بيني وبينكم 2011

بينى وبينكم 2011 الحلقة الثانية احترام الذات ج 1

احترام الذات ج1

(إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)…

هذا نص نبوي شريف، عندما نتأمل هذا النص، نجد فيه:

أولاً: الموضوعية: فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: جئت لكي أأسس أخلاقاً جديدة على إنسان فارغ، معدوم من أي قيم، ومن أي موروث يساعده في إنسانيته، وإنما قال: جئتكم وعندكم أيها البشرية بقايا من قيم، وأعراف، فالإنسان كائن أخلاقي، وليس كائناً غريزياً مطلقاً، ومن ثم لا بد أن تكون هناك علاقات؛ وهذه العلاقات تنشئ قيماً، وأخلاقيات….

فهل كل ما نشأ من الإنسان من قيم يكون باطلاً، فتأتي الأنبياء ليمسحوا كل ما هو موجود في تاريخ الإنسانية ممن تأخرت عنهم الرسل؟

أم أن النبي يأتي فيضيف، ويهذّب، ويكمّل، ويجدّد، انطلاقاً من قاعدة كلية هي الأصل الجديد ألا وهي العقيدة، أما البقايا المتناثرة من الأخلاقيات، وبعض القيم، ففيها ما هو مقبول بعد أن يدخل في دائرة العبودية العامة مع القصد، والنية، والإرادة، فتتحول الأخلاق من مجرد علاقات مصلحية إلى عبودية لله سبحانه وتعالى.

نحن اليوم نعيش في عصر أزمة أخلاق، وأزمة قيم، فالكل يشكو، ففي المدرسة شكوى، وفي البيوت شكوى، وفي العلاقات التجارية شكوى، وفي المطارات شكوى، وفي الملاعب شكوى، وفي السوق شكوى!!

لماذا كل ذلك؟ وما الذي حدث لنا؟

ومن هذا المنطلق سيكون الحديث عن قيمة عظمى في حياة البشر جميعاً، إنها:

قيمة الاحترام

إنها قيمة إنسانية مطلقة، لهذا الكائن المخلوق الذي يسمى بالإنسان، بقطع النظر عن أي انتماء ينتمي له، فما دمتَ إنساناً، فأنت كائن محترم.

وسوف أبين أن في هذا الإنسان خاصية التقدير، والكيان، والاحترام، حتى قبل أن يفترق الناس بحسب العقائد، والملل، والمذاهب، ولذا فإن أروع كلمة تقال للإنسان إذا أخطأ على الآخرين، أو أساء الأدب، أو فعل فعلاً مخلاً، أن نقول له: احترم نفسك!!!

نعم،،، احترم نفسك، وإلا احترم الآخرين؟

لأنك بعدم احترام الآخرين تسيء لنفسك، وتكشف عن رصيدك الأخلاقي، وعن تربيتك، ومن أي أسرة تنحدر، وكيف تلقيت قيمك.

أحياناً يتوسع الظلم في إصدار الأحكام، فعندما يخطئ شخص ما، نجد البعض يقولون عنه: هو غير محترم، ومن بلد غير محترم، ومن عرق غير محترم، ومن أسرة غير محترمة، ومن قبيلة غير محترمة، ومن مذهب غير محترم!!

فطبيعة الإنسان أنه يعمم في لحظة الانفعال، وهذا ظلم كبير.

أما نحن فنقول له: احترم نفسك!!

فما معنى كلمة الاحترام؟

الاحترام كلمة غير عربية، وإنما هي كلمة فارسية معربة، ومعناها الإجلال، والتقدير، والتوقير.

في علم التربية، وعلم النفس، هناك ما يسمى بمثلث ماسلو، أو هرم ماسلو، وماسلو هذا هو عالم غربي قام بوضع هرم لحاجات الإنسان، وتسلسلها، فما هو هذا التسلسل؟ وما هي أهم الحاجات عندك؟

هناك الحاجة للأمن، والحاجات البيولوجية الضرورية، والحاجة للانتماء (قبيلة، وطن، أسرة، تيار)، والحاجة إلى المعرفة، وعطش المعرفة، ولكن من أهم تلك الحاجات: الحاجة إلى تقدير الذات، وقد كانت حاجة متقدمة في هرم ماسلو، ويكملها أو يسبقها الحاجة إلى الحب! فلن يحبك أحد إلا لأنه يقدرك.

إذن الحاجة إلى تقدير الذات، وإلى أن أحوز الاحترام في عيون من أعيش بينهم في الأسرة، وفي المجتمع، وفي الوظيفة، لا شك أنه شيء مطلوب، وجزء من فطرة الإنسان، وكيانه الداخلي، والرسول صلي الله عليه وسلم، وهو ينشئ هذا الاحترام، والتقدير، في حياة الإنسانية يبدأ بعدما دخل المدينة في تأسيس مجتمع جديد، وهو خليط من الانتماءات، فهناك مشركون، وثنيون، ويهود، أهل كتاب، ومسلمون جدد من أهل المدينة، فسيفساء!

فكيف له أن يحقق الاحترام، ويوجد التعايش، وينزع فتيل الغيرة، والتوتر؟

قال عليه الصلاة والسلام: “أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام“، كلام يستحق أن يكتب بمداد من نور، على صفحات من ذهب:

أفشوا السلام: قيمة اجتماعية، سهلة، مباشرة، تتخلل شبكة العلاقات الاجتماعية، وهي لا تكلف شيئاً.

النبي صلى الله عليه وسلم يقول لك: (سلم على من تعرف، ومن لم تعرف)، ويعلمنا آداب السلام، فالصغير يسلم على الكبير، والماشي يسلم على الجالس، والراجل يسلم على الماشي.

لماذا نغضب، ونتضايق حين يمرّ أحدهم ولا يسلم، مع أنه لم يعتدِ علينا!! ولا قال كلمة نابية!؟ فبعض الناس لا يسلم على العمال، ولا على السواق، بعض الناس يتعالى، ولا يسلم على الخدم، وفي المصافحة تجده يسلم على رجل الأعمال، وعند السائق يمر ولا يسلم عليه!!

إن فعله ذاك يوحي إلينا أنه متكبر، وينظر إلى الآخرين على أنهم لا شيء، وهذه ليس صفة المسلم الحق، فهل هو مخلوق من ذهب، وفضة، وغيره مخلوق من طين؟!!

مثل هذا الفعل يؤثر في النفس كثيراً، سلباً وإيجاباً.

وهو عند النساء أشد وأنكى، وهذا معلوم ومشهور.

فالسلام أحد المؤشرات الأولية البديهية السهلة على قضية مدى احترام الناس بعضهم لبعض.

والمشكلة أن هذا الأمر يحدث أحياناً من غير قصد، لكنه لأنه أصبح عادة عند ذلك الإنسان، وسكن هذا الفعل في عقله الباطن، تحول إلى آلية لا ينتبه لها الإنسان!

أطعموا الطعام: قيمة تدفع الحاجات للمعوزين، وتجعل الإنسان يحس بافتقاره إلى الآخرين، وافتقار الآخرين له، وأن يكون إنساناً في مساعدة الآخرين، وهذا جانب مادي.

صلوا الأرحام: الجانب التراحمي.

ثم أعطانا مقياساً آخر يشمل هؤلاء كلهم، ويشمل هذه العناصر كلها، ألا وهو:

صلّوا بالليل والناس نيام.

إذن:

احترم نفسك

ولكن… متى نقول هذه الكلمة للآخرين؟

إذا رأيناه أساء لغيره، أو تصرف تصرفاً غير لائق، أو قام بسلوك يرفضه الآخرون، أو سلوك جارح.

والمعنى: أنك أيها الإنسان إن لم تحترم الآخرين، فأنت لم تحترم ذاتك!!

إن رؤيتنا للإنسان أنه كائن محترم، مخصوص فريد في هذا الكون، فرب العالمين يقول في القرآن الكريم: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً}، ولقد كرمنا بني آدم، فلم يقل المسلم، ولا المؤمن، ولا الموحد، وإنما جنس الإنسانية.

ولذا فالتكريم إما تكريم النوع أو الجنس الإنساني، أو تكريم الاستسلام هو أرقى من الأول، ويكون ذلك إذا التزم هذا الإنسان، وحقق العبودية، قال تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}.

والدليل على أن الإنسان كائن مكرّم، أحداث كثيرة، من أهمها:

النظرة القرآنية لهذا الإنسان، فنحن نقرأ في كتاب الله تعالى كيف سخر الله سبحانه وتعالى الكون لهذا الإنسان، وكيف جعله خليفة في الأرض؟ وكيف أراد منه أن يقوم بالحضارة؟

الحضارة في المفهوم الإسلامي تعني: عمارة الأرض وفق المنهج الرباني، وليس وفق المنهج المادي.

احترام الإنسان يظهر جلياً عندما تمرّ جنازة، وللموت جلالة وهيبة، فيقف النبي صلى الله عليه وسلم للجنازة التي مرّت، فيقول الصحابة: إنها جنازة يهودية! ظنوا أنه لا يعلم ذلك، فقال كلمته الخالدة: أوليست نفساً؟!

بمعنى أنها تحترم، لأنها بشر ممن كرمه الله تعالى.

ومن هنا كان جائزاً بل مستحباً أن تزور المريض في المستشفى، ولو خالفك في دينك، أو في عقيدتك.

فالتربية تأتي بالتدرّج، ولذا جاء في الحديث:(لا يقل أحدكم عبدي، وأمتي، وليقل فتاي، وفتاتي)، هناك أناس يتفننون في قضية الذوق، ومراعاة مشاعر الآخرين، وهذه صفة إنسانية ليست موجودة عند الجميع.

الرسول صلى الله عليه وسلم عندما بعث رسائله لدعوة الملوك والسادة خاطبهم بما يناسب المقام، وبما يناسب أحوالهم، فها هو يبعث برسالة إلى هرقل يقول فيها: من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم!! نعم، لأنه عظيم عند قومه، ومبجل، وذو شأن، وهذه علاقات دبلوماسية، فيجب أن يخاطبه بصفته، وليس باسمه المجرد.

إن موضوع الاحترام متخلخل في كل سلوكنا، فالقرآن الكريم يربي الناس على ذلك في كل صغيرة وكبيرة، فالله تعالى يقول: (قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى)، يتصدق ويؤذي الناس بالمنّ عليهم!!!! هل هذه صدقة ؟! كلا.

وقد بيّن سيد قطب رحمه الله تعالى أن هذا الذي يعطي، ويؤذي، فيه أمراض ثلاثة:

الأول: الاستعلاء الكاذب.

الثاني: رغبة في إذلال الآخذ.

الثالث: رغبة في لفت أنظار الناس، فالتوجه إذن للناس، لا لله بالعطاء.

أين هذا من ذاك الشخص الذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يخفي الصدقة؛ حتى لا تعلم شماله، ما أنفقت يمينه!! أين نحن من هذه القيم الراقية؟

هذه صورة مختصرة عن قيمة الإنسان في الأديان الإبراهيمية، وبالأخص في الدين الإسلامي الخاتم.

ولكن…

هل العلمنة المادية لا تحترم الإنسان؟

أقول:

إن لهم معاييرهم الخاصة في احترام الإنسان، لكنها معايير ليست طردية، بمعنى أنها تصلح للبعض دون الآخرين!! وهي كذلك ليست ثابتة، فربما يصبح مدحاً وثناء ما كان يعد في السابق ذمًّا وقدحاً!!

وأقول لأبنائي وبناتي المنبهرين بالغرب، وثقافته، ومبادئه، وفلسفته، وأنه المثل الأعلى في احترام الإنسان، أقول: لا تحكم على الشيء حتى تجربه، وإياك أن تنشغل بالتفاصيل عن الفكرة الكلية، والخلاصة النهائية لهذا المذهب أو تلك الفلسفة!!

فمثلاً:

جامبل ثارتر: فيلسوف الحرية، الذي ركّز على حرية الإنسان، وتحمس لها، وانتصر للإنسان، ولحريته، ولكن: ما هي رؤيته لذاته؟

في سيرته الذاتية يقول: كان حظي أن أنتمي إلى ميت، يقصد أباه، كان ذلك الميت قد أفرغ بعض قطرات من مني شكّلت هذا الإنسان!!!

أي أن الإنسان في نظره عبارة عن مركّب تافه، ويصف أباه بالميت، والذي ليس بينه وبينه أي علاقة!!

كذلك هوبز: هذا المنظّر الاجتماعي الاقتصادي الكبير، شبّه الإنسان، وقال: الإنسان ذئب لأخيه الإنسان! أي أن الأصل في الإنسانية هي التوحش، وسمى الدولة بالدولة الغول، أو الدولة التنين، التي تفرض القانون؛ لكي لا يعتدى الذئاب بعضهم على بعض!!!

وهذا ستينوزا: عالم وفيلسوف التنوير، شبّه الإنسان بحجر يقذف هكذا في الخلاء، ويمضي إلى حيث لا يدري.

وكذلك نيوتن: شبّه الإنسان، والكون معه كله ،بالآلة الزنبركية الآلية التي فقدت الإرادة.

أما دارون: فقد قرّب الإنسان من القرد.

وكذلك فرويد: عالم النفس التحليلي، قال: إن القرد يسكن في داخلنا.

وهذا ميشيل فوكو: أكبر فلاسفة فرنسا، يقول: إن هذا الإنسان عبارة عن نقوش على التراب، تكتسحها الأمواج.

وكذلك جاكي دريدا: شبّه الإنسان بشيء يخرجه الإنسان في دورة المياه!!

إذن:

الفلسفات المادية تختزل الإنسان، وتحتقره، وتنهيه.

من المحاور في هذا الموضوع: أن الاحترام يدخل الناس الإسلام، كيف ذلك؟

يقول عليه الصلاة والسلام: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)، إن المبدأ الكلي هو التقوى، والتقوى هي السلاح الأقوى، فهي تحجزك عن أشياء كثيرة، لكن الإنسان بشر، فيضعف، وليس بمعصوم فيخطئ، فأعطاك العلاج بقوله: أتبع السيئة الحسنة تمحها، ثم أعطاك الارتياح العام، والسلوك الكلي، بقوله: وخالق الناس بخلق حسن.

لن أذهب في الأمثلة بعيداً، فهذا الدكتور عبد الرحمن السميط رحمه الله تعالى، يذهب إلى إفريقيا، إلى الوثنيين، والجهلاء، والنصارى، للدعوة إلى الله تعالى، فيذكر أن الذين يعملون معه كان يختارهم من غير المسلمين، سواء في الحمل، أو في قيادة السيارات التي تحمل المواد الغذائية، أو في البيت أو في المكاتب!! ومع ذلك لم يقل لأحد منهم ولا مرة واحدة: أسلم!! ولكن العجب أن كل الذين عملوا عنده، ومعه، وهم بالعشرات قد أسلموا! لماذا؟

لأنه: خالق الناس بخلق حسن، فالإنسان يجب أن تخالقه بخلق حسن، وأن تتلطف معه.

وأمر آخر ألا وهو: احترام الخصوم، بمعنى أني قد أختلف معك في فكر، أو مذهب، أو ربما في أصل الدين، ولكن مع ذلك أحترم إنسانيتك.

ونحن هنا يجب أن نفرق بين الذات، وبين الفكرة، فأنا أحب له الخير، لكنه فكرته خاطئة، بعض الناس يجامل، فيقول: أنا أحترم رأيك؛ لكنني أختلف معك! أقول: هذا غلط، فأنا لا أحترم رأيك، فأنت تعبد حجراً، أو شجراً، أو تدعو ميتاً، كيف لي أن أحترم رأيك؟ هذا تناقض، والناس يقولون كلاماً، ويكررونه دون أن يدرون ما معنى هذا الكلام؟

والحق: أنني لا أحترم رأيك، ورأيك عندي ضعيف، وتافه، لكنني أقبلك في حوار، وأقدرك كإنسان، وأحترم ذاتك، وليس رأيك! فليس كل رأي يحترم، وفرق بين الرأي، وبين الشخص.

كما أنني أفرق في الحوارات بين أدبيات الحوار، وبين طبيعة المحاور، فقد يعلو صوتي، وأتوتر، وأغضب أثناء محاورتك، إلا أنني في المقابل لا أخطأ عليك، ولا أسبّك، ولا أجرحك.

نحن بحاجة إلى معرفة ذواتنا، فقد شغلتنا الحسّيّات، والماديات، والأنانية، وأصبح الواحد لا يرى إلا نفسه، ولا يرى الآخرين، هذا عيب، فأنت إنسان، أنت كائن عظيم، أنت الخليفة في الأرض، أنت مكلّف أن تكون محققاً للعبودية في هذه الدار، فلا يليق بك أن تكون بتلك الأخلاق.

من القصص الواقعية التي حدثت معي شخصياً، وتأثرتُ بها كثيراً، واستفدتُ من الكثير من الدروس والمواقف:

الفتاة عابدة الشيطان!!

لا يتجاوز عمرها الـ 18 سنة، وتفتخر بعبادتها للشيطان!!

طلبت مقابلتي عن طريق أحد الأصدقاء، للحديث معي في بعض المواضيع الخاصة، قلتُ: لا بأس. وحددنا موعد اللقاء. جلستُ أنتظر قدومها، لكنها تأخرت عن موعدها قرابة الساعة، أو يزيد، ثم حضرت بعد ذلك.

فوجئت عندما رأيتها، فإذا بها تلبس لباساً يكشف أكثر مما يستر!! قلت في نفسي معزياً: ليس بعد الكفر ذنب! فإذا كان عقلها قد قادها لعبادة الشيطان، فلا غرابة بعد ذلك أن تفعل ما تشاء من المنكرات!

وكان قد حضر معها صديقها! وكأنه في حكم البدي جارد كما يقال!

جلسنا سوياً وبدأنا نتجاذب أطراف الحديث، وحاولتُ كسر الحواجز بيننا؛ لتتكلم بما عندها، سألتها عن عائلتها، ودراستها، وثقافتها، وغير ذلك، وهي تجيب، ثم سألتُ صديقها: هل أنت كذلك عابد شيطان؟!! فقال: أعوذ بالله، والكنني صديقها فقط!!

قلتُ: هاتِ ما عندكِ يا ابنتي.

فقال: أنا ما جئتُ لتنصحني، وتلقي علي المواعظ، وإنما جئتُ أنا لنصيحتك، وتعليمك ما تجهل.

قلتُ: لي الشرف في ذلك. تفضلي.

فقالت: أنا أريد أن أصحح معلوماتك، فأنت قد غلطت علينا كثيراً، وعملت حلقات في قناة الرأي عن عبدة الشيطان، وتجنيت علينا كثيراً، بل حتى مقالاتك فهي غير دقيقة!! أنت يجب عليك أن تراجع معلوماتك.

قلتُ: بإذن الله سأراجع معلوماتي، ولكن الكلام الذي قلته، إنما هو نقل عن أناس منكم عبدة الشيطان قابلتهم!

فقالت: هؤلاء لا يمثلوننا، وهم غير فاهمين ما يحدث! وقالت: أنت يجب عليك أن تذهب وتمارس طقوسنا ميدانياً، فتذهب إلى الكنيس الفلاني، الذي نذهب له كل سنة في بريطانيا، ونقدم الطقوس، ثم ترى الأمر على حقيقته، ومن ثم تحكم.

وبدأت تنصحني، وتعلمني، وتصحح لي جهلي، وضعفي، وعدم تحضيري، وأنا جالس أمتص تلك البنت، التي أنظر لها كأنها ابنتي، وبمنظور الشفقة، ومنظور حب الخير لها.

قلت لها: وما الذي أعجبك في الشيطان؟

ولاحظ عندما ينتقل الانحراف من مجرد نزوة، ومراهقة، إلى أن يصبح منظومة فكرية، مبررة أيديولوجيا.

فقالت: نحن نعبد الشيطان، لأن الشيطان عبقري، وذكي، واستطاع يقنع أكثر البشر! نعبد الشيطان لأنه فتح لنا باب الحرية المطلقة! نعبد الشيطان لأنه لا يجعلني أأنب ضميري! نعبد الشيطان لأنه لن يتركنا!!

قلت لها: كيف لن يترككم؟

فقالت: لأنه يوم القيامة سوف يدخل النار معنا، ولن يتركنا لوحدنا!!

لم أصدق ما أسمع من تلك الفتاة، ذهلتُ كثيراً، ما الذي تقوله هذه البنت؟!! إلى أين وصل تفكيرها؟!

وبدأتُ أفكر: هل أدخل في حواري معها من باب نظرية علم النفس المعرفي، أم أدخل من الجدل المنطقي البحت، والنقض العقلي، أي مدخل سوف يسعفني؟!

فجمعتُ بين أكثر من مدخل باعتبار السن، والأبوة، وقدرتُ الموضوع…

وقلت لها: ومن قال لك يا ابنتي إن الشيطان ذكي؟

ثم قلتُ: ما رأيك بما قاله الدكتور صبري الدمرداش؟

قالت: وماذا قال؟

قلتُ: إنه يقول: اكتشفتُ أن الشيطان غبي، وبليد، فيزيائياً!!

فالشيطان كان سبب عدم سجوده لآدم عليه السلام، قوله: {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين}، فكان يعتقد أن الطين مادة، والنار طاقة، والطاقة أرقى من المادة!!

وهذا قمة الغباء في إبليس البهيم؛ لأنه لو قرأ لأينشتاين، والنسبية، فلن يقول هذا الكلام أبداً!! لأن الطاقة، والمادة، وجهان لعملة واحدة.

فالمادة، هي الطين، عبارة عن طاقة محبوسة.

والطاقة هي النار، عبارة عن مادة متحررة.

رأيتها قد ذهلت مما تسمع، وكأن هذا الكلام يطرق سمعها لأول مرة في حياتها!!

المهم جلسنا مدة طويلة، نصحتها بما أستطيع، وأعطيت كل ما عندي، وانتهى اللقاء.

وفي الليل اتصل عليّ الأخ الذي رتّب اللقاء بيننا، فقال: إن الفتاة تقول: كان اللقاء اليوم مختلف تماماً عن أي لقاء آخر!!

قلتُ: وما الاختلاف عندها فيه عن غيره من اللقاءات؟!

فقال: إنها تقول: لأول مرة في حياتي أجد شخصاً يقول لي: يا ابنتي هذا غلط! هذا الطريق غير صحيح، في حياتي لم أسمع هذه الكلمة!!

لماذا؟!!

لأن البنت هاربة من بيت أبيها أكثر من مرة، فهي تعيش حياة الحرمان العاطفي، وقد وجدت من يملأ هذا الحرمان العاطفي عند هؤلاء المجرمين!!

تقول: ثم إنني أتيتُ لأنصح الدكتور العوضي، وقد تهجمتُ عليه أكثر من مرة، ومع ذلك لم يقل شيئاُ، ولا عنفني، ولا خوفوني، ولا قال لي لن أقابلك حتى تختمري أو تنقبي!!!

أقول:

الدعوة إلى الله بالسلوك، فأنا قد استفدتُ، وتعلمتُ من هذا الحدث كثيراً.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى