بيني وبينكم 2011

بينى وبينكم 2011 الحلقة الحادية عشر الاسس البيولوجية للايمان

(الأسس البيولوجية للإيمان)

قلتُ:

الماديون، والملاحدة يرون أن الروح التي تتكلمون عنها أنت وأمثالك من المؤمنين هي عبارة عن ناقلات كيميائية، ودوائر كهربائية، أي وصلات، وإفرازات!!!

فكيف نناقش هذا الأمر، وهم يعتبرون الروح قصة بيولوجية؟!

فقال:

هنا يوجد خلط، نعم، فهناك تفاعل بين الجسم والمشاعر الروحية، قال الله تعالى: {إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً}[الإسراء/107]، وقال: {ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً}[الإسراء/109]، وقال أيضاً: {إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً}[مريم/58].

فالبكاء يحتاج إلى ناقلات كيميائية، قال الله تعالى: {تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله}[الزمر/23]، فهذه الآيات تبين أن المشاعر الروحية، والروح، مهما كان اتصالها بالجسم، فلها اتصال بكيمياء الجسم، حتى تعطي كل هذه المشاعر، فهذه كبداية.

ولكن الأبحاث في العلم الحديث سواءً العلم التجريبي، أو علم النفس، أثبتت أن كثيراً من المشاعر الروحية مدموغة في جينات الإنسان، أو في مخ الإنسان! وهذا الذي جعل سيدة عظيمة فاضلة مثل كان أرمسترونج أستاذ الديانات المقارنة تقول: البيولوجيين يسمو بالإنسان! ولأجل ذلك يجب أن توجد في الإنسان بصمات بيولوجية في بنيته.

يقول إدوارد ويرسون أستاذ البيولوجيا الاجتماعية في جامعة هارفارد: إن الإنسان عاطفي بطبعه، وإن هذا الحس مسجل في جيناتنا!

ويقول أيضاً: إن أنثى العنكبوت بعد أن تتزاوج مع الذكر تقتله، وأنثى النحل كذلك!! وليس هذا موجوداً عند البشر، فالإنسان عاطفي بطبعه!

هذا بالنسبة للحس العاطفي.

كذلك يقول روبرت وينسون رئيس الاتحاد البريطاني لتقدم العلوم: إن الحس الديني جزء من بنيتنا النفسية، ومسجل في جيناتنا!!

إذن نحن لدينا ثلاثة أشياء مسجلة في جيناتنا: فطرة الحس العاطفي، والأخلاقي، والديني.

هناك نظرية في علم النفس تسمى المزاجات، والأخلاق الوراثية، بمعنى أننا نرث مجموعة من المزاجات، والأخلاق وراثة.

فالأخلاق التي يُتكلم عنها تورث، أو أن الاستعداد لها يورث، مصداقية الذات، التعاون، تجاوز الذات، تجاوز الذات يقصد الميول الروحية.

فالعلم الآن يتكلم على القضية الروحية على أنها مسلم بها علمياً، وهذه نقلة جديدة في الفكر الإنساني، وهذا يبين فطرة الله التي فطر الناس عليها.

قلتُ:

إذن نحن الآن ﻻ نعتمد على أدلة تأملية، أو مجردات عقلية، بل نتكلم على بحوث معملية؟

فقال:

بالضبط.

قلتُ:

لا شك أننا نعلم جميعاً أن هناك فروقاً فردية بين الناس، ومن ضمنها الذكاء، وقد ذكر الدكتور إبراهيم الخليفي أن أحدهم ذكر للذكاء مائة تعريف، لا يشبه أحدهم الآخر!!

ومع تطور العلم اليوم بدأنا نسمع بالذكاء الروحي، فما علاقة الذكاء الروحي بالكينونة الإنسانية، والجانب الروحي منه؟

فقال:

العالم النفسي الفرنسي الكبير بنيي قام بعمل اختبارات الآي كيو، وهي اختبارات قياس معدل الذكاء، فعمل اختباراً لملكة خاصة، وهي معدل الذكاء المدرسي، ليرى هل أولادنا يدخلون التعليم العادي، أم أنهم يحتاجون لتعليم خاص؟!

إلا أن الناس أساؤوا الفهم، وظنوا أن هذا هو الذكاء، وهذا هو الذي نحكم به على الإنسان هل هو ذكي أم ﻻ؟!!

في الثمانينات طرح هاور جارنر أستاذ الطب النفسي في هارفارد نظرية قوية جداً، ألا وهي: نظرية الذكاء المتعدد!! ومعنى ذلك أنه من الممكن أن يكون الإنسان متخلفاً في بعض النشاطات، ومتميزاً جداً في نشاطات أخرى.

فطرح ثمانية أنواع من الذكاء هي: الذكاء اللغوي، والموسيقي، والرياضي، والفراغي المكاني، وفهم الآخرين، وذكاء فهم الذات، وغيرها، واستطاع أن يحدد مركز كل نوع من هذه الأنواع.

وفي سنة 2003، وعند الاحتفال بمناسبة مرور 20 سنة على طرح نظريته إذا به يفاجئ الجميع بنوعين آخرين من الذكاء هما: الذكاء الوجودي، والذكاء الروحي!!

يقول: إذا كان الذكاء بمفهومنا الذي نعرفه هو فهم ما حولنا، فهناك ذكاء انفعالي: وهو فهم الآخرين، وهناك الذكاء الروحي: وهو فهم النفس!

فالذكاء الروحي أصبح أمراً من الأمور المعترف بها رسمياً، وقد تحدد مركزه كذلك.

والسؤال:

متى نقول إن فلاناً لديه قدر من الذكاء الروحي، والآخر نصيبه ضئيل من الذكاء الروحي؟!

لأنه قد عُملت اختبارات لقياس معدل الذكاء الروحي، ويمكن عن طريقها معرفة حظ الشخص من هذا الذكاء!

والجواب:

أن هناك مكونات لمعرفة هذا الذكاء، منها: إدراك أن العالم المادي جزء من حقيقة أكبر، تربطنا بها علاقات القدرة على طرح الأسئلة المعرفية النهائية: (لماذا جئت؟)، (إلى أين أنا متجه؟)، والقدرة على فهم الإجابة عليها، والقدرة على التسامي على المفاهيم المادية إلى مستوى أرقى، وأسمى، وأعرق.

كذلك من المكونات: الحياة تبع للمبادئ، والعقائد، والمثل، وأخذ المفاهيم الروحية في الاعتبار في تعاملاتنا اليومية، وامتلاك قناعة شخصية تجاه الأمور، وإن اختلفت مع الأغلبية.

أيضاً: التواضع، وإدراك حجمنا الحقيقي في العالم، والشعور بأننا أفراد من فريق قبول الآخر المختلف عنا، والاستجابة لنداء الفطرة لمساعدة الآخرين، والاستقامة الأخلاقية، والتمسك بالعفة، والطهر، والشعور بأن سعادتي تنبع من داخلي، وليس من إنجازي العملي، أو المادي، والتعامل الحكيم مع المحن والشدائد، وأن أترك المكان الذي أنا فيه نظيفا ًكما جلست فيه، وأن أحترم البيئة.

كل هذه عناصر للذكاء الروحي، وهي كل ما ندعو إليه من مكارم الأخلاق، فهي فطرة موجودة في عقولنا، وأكدتها جيناتنا.

قلتُ:

هذا كلام علماء نفسانيين، لكن، هل هناك تجارب حسية، ودراسات تقول بهذا الشيء وتثبته؟

فقال:

نعم، بالتأكيد هناك دراسات تجريبية جميلة جداً، والذي ساعدنا عليها أن العلم استطاع لأول مرة في تاريخ البشرية خلال العشر سنوات الماضية أن يرصد عمل المخ عن طريق: التصوير الإشعاعي باستخدام نظائر مشعة، وتصوير الرنين المغناطيسي الوظيفي.

ومن العلماء الذين قاموا بعمل دراسات رائعة في هذا المجال: أندرو نيوبرج، أستاذ في جامعة بنسلفانيا، قام بأبحاثه على مرحلتين، كانت المرحلة الأولى بأن قام بإحضار مجموعة من العُبّاد من كل الديانات، وجعل كل واحد منهم يتعبد بالطريقة التي تربى عليها، وقام برصد وظيفة المخ عند ذلك، فوجد أن هناك منطقة تعمل في المخ، كانت هذه المنطقة هي مركز المشاعر الدينية، والذكاء الروحي!

هذه المنطقة وجدها في المخ المدرك الذي تكلمنا عليه.

قلتُ:

أنت تكلمت عن بحوث الطب النفسي، وذكرتَ عالمين كبيرين في إثبات الذكاء الروحي، ولكن هل العلم التجريبي تدخل في هذا الموضوع؟

فقال:

هناك من يقول: أنت تكلمنا عن مراكز المخ التي فيها مراكز روحية، والمراكز الروحية تؤدي إلى النظريات النفسية التي تحدثنا عنها، لكننا نعرف في الطب أن تشكيل المخ يتم بناء على الجينات، فكيف تم تشكيل هذه المراكز؟

أقول: هذه القضية لم تفت رجلاً مهتماً جداً بعلوم الوراثة، وهو جين هامر، وهو رئيس قسم أبحاث البيولوجيا الجزيئية في معهد الأورام في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو واحد من أعلم خمسة على وجه الأرض بعلم البيولوجيا الجزيئية!!

في عام 2004 صدر كتاب بعنوان: (جين الألوهية!!)، ذكر فيه مجموعة من الجينات أهمها جين يؤدي إلى بناء البروتينات التي تشكل مركز الذكاء الروحي في المخ.

وقد علقت صحيفة التايم على هذا الموضوع بتعليق جميل جداً حيث قالت: إن الشعور بالإله، والرغبة في التوجه إليه بالعبادة، والشعور بوجود النعيم، والعذاب في حياة أخرى بعد الموت، أمور فطرية عند البشر في كل الحضارات!!!

قلتُ:

أي أنه تكلم بلغة الفطرة التي تكلم بها الأنبياء!!

ولكن البعض قد يقول لك: أنا ﻻ أشعر ﻻ بفطرة، ولا بغيرها، أنا إنسان مادي، وفكرة الإله، أو الشعور به لم تخطر لي على بال!!

فكيف ترد على هذا الإنسان؟

 

 

فقال:

القضية ببساطة جداً، أن لدينا فِطراً كثيرة، والإنسان له دور، والتنشئة لها دور في انحراف هذه الفطرة عن أصلها، كما قال أندونيو برج: (إما أننا ننشط هذه الفطرة، أو أننا نطمسها)!!

فمثلاً: حب الأب لابنه، والابن لأبيه، هو أمر فطري، ومع ذلك نرى انحرافات كثيرة نتيجة طمس هذه الفطرة، فهناك من يتجاوز ويسلك سلوكاً عدوانياً تجاه الآخر!!

فالسلوك ﻻ ينكر أصل الفطرة.

قلتُ:

والقرآن الكريم، والسنة النبوية، وعلم التربية، تكلموا على قضية أثر البيئة، والتنشئة الاجتماعية في تصعيد وضمور، واختفاء القيم، والمعاني التي تكون فطرية في النفس الإنسانية.

ولكن دعنا يا دكتور نتحدث قليلاً عن القلب، فمما ﻻ شك فيه أن الملاحدة لهم طريقتهم في التعامل مع ما ذكرتَ.

وبما أننا نتحدث عن الإيمان، والبيولوجيا، فالجميع يعلم أن الديانات كلها، والحضارات كلها، تجعل من القلب ركيزة محورية في قضية المعرفة، والإيمان، فالقلب هو المعرفة، إلا أن العلم يأتي ويقول لك: كلاّ، فالقلب مجرد مضخة، والمعرفة في العقل، وأنتم أناس وعاظ، تراهنون على المشاعر!!

فكيف نناقش هذا الموضوع؟

فقال:

الحقيقة أن القرآن تكلم بوضوح حيث يقول: {فإنها ﻻ تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}[الحج/46]، ففي الحقيقة أنني عندما كنتُ أُسأل في هذا الموضوع أقول: ﻻ أدري.

ولكنني عند تحضيري لكتاب: (رحلة عقل)، توقفتُ مع هذه القضية، ووجدتُ مجموعة كبيرة من الشواهد العلمية تثبت أن للقلب دوراً مهماً في المنظومة المعرفية والإيمانية، وليس كما هي نظرتنا التقليدية للقلب من أنه مضغة للدم!! فما هي الشواهد؟

يقول ماكسويل: عندما يمر تيار كهربائي متقطع في سلك فإن يتولد مجال مغناطيسي.

على ضوء هذه الحقيقة فإن جميع الاتصالات اللاسلكية هي تيارات كهربائية متقطعة، تعطي تياراً مغناطيسياً هو موجات كهرومغناطيسية تحمل معلومات.

وكذلك القلب فهو عبارة عن تيار كهربائي متقطع، يولد مجالاً مغناطيسياً!!

لقد أمكن تسجيل المجال المغناطيسي لقلب كل منا في دائرة نصف قطرها ثلاثة متر، والمجال المغناطيسي دائماً يحمل معلومات، وهذا كلام فيزيائي بديهي، وليس علماً كاذبً، أو تمسحاً بالعلم.

لقد صرحت الـ FDA  باستخدام منشط يخرج من القلب إلى الدماغ بموجات كهرومغناطيسية، تؤدي إلى علاج حالات الصرع التي ﻻ نستطيع علاجها، والاكتئاب، وكذلك الزهايمر.

إذن العلم يقول: إن الموجات التي تخرج من القلب للمخ تؤثر على أداء المخ، وتحسنه، هذا التكنيك يسمى منشط العصب الحائر VNS، التواصل هذا داخل نفسي، والداخل النفسي أيضاً فيه دور للموجات الكهرومغناطيسية، فبعض التطبيقات على هذا الموضوع.

فمثلاً: عندما التقيتك أول مرة، حدثت ألفة بيننا، لأنه يوجد تداخل بين الموجات المغناطيسية، وهذا التداخل إما تشويش، وإما دعم!!!

الناس الذين يعملون في الزراعة يعرفون أن الإنسان لو غاب عن زرعه فإنه يذبل قليلاً!!

هذا جزء المجالات المغناطيسية في القلب.

قلتُ:

يذكر الإمام ابن القيم في كتابه روضة المحبين أن هناك عينين غير الموجودين في الوجه، هما عينان في القلب،!!

فالعلماء يتكلمون عن البصيرة القلبية، وليس عن القلب كتلة الدم.

فقال:

هذا كلام سليم، فأندرو أرمور رئيس تحرير مجلة علم أعصاب القلب يقول: هناك مخ صغير في القلب!! فهناك أربعين ألف خلية عصبية تؤثر على أداء القلب. ثم يقول: يبدو أنها في نشأة الجنين تنفصل من أنسجة المخ، وتستقر في القلب.

كذلك أننا لم نفكر في يوم من الأيام أن يفرز القلب هرمونات، كغدة صماء، وقد ثبت مؤخراً أن القلب يفرز ستة هرمونات!! منها هرمون الأوكسيتوسين، وهو هرمون الحب، حيث أنه يفرز بنفس التركيز من الذي يفرز من المخ!

 

قلتُ:

الملاحدة بلا شك سيكون لهم جواب على ما تكلمنا فيه عن الجين الإلهي في الإنسان، والذكاء الروحي، وعلى هذا الذي تذكره الآن، فماذا تقول؟

فقال:

على العكس، فهذا الكلام كان بالنسبة لهم برداً على قلوبهم، حيث قالوا: إن كل المشاعر التي تتكلمون عنها هي بيولوجيا، أي أنها موجودة فينا، ولسنا بحاجة للأمور الغيبية!! والرد عليهم بكل بساطة:

أن مصدر الجين الإلهي، ومركز المخ، ومركز الذكاء الروحي، وما يدور حول القلب من وظائف، وكل هذه القضايا، قد خُلقت في الإنسان خلقاً تطورياً، حيوانياً، عشوائياً، مادياً، فمن أين جاءت هذه الأشياء لذلك الكائن الذي يعتبر سلفاً، وأصلاً لنشأتنا؟!!

هم يقولون: إن التطور يحصل للحاجة! فنقول: وما الحاجة التي ألحت في سلفنا ليتوجه إلى الله فتوضع فيه هذه المشاعر؟!

هذه هي الفطرة التي وضعها الله عز وجل في أجسادنا، وأنا أرى أن هذا الكلام كله يدور حول معنى الآية: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم} [الأعراف/172]، فالأخذ كان من بني آدم وليس من آدم!!! من ظهورهم بمعنى الخصيتين، والمبيضين، لأنها تنشأ في منطقة الظهر، أنهم وضع فيهم يعني فيه جينات الخصيتين هما التي تخرج الجينات، وضع فيهم ألست بربكم،    أي جين الألوهية.

العوضي: وهذا هو العهد القديم، والله سبحانه وتعالى كما يقول الفقهاء والعلماء ﻻ يحاسبنا على نسياننا للعهد القديم، ولكنه يحاسبنا على التكليف فيما سيأتي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى