تخرج من مغربها، ونحن نؤمن بأن للكون نواميس، والله سبحانه وتعالى هو الوحيد الذي يستطيع أن يخرق هذا الناموس، إلا أنه نتيجة الحضارة المادة الطاغية، وإفرازاتها النكدة تجد البعض ربما ينكر ذلك، بل ويسخر من القائلين به، فماذا ترى؟

 

 

 

فقال:

خالق الناموس قادر على خرق الناموس، مثال: {يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم}، فكيف لنار بل جبال من النار أن تكون برداً وسلاماً على إبراهيم؟ فهذا خرق للناموس.

كذلك عصا موسى خرق للناموس، فهي عصا من خشب، تصبح ثعبان بالمادة الحية للثعبان! ثم ترتد إلى سيرتها الأولى!! هذا خرق للناموس.

ناقة صالح خرق للناموس كذلك، وهكذا.

قلتُ:

ولكن نحن نريد الإجابة على هذا الحديث من أن الشمس تشرق ليس من مشرقها كما اعتاد الناس في  الطبيعة، وكما هو الواقع، وكما هو الفلك، بل من المغرب!!

فهل أنتم تضحكون على عقولنا؟ طبعاً هذا كلامهم!

فقال:

بلا شك فهذا حديث صحيح.

وشرح ذلك أن الكرة الأرضية تدور بنفس اتجاه الدوران حول الكعبة، وهو من الغرب إلى الشرق، ومن الشمال إلى اليمين، منذ أن خلقها الله تعالى، ولكن هناك عوامل تحاول أن تكبح هذا الدوران بشكل ما، وهي أربعة عوامل:

أولاً: قوى المد والجزر، فالقمر يجذب الماء، ويجعله يرتفع لأعلى، ويحدث المد، فالأرض تدور وتأخذ الماء بعيداً عن القمر، وتدريجياً يهبط الماء فيحدث الجزر، فهذه العملية تعطل دوران الأرض قليلاً.

ثانياً: هبوب الرياح في عكس اتجاه دوران الأرض حول نفسها تبطيء الدوران.

ثالثاً: تمدد الأرض وانكماشها، هذا يقلل من قطر الأرض عدة أقدام، وهي وإن كانت قليلة، إلا أنها تعيق الدوران.

ملاحظة: لم يذكر العامل الرابع.

فهناك عوامل تعيق الدوران تقدر في مجملها بستة أجزاء من مئة مليون جزء في الثانية الواحدة، في اليوم الواحد! أو اثنين جزء من ألف جزء كل مئة سنة!

فهو تعطيل بسيط لكنه على كل حال تعطيل له أثره.

وعليه: فبعد خمسة بلايين سنة سيكون طول اليوم 43 ساعة، وبعد عشرة بلايين سنة كذا ووو إلخ..

إذن ستبطئ الأرض في الدوران إلى أن تكاد تتوقف، وعندئذ ينعكس دورانها بدلاً من الغرب للشرق، يصبح من الشرق للغرب، فإذا دارت الأرض حول محورها من الشرق للغرب، فإن كل الناس الموجودين عليها آنذاك سيرون الأرض تشرق من مغربها!!

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى