بيني وبينكم 2010

بينى وبينكم 2010 الحلقة الثامنة المناظرات ج 2

المناظرات ج2

فإن قال قائل: وما هي آداب المناظرة، والأخلاق التي يجب أن يتحلى بها الطرفان أثناء المحاورة، فنحن نشاهد كثيراً من المناظرات لا تمت للأدب والخلق بصلة، بل هي عبارة عن حلبة صراع، تستخدم فيها كافة الأسلحة الخفيفة والثقيلة، بل بتنا نشاهد السباب والشتائم المقذعة أمراً عادياً بين المتناظرين! بل زاد الأمر في بعض المناظرات إلى الاشتباك في الأيدي، والضرب بالأحذية، وغيرها، أمام الملايين من المشاهدين! بل إن مما يؤسف له أن يكون بعض من تقع منه تلك الممارسات الشاذة من أصحاب الالتزام الديني، والسمت الإسلامي!!

ولذلك قيل: إذا أردت أن تهزم إنساناً فأغضبه، فإنه إذا غضب غُلب! هكذا تقول الحكمة.

وتعالوا بنا نتكلم عن آداب المناظرات:

أولاً: الاحتراز من الإيجاز، والاختصار المفضي إلى عدم وضوح الحجة، فالفكرة يجب أن تشبع بياناً، وتوضيحاً.

ثانياً: الإطالة الزائدة عن الحاجة التي تشتت الفكرة، وتضيع الموضوع، وتجعل المستمع حائراً، لا يدري أين البداية من النهاية!! وقد ذكر الإمام الجويني رحمه الله تعالى: أن الخصم قد يلجأ أحياناً إلى الإطالة؛ من أجل أن يوحي إلى الآخرين أن عنده غزارة علم!! فكثرة الكلام والتطويل لا تعني غزارة علم بالضرورة، ولكنها تعني في كثير من الأحيان أن المتكلم غير مركز، وأنه مشتت الذهن!!

ثالثاً: عدم استعمال الألفاظ الغريبة، فالرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن التفيقه والتشدق في الكلام، ولكن إذا مرت بك لفظة صعبة أو غريبة وأنت تنقل نصاً من كلام المتقدمين، فيجب عليك أن تشرح هذه اللفظة.

رابعاً: عدم استعمال الجمل المحتملة لأكثر من معنى.

خامساً: الاحتراز من الخوض فيما لا دخل له في المقصود من الحوار والمناظرة.

سادساً: عدم مناظرة من له هيبة في أعين الناس، سواء أكان عالماً أو سلطاناً، لماذا؟ لأنه كما قيل: (إذ هيبة الخصم ربما تزيل دقة نظره، وحدة ذهنه)، وهذا النص مأخوذ من الرسالة الشريفية للرشيد الجونغوري، فالهيبة قد تجعلك ترتبك، ولا تركز، وتكون لديك حسابات ثانية.

سابعاً: عدم الاستهانة بالخصم، فإذا استهنت به، فإنك لن تستعد له الاستعداد الكافي، ولن توصل رسالتك، وربما يقول كلاماً يربكك فيه.

ثامناً: عدم رفع الصوت، فكثير من الناس يغلبك برفع صوته.

تاسعاً: الإخلاص لله سبحانه وتعالى، وهذه نقطة مهمة، فليس الهدف من المناظرة هو الانتصار للنفس، ولا من أجل تبكيت الآخر، وإظهاره بأنه ضعيف علمياً، أو إضحاك الناس عليه، أو أي قصد آخر، وإنما القصد إخلاص النية بتوصيل الخير له، وهدايته للحق.

عاشراً: إنصاف الخصم، وهذا خلق يندر وجوده في حق الأصحاب، والأصدقاء، فكيف في حق الخصم؟! فلنبحث عن هذا الإنصاف الذي بدأ يغيب، فما أقل الإنصاف في أيامنا، كما قال الإمام مالك في القرن الثالث.

حادي عشر: أن يكون الطرفان على قدر متقارب من العلم، فلا تصح مناظرة الجاهل، وصدق الإمام الشافعي حين قال: (ما ناظرني جاهل إلا غلبني، وما ناظرني عالم إلا غلبته).

ثاني عشر: حسن الاستماع، والإقبال على الخصم، فمن الضروري أن يكون المناظر مستمعاً جيداً لما يأتي به خصمه، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستمع للجاهلين، والمعاندين، ورؤوس القوم، وعبارته معروفة في ذلك: انتهيتَ؟

ثالث عشر: التلطف مع الخصم في المجادلة بالحسنى، ولكن أين هذا الإنسان الذي يتلطف؟!!

رابع عشر: وأخيراً وهذا أدب كبير جداً: أن يراعي قدر مناظره، ومنزلته، وينزل كل مناظر درجته، فيفرق بين المسترشد، والأستاذ، فأنا عندما أناظر شاباً أشفق عليه؛ ولكن عندما أناظر أستاذاً كبيراً أقول له: يا سيدنا، يا أستاذنا؛ لأن هناك أدبيات في طرق الحوار والكلام.

إذن هذه آداب مطلوبة جداً في قضية المناظرات.

من المناظرات المهمة والجميلة، والتي تدل على سعة علم، وفطنة شديدة، وذكاء وقاد، مناظرة الإمام العلم الكبير أبي بكر الباقلاني، إمام المذهب المالكي، لملك الروم، حين بعث من قبل ملك المسلمين لفكاك أسرى المسلمين، فكان مما قاله ملك الروم: هذا الذى تدعونه في معجزات نبيكم من انشقاق القمر، كيف هو عندكم؟

فقال الباقلاني: هو صحيح عندنا، انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأى الناس ذلك، وإنما رآه الحضور ومن اتفق نظره إليه في تلك الحال.

فقال الملك: وكيف، ولم يره جميع الناس؟!

فقال: لأن الناس لم يكونوا على أهبة ووعد لشقوقه وحضوره.

فقال له: وهذا القمر بينكم وبينه نسبة قرابة؟ لأي شيء لم تعرفه الروم وغيرها من سائر الناس، وإنما رأيتموه أنتم خاصة؟!

فقال الباقلاني: فهذه المائدة بينكم وبينها نسبة؟ وأنتم رأيتموها دون اليهود، والمجوس، والبراهمة وأهل الإلحاد، وخاصة يونان جيرانكم، فإنهم كلهم منكرون لهذا الشأن، وأنتم رأيتموها دون غيركم؟

فتحير الملك، وقال بكلامه: سبحان الله.

ثم إن الباقلاني قال لبعض المطارنة: كيف أنت؟ وكيف الأهل والأولاد؟ فقال له الملك وقد عجب من قوله: ذكر من أرسلك في كتاب الرسالة أنك لسان الأمة، ومتقدم على علماء الملة! أما علمت أننا ننزه هؤلاء عن الأهل والولد؟ فقال الباقلاني: أنتم لا تنزهون الله سبحانه وتعالى عن الأهل والأولاد، وتنزهونهم؟! فكأن هؤلاء عندكم أقدس وأجل وأعلى من الله سبحانه وتعالى!

فسقط في أيديهم، ولم يردوا جواباً.

ثم قال له الملك: أخبرني عن قصة عائشة زوج نبيكم، وما قيل فيها؟

فقال الباقلاني: هما اثنتان، قيل فيهما ما قيل: زوج نبينا، ومريم ابنة عمران، فأما زوج نبينا فلم تلد، وأما مريم فجاءت بولد تحمله على كتفها، وكل قد برأها الله مما رميت به.

فانقطع الملك ولم يحر جواباً.

وفي كتاب: “نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة” للإمام المؤرخ الكبير أبي علي التنوخي، ساق قصة جميلة للخليل بن أحمد الفراهيدي، تدل على سعة علمه، وقوة حجته، وحضور ذهنه، حيث يقول الخليل:

اجتزت في بعض أسفاري، وأنا متوجّه، براهب في صومعة، فدققت عليه، والمساء قد أزف جدًّا، وقد خفت من الصحراء، وسألته أن يدخلني.

قال: فقال: من أنت؟

فقلت: أنا الخليل بن أحمد.

فقال: أنت الذي يزعم الناس أنك وجه، وواحد في العلم بأمر العرب؟

فقلت: كذا يقولون، ولست كذلك.

قال: إن أجبتني عن ثلاث مسائل، جواباً مقنعاً، فتحت لك، وأحسنت ضيافتك، وإلّا لم أفتح لك.

فقلت: وما هي؟

قال: ألسنا نستدل على الشاهد بالغائب؟

قلت: بلى.

قال: فأنت تقول: إن الله تعالى ليس بجسم، ولا عرض، ولم نر له مثلاً، فبأيّ شيء أثبتّه؟.

وأنت تزعم: أنّ الناس في الجنّة يأكلون، ويشربون، ولا يتغوّطون، وأنت لم تر آكلاً، شارباً، إلّا متغوّطاً.

وأنت تقول: إنّ نعيم أهل الجنّة لا ينقضي، وأنت لم تر شيئاً إلّا منقضياً.

قال: فقلت له: بالشاهد الحاضر، استدللت على ذلك كلّه.

أمّا الله تعالى، فإنّي استدللت عليه، بأفعاله الدالة عليه، أنّه لا مثل له، وفي الشاهد مثل ذلك، الروح التي فيك، وفي كل حيوان، نعلم أنّه يحسّ بها تحت كل شعرة منّا، ونحن لا ندري أين هي، ولا كيف هي؟ ولا ما صفتها، ولا جوهرها؟ ثم نرى الإنسان من الناس يموت إذا خرجت، ولا يحسّ بشيء، وإنّما استدللت عليها بأفعالها، وبحركاتها، وتصرّفنا بكونها فينا.

وأمّا قولك: إنّ أهل الجنّة لا يتغوّطون، مع الأكل، فالشاهد لا يمنع ذلك، ألا تعلم أنّ الجنين يغتذي في بطن أمّه، ولا يتغوّط.

وأما قولك: إنّ نعيم أهل الجنّة لا ينقضي مع أنّ أوله موجود، فإنّا نجد أنفسنا نبتدئ الحساب بالواحد، ثم لو أردنا أن لا ينقضي إلى ما لا نهاية له، لم نزل نكرره، وأعداده، وتضعيفه، إلى ما لا انقضاء له.

قال: ففتح لي الباب، وأحسن ضيافتي.

هكذا فليكن العلم، ولتكن المناظرة، ولتكن الحجج، لا الصراخ، والعويل، دون علم أو فهم!

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى