بيني وبينكم 2010

بينى وبينكم 2010 الحلقة الخامسة المجاهدة ج 1

المجاهدة ج1

 

الجهاد ذروة سنام الإسلام، هكذا نطق الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومع أن القائمين بهذه العبادة الجليلة هم الرجال في المقام الأول، إلا أننا أنه كان للمرأة المسلمة مشاركة حقيقية في هذا الجانب، لا يقل شأناً عن مشاركة الرجل، وقد تمثلت تلك المشاركة بصور كثيرة ليس هذا مقام بحثها، ولكن الغرض من ذلك كله بيان أن المرأة المسلمة كان لها دور فعال وإيجابي في إتمام هذه العبادة، ولولاها لما كان لهذه العبادة أن تؤتي ثمارها.

وحين يذكر جهاد الأعداء والمحتلين ينتقل بنا الذهن مباشرة إلى ذلك الجرح النازف في هذه الأمّة، إلى القدس، وفلسطين، ذلك الحق الذي لا يسقط بالتقادم التاريخي.

ولن يكون استعراضي لهذه القضية المعقدة الشائكة من خلال تسلسل في قصة، أو رواية، وإنما باستعراض نموذج حي واقعي لامرأة مسلمة، نذرت نفسها للدفاع عن هذه القضية، وحمل همها على عاتقها، وضحت في سبيلها بالغالي والنفيس.

إنه نموذج لإحدى الفضليات من اللواتي اعتصمن، وجاهدن، واستخدمن كل ما تملك المرأة من طاقة، وقوة، في سبيل الصمود على الحق، والدفاع عنه، وعدم اﻻستسلام لكل أنواع الطغيان السياسي، والإغراء الاقتصادي، والإذلال، إنه الحق الذي لا مرية فيه.

إنها: أم كامل الكرد، “فوزية جابر”، التي استضفناها في بلدها الثاني الكويت، الذي يعتبر قضية فلسطين أولوية الأولويات، وقد كان لي حوار ماتع معها، ناقشنا في كثيراً من القضايا، والمصاعب، وتحدثنا عن الآلام، والآمال، والطموحات.

الأخت أم كامل نموذج لمن طردت من بيتها، وسلب حقها، وأغريت بكثير من الإغراءات من أجل أن تستسلم، وأن تخنع للصهاينة، ولكنها أبت، وتعالت عن هذه الرذائل، هذا النموذج هو الذي يجب أن  يظهر ويشهر للناس الذين لا يزالون إلى الآن يحلمون بالتطبيع، ويحسنون الظنّ بالنظام العالمي.

بدأت حديثي معها قائلاً:

لماذا كنتِ النموذج الأول، واختاروك أولاً في هذه القضية الكبرى؟

فقالت:

أنا من مواليد البلدة القديمة وسكانها، فقد ولدت بحي درويش بالبلدة القديمة، قرب المسجد الأقصى؛ حيث كنت أخرج من باب بيتنا إلى الأقصى مباشرة، لَهَوْنا بهذا المكان، وتربينا في هذا المكان، وتعبدنا في هذا المكان، بل إننا كنا إذا مرضنا نذهب إلى السور الصخري لكي نستنشق الهواء من أجل الشفاء؛ ولكنني عندما تزوجت عام 1970 انتقلت من البلدة القديمة إلى حي الشيخ جراح، عند البوابة الشمالية للأقصى، ومن باب الفائدة فإن الأقصى لا يقتصر على مبنى قبة الصخرة، كما تروج لذلك دولة الاحتلال، ولكنه يشمل ما يقارب 144 ألف متر مربع من ساحة الأقصى، وهذا ما لا يعرفه كثير من المسلمين!

وحي الشيخ جراح تدعي إسرائيل أنه ملك لها من قبل 3000 سنة؛ وهذا كله كذب الهدف منه إخراج المواطن الفلسطيني من هذا الحي، وتغيير معالم المنطقة، وبناء250 وحدة استيطانية تسمى بالحوض المقدس لإسرائيل، وتقدر مساحة هذا الحي بـ: 18 دونماً، يقيم عليها ما يقارب 570 فرداً من أفراد العائلات، وقد كنت أحد الذين مورست عليهم الضغوط المادية والمعنوية لطردي من بيتي، فهم يقولون: إنها امرأة كبيرة بالسن، وزوجها مريض، ومن المؤكد أننا إذا عرضنا عليها أي شيء مادي فسوف تقبل به، فإن لم تثمر تلك الجهود قمنا بممارسة شتى الاستفزازات بحقها، حتى تمل، وتخرج من البيت!! فهم يستخدمون في حربنا شيئين: الاستفزاز، والإغراء المالي.

والمشكلة ليست معي أنا شخصياً، وإنما مع حي الشيخ جراح بأكمله؛ لأنني كما قلت لك إن الهدف الأساسي هو بناء 250 وحدة استيطانية تسمى بالحوض المقدس لإسرائيل، مما يتوجب عليهم بسبب ذلك هدم مناظر التراث الديني، والمعالم، وتزوير الوثائق، وتزوير معالم مدينة كاملة.

وفي سنة 1999 قمت بترميم بيتي، وكان هذا الترميم هو سبب المشكلة، فقد توجهت للبلدية لأخذ ورقة قانونية لترميم البيت من شخص يهودي اسمه أمنون    ، فقال لي: ليس للترميم ترخيص!! بمعنى أنه يجوز فعل ذلك بدون إذن منهم، وبناء على كلامه ذلك رممت البيت، وخسرت عليه كل ما أملك من مال، ولم يمضِ على هذه الترميم أسبوع واحد، حتى جاءني شخص يهودي اسمه عزرا، لا أعرف وظيفته، ولا من يكون، فدق الباب، وقال لي: أريد هويتك، واسم زوجك، وأولادك، وأرفقي كل ذلك  مع ضريبة الأملاك السنوية؛ لأن كل فلسطيني داخل القدس يلزم بدفع ضريبة أملاك سنوية لإسرائيل تسمى الأرنونة.

فحملت كلامه على محمل الجد، ولم أشك في طلبه؛ لأنني ظننته رجل قانون، ورجل بلدية، وأنا في المقابل لم أعمل شيئاً خطأً، فأمّنت له، وأعطيته الورق، وإذا به بعد أسبوع يأتيني تبليغ الساعة 8 صباحاً،  يطلبون حضورنا إلى المحكمة الساعة 12 ظهراً، وكان يومها عيد الأضحى!! طبعاً تفاجأنا من هذا الطلب، وكذلك لا يوجد يومها محامين؛ لأنها عطلة رسمية لنا نحن المسلمين!! فقلت لزوجي: اذهب إلى المحكمة لنرى ما المشكلة، فلما ذهب تبين له أن الشخص الذي جاءني إلى البيت، وطلب هويتي، واسم زوجي وأولادي، هو أحد أفراد حركة ستراديم!!

قلتُ:

هل لك أن تعطينا نبذة عن هذه الحركة؟

فقالت:

حركة ستراديم هذه هي حركة استيطانية متطرفة، تقوم بتزوير الوثائق، وتغيير المعالم، بشراء البيوت، أو تدميرها وهدمها!! بمعنى أنها المسؤولة عن التطهير العرقي الشامل للشعب الفلسطيني عن أرضه!

قلتُ:

ولكن هذه فرقة! فأين نظام الدولة الذي يراقب هذه الفرقة، ويلغي قراراتها، ويتدخل؟

فقالت:

لا توجد نزاهة في قانون إسرائيل بالنسبة للشعب الفلسطيني، فهذه النزاهة معدومة كلياً، فنحن وضعنا ليس وضعاً قانونياً، وإنما وضع سياسي ليس أكثر!

قلتُ:

وما جرى من أحداث خلال المحكمة؟

فقالت:

حضر زوجي، وهو مقعد، وأولادي: “كامل ورائد” إلى المحكمة، وأثناء الجلسة قال القاضي لأولادي: تفاهموا أنتم والمستوطنين! أي تخلوا عن البيت مقابل مال!! وعندما سمع ابني هذا الكلام، لم يتمالك نفسه، فهو عصبي سريع الغضب، فحدث عراك مع المستوطنين نتيجة ذلك أثناء المحكمة، على إثرها أمر القاضي بإخلاء بيت أولادي الملاصق لبيتي، وإغلاقه تماماً، ودفع غرامة تعادل 35 ألف دوﻻر، وغرامة بلدية تعادل عشرة آلاف دينار أردني!! وقد قمت بتقسيط الـ 35 ألف دولار عن طريق محامي؛ لأنني لا أملك مالاً، فليس لدي دخل، وزوجي مريض، وأولادي لا يشتغلون، فتم تقسيط المبلغ كل شهر 200 شيكل، أي بما يعادل 50 دينار أردني.

وفي سنة 2001 كان زوجي في المستشفى، وإذا بجارتي تتصل بي وتقول لي: إن بيت أولادك قد دخله مستوطنون!! فتركت زوجي في المستشفى يعاني الآلام والأمراض، وذهبت مسرعة إلى بيت أولادي، فوجدت المستوطنين قد فتحوا الباب، ودخلوا يحتفلون في بيت أولادي!! وإذا بجندي واقف عند باب بيتي، وجندي آخر واقف عند باب أولادي، وهذا الجندي يريد تسليمي التبليغ بأن المستوطنين قد دخلوا البيت، ومن شدة غضبي أمسكت بالجندي، وعندما رآني لوحدي كأن ضميره استيقظ، فقال لي: أنا لستُ عربياً، ولا درزياً، أنا إسرائيلي، واسمي ديفيد، وقال لي: لقد دخل هؤلاء البيت بختم مزور!! وهم مجموعة ساحي، وشلومي، وبن إيلون. وعندما قال لي ذلك أبلغت المحامي، ليرفع عليهم قضية لإخراجهم من بيت أولادي، فإذا ثبت عليك قرار المحكمة الإسرائيلية، فإنك لا تخرج من بيتك إلا بعد مرور سنة على القرار، ثم يأتيك أمر بالإخلاء، لكن هؤلاء المستوطنين قبل أن تنتهي السنة يأتون بعائلة جديدة، ويتحايلون على القانون، ولذلك أقول لك: إنها حكومة أوراق مزورة، وقد مكثتُ في بيتي بوجود المستوطنين ثماني سنوات من 2001 إلى أن خرجت من البيت، استعملوا معي خلال هذه السنوات كل وسائل التنكيل، والتعذيب، والترغيب!!!

قلتُ:

الذي فهمته من كلامك أنك كنت ساكنة معهم في بيت واحد، وفي حوش واحد، وفي ساحة واحدة، ثماني سنوات؟!

فقالت:

نعم صحيح.

قلتُ:

هذا أمر عجيب!

إذن حدثينا عن أخلاقياتهم.

فقالت:

هم أسوء الناس أخلاقاً على الإطلاق، فالمتطرفون ليس لهم مثيل أبداً، فمثلاً: عندما كنت أشغل الراديو على القرآن، كانوا يغلقون مفاتيح الكهرباء من الخارج حتى لا أسمع القرآن!!

وفي أحد الأيام كنت أرتب البيت الساعة عشرة ونصف صباحاً، فسمعت حركة وراء الشباك خارج غرفة نومي، فنظرت فوجدت مستوطناً يفتح شنطة، ويضع فيها قطعة سلاح!! طبعاً هو يقول: من المؤكد أنها ستخرج من البيت الآن، أو بعد قليل، وسوف تشاهد الشنطة، فتمسك السلاح، وتضع بصماتها عليه، فتقع في بلاء!! انظر إلى أين وصل بهم الدهاء، والمكر، فنظرت، ولم أخرج، وقلت: صبر جميل والله المستعان، وبقيت تلك الليلة لوحدي، وأخذت أدعو الله تعالى أن يفرج عني هذه المصيبة، واسترسلت في الدعاء، ونسيت أن أغلق الباب، ونمت تلك الليلة، فلم أجد أجمل من هذه الليلة، لم أفكر في زوج مريض، ولا بيهود حولي في بيتي، ألا بذكر الله تطمئن القلوب، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، وسلمني الله تعالى من شرهم.

وبعد فترة من الزمن سكنت معي في البيت عائلة يهودية يمنية، تدعى عائلة أوغي، هذه العائلة لو قلت لك: إنها أوسخ بشرية بالتاريخ قابلتها لم أكن مبالغة! بدءً من طريقة الاستفزاز، ومن طريقة التنكيل، إلى الأوساخ التي كانت تضعها لي!

هذه العائلة كانت تعوّد أولادها إذا رأوني أن يغطوا رؤوسهم بأيديهم، رغم أنني كنت إذا طلبوا مني شيئاً أعطيهم، وأقول: ما ذنب هؤلاء الأطفال؟!

هذه العائلة اليهودية كانت تأتي بصورة فتى فلسطيني، وتعلم ابنها الذي عمره خمس سنوات ونصف القنص، وكيف يقنص الشعب الفلسطيني؟! تعطيه مسدساً بلاستيكياً، ومعه خرزات صفراء، وخضراء، وحمراء، وتقول له: أريد الصفراء تأتي في عينه، والخضراء أريدها في فمه!! وهكذا، إلى غير ذلك من أنواع العذاب والشقاء الذي رأيته منهم.

بعد ذلك جاءتني عائلة من نيويورك اسمها عائلة سيجال، سكنت معي ثلاث سنوات، وكانت هذه العائلة محترمة نوعاً، لكن كان عندها دهاء مخفي، ففي أحد الأيام كنت جالسة في غرفتي، وشباك هذه الغرفة يطل الساحة الخارجية، فتفاجأت بالمرأة تضع ابنها في العربة، وتظاهرت أنها نسيت محفظتها، وهاتفها على شباك غرفتي من الخارج، ثم خرجت من البيت، فقلت: صبر جميل والله المستعان، هذه مكيدة جديدة يريدون أن يوقعونني فيها، فقلت لزوجي المريض: انتبه للمحفظة، والهاتف، إلى أن أذهب لحارس الأمن وأخبره، وفعلاً ذهبت وقلت له: تعال خذ المحفظة، والهاتف بيدك أنت.

أقول لك: لقد استعملوا معي كل وسائل الدهاء، والتعذيب، مما لا يخطر على البال، ومن ذلك: أن زوجي كما قلت لك كان مقعداً، يمشي على الكرسي، فعندما كان يحب أن يمشي، كانوا يرشون له الرمل على الأرض حتى يتزحلق به!!

وفي أيام عيد العرش، وعيد العرش عندهم كانوا يبنون فيه عريشة من خشب، ويضعون فوقها مثل النخيل، ويتعبدون فيها لمدة سبعة أيام في أواخر شهر أكتوبر، فكانوا يضعون هذه العريشة أمام شباك غرفتي، فيقطعون النفس علي، ويقطعون راحتي، وكأني جالسة في قبر، ولكن قبر الدنيا! وكانوا يحتفلون ويأتون بنفاخات، وألعاب، وأوساخ، ويظلون أسبوعاً كاملاً على هذه الحال، وفي النهاية يتركون لي كل هذه الأوساخ على الأرض حتى أكنسها، كل ذلك من أجل استفزازي كي أرحل من هذا المكان، فلما لم تجد محاولاتهم هذه نفعاً، قالوا نحاول معها بالترغيب بالمال، ففي أحد الأيام كنت جالسة في البيت، وإذا بي أتفاجأ بأحدهم يدق علي الباب، فلما فتحت إذا شخص اسمه شامير، وهو المحامي الخاص بهم، جاءني ومعه اثنان، ولما دخل البيت وجلس، قال لي: يا أم كامل أريد أن أختصر معك الكلام، فقال لي: ما رأيك أن تأخذي عشرة ملايين دولار، وتصبحي غنية أنت وأولادك، وتتركي لنا البيت الذي أنت فيه؟

فقلت له: ومن قال لك إنني أريد أن أكون غنية؟! وأنا فقط سأقول لك مثلاً عربياً واحداً بلهجتنا الفلسطينية حيث يقول: اللي جرى واللي مشى ما نابه من الدنيا أي شيء إلا القطنة، والكفن، والقبر صندوق العمل. وقلت له: جدي وجدك أين دفنوا؟ هل دفنوا في الفضاء الخارجي أم في الأرض؟!!

فقال للشخصين الذين معه: هذه المرأة قوية كثيراً.

فقلت له: أنا قوية بديني، وإيماني، وأريد أن أقول لك شيئاً واحداً: الميت يكون محمولاً على الأكتاف، وينظر لظلمة التراب، ويقول: إذا واراني الأحباب، وصار مثواي تحت الأرض بين الدود والتراب، من يرحمني؟! ورفضت عرضه!!

وبعد أن رفضت جاءني وزير السياحة السابق باي أيالون، ومعه اثنان مسلحون من الحرس، فدق علي الباب، يريد أن يدخل، فقلت له: ﻻ، وخفت أن يقتلونني، فلم أفتح لهم الباب، فأعطاني ورقة خطية من الشباك، وعرض علي خمسة عشرة مليون دولار، أو شيكاً مفتوحاً، مقابل ترك البيت، فقطعت الورقة، ورفضت الإغراءات، وصبرت على التنكيل، والتعذيب.

فصاروا يستفزونني باستفزازات ليس لها مثيل، حتى جاءت ليلة الإخلاء، ليلة 9-11-2008، سمعت حركة عند البيت، ولأن زوجي لا يستطيع الحركة، قال لي: قومي انظري ما الذي يجري؟ فقمت وما إن وصلت الباب وإذا بخمسين شخصاً يدخلون غرفة النوم مع ثلاثة مجندين، ومن هول الموقف لم أعد أرى، أو أسمع، أو أتكلم، وكأن غمامة سوداء أحاطت بي من كل جانب، ثم قاموا برميي في الشارع، واستولوا على البيت، وصادروا كل ممتلكات البيت، وفي اليوم الثاني في تمام الساعة العاشرة والنصف صباحاً وجدت بيتي محاصراً مقفلاً، يحتفلون فيه، ولكن أين زوجي؟!!

وإذا باثنين من الجنود قد أخذوه، ووضعوه عند جارتي، بعد أن سقط على الأرض نتيجة جلطة، فاتصلت بأولادي، فأتوا ونقلوا والدهم إلى المستشفى، وبنيتُ لي خيمة، وأقسمت بالله أن لا أخرج من حي الشيخ جراح إلا على جثتي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى