بيني وبينكم 2010

بينى وبينكم 2010 الحلقة السادسة المجاهده ج 2

المجاهده ج2

قلتُ:

لا شك أن هذا القرار غريب، فإلى متى سوف تستمر هذه الخيمة؟! وهل القضية هي قضية خيمة، وقطعة أرض صغيرة؟ ماذا أرادت أم كامل من هذا القرار المصيري؟

فقالت:

أنا أخذت عهداً على نفسي أنني لن أكرر مأساة الـ 48 بإذن الله تعالى، لأن أهلي عندما تم تهجيرهم سنة 48 كانوا أثرياء، ثم أصبحوا معدمين لا يملون شيئاً، فغادروا الأرض، وغادروا البيت، وغادروا المكان، فكان الاحتلال عام 48 يستخدم طريقة السطو المسلح؛ أما أنا فقد استخدموا معي طريقة السرقة، والخدعة، والتزوير، فالاحتلال ليس له مثيل، فالطرق عندهم متنوعة، ولكن الهدف واحد، هو تهجير عرقي شامل للشعب الفلسطيني على أرضه.

وعندما وجدت نفسي قد ألقيت بالشارع بلا مأوى يؤويني، قلتُ لنفسي: إن القضية الآن ليست قضية أم كامل، وإنما قضية أرض، ووطن، وعقيدة، فوضعت هدفاً في حياتي أن أضع خيمة بهذا المكان، وكان هناك قطعة أرض مجاورة لبيتي الذي اغتصب مني لأحد جيراننا، فاستأذنت منه في بناء خيمة على أرضه، فأذن لي جزاه الله خيراً، ثم طلبت من الشيخ رائد صلاح، وقلت له: هل تستطيع يا شيخ أن تحضر لي خيمة؟

فقال لي: يا أم كامل إن طريقك صعب، ومشوارك طويل، فهل عندك استعداد لهذا الأمر؟

فقلت له: بكل تأكيد وإصرار وعزيمة، فيكفي أنني سأظل على أرضي، وفي وطني، يكفينا تشريد، وشتات.

فتمت الأمر كما أردتُ، وبنيت الخيمة، وجلست فيها مع زوجي المقعد، فلم يمض على وجودنا فيها سوى أيام قليلة حتى أصيب زوجي بجلطة، دخل على إثرها في غيبوبة  لمدة أسبوع، ثم مات بعد ذلك رحمه الله تعالى، فأصبحت هذه الخيمة رمزاً للتحدي، والصمود، والتضحية، والثبات على المبدأ، وطلب الحق، ورفع راية العدالة، وبدأت تتوافد علي الوفود الأوروبية، والأجنبية، والحقوقية، من جميع أنحاء العالم، بما فيهم القناصل، والسفراء، والغرباء، من أقصاها لأدناها.

 

 

قلتُ:

أين هم هؤلاء المنهزمون، والمثبطون، والمخذّلون، والمتخاذلون، من العرب، الذين ليس فيهم مروءة، ولا رجولة، من هذه التضحيات، والصبر، والجهاد؟!!

ولكن هلاّ أخبرتنا كيف تعاملت مع تلك الوفود التي كانت تأتيك بأعدادها الكثيرة؟ وكيف صبرت على تلك العيشة القاسية التي لم تعتدي عليها من قبل؟

فقالت:

أنا رسمت خطاً لنفسي، فأنا لست منتقمة، ولست إرهابية، وإنما أنا إنسانة سالمة، ومسالمة، وصاحبة حق، وصاحبة قضية، وصاحبة مبدأ، وعقيدة، ولذلك فقد كنت أحترم كل من يأتيني من الوفود، مهما كان دينه، أو عقيدته، أو منهجه، أو توجهه، فما دام أنه احترمني، وأبدى لي تعاطفاً، ورحمة، وشفقة، فلا بد لي أن أقابله بالمشاعر نفسها، لأن ديننا يحثنا على ذلك.

قلتُ:

وما هي قصة جيم الإنجليزي، ودانيال الأمريكي، اللذين أسلما في خيمتك؟!!

فقالت:

هذان الاثنان أسلما عندما شاهدا النظافة، والاحترام، فكانا يقولان في السابق: إن المسلم إرهابي، ولكننا عندما عشنا مع هذه المرأة في الخيمة، وكانت إنسانة راقية جداً، فبالرغم من كل المأساة التي تعيشها، إلا أنها رفضت أن تنتقم لنفسها، بل إن هذا الانتقام ليس موجوداً عندها، وإنما الحب والاحترام والتقدير للجميع.

ولذلك أسلما والحمد لله رب العالمين.

تلك كانت قصة أم كامل، المرأة الفلسطينية، المسلمة، الصابرة، المحتسبة، نضعها نموذجاً يحتذى به بين أيدي القيادات، والزعماء، والساسة، وأصحاب القرار، ليتعلموا منها دروس العزة، والكرامة، والكفاح الشريف، والأخلاق العالية، والصبر، والتضحية، في سبيل الحق المغتصب، وفي سبيل استرداد المجد السليب.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى