بيني وبينكم 2010

بينى وبينكم 2010 الحلقة الثالثة المسئولية ج 1

المسؤولية ج1

المسؤولية وما أدراك ما هي المسؤولية؟

ما هو تعريف المسؤولية لغة؟

ما هو تعريف المسؤولية اصطلاحاً؟

ما هي النصوص القانونية التي تحدثت عن المسؤولية؟

هل يحتاج المواطن إلى هذا الكلام؟

هذا موضوع واقعي عملي، موضوع ملازم للإنسان منذ أن يعي على ذاته، بعد أن ينتقل من مرحلة الطفولة، إلى مرحلة ما يُلزَم به من واجبات.

لماذا نطرح موضوع المسؤولية؟

لأننا بدأنا نحس في واقعنا المعاصر أن كثيراً من الناس بدأوا لا يتحملون مسؤولياتهم، بل ويتخلون عنها: مسؤولية البيت، ومسؤولية الوظيفة، ومسؤولية التعليم، والمسؤولية تجاه المجتمع، والمسؤولية في الشارع، والمسؤولية في الملعب، والمسؤولية في المتجر، والمسؤولية في السوق، والمسؤولية الأمنية، والمسؤولية الصحية، والمسؤولية الحياتية!!

دعونا نعالج هذا الموضوع في البداية من خلال نماذج عملية نحسها في حياتنا:

الموقف الأول:

جاءني اتصال من أم فاضلة تقول لي: عندي ولد، توظف والحمد لله، إلا أنه بعد مرور شهرين من تعيينه أصبح لا يذهب إلى العمل، وينام، فأقول له: يا بني إنك تعرض نفسك للفصل من العمل بذلك، ونحن قد ضاقت بنا الحيل حتى تيسر أمرك، ورزقتَ بهذه الوظيفة. فيجيبني بأن مسؤوله في العمل صديق له، وهو يعلم بذلك، وقد سمح له!! إلا أنني أشعر أن هذا الأمر خطأ، وأن الراتب الذي يأخذه من العمل حرام، وأنا لا أريده أن يأكل حراماً، ولا أن ينفق علينا من الحرام، فهل يجوز مثل هذا الفعل يا دكتور؟

فقلت لها: إطلاقاً لا يجوز، بداهة لا يجوز، بل حتى الطفل الصغير يعرف أن الإنسان عندما يأخذ حقاً، فإنه ملزم بأن يقوم في مقابله بواجب، فهذا الفعل لا يجوز قانوناً ، ولا يجوز ديناً، ولا يجوز أخلاقياً، ولا يجوز مروءة.

أين مسؤولية هذا الابن؟ بل السؤال الأكبر: أين مسؤولية مسؤوله؟! وسؤال آخر: أين شعور البقية من الموظفين بالمسؤولية؟

هذه صورة من صور اللامسؤولية، ومن صور الخيانة الوظيفية.

 

الموقف الثاني:

عائلة مكونة من أب وأم، وستة أبناء، وطفلة صغيرة، وهؤلاء الأبناء الستة كلهم يقود سيارة، والأب والأم قد كبرا في السن، تقول الأم: هل يجوز أن يكون عند أبنائها سيارات، والله تعالى منعم عليهم، ومع ذلك يتركون أمهم الصبح تأخذ يد الطفلة الصغيرة، وتمشي كذا كيلو كي توصل ابنتها الصغيرة إلى مدرستها؟!!

أين المسؤولية؟!

الموقف الثالث:

يسألونها أين أنت يا أم فلان؟ فقالت: زوّجتُ ابنتي الثالثة، وأنا أذهب كل يوم لبيتها لتعليمها كيف تطبخ!!

أين كانت هذه الفتاة قبل زواجها؟ ولماذا لم تتعلم طوال تلك السنين فنون الطبخ من والدتها؟

الموقف الرابع:

في عودتي من رحلتي من جاكرتا، والتي تستغرق سبع ساعات ونصف بالطائرة، وكان برفقتي أحد الأخوة الفضلاء، وهو رئيس لجنة آسيا في الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، هبطت الطائرة في مطار أبو ظبي الساعة الواحدة ليلاً ترانزيت، لننتقل بعدها إلى الطائرة التي تحملنا إلى الكويت، مكثنا في المطار قرابة الساعتين، وأثناء انتظارنا جاءت مجموعة من شباب وفتيات صغار السن لا يتجاوزون الثامنة عشرة من أعمارهم، فلما رأوني عرفوني، فجاؤوا مسلِّمين، وإذا بهم من أولادنا، وعندما سألتهم عن وجهتهم التي جاؤوا منها، فإذا بهم عائدون من ماليزيا، والتي استغربته أنه لم يكن معهم أحد من أقاربهم، وإنما فيما يظهر مجموعة من المدرسين العرب، وغير العرب!! ولما سألتهم عن سفر هذا السفر، تبين أنهم من الطلبة المتفوقين في دراستهم، وقد أحبت مدرستهم مكافأتهم على هذا التفوق فأرسلتهم في هذه الرحلة!! إلا أن الذي آلمني كثيراً إضافة أن الفتيات يسافرن بدون محرم لهن، أن الأوضاع كانت مفتوحة بينهم بشكل كبير، وبطريقة تدعو للاستهجان، لأنها بعيدة عن ديننا، وقيمنا، وأخلاقنا، وعاداتنا، فالشاب يمازح البنت، ويضاحكها وتضاحكه، بل ويجلسون بجوار بعضهم البعض، بلا فاصل، أو حاجز، بل من المشاهد الذي أزعجتني غاية، أننا أثناء انتظارنا ختم الجوازات إذا بأحد المدرسين الأجانب يمازح إحدى الفتيات فيوجه لها ضربة خفيفة على بطنها!! يا الله! ألهذا الحد وصلت أحوالنا؟! أين أولياء الأمور؟ أين المسؤولية؟

نحن لدينا قيم، ولدينا هوية، وعندنا أحكام ننتمي إليها، تمنعنا من مثل هذه التصرفات، وفي الوقت نفسه نحن نريد لأولادنا التعليم الجيد، والتربية الجيدة، والتحصيل العلمي الممتاز، وأن تكون مستوياتهم المعرفية عالية، وأصيلة، ليكون لهم دورهم في الحياة، ولكن ماذا لو حدث تشاكس، وتناقض بين أن يكون تحصيل ابني أو بنتي أو ابن مجتمعي، العلمي جيداً، لكنه على حساب القيم، والمبادئ، والشخصية؟

في الحقيقة لقد حزنتُ كثيراً على ما رأيت، وما سمعت، فما هكذا تكون العلاقات، ولا هكذا تكون الرحلات، وفي الوقت نفسه نظرتُ إلى هؤلاء نظر المشفق، لأن تلك البنت قد تكون ابنتي، أو أختي، وقد تكون بنت أخي، أو بنت جاري، أو بنت عمتي، أو بنت خالي، أو بنت خالتي، ولذلك فأنا عندما أنظر إلى ظاهرة سلبية سواءً كانت من الدرجة الوسطى، أو الحادة، أو الضعيفة، فأنا أنظر إلى هؤلاء على أنهم أبناء المجتمع، وواجبنا تجاههم كبير جداً، بل حتى من يتعاطى المخدرات من هؤلاء!

نحن ملزمون بهم نصحاً، وإرشاداً، بل وعقوبة أيضاً، كل حسب مشكلته، وطبيعة الإشكال الذي وقع به، فنحن بين نظرة الرحمة، والشفقة، والمحبة، وبين نظرة الإدانة للخطأ.

وهنا أسأل سؤالاً مهماً: أين مسؤولية وزارة التربية؟ أين مسؤولية التعليم الخاص؟ أين مسؤولية إدارة المدرسة؟ أين مسؤولية الوالدين؟ أين مسؤولية الذات (الشخص نفسه)؟ أليس الواجب أن يكون هناك تكامل في قضية الإرشاد في تحمل المسؤولية؟

هذه مسألة.

مسألة أخرى في قضية المسؤولية، فأقول:

أنت إنسان إذن أنت مسؤول، هذا إذا كنت إنساناً، وعندك ملكة العقل، ومن ثم نقول: إن المجنون ليست عليه مسؤولية، والقرآن الكريم لا يركز على البعد الفردي، وإنما يركز على البعد الجماعي أولاً، فيقول الله تبارك وتعالى في المسؤولية الجماعية: {وتعاونوا على البر والتقوي ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}، فمن واجبات المجتمع أن نتعاون، ولكن على ماذا؟ على البر، وعلى التقوى، وعلى الخير، وعلى المعروف.

ثم إذا نظرنا إلى المسؤوليات في القرآن الكريم نجد:

مسؤولية الملكات: {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً}.

ثم المسؤولية الكلامية: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}.

ثم المسؤولية الفعلية: {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره}.

وإذا أتينا إلى سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم نجده يقول: (كلكم راع، وكل راع مسؤول عن رعيته).

إذن كلنا مسؤولون، وحتى تكون مسؤولاً إذن أنت إنسان، وحتى تفهم مسؤوليتك يجب أن تفهم طبيعة إنسانيتك! فمن أنت؟ ومن أين أتيت؟ ولماذا أتيت إلى هذا الوجود؟ ومن الذي جاء بك؟ وما هي مهمتك؟ وما هو المسير؟ وإلى أين المصير؟

هذه الأسئلة التي قام وقعد حولها الفلاسفة، والإلهيون، والقانونيون، والأخلاقيون، وكل أصحاب الفكر.

ومن خلال إجابتك على تلك الأسئلة، فإنك تبني مسؤولياتك العامة، وفهمك للحياة، وتأتي المسؤوليات الخاصة بعد ذلك.

أما نحن في ديننا فنجد أن القرآن الكريم في أول تنزيل له على الإنسان عرفه بذاته، فقال الله تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق}.

 وعندما نقرأ قصة آدم عليه السلام، وخطاب الله سبحانه وتعالى للملائكة بالسجود له، واختيار هذا الإنسان ليكون خليفة في الأرض: {إني جاعل في الأرض خليفة}، نتساءل: لماذا؟ وما هي مهمة هذا الخليفة؟ وما الفرق بينه وبين الملائكة، وبين غيره من الكائنات الأخرى؟

نقرأ في سورة المؤمنون عند الحديث عن المضغة، والعلقة، إلى آخره… ونقرأ بعد ذلك صفات الإنسان، هذا الإنسان الذي يطمع، والذي يحب الجدل، والذي يحقد، والذي يحسد،،،،

إذن يجب أن تعرف ذاتك، وهذا الكلام الذي نقوله مهم للغاية؛ لأنه ليس كل الناس يؤمنون بذلك، فالمؤمنون من أهل الكتب السماوية يؤمنون بقصة الخلق، لكن الماديين الذي يؤمنون بأن الإنسان، والقرد، نبعا من الطبيعة، وأن الحياة تولدت من اللاحياة، عبر آلاف ملايين السنين، وأن الإنسان والقرد من أصل واحد، أو نسل مشترك، فهؤلاء نقول لهم كما قال المفكر الكبير علي عزت بيجوفيتش في كتابه: (الإسلام بين الشرق والغرب): ليس الإنسان مفصلاً على طراز دارون، وليس الكون مفصلاً على طراز نيوتن!

علي عزت بيجوفيتش لا يناقش دارون نقاشاً بيولوجياً علمياً، وإنما يهدم الدارونية، ودارون من خلال نقاش من نوع آخر، يكشف عجز هذه النظرية عن تفسير الظاهرة الإنسانية المتمثلة في هذا الإنسان الذي يضحي من أجل الآخرين، وظاهرة الفن، والجمال في الإنسان، تلك الظواهر التي ﻻ يستطيع الدارونيون الإجابة عنها بحال.

إذن، الإنسان كائن مخلوق لله سبحانه وتعالى، وهو مكلف بالمسؤولية.

ولكن:

ونحن نتحدث عن تحمل المسؤولية: هل اكتفى القرآن الكريم بتعريف الإنسان بذاته؟

كلا، وإنما أراد منه أن يكون شيئاً، فماذا أراد؟

كل الدول، وكل النظم تريد من الإنسان أن يكون مواطناً صالحاً، لكنهم يختلفون بعد ذلك في تشخيص، وسمة هذا المواطن الصالح!

فهل هو ذلك الإنسان شاكي السلاح، المستعد للهجوم أو الدفاع عن بلده؟

هذه صورة للمواطن في بعض الدول.

أم أن المواطن الصالح هو ذلك الذي يلتزم التزاماً قانونياً حرفياً بالدستور، وقوانين البلد، والنظام العام؟

أم أن المواطن الصالح هو ذلك الذي يفنى في شخصية القائد كما أرادت النازية، وهتلر؟

أم أن المواطن الصالح هو ذلك الإنسان المسالم؟

أم أن المواطن الصالح هو ذلك المترهبن في صومعته، أو مسجده؟

من هو المواطن الصالح؟

في الحقيقة أن الإسلام لا يقف عند قضية المواطن الصالح، وإنما يوسع الأفق والدائرة؛ لكي يطلب منك أن تكون إنساناً صالحاً، لا مواطناً صالحاً.

ولكن لماذا ذلك؟

لأن المواطن الصالح قد يكون مواطناً صالحاً في بلده، لكنه عندما يخرج خارج بلده، فإنه يخون، ويغش،  وينتهك الحرمات، ويكسر المعايير، ويستعمر البشر، بل ويحول الناس كما هو النظام الدولي الجديد المتطور الحضاري الديموقراطي حول إفريقيا إلى مقلب قمامة لدفن النفايات!!

اقرأوا ماذا تكتب المجلات العالمية، والبحوث بهذا الشأن والخصوص.

أما الإسلام فإنه يريد منك أن تكون إنساناً صالحاً، فأنت صالح في بلدك، وأنت صالح خارج بلدك.

إذن بحسب تصورك لذاتك، ومكانتك، يكون تحملك لمسؤولياتك.

هذا سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه، الصحابي الجليل، آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، ولما تفرق الصحابة في البلاد بعد الفتوحات أرسل أبو الدرداء إلى سلمان الفارسي يقول له: هلم إلى الأرض المقدسة، حيث كان أبو الدرداء في الشام، وسلمان في العراق، فأرسل إليه سلمان إجابة بليغة، فقال له: يا أبا الدرداء إن الأرض لا تقدس أحداً، وإنما يقدس الإنسان عمله.

فعملك أيها الإنسان هو الذي يقدسك.

وقد علق شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع فتاواه على هذا الأثر بقوله: وكان سلمان أفقه من أبي الدرداء في أشياء من جملتها هذا.

فالإنسان بقيمه، وأخلاقه، لا بجنسيته، ولا بأي انتماء آخر يتفاخر فيه على الناس، وهي قضية أغلب ما تكون جبرية، بمعنى أنه ليس لك يد في جنسيتك، أو شكلك، فلماذا التفاخر إذن؟!!

في أحد الأيام آلمني ضرسي بشكل لم أستطع التحمل، فذهبت إلى طبيب أسنان صديق لي، في عيادة له في أحد المجمعات التجارية، وقد وصلت على آذان المغرب، فقلت أصلي أولاً في مصلى المجمع، ثم أدخل إلى الطبيب، وعندما التحقت بالمصلين كان الذي يؤم الناس ذا صوت خاشع، فلما انتهت الصلاة، استدار الإمام يسبّح الله، واستغرق بالتسبيح، نظرت إليه وإذا به شاب ثلاثيني متوسط القامة، نحيل الجسد، حنطاوي البشرة، خفيف شعر الخدين، هاديء الطبع، منكسر، فلما انتهى من التسبيح ذهبت إليه، وسلمت عليه، قلت: له ما اسمك؟ قال: فلان؟ قلت: من أين؟ قال: أنا من كيرلا في الهند! قلت له: أين حفظت القرآن؟ قال: في الهند.

نظرت إلى ملابسه فإذا مكتوب عليها: عامل نظافة!!

نعم، إنه شاب هندي فقير، يعمل في صنعة متواضعة جداً، ولكن من الذي صلّى خلفه؟!

مستشارون، وأطباء، وأستاذ جامعي، ورجل أعمال، ومدير شركة، الخ…

كلهم صلوا وراءه!!

عجبتُ كيف أعطانا الإسلام هذا الذوبان في التواضع؟!

وبعدها سألت عنه في المجمع الذي يعمل به، وإذا بهم يحبونه جميعاً، فهو معروف عندهم؛ لأنه يقوم بأتم مسؤولياته، فالكل يحبه.

قلت:

فأيهما أفضل؟

هذا الفقير المتواضع الذي تحمل مسؤوليته، أم ذاك المواطن الجشع السارق الغشاش الذي لا يداوم في وظيفته؟

دعونا نتعلم المعايير الصحيحة، فنحن نريد الإنسان الصالح، وليس فقط المواطن الصالح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى