بيني وبينكم 2010

بينى وبينكم 2010 الحلقة السادسة والعشرون الصراع من اجل البقاء

(الصراع من أجل البقاء)

قلتُ:

دعنا ننتقل سويًّا للحديث عن الآلية الثانية من آليات ركائز نظرية داروين، وهي: الصراع من أجل البقاء…

فمن الملاحظ أن الصراع قائم على أشده بين الكائنات الحية سواءً في افتراس الأقوى للأضعف، أو في التطفل، أو غير ذلك، وهذا قطعاً سوف يجعل الأقوى يبقى، والآخر يندثر، مما جعل التطوريّون يعتبرون هذه أحد الآليات لفكرة التطور.

هذه فكرة تدرس في المدارس، وتسمع في الأخبار، والفضائيات، فما هو رأيك حول هذه الآلية؟

فقال:

أولاً: أقول: من أين أتى داروين بهذه الآلية؟

والجواب: أتى بها من مصدرين:

المصدر الأول: صديقه كارل ماركس، وهو الذي بنى التفسير المادي للتاريخ على أساس الصراع بين الطبقات.

المصدر الثاني: من موطنه الإنجليزي القس علي المقصاد المشهور توماس روبرت مالتوس الذي قال: إن البشر ينمون وفقاً لمتوالية هندسية حدها الأول واحد، وأساسها اثنين، لتصبح اثنين، أربعة، ثمانية، ستة عشر، اثنين وثلاثين، أربعة وستين، وهكذا …

وفي المقابل إن الموارد الغذائية تتضاعف وفقاً لمتوالية عددية، أو حسابية، أساسها واحد، وحدها واحد، بمعنى واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، سبعة،…، وهكذا…

فلا بد أن يكون هناك صراع بين الناس على الموارد الغذائية، وفقاً لتوماس روبرت مالتوس، وهذا الكلام  كان سنة 1798، لكننا عندما نطبق ذلك في الواقع اليوم، فإننا نجد أن هناك صراعاً ﻻ نقاش فيه، ولكنه ليس هو الأساس، لأنه يوجد آكل، ومأكول، ومفترس، وفريسة، ومع ذلك فإنهم يعيشون مع بعضهم البعض!!! بمعنى أن الضعيف يعيش جنباً إلى جنب مع القوي في البر، والبحر، والجو، والدليل على ذلك: هذا العصفور يعيش في الجو مع النسر، والسمكة تعيش مع الحوت في البحر، والأرنب أو الغزال يعيش مع الأسد في البر!!!

صحيح أن الأسد يأكل بعض الغزلان؛ ولكنه لا يأكلها جميعاً، بل يأكل المريض والضعيف فقط، وهذه ميزة، حتى يظل القطيع مكوناً دائماً من أحسن الأفراد.

قلتُ:

وهل شواهد الصراع واحدة؟ هل هناك شواهد تعاون بين الحيوانات كما هو الحال بين الناس مثلاً؟

فقال:

أنا أقول إن ما بين الحيوانات من التعاون أكثر بكثير مما بينها من التنافس، فهناك تعايش، وتكافل، ومودة، ورحمة، وإليك الأمثلة:

انظر إلى أي برنامج في عالم الحيوان، تجد دائماً الفيل يحرص أن يكون بجانب قطعان الزراف، والزراف يحرص أن يكون بجانب قطعان الفيلة، لسبب مهم جداً   وهو أن الفيل سمعه حاد جداً، وبصره ضعيف جداً، في حين أن الزرافة نظرها حاد، وسمعها ضعيف جداً!!! حتى أنها تسمى الحيوان الصامت، حيث ﻻ يصدر عنها صوت تقريباً، فانظر إلى هذا التكامل، والتعاون.

انظر إلى أذن الفيل، فهو عبارة عن رادار لاقط، أما عنق الزرافة فهو عبارة عن برج مراقبة!!!

فإذا جاء عدو مشترك كالأسد مثلاً، فالذي يراه منهما أولاً فإنه يصدر إشارة يفهمها الآخر، فيتأهب إما للهجوم، أو الدفاع، أو القتال، فهذا نوع من أنواع التعاون.

قلتُ:

وماذا عن الغزلان، والحمر الوحشية، هل هناك تعاون بينها؟

فقال:

بالطبع، فلو شاهدتَ برامج عالم الحيوان، فإن تجد الحمر الوحشية، والغزلان جنباً إلى جنب، فإذا جاء الأسد وهو عدو مشترك لهما، تقوم الحمر الوحشية بإصدار صوت، أو إشارة معينة، يفهم منها الغزلان أن هناك خطراً قادماً، والعكس صحيح، ولا شك أن هذا تعاون، ومودة.

 

قلتُ:

هل من الممكن أن يكون هناك تعاون بين طير وحيوان؟

فقال:

هذا ممكن جداً، فمثلاً وحيد القرن، أو الخرتيت، فهو أضخم حيوان بري بعد الفيل، وهو أغبى حيوان في المملكة الحيوانية، لأنه يهاجم كل شيء متحرك: حجر، إنسان، سيارة!!

يعيش على جسم الخرتيت هوام، وطفيليات، فيأتي الطائر فيأكل هذه الهوام والطفيليات، فهنا الطائر يستفيد الغذاء، والخرتيت يستفيد النظافة إلى حد ما، وأهم من النظافة أنه يستفيد الحياة، لأن الطائر يكون متنبهاً دوماً لأي خطر قادم للخرتيت من جهة معينة، فيصدر صوتاً يحذر الخرتيت من ذلك!

قلتُ:

جميل جدًّا، وهل نجد تعاوناً بين عالم الأحياء في الحيوانات، وعالم النبات، كعالمين منفصلين؟

فقال:

نعم من الممكن ذلك، وهذا ظاهر جداً في النمل، والأشجار، فهذا يستفيد، وهذا يستفيد، فهناك تعاون، ومودة، ورحمة، وتكافل، وتبادل منفعة.

قلتُ:

وكيف ذلك؟

فقال:

هناك نوع معين من الأشجار يقوم النمل بعمل بيوته تحته، لأنه تسقط منه ثمار بسيطة، فيها مادة حلوة، يستطيبها النمل فيأكل منها، ويستفيد الغذاء، ويستفيد من ظل الشجرة كذلك.

ولكن ماذا تستفيد الشجرة من النمل؟

الشجرة تهاجمها بعض الحشرات، وأول ما تهاجمها هذه الحشرات فإنها تفرز ثربونات معينة، كالثربون الذي يفرزه النمل ساعة الخوف، فيستطيع النمل أن يترجم هذا الثربون، ويخرج من بيوته، ويشتبك مع هذه الحشرات في معركة شرسة جداً، وبالمناسبة فإن حروب كل الحشرات دفاعية إلا النمل فهي هجومية، فهو الحشرة الوحيدة القادرة على شن حرب هجومية!!!

إذن النمل يستفيد الغذاء، والظل، والشجر يستفيد الدفاع، والحماية.

قلتُ:

الطيور أحياناً يكون لها أصوات، وترددات عجيبة، ما السر في ذلك؟

فقال:

بالطبع، فمثلاً جماعة من الطيور رأت عدواً قادماً، فأول طير يرى هذا العدو، فإنه يصدر صوتاً له صفتان: الترددات العالية، والفواصل المتقطعة، فعندما يكرر هذه العملية، فإنهم يعرفون أنه يوجد عدو، ولحسن الحظ أن مُصدر الصوت لا يُعرف، وهذا لصالح الطيور.

قلتُ:

وماذا عن الحشرات؟

فقال:

الحشرات كذلك، عندما تشاهد خطراً قادماً، فإن الحشرة التي شعرت بهذا الخطر تعمل ثرموناً اسمه ثرمون الإنذار، أو التحذير، وهذا الثرمون عبارة عن رائحة معينة تشمّها كل أفراد مستعمرتها، ومن الممكن أن يشعر مصدر هذا الخطر بأن تلك الحشرة هي التي نبهت باقي المجموعة، فيهجم عليها، فتضحي بنفسها في سبيل بقاء الجماعة.

قلتُ:

من المعروف أن الكلاب بينها تعاون، وهي من الحيوانات التي تعيش على شكل مجموعات؟

فقال:

الكلاب البرية بالذات تكون حاسة الشم عندها في غاية القوة، وهي تعيش في قطعان، والقطيع مكون من 30 كلباً، موزعين كالتالي: اثنين، أربعة، ستة وعشرين، الاثنين الأوائل مراقبين، والأربعة حراس، والستة وعشرين باقي القطيع، فأول ما يأتي خطر قادم تبدأ الكلاب المراقبة بالنباح، ثم ينتقل النباح بدرجة أشد وأعلى إلى الحراس، ثم ينتقل إلى باقي القطيع، فمن الذي علمهم هذا؟! وللعلم هم ﻻ يزيدون عن ثلاثين كلباً!! فمن الذي علمهم هذا؟!

هذا ينفي كل أثر للصدفة نهائياً.

كذلك من صور تعاون الحيوانات فيما بينها: الثيران البرية، أو ما يعرف بثيران المسك، فهذا الثور ثقيل، يبلغ وزنه من 350 إلى 400 كيلو، فعند وجود خطر قادم كنمر، أو أسد، أو ذئب، تقوم الذكور والإناث مباشرة بعمل حلقة، ويجعلون الصغار في مركز هذه الحلقة، فإذا جاء الخطر، خرج له أحد الثيران لمصارعته، وبعد مصارعته يرجع إلى المكان نفسه، حتى ﻻ يختل النظام الأمني، وقد يضحي هذا الثور بنفسه من أجل الاستقرار.

كذلك من الأمثلة على تعاون الحيوانات فيما بينها، وتراحمها: الطيور الصغيرة، في مواجهة البوم، فعندما تواجه الطيور بومة فماذا تفعل؟!

تصدر أصوات استغاثة حتى تشارك الحيوانات الموجودة في المنطقة في ذلك الوقت بالهجوم على البومة وطردها، فهذا نوع من المودة، والرحمة، ومواجهة الخطر جماعياً.

ومن القصص الواقعية التي تحكي التعاون، والتناصر بين الحيوانات، ما ذكره الدكتور جيمي جدول، وهو رجل مستكشف، في رحلته إلى شرق إفريقيا، حيث رأى هذا المنظر بنفسه، وهو أن قطيعاً من الحمر الوحشية، مكون من مائة حمار، أو مائتي حمار، وربما أزيد من ذلك، فحدث أن ثلاثة من الحمر الوحشية تخلف عن القطيع، فهاجمتها الحيوانات المفترسة، فشاهد زعيم القطيع هذا المنظر، فأمر القطيع بالعودة والاشتباك مع تلك الحيوانات المفترسة، وطردها، وخلّص الحمر الوحشية الثلاثة من قبضتها!!

قلتُ:

الدراسات والأفلام الوثائقية تظهر أمراً غريباً عجيباً، وانبهاراً شديداً في قضية تعاون الدلافين مع بعضها، وفهمها، وعملها، فماذا تقول؟

فقال:

عدو الدولفين حيوان مائي اسمه الكوسج، وهذا الكوسج يعتبر الدولفين وجبته المفضلة والمثلى، كمثل الحمار الوحشي بالنسبة للأسد، فأول ما تشاهد الدلافين هذا الكوسج مهاجماً لها، ماذا تفعل؟

تقوم الدلافين بعمل كمين محكم لهذا الكوسج وذلك عن طريق قيام اثنين من الدلافين الذكور بالابتعاد بسرعة عن سرب الدلافين، كي يسحبوه وراءهم، وفي هذه الحالة يأتي باقي السرب، فيهجم عليه من الخلف، ويتخلصوا منه.

كذلك نجد أن غذاء الدولفين المفضل هو سمك التونة، ولذلك يمشي موازياً دائماً لأسراب سمك التونة، وعندما يأتي الصيادون لاصطياد سمك التونة، ونظراً لاقتراب الدولفين من سرب سمك التونة، فمن الممكن وقوع أحدهم في الشباك، ونظراً لثقله فإنه ينزل للأسفل، فيراه زملاؤه، فيذهبوا لإنقاذه من شبكة الصياد، ولكن للأسف الشديد تكون نتيجة هذه المحاولة النبيلة موت معظمهم!!

قلتُ:

ذكرتَ في كتابك: الحيوان يكتب مذكراته، قضية الحيتان الرمادية، والحوت القاتل أيضاً، فهلاّ حدثتنا عن ذلك؟

فقال:

الحوت القاتل هذا من ذوات الأسنان، فلديه سلاحان:

الأول: الأسنان.

والثاني: أنه لا يمشي منفرداً، وإنما في جماعات.

ومن الممكن أن يصاب أحد الحيتان الرمادية لأي سبب كان، فنجد أن أصدقاءه من الحيتان الرمادية تتجمع لتغذيته، وحمايته من خطر الحوت القاتل.

كذلك هناك الحوت الأزرق، وهو أكبر حيوان خلقه ربنا سبحانه وتعالى، حيث يبلغ وزنه 150 طنًّا، وطوله 35 متراً، ومع ذلك نجد أن الحوت القاتل يتغلب عليه، فهذا المسكين ليس لديه أسنان، كمثل شخص ليس معه سلاح، أما الحوت القاتل فعنده سلاحان: الأسنان، والخروج الجماعي، ولذلك تقوم جماعة الحوت القاتل بمهاجمة الحوت الأزرق، ويتطوع حوت فدائي قاتل للانقضاض عليه بأسنانه الحادة، وغرسها في عينيه، وخلعها من مكانها!! فينسال الدم منها، ثم يخمشه في ثلاث مناطق: في عينيه، وفي شفتيه، وفي جفنيه، فيتم القضاء عليه، وبعد ذلك لو بحثنا عن الـ 150 طنًّا، فإننا سنجدها في بطون هؤلاء السفاحين!!

 

قلتُ:

إذن أنت تؤكد أن قضية الصراع من أجل البقاء، وإن كان الصراع موجوداً وطبيعياً في هذا الوجود، إلا أنه ليس هو الأساس.

فقال:

هو موجود لأداء وظيفة معينة، فصحيح أنه يوجد صراع، ولكنه من مقومات الحياة، ومن ضروريات الحياة، وليس هو الأصل.

قلتُ:

في سياق هذا الحديث، وفي كلامنا عن الصراع من أجل البقاء، نذكر وجهاً آخراً ينكره التطوريون، أو يسكتون عنه، وهو التعاون عند الولادة في عالم الحيوان، فهل لك أن تعطينا مثالاً على ذلك؟

فقال:

هناك مثال مهم جداً، وهو أنثى الحوت عندما تلد.

وقبل الحديث عن هذا المثال، أذكر ما قاله داروين عن هذه الحيتان، لنرى مدى التجاوز، ومدى التطرف، والمغالاة، التي وصل لها هؤلاء، فهو يقول: إن أصل الحيتان هو الدببة!! حيث أن الدببة كانت محتاجة لأكل الأسماك الموجودة في الماء، فتدريجياً بدأ شعرها يقل، وتكونت لها زعانف بدلاً من الأرجل، وتكوّن لها ثقب سمعي بدل صوان الأذن الموجود في الدب!!…الخ هذا الهذيان!!!

وهذا كلام ساقط من أصله، لأن الحيتان والدببة كانت موجودة في الوقت نفسه، وهذا ينفي قضية التطور نهائياً، إذ من المفترض أن تنقرض الدببة، لأنها تحولت إلى حيتان، وهذا بلا شك خلاف الواقع.

نعود إلى مثالنا وهو أنثى الحوت، فالحوت في أصله حيوان ثديي، يلد مثله مثل البشر، ويتنفس الأكسجين من الهواء الجوي، فعندما تلد أنثى الحوت، فإنها تصدر استغاثة وهو صوت عالٍ، فتهرع لها أقرب صديقة لها، حتى تقوم بثلاث وظائف وهي:

الأولى: تحوم حولها وهي في لحظة المخاض، ولحظة الضعف، وآلام الطلق، وآلام الولادة كي تحميها من خطر داهم وهو القرش الأبيض.

الثانية: تمسك الوليد الجديد بفمها، وتشده حتى تخرجه من رحم أمه، لأن وزنه ثلاثة أطنان، وطوله ثمانية أمتار!!

الثالثة: بعد سحبه تقوم بضربه برفق ضربة حانية بحيث ينزعج، ويصعد إلى سطح الماء، فتنفتح الرئتان، ليتنفس الأكسجين أول مرة في حياته!! تماماً  كما يفعل طبيب النساء والتوليد حين يضرب الجنين على ظهره حتى يفزع، ويبكي، وتنفتح الرئتان، ويتنفس الأكسجين.

والسؤال هنا: من الذي علم أنثى الحوت أن تأتي لها بوصيفة، أو تصدر صوتاً معيناً؟! ومن علم هذه الوصيفة تلك الوظائف الثلاث؟!!

ونفس الذي يحدث في عالم الحيتان، يحدث في عالم الدلافين، فالدولفين عندما تلد، تصدر صوتاً معيناً، وبعد ذلك تأتي وصيفتها، وتقوم بتلك الوظائف.

كذلك لماذا الفيلة عندما تلد تنتخب إحدى صديقاتها التي تحس أنها أقرب الفيلة إليها، وتأخذها برفق شديد في الشجيرات، أو الأعشاب الطوال، ثم تلد، وعندما تلد يتناوب على تربية الصغير أربعة هم: أمه، ووصيفتها، وخالته، وجدته لأمه!!

لا نملك إلا أن نقول: سبحان الله العظيم، الذي أعطى كل شيء خلقه.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى