بيني وبينكم 2011

بينى وبينكم 2011 الحلقة الثالثة والعشرون انتحار المعذبين

المراقبة الإدارية: انتحار المعذبين

يحدث في بعض الدول أن السجين عندما يخرج من سجنه بعد المدة التي قضاها فيه تكون هناك مراقبة إدارية على عمله، وعلى أسرته، وعلى دخوله، وخروجه، ويمنع من حياته الطبيعية، ويضغط عليه ضغطاً عجيباً، وهذه مسألة خطيرة لها آثار السلبية على كل إنسان بحسب تحمله، فمن الناس من ذهب عبر البحار باحثاً عن ملجأ يلجأ إليه، ومنهم من صبر، وانكفأ، واعتزل، ومنهم من انتحر بسبب هذه العقوبة التي أدخلت صاحبها في حالة ضنكة من النفسية القلقة المتألمة، ومنهم من ناضل، وواجه، وتحدى.

ومن هؤلاء الناس الذين صبروا وناضلوا وقاوموا أخونا الأستاذ طارق السوسي، أستاذ الفيزياء، الذي رغم إعاقته – وإن كانت الإعاقة الحقيقية هي الإعاقة النفسية العقلية المفاهيمية الإرادية-، إلا أنه واجه، وناضل ضد العقوبة أو المراقبة الإدارية، فتحول من ناشط سياسي سجن بسبب نشاطه السياسي، إلى ناشط حقوقي يدافع عن حقوق المساجين ظلماً، وعدواناً في سجون النظام التونسي البائد، وينتصر لقضاياهم.

فمن تونس الخضراء، وعلى وجه التحديد من مدينة بنزرت، تلك المدينة الساحلية التي تسمّى: مدينة الجلاء، مدينة طرد آخر مستعمر فرنسي بغيض، المدينة التي قدمت أكبر نسبة من السجناء المضطهدين السياسيين في تونس، كان لي شرف اللقاء بهذا الأستاذ الكبير، والمناضل الشريف، ودار بيني وبينه حوار شيق، مليء بالآهات والحسرات، والأحزان والأتراح، والمآسي والمصائب والنكبات، والبطولات والتضحيات والتحديات.

بدأت حواري معه قائلاً:

أستاذ طارق: لماذا اعتقلت؟

فقال:

لقد سجنت من أجل أفكاري السياسية في إطار مرجعية إسلامية، وقضيت ما يزيد على عشرة أشهر في السجن للمرة الأولى، ثم خرجت بعد ذلك، إلا أن المأساة الأكبر كانت في السجن الكبير!! الذي هو في واقع الحال خارج أسوار السجن الذي نعرفه كلنا! حيث مورست في تلك الفترة ممارسات خطيرة جداً على كافة المساجين المسرحين، فقُدِّم السجناء الإسلاميون إعلامياً بطريقة جعلوا من الإسلامي فزاعة وموطن إرهاب يجب مقاومته!!

 

قلتُ:

دعنا نتكلم بصراحة ووضوح أكثر، ونتجاوز كل الخطوط الحمراء كما يقال؛ لأن المسألة مسألة تاريخية، ومسألة ظلم واضطهاد وتعسف…

أنت كسجين مسرّح ما الذي وقع عليك في هذه المراقبة الإدارية؟

فقال:

المراقبة الإدارية كانت تستهدف الشخص بكل جوانبه، إنسانياً، واجتماعياً، واقتصادياً، وتستهدف كل من يحيط بك، سواء كان من العائلة، أو من أصدقائك، فبعد محنة السجن، والفصل من العمل، أصبحت المراقبة الإدارية سبباً من أسباب منعك حتى من لقمة العيش، وتمنع من التحاور أو التواصل مع أي كان من أصدقائك، أو أي من الناس الذين يحيطون بك، بل لا يجدون حرجاً في أن يقفوا حجر عثرة أمام أعمال أقربائك من العائلة، ويمنعوهم إن أمكن لهم ذلك حتى من العمل، أو من لقمة العيش، وبالتالي أصبحت عقوبة جماعية!!

قلتُ:

ولكن بعد خروجك من السجن، ومحاصرتك بهذه الطريقة الظالمة، كيف استطعت أن تسيِّر أمورك الحياتية، وتقتات أنت وعائلتك؟

فقال:

بعد خروجي من السجن حاولت العمل في الدروس الخصوصية لمادة الفيزياء في البيت بمقابل، وفي البداية أخبروني برفضهم لأي عمل مهما كان نوعه، ولو كان ذلك في البيت!! أو على الأقل لا بد لي أن أستشيرهم في ذلك، ولم يكن الهدف من تلك الاستشارة إلا أن يمنعوا التلاميذ من الإتيان إلي عبر ترهيب أولياء أمورهم، وأقربائهم، مني!!

قلتُ:

علمنا من سيرتك أنك كنت ناشطاً سياسياً، كيف تحولت بعد ذلك إلى ناشط حقوقي؟

فقال:

صدقت، ففي تلك الفترة منع أي نشاط سياسي لا يطبل للسلطة، أو يتماشى مع ركاب الاستبداد، وبالتالي فإن أي نشاط سياسي لا بد له أن يكون في إطار التعامل مع السلطة، ولا يمكن لأي ناشط سياسي أن يعارض ديكتاتورية بن علي في تلك الفترة.

قلتُ:

لكن الدعوة الدينية إذا خرجت عن الدائرة السياسية، كالمساجد، والحجاب، والمحاضرة عامة، فلماذا تمنع؟

فقال:

في كافة الفترات التاريخية لمنظمة الاستبداد في تونس كان هؤلاء الطغاة يواجهون في كل فترة المعارضة بمقاومة الأيديولوجية التي يحملونها، بل إنه في فترة من الفترات قال بورقيبة: إن الشيوعيين الملحدين يجب مقاومتهم!! ولما جاء التيار الإسلامي إلى العمل السياسي فعلاوة على مواجهة تلك المعارضة في نفسها بتشويهها، فإنهم واجهوا أيضاً المبدأ الإسلامي نفسه، وحاولوا بكل الوسائل مواجهة الينابيع الإسلامية بطريقة مباشرة بحيث تسهل عليهم مواجهة الحركات ذات المرجعيات الإسلامية.

قلتُ:

سمعنا أن كثيراً ممن مورس في حقهم العقوبة الإدارية أو المراقبة الإدارية بعد السجن تمنّوا لو أنهم عادوا إلى السجن، فهل هذا صحيح؟!

فقال:

نعم بكل تأكيد! حيث أن ما يعيشه السجين المسرَّح بعد خروجه من السجن هي عذابات أكثر بكثير من عذابات السجن، فهو في السجن وإن فقد حريته، فإنه بإمكانه على الأقل الحديث مع من يحيطون به من السجناء، لكنه في الخارج لا يمكنه الحديث مع أي شخص آخر؛ لأنه يخاف أن يصبح الشخص الذي يحاوره محل شبهة، أو يعرض للتنكيل، أو ربما للسجن!! بحكم أنه قام بالسلام على شخص مشبوه فقط، فما بالك بمن يجلس معه؟!!

قلتُ:

هلا أخبرتنا ما قصة تحولك من ناشط سياسي إسلامي، إلى ناشط حقوقي؟

فقال:

بعد هذا الظلم الذي حدثتك عنه، فإن طريقة المقاومة كانت مختلفة من شخص إلى آخر، فهذا التعذيب والتنكيل أدى بالبعض إلى الانتحار! وبالبعض الآخر إلى الجنون، فلمواجهة هذه الوضعية حاولت أن أستغل مناخات الجوانب القانونية، والحقوقية، للدفاع عن نفسي لمواجهة المراقبة الإدارية غير القانونية، فقمت بمواجهتها، والامتناع عن الامتثال لها، فما كان من سلطة الاستبداد إﻻ وأن أوكلت إلي تهمة كيدية ادعت فيها أنني مارست العنف الشديد، وقمت بسب الذات الإلهية مع تاجر!! لأنهم لم يجدوا رداً قانونياً على امتناعي عن المراقبة الإدارية التي تستغل لتنفيذ ومحاصرة كل المساجين المسرحين بعد السجن، وبعد خروجي من السجن أصبحت من أنصار، ومن أصدقاء رابطة حقوق الإنسان، وأصبحت أدافع عن كل المساجين المسرحين، وما يعانونه ﻻحقاً من ظلم من هذا المستبد الطاغية (بن علي).

قلتُ:

وهل تدافع عن المساجين المسرحين بكل طوائفهم من غير تمييز؟

فقال:

نعم. وهذا ما يؤكد عليه العقل، والدين، والواقع، والإنسانية، والشعور.

قلتُ:

حدث لك موقف إعلامي أيضاً أدخلك في متاهة، فما هو هذا الموقف؟

فقال:

كان ذلك على أثر بيان لي في فرع بنزرت للجمعية الديوانية للدفاع عن المساجين السياسيين، حيث بينت كيف تم اختطاف مجموعة من الشبان ذوي الميول الإسلامية، وانتهاك حرمة بيوتهم بدون إذن قضائي، وبطريقة أسميتها الاختطاف، ونشر هذا البيان في النشرات الإلكترونية، ومواقع التواصل الاجتماعي، ثم خاطبتني إحدى القنوات الفضائية العربية المشهورة، والجريئة، وعلى إثر هذا اللقاء الإعلامي الذي دام ما يقارب ثلاث دقائق في النشرة المغاربية الإخبارية سنة 2008، وقع اختطافي بمثل الطريقة التي حدثت مع أولئك الشبان الذين دافعت عليهم، حيث قام العساكر باقتحام البيت، ومداهمته، ورمي عكازي تحت أقدام زوجتي، وابنتي التي عانت مثل بقية شباب تونس من القمع، والظلم، الذي عاناه آباؤهم في المرحلة المستبدة السابقة.

قلتُ:

والآن إلى أين تمضي؟ وما العمل الذي تنوي مزاولته ﻻ سيما بعد زوال النظام الظالم، ومجيء الحالة الجديدة، أم أنك ستستمر في مجال الحقوق، والدفاع عن المساجين؟

فقال:

نعم، سأستمر، وعلى كلٍّ هذا سابق لأوانه، ولكن الباب الآن مفتوح لكل الناس، وللسياسيين، حتى يدلوا بدلوهم، وحتى نحقق قاعدة العدالة، وحقوق الإنسان في بلداننا العربية، والإسلامية.

قلتُ:

كيف كان شعورك بعدما سقط النظام، وهروب رمزه، واختفاء الطغيان السياسي الرسمي، وبداية الإصلاح في تلك الليلة المشهودة؟

فقال:

أول شيء فكرت به هو فرحة هذا الشعب المضطهد والمكلوم الذي لم يسمح له في الفترة السابقة أن يطالب أن أو ينطق بالحرية إﻻ عبر نخبه، ومناضليه في المجتمع المدني، وفي الأحزاب السياسية التي حاولت النضال، وبالتالي شعرت أن شعبنا تنفس الصعداء حين ذاك.

كانت هذه آخر كلمات نطق بها هذا الأستاذ المناضل في لقائي به، ونحن نتمنى له ولكل الشعب التونسي مستقبلاً أفضل، وأزهر، في ظل الإسلام والحرية والعدالة.

وبعد هذا اللقاء إلى مكان يخيم عليه الحزن والحسرة والألم!!

إنها القلعة العثمانية!! ذلك المكان الذي ألقى أحد المنتحرين بنفسه منه ليتخلص من هذه الحياة البائسة بسبب التعذيب الذي أدخله في حالة نفسية معقدة!!

وقفت هناك، وجال في خاطري كلام كثير، وأسئلة شتى، والتقيتُ بالأخ فوزي الصدقاوي، عضو المكتب التنفيذي للجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين في تونس، وسألته:

كيف حصل هذا الانتحار لذلك الأخ؟

فقال:

لعلكم تعلمون أن المساجين السياسيين حالما يسرحون يلاحقون أمنياً بموجب أحكام أحياناً، وبموجب قرارات أمنية أحياناً أخرى، بما يسمّى عقوبة تكميلية، وهذه العقوبة التكميلية تعد أشد عقوبة من العقوبة الأصلية وهي السجن، فالسجين يعتقد حين يسرح أن محنته قد انتهت عند خروجه من بوابة السجن؛ لكنه يفاجأ بعد خروجه أن أشد ألوان العذاب ستواجهه، ومن هذه العذابات المعاقبة الإدارية، وهي التي تستوجب عليه أو يفرض عليه فيها أن يوقع على سجلات حضور لدى مخافر الأمن بالمنطقة، ويحظر عليه مغادرة محل إقامته أو منطقة سكناه إلى منطقة أخرى إلا بإذن.

ولذلك فإن بعض المساجين يترددون على مخافر الأمن أكثر من خمس أو ست مرات في اليوم للتوقيع!! وهذا في واقع الأمر يحيل حياتهم إلى جحيم؛ لأنه لن يكون بإمكانه أن يعود، ويستعيد حياته بعد السجن، ولن يكون بإمكانه العمل لدى أي رب عمل.

قلتُ:

وماذا عن هذا الأخ المنتحر بالتحديد؟

فقال:

نحن لا نزكي على الله أحداً، ونعتقد أن الرجل دفع دفعاً إلى ذلك.

قلتُ:

نحن لا نبرر الانتحار، وهو بلا شك خطأ كبير، ومعصية عظيمة، لكننا نتفهم الحدث، ونرجو أن يعذرهم الله سبحانه وتعالى؛ لأنهم مروا بحالة نفسية يفقد فيها الإنسان التوازن العقلي فيقع في هذه المشكلة الكبيرة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على ذلك الظلم الذي وقع على هؤلاء المساكين، ويدل على خسة وحقارة تلك الأنظمة التي لا تجد أدنى حرج في إهانة الإنسان في أبسط الأمور، والتنكيل به هذا التنكيل.

ثم قلتُ للأخ فوزي:

هل بإمكاننا زيارة بيت ذوي هذا الشاب المنتحر، والاستماع إليهم؛ لكي نستطلع أكثر، ونأخذ من هذه التجربة ما ينفعنا في حياتنا بأذن الله؟

فقال:

بكل تأكيد.

انطلقنا متوجهين إلى بيت عائلة عبد الرزاق بربرية، حيث الأحفاد، والأقارب، والأرحام، والزوجة التي عانت، وجاهدت، وضحت.

توجهت إليها بالسؤال:

أريد منك أن تنقلي لنا هذه التجربة، وهذه التضحية، وهذا الجهاد المشرف، فنحن لا ننقل معاناة، ومأساة، وإنما ننقل جهاداً، وتضحيات من أجل الهوية، والعدالة، والحق، فما الذي حدث مع زوجك حتى أقدم على هذا الشيء؟

فقالت:

الشهيد عبد الرزاق بربرية اعتقل سنة 1991، وبقي في السجن خمس سنوات ونصف، عُذِّب خلالها تعذيباً شديداً لا يمكن وصفه، نفسياً، وجسدياً، بل إنه عندما كان يخرج إلينا في الزيارات، فإنه يكون متعباً نفسياً، وجسدياً.

وبعد خروجه من السجن بشهرين وعشرين يوماً انتحر!! وقد صدم ابني بعد هذه الحادثة صدمة كبيرة إلى يومنا هذا لدرجة أنه أقلع عن الكلام!!

قلتُ:

وهل قرار الانتحار الذي اتخذه كان ناتجاً عن دعوته للتوقيع في المخفر؟ أم لأنهم كانوا يهينونك أنت عند الذهاب إليه؟

فقالت:

بصراحة أقول: إنني أعذره في الذي أقدم عليه من شدة ما وقع معه! لقد تعذب نفسياً، حيث كانوا يضربونه أمامي في المخفر، على صدره، ووجهه بأحذيتهم!!

قلتُ:

ولماذا كنتِ تذهبين إلى المخفر؟

فقالت:

هم من طلب منه ذلك!! فقالوا له: احضر زوجتك معك، وهذا أثّر عليه كثيراً.

قلتُ:

وكيف كنتم تتواصلون، وتتعاونون، وتتراحمون في ظل غياب الزوج؟ وهذه المراقبة الإدارية المشددة من قبل نظام ديكتاتوري مجرم؟

فقالت:

كل شيء كان يتم بسرية، سواء في الزيارات، أو الإعانة المادية، كل ذلك كان في خفاء! حتى الأدوات المدرسية التي نحتاجها للأولاد، وما نحتاجه للمعيشة كان يتم في الخفاء! بل أننا لا نستطيع أن نلبس ملابس غالية لكي لا نجلب الأنظار إلينا؛ لأن كل شيء تسأل عنه في المخفر من أين لك هذا؟

قلتُ:

أم شمس… أنتم ضحيتم كثيراً، والحمد لله أنكم نجحتم في هذه التضحية بالثبات على دينكم، ونجحتم في إعطاء صورة للعالم لمعنى الاعتصام بالمبدأ، ومعنى الجهاد في وجه الطغيان، والحمد لله أن هذا التحمل جاء في سبيل الله، وفي طاعة الله، نحن نبارك هذا الجمع الطيب، ونترحم على كل من استشهد، وقضى في سبيل الله سبحانه وتعالى.

كانت تلك آخر كلماتي في ذلك البيت المفجوع بفقد معيله ورأسه.

لا أملك في نهاية المطاف إلا أن أشكر هذه الأسرة المجاهدة، وأن أنوه بأنه لولا دعم المرأة التونسية، وصبرها، ومعاناتها، وموقفها الحاسم، والحازم، والمجاهد، لما انتصرت هذه الثورة، فهي التي غذت هذه الثورة، وهي التي أعطت المعنى الحقيقي لدور المرأة، وليس المعنى الاستعراضي الذي يسوقه الإعلام العربي، وغير العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى