بيني وبينكم 2011

بينى وبينكم 2011 الحلقة الخامسة الانسان مسير ام مخير ج 1

الإنسان مسير أم مخير

هل أنت مسيّر أم مخيّر؟؟

هذا السؤال ليس وليد الساعة، وإنما هو سؤال للقضاء والقدر! وهو ملازم للعلماء، قبل أن يلازم العامة، لماذا؟!!

لأنه كما قيل: القدر سر الله في خلقه! فكما أن العلماء فضلاً عن الناس تستعصي عليهم قضايا محسومة في علوم الطبيعة، وعلوم الرياضيات بفرضيات، كقضايا الثقب الأسود وغيرها من القضايا المحسومة رياضياً ومحسومة فلكياً كذلك، إﻻ أنهم في الوقت ذاته ﻻ يدرون ماذا يحدث في الثقب الأسود الذي تتحطم فيه قوانين الزمان والمكان والضوء!!

فمن باب أولى قضايا الغيب وأسراره، ومع ذلك ﻻ نقول إننا ﻻ نتعقلها، أو ﻻ نستدل عليه عقلياً، فالتصور القاصر، غير الكامل ﻻ يلغي قضية التعقل! وهذه عقائد عامة في حياتنا كلها حتى نفك اللبس.

عند طرح قضية القضاء والقدر، وجدناها قد ارتبطت بمناشط الناس وسلوكهم، فمثلاً:

  • كيف نفهم إسناد الهداية مرة إلى الله، ومرة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ومرة إلى الناس؟!! فمن الذي يهدي على الحقيقة؟!
  • هل كانت عقيدة القضاء والقدر سبباً لتراجع المسلمين، وتواكلهم، وتخلفهم الحضاري؟!!
  • كيف نتعامل مع أولئك الذين انفلتوا أخلاقياً، وركبوا صهوة المعصية، وغرقوا فيها، ثم برروا لأنفسهم تلك الأفعال بادّعائهم أن الله تعالى كتب عليهم ذلك!! بمعنى أنهم يحتجون بالقدر على معصيتهم لله تعالى!!

إلى غير ذلك من القضايا التي تكتنف هذا المفهوم العقدي الكبير.

بداية: لا بد من الإشارة إلى معنى القضاء والقدر لغة واصطلاحاً….

والمسألة فيها سعة، بحيث يأخذ أحد المصطلحين مكان الآخر، فقد يأتي القضاء بمعنى القدر، وقد يأتي القدر بمعنى القضاء تعريفاً، فيكون بينهما تلازم، وعموم وخصوص، فإذا أطلِق أحد اللفظين شمل المعنيين، مثل أن أقول: قدر الله، أي قضى وقدر، أو أقول: قضى الله، أي قضى وقدر.

والبعض يقولون: إن القدر: هو علم الله الأزلي، والقضاء: هو تحقق هذا العلم في واقع الناس، وحركة حياتهم.

نأتي بعد ذلك إلى القضية محل البحث والتداول، وهي: هل الإنسان مسير أم مخير؟!!

القاعدة المحكمة عند أهل العلم تقول: الحكم على الشيء فرع عن تصوره.

فإذا أردتَ أن تحكم على شيء ما، أو قضية معينة، سواءاً أكانت من القضايا المادية، أو القضايا الحياتية اﻻجتماعية، أو القضايا العقلية العقائدية، أو القضايا الاقتصادية أو غيرها، فإن الخطوة الأولى التي تسبق الحكم هو تصور هذه القضية تصوراً كاملاً، ومن مختلف الزوايا، حتى يقع الحكم موافقاً للصواب، فالتصور إذن يكون سابقاً لإصدار الأحكام.

وعليه أقول: من قال: الإنسان مسيّر بإطلاق مخطئ في قوله!! ومن قال: الإنسان مخيّر بإطلاق مخطئ كذلك!! لماذا؟!!

بالإجابة على هذا السؤال تتضح الصورة أكثر:

فمتى نقول عن فلان إنه بخيل أو كريم؟!!

متى نقول عن الشخص إنه قوي شجاع، أو جبان متراخي؟!!

متى نقول إنه حليم أو غضوب؟!!

نقول ذلك إذا رأينا فيه بعض صفات الكرم، والقوة، والشجاعة، والحلم، أو بعض الصفات التي تناقضها، فأيتها كانت أكثر وأغلب فيه مال إلى التسمي بها، ولذلك نحن اضطررنا في قضيتا مدار البحث إلى تمحيص الأمر، وتحقيق الوضع.

  • كيف نفهم الموضوع فهماً صحيحاً؟!!

يكون ذلك بالعلم أن أفعال الإنسان ثلاثة أقسام ﻻ رابع لها:

  1. فعل يقع عليه.
  2. وفعل يقع فيه.
  3. وفعل يقع منه.

فالذي يقع عليه، والذي يقع فيه، هذان الفعلان يكون الإنسان مسيراً فيهما.

فالفعل الذي يقع على الإنسان: فهو كمن كان واقفاً، فجاءت سيارة فصدمته، أو كان واقفاً على سطح عمارة، فدفعته الريح، فسقط أرضاً، فهذا فعل أنا مسيّر فيه.

وأما الفعل الذي يقع في الإنسان: فكنبضات القلب، ونمو الخلايا، وحركة الدم، وغيرها، هذه القضايا أنا مسيّر فيها، ليس لي فيها عمل أو تدخل، وهي في المقابل في صالحي أن أكون مسيّراً فيها؛ لأني أنام وتخمد إرادتي، والقلب يعمل، والدم وسائر أجهزة الجسم تعمل، دون إرادة مني، وهذا من رحمة الله تعالى بالإنسان.

وأما الفعل الذي يقع من الإنسان: فهو كل فعل يقوم به الإنسان بمحض إرادته واختياره، خيراً كان أو شرًّا، وهذا هو الذي يكون فيه مخيّراً، وهذا الفعل هو الذي يدخل تحت دائرة التكليف، وجاء الأمر بـ: افعل وﻻ تفعل، وكان هناك حرام وحلال، وهذا خير وهذا شر، وهذا الفعل يحاسب الإنسان عليه، ويُسأل عنه.

ولو كان الإنسان مسيّراً في هذه الإفعال التي تقع منه، لأصبح جبريًّا لا إرادة له، وهذا خطأ بيّن، لأنه لو كان مسيراً مجبوراً، ليس له إرادة وﻻ اختيار، لما كان للتكليف معنى، ولكان تكليف الله سبحانه وتعالى أمراً غير معقول، والله سبحانه وتعالى منزّه عن العبث، والظلم، ولذلك فأوامر الله سبحانه وتعالى للإنسان دليل على أنه مختار وحر.

وهنا يبرز سؤال منطقي: الفرقة التي تدعى بـ: الجبرية، الذين يقولون إن الله ﻻ يعلم ما سيفعل الإنسان، وإن الأمر مستأنف!!! وإن الإنسان كالريشة في مهب الريح، يسيره الله تعالى كيفما يشاء، فليست له إرادة وﻻ حرية، وما هذه الإرادة والحرية والحركة إﻻ وهمية شكلية أصلاً!!!

من أين جاءوا بهذا الكلام ؟! ولماذا قالوه؟! وما هو دليلهم؟!

قالوا: كل ذلك موجود في كتاب الله سبحانه وتعالى، في آيات كثيرة، منها:

قوله تبارك وتعالى:{وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إﻻ لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه}!! فالله تعالى يقول:{إﻻ لنعلم}، فاللام هنا هي ﻻم التعليل، فالله غيّر القبلة من أجل أن يعلم ويكتشف الذين يتبعون الرسول صلى الله عليه وسلم، من الذين ينقلبون على أعقابهم، ويعارضون هذا الأمر الإلهي!!!

إذن علم الله تعالى مستجد مع الفعل!!

والسؤال: كيف يكون ذلك، ونحن نعلم أن الآيات والأحاديث ناطقة بأن الله يعلم ما كان، وما هو كائن، وما سيكون، ومالم يكن لو كان كيف يكون؟!!

والجواب: أن العلماء فرقوا بين علم الخبر، وعلم الاختبار.

فعلم الخبر هو: علم المتكلم.

وعلم الاختبار: يكون للمخاطب.

ما معنى ذلك؟! وكيف يكون؟!

الشيخ الشعراوي -رحمه الله تعالى- ضرب مثلاً تناوله الكثيرون بعده، قال: لو أن مدرساً قال لطلبته: أنت يا فلان تقديرك جيد! وأنت جيد جداً! وأنت امتياز! وأنت لن تنجح! وهكذا… ولذلك لن يكون هناك اختبار؛ لعلمي وخبرتي بكم، وبنتائجكم مسبقاً!!! وقام بوضع الدرجات، وتعليقها للطلبة!!

فذهب الطلبة، واشتكوا إلى الناظر، أو رئيس الجامعة، وأبلغوه بما فعل المدرس معهم، فما كان من الناظر إلا أن قام باستدعاء المدرس، وقال له: أنت خالفت اللوائح والنظم المعمول بها. فاعتذر الأستاذ عن ذلك بكونه يعرف مستويات الطلبة، وتقديراتهم مسبقاً؛ لخبرته العريقة بهم. ولكن الناظر ألزمه بعمل اختبار لهم، كما هو الحال في سائر المواد.

فتم ذلك، ووضع اختبار من طرف محايد، ووزع على الطلبة، فجاء الطلبة باختيارهم، وأمسكوا أقلامهم، وكتبوا بأيديهم، وأجابوا على الأسئلة.

فلما صُحّح الاختبار، كانت نتائج الطلبة موافقة تماماً للنتائج التي وضعها الأستاذ من غير اختبارهم!!

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل علم الأستاذ المسبق بمستويات الطلبة، له دخل في النتائج التي حصلوا عليها بعد الاختبار؟!!

بالطبع أنه لا علاقة بينهما البتة، فلا يصح احتجاج الطلبة بعلم الأستاذ المسبق بمستوياتهم ودرجاتهم، على النتيجة التي حصلوا عليها.

فكيف بعلم الله سبحانه وتعالى الأزلي العام؟!!

إذن هناك فرق بين علم المتكلم وهو علم الخبر، وعلم الاختبار وهو علم المخاطب.

وهذا كله من أجل قطع مادة الحجة عند العبد على ربه بأنه حاسبه دون اختبار وامتحان، وإنما بناء على علمه السابق به، كحال الأستاذ مع الطلبة لو اكتفى بعلمه السابق بهم دون اختبارهم، لكانت لهم الحجة عليه في ذلك.

وقد يقول قائل، وهذا لسان حال كثير من الذين يقعون في المعاصي والذنوب:

بما أن علم الله سبحانه وتعالى سابق، وأزلي، ومحيط، فإنه قد كتب عليّ في الأزل أنني سأفعل كذا وكذا، فليس لي اختيار في ذلك؟!!

أقول: هذه القضية تحتاج إلى وقفة لتوضيحها:

الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالى في كتابه عقيدة المسلم، يقول: الشأن في هذا يسير!! لماذا؟ قال: لأن العلم صفة كاشفة ﻻ مؤثرة، ومثال ذلك كأن تقف أمام المرآة، فإذا نظرت فيها مبتسماً ظهرت صورتك مبتسمة، وإذا نظرت فيها مكشراً، ظهرت صورتك مكشرة، فهل الذنب ذنب المرآة، أم ذنبك أنت؟!! وهذا كقول الشاعر:

نعيب زماننا والعيب فينا            وما لزماننا عيب سوانا

ويهجو بعضنا بعضا عياناً       ولو نطق الزمان لنا هجانا

وليس الذئب يأكل لحم ذئب      ويأكل بعضنا بعضا عيانا

فالبعض منا يلقي باللائمة على القدر، وعلى علم الله سبحانه وتعالى، مع أننا نمتلك إرادة، وحرية، واختيار، ولذلك قالوا: العلم سابق ﻻ سائق، العلم سابقٌ للحدث، ولكنه ﻻ يسوق الحدث ولا يحركه.

ولعل المثال الذي سأذكره يزيد الأمر وضوحاً:

تخيل معي أن هناك لوحة عريضة من عشر أمتار، في صالة كبيرة، قام رسام عالمي ورسم عليها شلالاً ينزل من أعلى جبل، ويمر الماء ويتجمع في بحيرة، ثم بعد ذلك أشجار، ثم بستان، ثم مغارة.

فالمغارة في آخر اللوحة، والشلال أول اللوحة الكبيرة، وهناك نملة صغيرة جداً، جاءت من بعيد تمشي فوق هذه اللوحة من بدايتها إلى نهايتها، وأنت جالس تنظر إلى هذه اللوحة، وتلك النملة، وترصد حركتها، فالمشهد أمامك مكتمل، وتعلم أن النملة ستمر على الشلال الآن، ثم على البحيرة، ثم على البستان، وهكذا…

فهل علمك بهذه الأحداث أجبر تلك النملة على هذا المسير، وهذه الرحلة؟!!

بالطبع لا، وكل عاقل يقول ذلك، وعلمك بتفاصيل ذلك سببه أنك مكشوف لك الواقع؛ لأنك خارج اللوحة.

نقول: ولله المثل الأعلى، فهو سبحانه وتعالى خارج الكون والزمان والمكان، لذلك يرصد الأمور، ويعلمها بدقة وتفصيل، ولا يغيب عنه منها شيء، بل إن هذا من تمام ألوهيته جل وعلا أنه يعلم ما كان، وما يكون، وما هو كائن.

ومن هنا يجب أن نعلم أن الإنسان مسير فيما ﻻ يعلم، مخيّر فيما يعلم! كيف ذلك؟!

أنت مسيّر فيما ﻻ تعلم، أنت ما اخترت أمك ولا أباك، وما اخترت البلد التي تولد فيها، وما اخترت اسمك، وما اخترت يوم موتك، فأنت مسير في هذه الأمور التي لا تدخل تحت دائرة إرادتك واختيارك.

وفي المقابل أنت مخيّر فيما تعلم، فأنت مخيّر فيما تقبله، وما تحجم عنه، مخيّر فيما تفعل، وما لا تفعل.

والدليل أنك مخيّر أن الله سبحانه وتعالى لم يكلّف المجنون، ولم يجعل عليه إثماً؛ لأنه فقد آلة الاختيار، وهي العقل والوعي وأداة التكليف.

ومثله المكره والمجبر، فالشريعة رفعت الإثم واللّوم عن عنه.

فلو أن إنساناً وضعوا السيف على رأسه، وقالوا له: اشرب خمراً، وإلا ضربنا عنقك، فشرب الخمر، فهذا لا يؤثم، ولا يؤاخذ على فعله؛ لأنه مكره، فاقد لآلة الاختيار.

إذن… ما سبق كله يبين لنا أن الإنسان كائن مختار.

وهنا لا بد من الإشارة إلى مسألة مهمة، فَهْمُها يعين على حل كثير من الإشكالات:

فأقول: نحن نعيش داخل الزمان والمكان والكون، فنحن محكومون بقانونه، وآلياته، ونواميسه، وأما الرب سبحانه وتعالى فهو خارج الكون، وخارج الزمان والمكان، فليس من الكمال ألا يعلم الله سبحانه وتعالى ما كان، وما يكون، وما هو كائن الآن، وما سوف يكون.

ولذلك فإن لغز الوجود هو الزمن، ذلك اللغز الذي ما زال يفكر فيه الفلاسفة، والإلهيون، والفيزيائيون، والفلكيون، فما هو الزمن؟!! الزمن بالنسبة لنا نحن عبارة عن ماضٍ، وحاضر، ومستقبل، والحاضر يحجب عنا المستقبل، ولذلك نحن نخطط للمستقبل؛ لأننا لا نعلم كيف سيكون. أما الله سبحانه وتعالى فالأمور مكشوفة عنده، فليس عنده ماضٍ، وحاضر، ومستقبل.

ولذلك قالوا: الزمان: هو البعد الذي يرصد الحركة.

والمكان هو: البعد الذي يضبط الجسم.

ومن هنا وضعوا قاعدة تقول: ﻻ زمان بغير حركة، وﻻ مكان بغير مادة.

هذا الكلام يقوله الفلكيون الفيزيائيون كلهم، كأينشتاين وغيره، والعجيب أن هذا الكلام اتفقت عليه المدارس الإسلامية، مدرسة المحدثين كابن تيمية، ومدرسة المتكلمين كالغزالي، ومدرسة الفلاسفة كابن رشد، كلهم قالوا: إن الزمان أثر، وليس له جوهر مستقل بذاته في الوجود، بخلاف ما يقوله الملاحدة الماركسيون، ومن هنا لمّا كان الله سبحانه وتعالى يعلم ما سأفعل، فذلك لأن الأمور مكشوفة عنده، خارجة عن إطار الزمن.

أما نحن فبخلاف ذلك تماماً، ولذلك نجد في كلامنا كلمة بعد، وقبل، لماذا؟!!

لأن الزمان عبارة عن حوادث يقع بعضها وراء بعض، والحوادث هذه تتلاحق، ولكي نرتب هذه الحوادث من جهة وقوعها نقول كلمة قبل، ونقول كلمة بعد، فتصوّر كوناً ليس فيه حوادث، أي ليس فيه مادة، ولا فلك، ولا أجرام، ولا شمس، ولا قمر، ولا أرض، ولا شيء، هل سيكون عندنا ساعة، ولحظة، ودقيقة، ومغرب، وعشاء، وضوء، ووو…؟!!

إذن لن يكون زمان، وﻻ معنى لقبل، وﻻ معنى لبعد.

إذا فهمنا معنى الزمان، ومعنى المكان، وفهمنا النواميس التي تحيط في الكون، هنا تسهل علينا القضية، فنقول: يا ابن آدم؛ ﻻ تقم بعملية قياس بينك وبين الله سبحانه وتعالى!! لأن الله سبحانه وتعالى علمه شامل، وعلمه كامل، وعلمه محيط، بخلاف المخلوق، فعلمه ناقص، وقاصر، ومسبوق بجهل.

نأتي الآن إلى قضية حكم تبريري، يطرحه بعض الشباب، ويكون هذا الحكم موجهاً…

فيأتي المسرف على نفسه، ويقول: يا أخي؛ إذا كان الله سبحانه وتعالى قد كتب علي أن أعصيه، فلماذا يحاسبني؟!!

أتريد أن تعرف لماذا قلتُ: إن السؤال موجه، وتبريري؟!!

لأنه لم يطرح تكملة السؤال المنطقية، فلو كان موضوعياً ومنطقياً لقال: وإذا كان كتب علي الطاعة، فلماذا يثيبني؟!!

والسبب في عدم إتمامه للسؤال أنه في قضية الإثابة، فهناك مكسب ومغنم له، وأما في قضية العقوبة، فهناك مغرم عليه، فسكت عن هذه لأنها في صالحه، وقفز إلى تلك لأنها تدينه!!

وهذا السائل سواءاً أكان مشككاً، أو عابثاً، أو حائراً، أو غارقاً في المعصية، أو علمانياً، أو ملحداً، أو أي شيء آخر، فالسؤال الذي طرحه ليس موضوعياً، وليس متكاملاً، وكان من المفروض عليه أن يكمله، فيبطل حجته بنفسه.

الصحابة رضي الله عنهم عندما كانت تطرأ لهم مثل هذه الأمور، والإشكالات، فإنهم كانوا يتداولونها في إطار قوم يؤمنون بالأصل، ومن ثم تفك عندهم.

في صحيح البخاري: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، خرج إلى الشام، فجاء الخبر أن الشام فيها مرض الطاعون، فأمر عمر بن الخطاب أن نرجع مرة ثانية إلى المدينة المنورة.

فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين؛ أفراراً من قدر الله؟!!

فقال له عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نعم نفرّ من قدر الله إلى قدر الله.

وهذا هو الذكاء، فالمرض قدر الله، نفر منه إلى العلاج، وهو قدر الله، والتعب قدر من الله سبحانه وتعالى، نفر منه إلى الراحة، وهي أيضاً قدر من الله سبحانه وتعالى.

لماذا تأخذ الجانب هذا، وﻻ تأخذ الجانب الثاني؟!

ثم قال له عمر: أرأيت لو كان لك إبل، هبطت وادياً له عدوتان، إحداهما خصبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟!!

إذن زال الإشكال وانحل.

ولذلك لما سئل الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه: نحن مسيرون أم مخيرون؟!

فقال: الله أراد بنا أشياء، وأراد منا أشياء، فأخفى ما أراد بنا، وأظهر ما أراد منا، فاحتججنا بما أراد بنا، وتركنا ما أراد منا!!

كلمة عظيمة تشرح ما سبق بكل سهولة ويسر، وترد على إشكالات كثيرة.

فالله تعالى أراد بنا أشياء وهي التي أخفاها عنا، فأراد بي أن أكون ابن هذا الوطن، وأراد بي أن أكون ابن هذه الأم، وهذا الأب، وأراد بي أن أولد في هذا اليوم، وأراد بي أن أموت في هذا اليوم، فهذه أشياء مخفية عني.

وأراد منا أشياء، هي التكاليف، والأوامر، والنواهي، فأراد مني أن أصلي، وأن أصوم، وأن أبر والدي، وألا أغش، وألا أظلم الناس، وألا أحتقر الآخرين.

فأخفى ما أراد بنا، وهو القدر الذي ﻻ خيار لنا فيه، وأظهر ما أراد منا، وهي الأحكام الشرعية والأوامر، فاحتججنا بما أراد بنا، وتركنا ما أراد منا، وهربنا من التكاليف!!!

إذن الاحتجاج بالقدر باطل، ومن الطرائف في هذا المقام ما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، في كتابه: طريق الهجرتين: أن رجلاً رأى رجلاً آخر يفجر بامرأته. فقال: ما هذا؟ فقالت: هذا قضاءُ الله وقدره!! فقال: الخيرة فيما قضى الله، فلقب بالخيرة فيما قضى الله!!

ورأى آخر رجلاً يفجر بامرأته، فبادر ليأخذه فهرب، فأقبل يضرب المرأة، وهى تقول: القضاءُ والقدر!! فقال: يا عدوة الله أتزنين وتعتذرين بمثل هذا؟ فقالت: أو تركت السنة، وأخذت بمذهب ابن عباس؟!! فتنبه، ورمى بالسوط من يده، واعتذر إليها وقال: لولاك لضللتُ!!

قمة الجهل والسفه!

الإمام عبد القادر الجيلاني رحمه الله تعالى له كلمة عجيبة في القضاء والقدر، حيث يقول: كثير من الرجال إذا دخلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، وأنا انفتحت لي فيه روزنة-نافذة- فنازعت أقدار الحق بالحق للحق، والولي من يكون منازعاً للقدر، لا من يكون موافقاً له.

ولما سمع المفكر محمد أركون رئيس قسم الفلسفة بباريس، وهو علماني شرس، هذه الكلمة، علّق قائلاً: نازعت أقدار العقل بالعقل للعقل!!!

ونحن نقول له ولغيره: إن العقل هو مناط التكليف، والعقل هو الذي يعطي الخيار بين البديلات، فالله سبحانه وتعالى أعطاك عقل تميز به، ومن مناشطه أن يميز بين البديلات، فلو كان لديك كاسان، هذا خمر، وهذا لبن، هذا بديل عن ذاك، فأنت الذي تختار، فالعقل يميز، والإرادة يوجهها العقل للاختيار، والقدر ينفذ.

فالقول إن الإنسان مجبور، هو كلام باطل، ولذلك قال تبارك وتعالى:{رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}.

فما جاءت الرسل، ولا الأوامر، ولا جاءت الأحكام إلا لكي تقول للإنسان: إنك مكلف مختار، وإلا لو لم تكن مختاراً لكانت الأوامر عبثاً، ولكانت العقوبة ظلماً، وحاش لله سبحانه وتعالى أن يقع منه إلا العدل.

إذن الإنسان له حرية، واختيار، قال الله تعالى:{ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها}، وقال:{ألم نجعل له عينين ولساناً وشفتين وهديناه النجدين}.

قد يقول قائل: أنا علي ضغط، وتأثرت بالبيئة، والظروف الاجتماعية تدفع بالإنسان أن يتخذ قرارات معينة!!!

فالجواب: أن القرآن الكريم يقول لك:{لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}، فلا عذر لك.

وتعالوا بنا إلى هذه الصورة القرآنية، واللوحة البيانية، وهذه الحركة التفصيلية لاتخاذ القرار عند الإنسان على كفره أو إيمانه…

إنه الوليد بن المغيرة، أحد رموز الشرك في الجاهلية في أيام النبي صلى الله عليه وسلم…

اتهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه ساحر!!!

لننظر كيف وصفه القرآن الكريم عندما اتخذ هذا القرار الجائر، بعد أن اجتمع مع قريش، وبجواره كبار المشركين: هل نقول إن محمداً كذا، أو كذا، أو كذا؟!! فقال: ﻻ، قولوا عنه إنه ساحر؛ لأنه يفرق بين المرء وزوجه، والابن وأبيه، ..الخ!!

ولكن عندما تناول الموضوع، وألقى بهذه الكلمة في تهمته عن الحبيب صلى الله عليه وسلم، فإنه قامت عنده عمليات كثيرة، كلها تدل على مطلق حريته واختياره لهذا الكفر الذي نطق به، ولم يجبره عليه أحد.

فالإنسان أولاً يتأمل، ثم يتحول الخاطر إلى إرادة أولية، تقوى هذه الإرادة فتتحول إلى قصد، وعزيمة، ثم يتخذ القرار، ثم ينفذه.

عمليات ضخمة يقوم بها الإنسان حتى يتخذ قراراً وموقفاً، فالقرآن حين وصف الوليد بن المغيرة قال:{إنه فكر وقدر، فقتل كيف قدر}، العرب في السابق كانوا إذا رأوا الإنسان مبرّزاً في شيء، تقول: قاتله الله!! كيف فعل ذلك؟ أو كيف قام بذلك؟ فكانت ذماً ثم تحولت إلى مدح، أما هنا فقد جاءت في مقام الذم، {إنه فكر وقدر}، إذن هناك تفكير، وتقدير، {ثم قتل كيف قدر}، بمعنى أن القرار هذا جاء بعد مداولة وتركيز، {ثم نظر. ثم عبس وبسر. ثم أدبر واستكبر. فقال إن هذا إلا سحر يؤثر. إن هذا إلا قول البشر}!!!

انظر كيف صدر هذا القرار؟! وانظر إلى خطوات الإنسان التسلسلية التي جاءت في اتخاذ القرار، فقرار كفرك، أو قرار إيمانك، أو قرار صلاحك، أو قرار، فسوقك، كلها جاءت من خلال حرية مطلقة، يتداخل فيها العقل بالنفس، بالإرادة، بالمفاهيم السابقة، بالتفاعل مع المجتمع، فتلقي القرار، فعندها تكون أنت المسؤول الأول والأخير عنه.

إذن أنت في اختياراتك العقلية فيما تعلم، فأنت مخيّر، يقول الله تبارك وتعالى:{إنك ﻻ تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء}، الرسول صلى الله عليه وسلم يحب الهداية لجميع الناس، فكيف وهو يرى أقاربه وأهله يتساقطون في المعارك، ويموتون على كفرهم وشركهم، ويعاندون ويصرون على الشرك استكباراً في الأرض؟!! فكان عليه الصلاة والسلام يحزن، وتكاد نفسه تذهب عليهم حسرات، ولكن رب العالمين يطيّب خاطره، ويقول له:{إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء}، والهداية هنا بمعنى هداية التوفيق، وهذه الهداية من شأن الله سبحانه وتعالى، فقلوب الناس مفاتيحها بيد الله سبحانه وتعالى، إذن ما هي وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم؟!

جاء الجواب على ذلك في آية أخرى، وهي قوله جل وعلا:{وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم}، والهداية هنا بمعنى هداية الدلالة. فوظيفة النبي صلى الله عليه وسلم هي الدلالة على الطريق المستقيم، وبيان الحق من الباطل، والدعوة إلى ذلك.

أما قضية: يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، فيجيب عليها الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالى إجابة مختصرة بليغة، في كتابه عقيدة المسلم، فيقول: معنى: يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، الخطب في ذلك سهل كذلك٬ ولن نذهب في بيانه إلى أبعد من كتاب الله لمن شاء أن يفهم. {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر}.

ونحن نجد أن إطلاق المشيئة في آية، تقيده آية أخرى يذكر فيها الاختيار الإنساني صريحاً. أي أن إضلال الله لشخص، معناه: أن هذا الشخص آثر الغي على الرشاد٬ فأقره الله على مراده، وتمم له ما يبغي لنفسه… {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين}.

وانظر إلى قيمة التنويه بالاتجاه البشري المعتاد، {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً}. فهل بقي غموض في إطلاق المشيئة ؟ لا. إن معنى قوله: {يضل من يشاء}، لا يعدو قوله:{وما يضل به إلا الفاسقين. الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه}.

وكذلك الحال في: {ويهدي من يشاء}. انظر إلى قيمة الإرادة الإنسانية في قول الحق وهو يتكلم عن إرادته : {قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب. الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب}، فهو يهدي إليه من أناب،{إن الله لا يهدي القوم الفاسقين}.

اجعل أيها القارئ هذا المصباح بين يديك، وسر في نوره بين شتى السور؛ فإنك لن تجد في دين الله قلقاً أو اضطراباً، وإنما القلق والاضطراب في عقول الحمقى، وقلوب الغافلين. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.

القضاء والقدر مليء بالإيجابيات، وليس كما ينظر إليه البعض نظرة سلبية، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له).

وهذا الحديث يفسره قوله تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم}.

والذين يتكلمون في علم النفس والتربية يقولون: هي قضية الصدمة الأولى، والتلقي، وامتصاص الصدمة!!

فالمعيار هو التقبل الفوري، فالذي يأخذ الصدمة، ويمتصها في التقبل الفوري، يستطيع أن يتجاوزها، بينما الذي يمتصها بأزمة كبيرة، ويشل ملكاته، فهذا سوف يتعثر في قضية التفاعل مع الصدمة.

والصبر هو التفاعل الحقيقي مع القضاء، ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنما الصبر عند الصدمة الأولى)، فهذا الصبر تربية كبيرة، وفيه فوائد لا تعد، من ذلك:

  • أنه يوفق في الصبر إلى امتصاص المصيبة، ويتعامل مع من هو أعظم منها، فأنت أحياناً تذهب لتعزي من وقعت عليه المصيبة بفقد قريب أو عزيز، أو غير ذلك، فتجد صاحب المصيبة والبلاء متماسكاً وثابتاً، وصابراً ومحتسباً، أكثر من بعض المحبين البعيدين، لماذا؟

لأن عقيدة القضاء والقدر واضحة عنده، والرؤية متكاملة حول المسير والمصير والأزمة القائمة.

  • أنه يرى الحلول، ويتقبل الحدث من غير تخبط، بل بكل طمأنينة، فالطمأنينة في قضية القضاء والقدر تساعد على التخلص من المشكلات، وتزيد الإنسان قوة، ومتانة، وتصميماً.
  • أن أعلى الناس أجراً هم الذين يصبرون على البلاء.
  • أن البلاء والمصائب والفتن تظهر جوانب كامنة للإنسان، ما كانت مكتشفة لديه، فترى الإبداعات.

إذن ﻻ تنظر إلى الشر من جهة واحدة، وإنما انظر له من أكثر من وجهة.

  • ومن المفاهيم المطروحة في الثقافة الشعبية التي ينبغي أن تصحح:

الدعاء بقولك: (اللهم إني ﻻ أسألك رد القضاء، ولكن أسألك اللطف فيه)!! أي إذا جاءتني المصيبة، فلا تردها يا رب عني، وإنما اجعلها خفيفة عليّ!!

وهذا الدعاء غير صحيح، لأنه ينبت في العقل ظناً بتفسير القضاء تفسيراً جبرياً في حياة الإنسان، ثم إنه مخالف لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم-كما في الحديث الذي رواه الترمذي وحسنه عن سلمان الفارسي رضي الله عنه- قال: (ﻻ يرد القضاء اﻻ الدعاء)، وفيه حديث آخر: (أن القضاء والدعاء يعتلجان في السماء)، وجاء في الحديث الذي رواه الترمذي من حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم الحسن دعاء القنوت، يقول له: (قل اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني واصرف عني شر ما قضيت)، إذن أنت يدعو بإزالة الشر.

فقد تبين لما من خلال هذه النصوص أن القضاء يرد عن طريق الدعاء الصادق، وقد يرد عن طريق صلة الرحم، وفي ذلك نصوص كثيرة، منها: (من أحب أن ينسأ- أي يمد ويؤجل- له في أثره، ويبسط له في رزقه فليصل رحمه(.

قال أهل العلم: في هذا الحديث دليل على أن القضاء يرد بصلة الرحم.

ولكن السؤال: كيف يكون ذلك، والله تعالى يقول: {فاذا جاء أجلهم ﻻ يستأخرون ساعة ولا يستقدمون}؟

قيل: القضاء قضاءان: قضاء مبرم، وقضاء معلق.

فالقضاء المبرم: هو الذي في أم الكتاب ﻻ يغير. والقضاء المعلق: هو الذي يغير. قال الله تعالى:{يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب}، فقوله:{ يمحو الله ما يشاء ويثبت}، هذا هو القضاء المعلق الذي يتغير، وقوله:{ وعنده أم الكتاب}، هذا هو القضاء المبرم الذي ﻻ يغير.

إذن الإنسان مأمور أن يعمل ويجتهد، ويبذل ولا يتكل.

وأكبر دليل أن الإنسان مخير في أفعاله، قضية الشعور والحس الداخلي أنه هو مختار، وأنه يختلف عن بقية الحيوانات التي تتحرك أيضاً باختيار، ولكنه اختيار غريزي، أما أنت أيها الإنسان فباختيار عقلي، عقل يفصل ويميز، ويفرق بين المفاهيم والبديلات، وإرادة تتحرك بالإنجاز، وقدرة تنفذ هذا الإنجاز، فهو كائن متفرد عجيب.

ومن الإجابات الرائعة العميقة حول هذا الموضوع، جواب الشيخ محمد الغزالي في كتابه عقيدة المسلم تحت عنوان: إجابة ساخرة، حيث قال:

سألني سائل: هل الإنسان مسير أم مخير؟ فنظرت إليه في ضيق شديد، وقررت أن ألتوي معه في الإجابة، كما التوى هو مع فطرته في هذا التساؤل، وقلت له: الإنسان نوعان: نوع يعيش في الشرق، ونوع يعيش في الغب،٬ والأول مسير، والآخر مخير !

ففغر الرجل فاه عن ابتسامة، هي بالضبط نصف تثاؤب الكسالى، والعجزة، والثرثارين، الذين ينتشرون في بلادنا. ثم قال: ما هذا الكلام؟!! إنني أسألك: هل للإنسان إرادة حرة، وقدرة مستقلة، يفعل بهما ما يفعل، ويترك ما يترك، أم هو مجبور؟ فقلت له: قد أجبتك، الإنسان في الغرب مستقل، وفي الشرق مستعمَر. هناك له إرادة وقدرة، وهنا لا شيء له، فضحك أحد الظرفاء، وقال: هذه إجابة سياسية. فقلت: وإنها لدينية كذلك.. يا رجل، إن القوم في الغرب شعروا بأن لهم عقولاً،  ففكروا بها حتى كشفوا المساتير من بدائع الكون، وشعروا بأن لهم إرادة فصمموا بها، حتى التقت في أيديهم مصاير الأمة، وأزمة السياسات. وشعروا بأن لهم قدرة، فجابوا المشارق والمغارب، وصنعوا الروائع والعجائب.

أما نحن فهذا.. رجل من ألوف الألوف، التي تزحم البلاد، يأتي ليستفتي في هذه المعضلة، التي غاب عنه حلها. أله حقًّا عقل حر يستطيع أن يفكر به؟! أله إرادة يستطيع أن يعزم بها؟! أله قوة يستطيع أن يتحرك بها؟!

وإلى أن نثبت له نحن ذلك؛ سوف يبدأ فيفكر، ثم يعزم، ثم يعمل. أما الآن فهو-فعلاً- مسيَّر من ذلك الرجل المخيَّر في الغرب…، ما أبعد البون بين الشخصين!

الرجل في الغرب ألقي به في تيار الحياة، فعلم أن له أعضاء يستطيع أن يعوم بها، فظل يسبح مع التيار تارة، وضده تارة أخرى، حتى وصل الشاطئ! أما هنا، فلما ألقي بالرجل في معترك الأمواج، بدأ يسائل نفسه: هل أنا حي حقًّا، أم أنا جثة هامدة؟!!

أو بتعبير المتفيهقين: هل أنا حر، أم أعضائي مقيدة؟ ولكن التيار الجارف لا ينتظر نتائج هذه السفسطة، فلا يلبث أن يطويه اليم مع الهالكين .. وليس يغني في عزائه قول الشاعر السفيه: ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له           إياك إياك أن تبتل بالماء

اعمل أيها الرجل، ولا تقل: هل أنا مسير أو مخير؟ واستغل المواهب التي آتاك الله، واشعر بأن لك في الحياة حقوقاً، وعليك للحياة واجبات. كفي كذباً على الدين والدنيا!!!

إجابة رائعة حقيقة.

ولذلك فالذي يريد الخير، وهو قاصد له، وجادٌّ فيه، فإنه سوف يصل ولو بعد حين.

ومن قصائد العقاد التي تناسب هذا المقام، في الاستسلام للقضاء والقدر، قوله:

صغير يطلب الكبَــرَ                وشيخٌ ودَّ لو صغرَ

وخالٍ يشتهي عملاً                 وذو عمل به ضجرَ

                   وربُّ المال في تعبٍ                   وفي تعبٍ من افتقرَ

ويشقى المرء منهزماً                   ولا يرتاح منتصراً

                    ويبغي المجد في لهفٍ                   فإن يظفر به فترَ 

      شكاة ما لها أملٌ                    سوى الخصمين إن حضرا

فهل حاروا مع الأقدار               أم هم حيروا القدرَ؟!!

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى