بيني وبينكم 2010

بينى وبينكم 2010 الحلقة الثانية عشر تساؤلات الجيل الجديد ج 2

 تساؤلات الجيل الجديد ج2

( لماذا خلق الله الانسان والكون )

 

إذن كان ذلك مثالاً على الأسئلة التي تدور في أذهان الشباب، ذكوراً وإناثاً، وهي أسئلة واستفسارات تحتاج منا أن نقف معها وقفة جادة أولاً، وألا نهملها، ونعنف أصحابها، لأن ذلك يفاقم المشكلة، ويزيدها تعقيداً، ولا يساهم في حلّها، وردع أسبابها.

نحن اليوم نعيش في عالم الفضاء الثقافي المفتوح، الذي مهما فعلنا فلن نستطيع منعه من الوصول إلينا…، ولكن…

ألسنا ننتمي إلى عقيدة، وإلى أمة، وإلى هوية، وهذه الهوية سلوك ينبثق من اعتقاد؟!

إذن ما المشكلة التي طرأت؟

المشكلة التي طرأت في هذا اﻻنفتاح الثقافي أن قناعة شبابنا وأجيالنا الدينية قناعة شعورية، فهي قناعة تقليد، وقناعة موروث!! ولذا؛ فسلوكهم الديني القيمي الأخلاقي سهل التوجيه والتأثر بالمؤثرات الخارجية، وهو كذلك في الجانب العقائدي، إلا أنه أشد، وأعظم خطراً، لأنه يعود على العقيدة، والإيمان بالشك، وعدم اليقين.

هذا التشكيك كان له أثر كبير، وواضح، لأنه منهجي، ولأن وراءه مؤسسات، وجهود جبارة. هذا من الجهة الخارجية.

أما من الجهة الداخلية، فإن التأصيل عند هؤلاء الناشئة غير موجود، وإن وُجد فهو نتف من هنا وهناك، ولذلك فنحن لا نزال في ثقافة التلقين، فلا برهان معلل، ولا حوار منطقي، ولا تفصيل، ولا مراعاة بل حتى الشواهد التي يستشهد بها البعض للإجابة على بعض التساؤلات التي تقوم في أذهان أبنائنا وبناتنا، هي شواهد قديمة، ﻻ توافق العصر، ولا تتماشى معه.

أبدأ بسؤال، أو بمجموعة أسئلة، تصب كلها في دائرة واحدة، تمس قضية جوهرية يقينية، تهم كل إنسان: المؤمن، والملحد، الغافل، واليقظ، بل كل الأديان!!

فقد يسألك المادي، أو الملحد، أو المعترض، أو المستفهم: لماذا خلقنا الله؟

فتجيب على الفور: لأنه يريدني أن أعبده!

فيقول: هل الله تعالى يحتاج إلى عبادتنا؟ ثم لماذا خلق الله هذا الكون بأكمله؟

سؤال متداول، ومطروح، ويناقش في كثير من المواقع، وعلى كثير من الألسنة.

كيف نتعامل مع هذا السؤال؟

المقدمة التي أريد أن أبدأ بها، وأنطلق من خلالها تقول:

هل من المعقول أن أناقش إنساناً في جزئية وفرعية، وأهمل الكل الذي ﻻ يؤمن به؟!!

إن بذل الجهد في مناقشة فرعيات، مع عدم الوقوف على الأصول، هو ضياع للوقت، وتبديد للجهد، وربما احتيال على المسألة كلها!!

ولكنني أقول: إذا كان الدخول من خلال هذه الجزئية في التسلسل، للوصول إلى القضية الكلية، مقصود لذاته، فهنا نقول ﻻ بأس بذلك.

هذه مقدمة مهمة لا بد من وضعها في الحسبان قبل أي نقاش، أو حوار.

والآن أبدأ بتلك الأسئلة التي تقول: لماذا فعل الله سبحانه وتعالى كذا، وكذا؟

لماذا الله سبحانه وتعالى خلقنا على هذه الهيئة؟

لماذا الله سبحانه وتعالى يختبرنا ويبتلينا؟

لماذا الله سبحانه وتعالى عاقب آدم، وجعل إبليس يخدعه ثم نزل إلى الدنيا؟

لماذا ولماذا ولماذا؟!

هذه الجرأة في هذا السؤال: لماذا؟

أعجبتني إجابة الأديب المفكر سيد قطب رحمه الله تعالى، في كتاب صغير له بعنوان: (هذا الدين)، حيث يقول عن سؤال لماذا: هذا سؤال لا يسأله مؤمن جاد، ولا يسأله ملحد جاد!!

لماذا يا أستاذ سيد؟!!

قال: المؤمن لا يسأله؛ لأنه أكثر أدباً مع الله، الذي يعرفه بذاته، وصفاته، وخصائصه، وأكثر معرفة بطبيعة إدراكه البشري وحدوده، وأنه لم يهيأ للعمل في هذا المجال.

والملحد الجاد لا يسأله؛ لأنه لا يعترف بالله ابتداءً، فإن هو اعترف بألوهيته، عرف معها أن هذا شأنه سبحانه، ومقتضى ألوهيته، وأنه: {ﻻ يسأل عما يفعل وهم يسألون}، لأنه وحده المهيمن العليم بما يفعل.

إذن فلا المؤمن الجاد يسأل هذا السؤال، ولا الملحد الجاد يسأله كذلك.

ولكن أين موقع الجاهل من هذا السؤال؟!

لم يغفله الأستاذ سيد، فقال: وقد يسأله جاهل بحقيقة الألوهية وخصائصها، فالسبيل لتعليم هذا الجاهل ليس هو الإجابة المباشرة، إنما هو تعريفه بحقيقة الألوهية وخصائصها، حتى يعرفها ويسلم بها، فهو مؤمن، أو يجحدها وينكرها فهو ملحد, وبهذا ينتهي الجدل.

قلتُ: لم ينته بعدُ؟! فأين الهازل، والمجادل؟!

لقد ذكرهما الأستاذ، حيث قال: ولكنه سؤال قد يسأله هازل مائع! لا هو مؤمن جاد، ولا هو ملحد جاد، ومن ثَمّ لا يجوز الاحتفال به، ولا أخذه مأخذ الجد.

وقال عن المجادل: إلا أن يكون مراءً، والمسلم منهي عن المضي في الجدل حتى يمون مراءً. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.

إذن؛ لماذا نجيب على تلك الأسئلة؟   

نجيب لكي نفصل هذا المجمل الذي نتكلم عنه…

تعالوا بنا نجيب على سؤال محير للكثيرين، ألا وهو:

لماذا خلقنا الله؟ 

الإجابة الحاضرة عند كل مؤمن أن يقول: خلقنا الله لكي نعبده، والآية القرآنية واضحة في هذا الأمر، قال الله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إﻻ ليعبدون}.

ولكن هذه إجابة على وظيفة الإنسان في هذه الدنيا، وهي العبادة، فهل يجيبنا على وظيفة الإنسان: لماذا جاء إلى العبادة؟

وحتى يتضح المقصود، أضرب مثلاً:

هذا الدكتور جيفري ﻻنك، الأستاذ والبروفيسور في الرياضيات، كان ملحداً عشر سنوات، إلحاداً رياضياً على أصوله، وكان مادياً جافاً، ولكن الله تعالى منّ عليه بالهداية، فأسلم الرجل، وألّف مجموعة كتب، مثل كتاب: (الصراع من أجل الإيمان)، ثم ألّف كتاباً ثانياً بعنوان: (حتى الملائكة تسأل)، أي أن هذا الدين قائم على التساؤل، وعلى البرهان، فالملائكة سألت ربنا سبحانه وتعالى عن سبب خلقه لآدم، وجعله خليفة في الأرض، فإذا كانت الملائكة تسأل، وهم الذين ﻻ يعصون الله ما أمرهم، فكيف بهذا الإنسان؟!!

ثم جاء وألّف كتابه الثالث الأهم، حيث جاء بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، بعنوان: (ضياع ديني)، ألّفه بحزن، وقدّم له بمقدمة عجيبة عن شباب العرب، وشباب الشرق الذي بدأ يفقد إيمانه، ويتغرب ويفقد هويته!! فليست العبرة بالمكان، وإنما العبرة بهذا التفاعل الثقافي.

فالكتاب عبارة عن صرخة المسلمين في الغرب، وكيف هي الهوية للجيل الثالث الذي يقف أمام التحدي والذوبان؟!

فالكتاب عبارة عن أسئلة من ذلك الجيل، بما يوجه لهذا الدكتور البرفيسور، وقد بذل فيه جهداً مضنياً في فهم الإسلام، عقيدة وشريعة، بعد أن كان ملحداً، لا يؤمن بإله، ولا برسول، أو نبي، أو غير ذلك!!

وأقول: إن المؤمن أي مؤمن قد ترد عليه إشكاﻻت عقلية، واستفهامات نقلية، ولكن كما يقال: الصرح الكبير، والقصر العامر المنيف، الذي بني بعبقرية مبدعة، إذا رأيت فيه بعض الغرف التي ﻻ تعرف حكمتها، أو بعض الممرات التي ﻻ ترى لها داعياً، أو بعض السراديب التي تتساءل عن أهميتها، وﻻ تجد لها لزوماً، فخفيت عليك حكمتها، فإنك مع ذلك من الواجب عليك أن لا تلغي عبقرية هذا القصر، ولا شموخ هذا البناء، ولا فائدته، ولا مصداقيته، وحقيقته، وأنه صرح قائم وشامخ، وإنما تبحث عن هذه الأسرار الدقيقة، فالعوارض والطواريء الجزئية ﻻ تلغي الأصل!

المشكلة أن بعض أوﻻدنا، وبعض المؤمنين بمجرد أن تأتيه لفحة من الشبهات، والشكوك، فإنه يهتز، ويرتبك، وتبدأ هذا الشبهات تعمل عملها في نفسه، وعقله!!

ألستَ أصيلاً أيها الشاب، وأيتها الشابة؟ وأين إيمانك، ويقينك، وعقيدتك؟!

أبهذه السهولة والبساطة تضطرب، وتتزعزع؟!! كلاّ…

ولذلك كان الإمام ابن تيمية يقول لتلميذه ابن القيم: لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة، فيتشربها، فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة، تمر الشبهات بظاهرها، ولا تستقر فيها، فيراها بصفائه، ويدفعها بصلابته، وإلا؛ فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليها، صار مقرًّا للشبهات.

قال ابن القيم تعليقاً على هذه الوصية العظيمة: فما أعلم أني انتفعتُ بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك.

نعود إلى صديقنا الدكتور جيفري لانك، الذي جاءه سؤال من إحدى الطالبات غير المسلمات، تقول فيه: إذا لم يكن الله بحاجة إلى شيء، فلماذا خلقنا إذن؟!!

فالسؤال ليس عن غاية الإنسان في الحياة، بل عن غاية الله من خلق الإنسان؟

يقول الدكتور: لا شك أن هذا سؤال مفعم بالصعوبة! ثم يقول: لا أخفيكم أن السؤال باغتني، وفاجأني! والعادة عندما كنت ملحداً أن تنطلق الأسئلة من الأرض إلى السماء، ولكن هذا السؤال عكس القضية!!! فلماذا الله سبحانه وتعالى يخلقنا؟! ثم أخذ بالرد والبيان.

والآن دعونا نجيب على هذا التساؤل بتسلسل منطقي…

السؤال الأول: لماذا خلقنا الله؟!

الجواب: خلقنا الله سبحانه وتعالى لكي نحقق العبودية.

وما هي العبادة؟

العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.

فكل ما تفعله من خير، يوافق مقصود الشرع، ولا ابتداع فيه، فهو عبادة.

فهذا السؤال عن وظيفة الإنسان في هذه الدنيا، فإن استقام، وأدى المطلوب منه أُثيب، وإن أعرض، وانحرف، ورغب عن وظيفته عوقب.

وهل يعدّ ذلك كبتاً للحرية، وحجراً على الاختيار؟!

نقول: كلاّ…

فما من دولة إﻻ ولها قانون، ونظام، تلزم به المواطنين؛ من أجل تحقيق الحق، وسير الحياة بطريقة سليمة، وطبيعية، وكل من يخالف القانون يحاسب من السلطة التنفيذية.

نقول: ولله المثل الأعلى، فهو سبحانه وتعالى أنزل شريعة، وأحكاماً، ونظّم علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، بل علاقة الإنسان بالوجود كله، فلا بد لمن يتعدى على هذا الوجود، وهذا النظام، إلا أن يأخذ جزاءه.

السؤال الثاني: ماذا يستفيد الله سبحانه وتعالى من عبادتنا؟

الجواب: نقول: معاذ الله أن يستفيد من عبادتنا، بل نحن المستفيدون! كيف؟!

أقول: طبيعة الإنسان، وفطرته، وكينونته، أنه كائن مجبول على الدافع الذي يدفعه، لكي يحقق  أكبر قدر من المصالح، في أقل قدر من الجهد، والوقت، والتعب.

فأنا أريد أن أحقق مصالحي، وأن أكسب سواءً في الوقت، أو الجهد، فكل واحد منا يريد درجات عالية إن كان طالباً، ويريد راتباً إن كان موظفاً، ولكن الإنسان يريد أن يختصر الوقت، ويختصر الجهد، فماذا يفعل؟!!

يدفع لكي يظلم! ولكي يتجاوز! ولكي يخالف النظام العام! ولكي يتعدى على الآخرين!

هنا ﻻ بد من القيم، فتأتي الدولة، وتضع قوانيناً،  وتأتي الشريعة فلا تكتفي بالقوانين، وإنما تضع نظاماً، تربوياً، أخلاقياً، قيمياً، يربطك بالله سبحانه وتعالى، ولكن هل كل الناس يرتدعون، ويراقبون الله سبحانه وتعالى، وعندهم قيم؟! كلاّ…

إذن لا بد من نظام آخر مجاور، ألا وهو نظام الجزاء، والحقوق.

ومن هنا: فالعبادة جاءت لصالحنا، فأنا المستفيد من الصلاة، {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}، وأنا المستفيد من الزكاة، {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها}، إلى غير ذلك من عبادات.

إذن نستطيع أن نفهم أن العبادة وسيلة للصلاح في الدنيا، وهذا الصلاح في الدنيا وسيلة للنجاة في الآخرة، ولماذا نقول إنها وسيلة؟! لأنه لا يوجد في الآخرة عبادة، بل هو اﻻستمتاع، فالعبادة جاءت لكي تصلحك لذلك الخلود الأبدي، ومن هنا نفهم أثر العبادة.

إذن وظيفة الإنسان في هذه الدنيا هي عبادة الله تعالى، والمستفيد الول والأخير من هذه العبادة هو أنت أيها الإنسان.

ولكن مع كل ما سبق من شرح وبيان، إلا أنه قد لا يكون هو المقصود من السؤال والجواب!!!

كيف ذلك؟!

لعل المثال يوضح المطلوب:

والمثال هو الساعة التي نعرفها جميعاً، سوف نطرح عليها أسئلة ثلاثة:

السؤال الأول: هل الساعة مخلوقة؟

السؤال الثاني: كيف خلقت الساعة؟

السؤال الثالث: لماذا خلقت الساعة؟

عملنا الحقيقي نحن في: لماذا؟ وليس في: هل، أو: كيف.

ولكن لا بد أن نجيب على سؤال: هل، و: كيف، ابتداءً.

أولاً: هل احتاجت الساعة إلى صانع؟

الجواب: نعم احتاجت الساعة إلى صانع، وهذا محل إجماع، لا ينكره عاقل، لأن هذا التركيب الدقيق، وهذا القصد الذي فيها، وهذا التناغم في الصنعة، وهذه الدقة، وهذه العبقرية، تدل إجماعاً على أن هذه الساعة لم تخلق صدفة، ولم توجد عشوائية هكذا.

ثانياً: كيف صنعت الساعة؟

الجواب: أن الأمر يختلف في هذه الإجابة، ليس لعدم العلم بالكيفية، ولكن لأن المعرفة بالكيف ليست عامة كالمعرفة بالله، وهنا يقل الإجماع!!

فهنا نحتاج إلى النظر في الساعة، ونحتاج إلى سؤال المصنع أو الصانع، فعندما ننظر فيها، قد تختلف إجابتنا، بحسب اختلاف تخصصاتنا، فالمهندس، والذي يعمل في البرمجة، والإلكترونيات، تجد أن فهمه لصناعة الساعة أكثر، وأعمق، من فهم أستاذ الأدب العربي، أو الفنان، أو رجل الأمن، وهكذا…،فإذن يقل الإجماع هنا على المعرفة بالكيفية.

ثالثاً: لماذا صنعت الساعة؟

أقول: سؤال: هل صنعت الساعة؟ وكيف صنعت الساعة؟ هما سؤاﻻن وجوديان، يتعلقان بالواقع الوجودي المباشر للساعة.

أما سؤال: لماذا صنعت الساعة؟ فهذا سؤال لما قبل الوجود، أي أن الذي صنع الساعة كانت في عقله فكرة، تسبق ميلاد الساعة، فما هي هذه الفكرة التي كانت في عقله، لكي يخترع لنا الساعة؟

الفكرة: هي الزمن، الزمن الكوني، أو الزمن اليومي، وأن اليوم 24 ساعة، والساعة60 دقيقة، والدقيقة 60 ثانية.

إذن صنع الساعة بناءً على أمر سابق لوجودها، ومن هنا نحتاج إلى أن نرجع، ونستعين بمن صنعها ليخبرنا لماذا صنعها؟!

إذن هما سؤالان وجوديان، وسؤال يسبق الوجود.

نأتي الآن للتطبيق العملي على قضية: الخلق.

أولاً: هل الكون مخلوق؟

الجواب: أنت عندما ترى لوحة جميلة عبقرية، فإنك لا تتردد في السؤال عن العبقري الذي يقف وراء هذا التصميم الجميل ؟! هذا أمر منطقي.

فهذا الكون بنظامه، ونواميسه، وقصديته، لا بد أن يكون مخلوقاً، ومصنوعاً، من مدبر، عليم، قدير، حكيم.

وهذه المسألة وإن تجاذب فيها الناس، إلا أن العقل شاهد على الخالق المبدع، ولذا فمن أعجب العجب أن يطلب الدليل على الخالق سبحانه وتعالى بعد هذا النظام العجيب المتقن القصدي، والذي فيه علة غائية قصدية تراكمية.

ثانياً: كيف خلق الكون؟

الجواب: أن العلماء مختلفون في كيفية بدأ الخليقة على نظريات، وتفسيرات، والقرب والبعد من الإجابة، يرجع إلى مدى التحصيل العلمي، والفكري للمتكلم بها، فالمتخصص في علم الفلك، والجيولوجيا يعرف عن خلق الكون، أكثر من المتخصص في علم الرياضة، أو في علم الأحياء، أو في علوم الكمبيوتر، أو في غيره، ولكن مع ذلك كله، فقد أعطانا القرآن الكريم مفاتيح قضية الكيفية، فقال: {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق}، فقد دعانا  للتأمل، ولكن مع ذلك لا نقطع بشيء، لأن العلماء اليوم وهم يقتربون من معرفة كيف بدأ الخلق، بنظريات تقترب من اليقين، إلا أن الصورة النهائية المكتملة، لا يستطيع أحد الجزم بها، بدليل أن علماء الفيزياء، وعلماء الفلك، وعلماء الطبيعيات، يكتشفون يوماً عن يوم مكملات لهذه النظريات، وهذه الحقائق التي ينطلقون منها.

ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى: {ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضداً}.

صحيح أنه ما أشهدنا خلقهما، ولكن مع ذلك قال لنا: {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق}، ثم أعطانا مؤشرات، فقال: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان}، وقال: {أولم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي}.

فسؤال: هل؟ وسؤال: كيف؟ سؤﻻن وجوديان.

ثالثاً: لماذا خلق الله سبحانه وتعالى الكون؟

هذا السؤال مشابه لسؤال: لماذا صنع العالِم الساعة؟

فهو سؤال لما هو قبل الوجود، وكما قلنا هناك، أن جواب ذلك السؤال لا يكون إلا من الصانع نفسه، فنقول هنا-ولله المثل الأعلى- إن هذا السؤال جوابه عند الخالق سبحانه وتعالى، بل إن إجابته يصعب أن نكتشفها من الطبيعة، أو من الواقع، وإذا لم يجبنا هو سبحانه على ذلك، فمن أين نأخذ الإجابة؟!! فالإجابة تكاد تكون صعبة جداً، بل لا جواب عليه! لماذا؟!

أولاً: أن مجال تفكير الإنسان، وعلومه، ووظيفته، مرتبط بالوجود، وهذا السؤال لما قبل الوجود، فهو سؤال فلسفي.

ثانياً: ﻻ يزال علم الإنسان قاصراً عن معرفة الكيفية، فما بالك بما هو أصعب من الكيفية، وما قبل الكيفية؟!!

ثالثاً: قد تكون هذه المسألة من المسائل التي ﻻ يطيقها العقل، ونحن نفرق كما يقول الأستاذ العقاد بين مستحيلات عقلية، وما هو فوق طاقة العقل، كالطفل الذي تشرح له الهندسة الفراغية، فإنه لا يمكن أن يستوعبها، مهما حاولت معه.

رابعاً: سؤال: هل؟ وسؤال: كيف؟ مشروعان وموجودان، ولكن سؤال: لماذا؟ قد نجيب عليه إجابة أخرى أنه خلقه تسخيراً لهذا الإنسان، كما في الآيات الكثيرة، أي في خدمتك، فأنت الملك، وأنت الخليفة، وأنت الإنسان المميز.

لكن هذا السؤال ﻻ يمكن أن يفهم إلا إذا وُجد هنالك معنى، أما أن يولد الإنسان، ويعيش، ولو ألف سنة، ثم يموت، ولا يعرف لماذا وجد؟ وما هي مهمته في الحياة؟ فهنا ليس للحياة معنى، وليس لوجوده معنى، ويعيش في فراغ: متى يكون المعنى؟

يوجد المعنى إذا كان هناك خلود، فأنت وجدتَ لكي تخلد.

والخلود هو الذي يعطي معنى لتفردك في هذه الحياة، ويعطي معنى لتميزك في هذا الوجود، ومن ثم تتكامل الصورة.

لا شك أن هذه الإجابة إنما هي للمؤمنين المقتنعين، أما الذي ﻻ يؤمن، ويعيش وﻻ يعرف إجابة على هذا السؤال، فهو جاهلي، وكما هو منطق الجاهليين، ومنطق المشركين: {إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر}.

إذن حينما تأتينا مثل هذه التساؤﻻت من أوﻻدنا، ومن مجتمعاتنا، ومن المثقفين، فمن واجبنا أن نفتح معهم الحوار، ونعطيهم الإجابات.

ثم مسألة: اقتنع، أو لم يقتنع، فهذه مسألة خارجة عن نطاق بحثنا؛ لأنه حر في اختياراته، وهذا اﻻختيار هو من شأنه، ولذا ينبغي في عصر الانفتاح، والفضاء الثقافي، المعرفي، أن نجعل المفكر، والداعية، والمصلح، والأب، والمدرس، يتبصر الحاجات النفسية، والعقلية للشباب، وللجيل الجديد، ويتلقى هذه الأسئلة بصدر رحب، ولا يضيق بها ذرعاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى