بيني وبينكم 2012

بينى وبينكم 2012 الحلقة الثانية والعشرون فخ البنات ج 1

 

فخ البنات

فخ البنات، هو عنوان استعرته من كتاب (فخ العولمة)، لعالمين روسيين، ظهر مع بدايات فكر العولمة وتطبيقاتها، فبيّنوا في هذا الكتاب أن العولمة ما هي إلا فخ، تصطاد به الدول، والمنظمات، والمؤسسات، وغيرها….

لن أطيل في الحديث عن العولمة، فهي ليست مدار حديثي، وإنما حديثي عن شريحة مهمة جدًّا في المجتمع، وهي في غاية الخطورة في الوقت ذاته!!

إنها شريحة الفتيات، أو البنات!!!

وهل يمكننا الحديث عن البنات بمعزل عن الشباب؟!!

هل يمكن أن يعيش الواحد منّا هكذا مستقلاً، بعيداً عن الجنس الآخر، ويؤسس سلوكاً، وعاطفة، وتجاذباً، وتواصلاً، مع الآخرين؟

الجواب: بالتأكيد ﻻ يمكن ذلك!! لأن الله تعالى خلق النساء شقائق للرجال، والمرأة مكملة للرجل في أمور كثيرة، وهذا الكلام لا يحتاج منا لمزيد شرح وبيان، فهو أشهر من يبيَّن.

إذن: لماذا فخ البنات؟

إن الإنسان يتألم، وينزعج، ويستغرب، ليس لأن هنالك علاقات خاطئة، تقع بين الذكر، والأنثى؛ وإنما لاتساع دائرة هذه العلاقات المحرمة، وظهورها، وانتشارها، بطريقة ملفتة للنظر، هذا جانب.

وجانب آخر: لازدياد معدﻻت الأعمار الصغيرة المشاركة في هذه الدائرة!!

  • فكيف إذا وصلت المسألة بأن تنصب لها فخاخ، وتستخدم لأجلها أساليب شيطانية، تخدمها أدوات تكنولوجية، وعبقرية، معاصرة، في استغلال الناس؟
  • وكيف إذا كانت الشريحة المستغَلَّة هن البنات؟
  • وكيف إذا كانت تلك البنات يعشن في مجتمعات شرقية، لها عاداتها، وتقاليدها، وأخلاقها، بل ودينها؟
  • بل وكيف إذا كان لدينا أحكام شرعية، وحلال، وحرام؟

لا شك أن القضية معقدة، وتحتاج منا لوقفات جادة، متأنية، ودراسة شاملة، وافية، لأسباب هذه الظاهرة، وحقيقتها، والمشارك فيها، ونتائجها، إلى غير ذلك.

ولأن التخصص في مثل هذه المواضيع، يؤتي أكله، وثماره، كان لي لقاء، وحوار مع المستشار، والبروفيسور النفسي، الأستاذ الدكتور طارق الحبيب

ابتدأتُ حديثي معه بقولي:

كثيراً ما يرنّ هاتفي النقال، وإذا بمتصلة تقول: أرجوك يا دكتور، أريد حلاً لمأساتي!! أنا فتاة مؤدبة، ابنة عائلة محترمة، أخطأتُ خطأ فادحاً، ندمتُ عليه كثيراً، فقد تعرفت على شاب عن طريق التليفون، أو النت، أو غيرها من وسائل، ووثقتُ به، ووثق بي، أو هكذا بدا لي، ثم واعدني، فخرجتُ معه!! ثم صوّرني!! وهو الآن يبتزني بهذه الصور!!! فماذا أفعل؟!!

هذه واحدة من مئات القصص التي نسمع عنها يومياً، ولكل قصة نكبة…

وسؤالي الذي أبدأ به:

متى يبدأ عمر التعلق العاطفي، والإحساس بإيجاد علاقة مع الآخر، أو النوع الآخر، بين الجنسين، الذكر والأنثى؟

فأجاب قائلاً:

أما النقطة الأولى التي تكلمتَ عنها، وهي ابتزاز ذلك الشاب للبنت، من خلال تلك الصورة، فالواقع أن الشاب يكون على خطر في مثل هذه الحالة، وليست الفتاة!! فالشاب يستخدمها للتهديد، لكنه ﻻ يستطيع أن يفعل شيئاً!!! لماذا؟

لنفترض أن هذا الشاب فضح تلك الفتاة، فما أقصى ما يمكن أن يفعله أهلها بها؟!

سيضربونها، ويحرمونها من أشياء كثيرة تحبها، كالخروج من المنزل، والهاتف، وزيارة بعض الصديقات، وهكذا…

ولكن الشاب ربما يقتلونه؛ لأنه لم يخطئ فحسب، بل إنه نال من شرفهم، وشوّه سمعتهم، وهذه مسألة لا يمكن أن تغفَر.

ولذلك أوجه نصيحتي لكل فتاة وقعت في مثل هذه المأساة، والمصيبة، وأراد ذلك الذئب البشري أن يبتزها، ويقضي منها وطره، ويفضحها، فأقول لها: اطمئني، ولا تخافي!! وليخف هو في الحقيقة!! وهذه ليست دعوة للفتاة ألا تخاف من هذه الجريمة، وتحذر منها، كلاّ، وإنما هي دعوة لأن تعود إلى الله سبحانه وتعالى، وألا تقع في الخطأ مرة أخرى.

ولكن ما دام أن الخطأ قد وقع، وحدثت المشكلة، فالخطر على الشاب، وليس على الفتاة في مثل هذا.

أما العمر الزمني الذي يبدأ فيه الحب، ويبدأ فيه التعلق بين الجنسين، والتفكير في الجنس، حيث أن الحب والجنس لا يفترقان، وفي نظري أن الجنس هو أرقى درجات الحب، وحينما أقول هذا، فأنا لا أعني بالجنس أن يغازل الشاب الفتاة، وينام معها!!!! كلاّ…

وإنما أعني بالجنس الذي يكون بين العشاق، وليس بين المتحابين، كالنكاح، فالجنس جزء من النكاح الشرعي، والعلاقة الحلال.

متى تبدأ العلاقة الجنسية؟

تبدأ العلاقة الجنسية في سن العاشرة تقريباً، حيث يحدث ميل غريزي طبيعي، قد يُبكِّر، وقد يتأخر، ولذلك حذر الإسلام، وحذرت الدراسات العلمية من استثارة الغريزة الجنسية قبل وقتها، وهذا ما يجعلنا نخاف من التحرش الجنسي!

ولماذا نمنع استثارة الشهوة الجنسية قبل وقتها؟ لأن هناك نمواً نفسياً مؤقتاً في كل مرحلة من المراحل العمرية، فهو يبدأ في العاشرة، ويشتد في الـ15 لحظة البلوغ، ثم تبدأ عملية تحايل بينك وبين الجنس بين سنّ الـ 15 حتى الـ 18، ثم تتشكل بعد ذلك هويتك الجنسية في هذه المرحلة، فربما يبدأ الشاب بالعادة السرية، وفي العادة السرية قد تتشكل خياﻻته الجنسية، والتي سوف يطلبها غداً من زوجته!

وقد يكون تعريف الرضا الجنسي عنده نابعاً من العادة السرية، أو الممارسات الجنسية، أو الخياﻻت الجنسية؛ ولذلك من الواجب على الآباء والأمهات دراسة سيكولوجية الجنس، وإن كانوا متدينين. لماذا؟

لأنهم إذا عرفوا ذلك، استطاعوا أن يوجهوا أبناءهم إلى الصواب في هذه العلاقات، وكيف يواجهونها، لأنه يوجد الكثير من الأبناء من يعيش بخياﻻت معينة، قد يعجز عن تحقيقها بالحلال، فيلجأ للحرام بسببها.

ولذلك نجد أن الإسلام راعى هذا الجانب منذ بداية تفتق ذهن الشاب، أو الفتاة على هذه القضية، فوصف العلاج الوقائي قبل حدوث أي خلل، فجاء في الحديث الصحيح عن سيد البشر، عليه الصلاة والسلام أنه قال: (مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع)، فلماذا ذلك التفريق؟

لأن هناك غريزة طبيعية أن يميل الذكر إلى الذكر، والأنثى إلى الأنثى، فضلاً عن ميل الذكر إلى الأنثى، والأنثى إلى الذكر، فإن كان الذكر قريباً من الذكر، اتجه إليه، وربما نما عنده شيء من السلوك الجنسي المثلي، وهو فعل قوم لوط، وربما يتشكل هذا الميل في هذه المرحلة، أو يشتد! ولذلك يجب على أولياء الأمور الانتباه لهذه المسألة الحساسة، وتوضيحها للأبناء، فكما أنك تعلمهم آداب الطعام والشراب، وما ينهى عنه فيهما، علّمهم ما هي هذه الغريزة؟ وكيف يتعاملون معها؟ حتى تستطيع أن توجههم التوجيه السليم، لأن الطفل إن لم يوجه بطريقة صحيحة، فلربما تبنى خياﻻت معينة، وما أكثر الحاﻻت التي وقفتُ عليها بنفسي انتهت فيها الحياة الزوجية بسبب تلك الخياﻻت الجنسية، وقد أشارت الأبحاث العلمية إلى أن 90% من أسباب الطلاق سببها الاضطرابات الجنسية!!

ولذلك أقول: إن تعليم الجنس معناه واسع جدًّا، وليس مقتصراً على العلاقات المحرمة!

وقد يقال: لماذا ضيّق البعض مفهوم تعلم، وتعليم الجنس؟

والجواب: لأن إنسان الصحراء نظر إلى الدين بطريقته التفكيرية، فضيق الجنس في العلاقة بفعل الحرام، أو الممارسة الجنسية مع المرأة.

والحقيقة أن الجنس هو علاقة فيها من اللذة الإنسانية، ما تفوق به اللذة الجسدية، مع أهمية اللذة الجسدية.

الجنس حينما يكون مقروناً بالحب، فإنه يكون غذاءً للأرواح، ولذلك دعت إليه الشرائع كلها، بما فيها الشريعة الإسلامية، من خلال التبكير بالزواج للذكر والأنثى، وهو للأنثى أهم، فلماذا هذا التبكير؟

لأنه كلما تأخرت البنت في الزواج، فإن صورة الزوج الجيد، والذي كانت تطمح فيه، تبدأ تضعف، وتقل، بل وتصعب نفسياً! فصورة الزوج المرضي الكامل في ذاتها حين تبلغ 27 سنة، أو 30 سنة، تكون صعبة جداً، ولذلك إذا تزوجت ربما لا تسعد في حياتها!! لماذا؟

لأن الزوج مهما كان مميزاً، فإنه لا يصل إلى صورة الزوج التي رسمتها في ذهنها، وهذا ما يفسر لنا امتناع بعض الفتيات عن الزواج، ممن قد بلغت الثلاثين، أو أكثر، ولا تتنازل عن شروطها، وإذا حدث وتنازلت، فإنها تتنازل من أجل الأوﻻد، لكنها ﻻ تعيش السعادة أبداً!!

إذن التبكير بالزواج للبنات مطلب أساسي.

فقلتُ له:

يا دكتور؛ أنا أريد أن أشدك تجاه أسئلتي، وتصوري للمشكلة، وأنت تجيب من خلال عيادتك، وممارساتك، وتخصصك، وأرشيف الدراسات التي عندك.

أنا إنسان عملي، تأتيني فتيات كثيرات، يسألن، ويردن حلاً عاجلاً لمشاكلهن.

إحداهن جاءتني وعرضت علي مأساتها، فقلت لها: هل أنت محجبة من الأساس؟

فقالت:نعم.

فقلت لها: وهل صورك بالحجاب، أم من غير حجاب؟

فقالت: بل من غير حجاب!!

فقلت لها: فمن المخطئ إذن، أنتِ، أم هو؟

أنا أعلم أن الوقت الآن ليس وقت عتاب، لكن يجب عليّ أن أعطيها هذا الدرس القصير جداً، ثم أبدأ.

طبعاً كثير من هؤلاء الفتيات الضحايا تريد منك أن تتصل بالشخص المبتز، وتكلمه، وتذكره، لعله يرجع عن غيّه، والحقيقة أننا كنا متحمسين في بداية الأمر، ونستجيب لاستغاثة تلك الفتيات، فأرفع سماعة الهاتف: السلام عليكم؛ معك فلان!! وكنا نتكيء على البعد الاجتماعي الذي يملكه الواحد منّا،  لكنه تبيّن لنا أننا أحياناً نكون مستعجلين، فيجيبك ذلك الشاب المبتز، ويقول لك: وكيف عرفتَ يا دكتور أنني مجرم، وأنها صادقة في كلامها؟!! هذا اتهام لي بدون بينة، ولا دليل!! ويبدأ يأتيك بالآيات والأحاديث!! حتى تشك في نفسك، وفي صدق الفتاة الضحية!

وسؤالي بعد هذه المقدمة الطويلة: هل أمثال هذه الفتاة، وهذا الشاب، كان بينهما حب أساساً؟!!

وما هو هذا الحب الذي بينهما حتى تقع الفتاة في هذه المأساة؟ وتستسلم لذلك الذئب، وتجعله يصورها بكاميرا، أو غير ذلك؟!

فقال لي: إذن نحن أمامنا سؤاﻻن:

ماذا تفعل هذه الفتاة؟

وهل كان بينهما حب؟

أما السؤال الأول: ماذا تفعل هذه الفتاة؟ فالسؤال الأكثر صحة وواقعية هو: ماذا يفعل هذا الشاب؟!!

المشكلة الحقيقية تكون عند الشاب، وليست عند الفتاة، أنه لا يستطيع فضحها!!!

فهل رأيت مرة أن شاباً فضح بنتاً وهي تعرف اسمه؟ كلاّ…

ولذلك يجب على البنت التي تحب شاباً، وإن كنتُ ﻻ أؤيد الحب في الخفاء، ولكن لنفرض أن فتاة أحبت شاباً، فالواجب عليها أن تعرفه، وتعرف رقم هاتفه، ووظيفته، وتعرف بيت أهله، وكل شيء، قبل أن تدخل في هذا الحب.

وقد يقول البعض: أنت بذلك تعلّم بناتنا الحب!!!

فأقول لك: كلاّ، أنا ﻻ أعلمهن ذلك، ولكن مِن بناتنا من ستستمر في الحب دون استئذاننا!!!

فأقول لبناتنا: أنتنّ بناتنا، وحبيباتنا، ونحن نحاول حمايتكن، فإياكِ أن تدخلي في أي حب، أو ود، أو علاقة، مع شخص، حتى تعرفي عنه كل شيء بالتفصيل، لأنك بذلك ستشعرين بالأمان، فهذه الفتاة لو أنها أخطأت لا قدر الله، وأراد ذلك الشاب أن يفضحها فإنه لن يستطيع ذلك!! لماذا؟

لأنه لو فضحها، فإن أهلها سيذهبون إليه ويقتلونه!! نحن نعيش في مجتمع عربي، وهذه الأمور لها معناها الخطير جدًّا.

فأنا أقول: إن الحل بسيط، وما من بنت جاءتني العيادة، وقلت لها هذا الكلام، وأستطاع الشاب أن يؤذيها!! أبداً.

أتدري لماذا تقع بناتنا في تلك العلاقات؟

لأننا لا نحترمهن كما ينبغي!! وﻻ نسعى مبكراً في تسويق هذه البنت للزواج، بقيام الأم مثلاً بإظهارها، وعرضها على أهل شاب تأنس منه الدين والخلق.

فهذه الفتاة عندما تكبر، وترى قطار الزواج بدأ يفوتها، وأمها في غفلة عنها، وعن مشاعرها، وأحاسيسها، فإنها والحالة هذه تبدأ تبني علاقاتها بطريقتها الخاصة، ولكننا لو سوقناهن مبكراً، وزوجناهن في سن مبكر، لقطعنا جذور هذه المشكلة من أساسها، فهناك شيء وقائي على مستوى المجتمع، وشيء على مستوى الفرد.

قلتُ له:

ولكن يوجد ما هو أخطر من ذلك، وهو عندما تقع تقع المتزوجة في هذه المصيبة!! فهنا المصيبة أعظم، والحل أكثر تعقيداً، فكيف تكون متزوجة، وتقيم علاقات من غرباء، وتسمح له بتصويرها، ومن ثَمّ يبدأ يهددها، وأنت في هذه الحالة تحاول حل المشكلة بطريقة ليس فيها تشهير، وكشف للمستور؛ لأن القضية خطيرة، ونحاول قدر الإمكان عدم وصولها إلى الجهات الأمنية، لأنه إن حدث ذلك، انتشر الخبر، وكتبت الجرائد، بل تنافست في نشر الخبر؛ للسبق الصحف، وهنا تقع الفضيحة، ويصعب الحل.

الشاهد من هذا الكلام أن المتزوجة قد تقع في هذا الفخ، فليس الأمر مقتصراً على الفتاة غير المتزوجة، التي يمكن حل مشكلتها بالزواج المبكر، أو بالتعاطف معها.

فقال:

احتماﻻت وقوع المتزوجة كثيرة، من ضمنها، عدم الحب، وقد يكون لعدم الإشباع الجنسي من زوجها، أو لخياﻻت خاصة، وقد يكون لشخصيتها الحدية، المزاجية، المتقلبة، فإذا تقلب مزاجها، خرجت عن إطارها المعتاد.

هناك من الفضلاء، إذا تقلّب مزاجه، وتعكّر، بدأ بمعاكسة بنات الناس!! مع أنه الرجل الفاضل التقي، فإذا رجع إلى حالته الطبيعية، إذا هو يتنسك في المسجد!! فهو ليس خبيثاً بمعنى الخبيث، وإنما عنده اضطراب في المزاج، فبالعلاج يرجع سوياً، وهذا لا يعالج بالوعظ، وإنما يعالج بالدواء.

 

قلتُ:

هناك دراسة للدكتور حمود القشعان، يقول فيها: إنه وجد من خلال دراسات ميدانية بأن الميل إلى الآخر هو من الميل الطبيعي الجبري القصري، الذي لا يحاسبنا الله تعالى عليه، لأن أحكام الله الشرعية متعلقة بما كان اختيارياً، ﻻ بما كان قسرياً، فإذا وقع الحب، والانجذاب للآخر قسراً، فالواجب مقاومته، أما أن تذهب الفتاة باختيارها، وتعقد علاقة من الغريب، فهذا نسميه خيانة.

ويقول: إن نسبة ليست قليلة من المتزوجات تفعل ذلك انتقاماً من الزوج لأنه يخونها!!

وقد ذكرتُ هذا الكلام لزوجتي، وقلتُ لها: هناك دراسة تؤكد ذلك، فكانت تجيبني: هب أن الرجل قليل دين، وخانها، ولم يراعِ حرمة الزوجية، فهل تصبح هي كذلك قليلة دين، وخائنة؟!!

فقال:

أعتقد أن كلام زوجتك منطقي جداً، فلنفرض أن هذه المرأة مطلقة، أو أرملة، فهل يجب أن تخون؟ كلاّ…، هذه واحدة.

الأمر الآخر: هناك ما يسمى العقلنة، فبعض الناس حينما يفعل فعلاً خاطئاً، فإنه يبحث عن تبرير عقلي لذلك الفعل.

فهناك مهارة نفسية، أو حيلة نفسية دفاعية، اسمها التسامي، ويقصد بها: أن من فعل فعلاً خاطئاً، فإنه يعطيه معنى سامياً حتى يكون مقبوﻻً!!

فمثلاً: لنفرض أنني شخص عنيف جداً، وقد تأخر ولدي عن الصلاة، فأقوم بضربه ضرباً قاسياً!! لماذا أفعل ذلك؟!! الجواب الذي أقنع به نفسي: لأنني أخاف عليه من النار، فهنا أنا أعطي معنى سامياً لفعلي السيء الذي هو الضرب!!

كذلك هذه المرأة، لماذا تفعل ذلك؟ الجواب: حتى يتأدب الرجل، ويعرف حق المرأة!!

فهي تعطي لفعلها السيء معنى سامياً!!

فإذن العقلنة، والتسامي، هي التي تفسر ذلك الفعل، مع ضعف الوازع الديني، فالخيانة عمل مستقذر، ومهما فسره الإنسان، فإنه يبقى عملاً قبيحاً، ولذلك فقد حرمها الله سبحانه وتعالى بكل حال.

 

قلتُ:

دعني أنطلق من مرجعيتي التي أؤمن بها، ليس إيماناً تراثياً تقليدياً فحسب، وإنما إيماناً عقلياً مبرهناً على أن هذا الدين حق، فكل ما جاء فيه من أحكام شرعية، ومن آداب، وعبادات، ومن تصور للكون، والإنسان، والحياة، وعلاقات الناس بعضهم ببعض، فإنه حق، وعليه أقول: لماذا حرمت الشريعة الخيانة؟

فقال:

الإسلام حرم الخيانة من زوايا متعددة، إلا أنني أتكلم من زاويتي النفسية، فأول سبب من أسباب تحريم الخيانة هو حفظ حقوق المرأة المخان معها،  بمعنى أن المرأة التي  وقعت في الخيانة مع  الرجل، فهذه لا حق لها في الميراث، ولا حق لها في الإنجاب، لأن ابنها غير مثبت، ولا حق لها في النفقة، وربما تأخذ شيئاً مقابل هذه العلاقة الجنسية، أو ما شابهها، ولكنها تبقى علاقة في الظلام، فلا تأخذ في النور!

إذن الإسلام أراد أن يكبح شهوة الرجل، ويمنع الخيانة، فإذا اشتدت الشهوة في نفسه، فإنه يضطر للزواج، إذا كان متعلقاً تعلقاً حقيقياً.

أما إن كان غير متعلق تعلقاً حقيقياً، فإنه لن يلجأ إلى الزواج، إﻻ إذا كان لديه ظروف خاصة معينة قد تمنعه، وكل حالة لها ظروفها الخاصة، فحفظاً لحقوق المخان معها، كان تحريم الخيانة، لأن الإسلام ﻻ يعتني بالتقي فحسب، بل حتى بالفاجر، بل حتى بالكافر، بل إن الله سبحانه وتعالى عاتب نبيه إبراهيم عليه السلام حينما لم يسقِ المجوسي الماء، أو لم يقريه الضيافة حينما جاء إليه!!

وحينما سألتني عن الحب، هل له أنواع ؟ وكيف يبدأ الحب؟ وكيف يدوم؟

فالحب يبدأ باﻻرتياج، ثم يرتقي للميل، ثم يصل إلى مرحلة العشق، والتعلق.

الحب هو شعور ﻻ يستأذنك في الدخول، بل يقتحم اقتحاماً، حتى يمتزج بين كريات الدم الحمراء والبيضاء.

الحب لذة، أجملها أﻻ تفسرها، بل تستمتع بها وتحياها.

الحب مشاعر فيها اللذة الكاملة، وهذه المشاعر تصبغ الإنسان بأريحية ﻻ يدري ما هي، لا يعرفها، وإن حاول أن يعرفها، جهلها أكثر كلما حاول أن يتقرب منها، فالبحث في معرفتها، والقرب منها، كالماء المالح، يرويك وﻻ يرويك في آن واحد!!

الحب إن وقع بين شخصين متناسقين ارتقى، وازداد، وإن وقع بين غير متناسقين كان هماً على القلب، فلا مكان للحب بين الرجل والمرأة حتى في الإطار الشرعي!

لستُ واعظاً، وإنما مختص نفسي، يدرك علاقتها بالجانب الروحي، فحبّك لله سبحانه وتعالى يعطيك سكينة، فلو أنك فقدت ذلك المحبوب، فإنك ﻻ تتوتر، وﻻ تضجر، فشخصية مثل خديجة رضي الله عنها ماتت، فلو كان غير النبي صلى الله عليه وسلم أمامها، ﻻنفطر قلبه عليها، ولكن أتدري لماذا ثبت الله قلب النبي صلى الله عليه وسلم؟

لأنه نبي وﻻ شك، هذه واحدة، والأمر الآخر: لأن حب الله سبحانه وتعالى إذا غمر قلب الحبيب، فإنه ﻻ يتأثر تأثراً مرَضياً عند فقدان المحبوب، إذن كان لزاماً على المحبين أن يحبوا الله سبحانه وتعالى، لأن هذا الحب يعطيهم استقراراً أكبر.

قلتُ:

كم نحن بحاجة لهذا الكلام الرقيق، الذي يشفي القلب والروح، وهذا يذكّرني بمعايشة مع آيات من كتاب الله تعالى، التي تدعو الناس أن يتجهوا إلى الله سبحانه وتعالى بكلّيّتهم، فالإنسان له دوافع متعددة، ولكن يجب أن نعزز فيه جانب المحبة لله تعالى، ونزرع فيه ذلك، إلا أن بعضنا للأسف الشديد يفعل خىف ذلك، ففي إحدى المرات اجتمعت بأحد رجال الأعمال، فكان مما قال لي: قال إن الذين يتكلمون في الوعظ في عالمنا العربي، إذا تكلم عن الله تعالى، خُيِّل إليك أن الله يحب العقاب، ويتلذذ بذلك، والعياذ بالله!! وقال: علِّمونا أن الله محبة، أن الله رحمة، أن الله عطاء، أن الله إنقاذ!!

هذا ما قاله ذلك الرجل بعفويته، وإن كنّا لا نسلّم بكل ذلك، لأننا الأصل أن نوازن بين الحب، والرجاء، والخوف.

تخيل يا دكتور أن أكبر علمانية في العالم العربي، وهي فاطمة المارميسي المغربية، تقول: ما قرأتُ في الحب أعظم من كتاب السلفي ابن قيم الجوزية!! تقصد كتابه: روضة المحبين. لماذا؟

لأنه بيّن في هذا الكتاب أن الخوف يعود في أساسه إلى الحب! فأنا أخاف من المرض، لأنني أحب الصحة، وأخاف من الهزيمة لأنني أحب الانتصار، فبالتالي الحب هو الجوهرة!

فالذي أريد قوله أن هناك صورة يراد ترويجها بأن الإسلام ليس فيه إلا الجانب الخوفي، وجانب السياط، والتكبيت، وهذا ينبغي محظ الافتراء، بل لا بد  أن يكون هناك توازن، لأنه من غير توازن الحب والرجاء والخوف، سوف نكون أكثر اضطراباً في مجتمعاتنا، مالم يكن الحب في المقدمة.

فقال:

لدي تعليقان هنا:

الأول: لماذا هذا الواعظ حينما يعظ يعظ بالخوف، ﻻ بالحب؟! وهذا يحتاج وقتاً ما، ولكن تعليقي لكلام سيدي وإمامي الإمام ابن القيم رحمه الله       أنه ﻻ يريد خوفاً، وإنما يريد حباً، والخوف عبارة عن حب للأمر أﻻ يفقده    .

أنا أقول في هذه الجزئية العكس ربما يقدم أنه ﻻ يريد حب إنما يريد خوف، والحب الذي نسميه هو خوف على هذا الحب أن يفقد، فخوف وخوف.

في هذه المنطقة هي البعد الفلسفي أكثر من شيء آخر، يدي تراها من هنا بهذا الشكل أو أقلبها تراها من هنا.

ابن القيم يحب هذا الشكل فقال هنا الحب، وهنا الخوف، أنا أحب هذا الشكل، وقلت هنا الحب وهنا الخوف.

طبعاً هذا ﻻ يقلل من كلام ابن القيم، فهو من أجمل من يكتب في هذه الأمور، وفي محبة الله تعالى، والتعلق به، والعلاقات البشرية.

قلتُ له:

وإن كانت الفكرة الجوهرية أنه خلص إلى أن الحب هو في المقدمة، بل إنه فسر حركة الوجود بأنها حركة قائمة على الحب.

أعود وأقول: إن أحد أهم أسباب سقوط الفتاة في تلك الشباك، أنها وثقت بذلك الشاب بدرجة كبيرة بلغت حد التعلق، فاستغفلها واستغلها بطريقة بشعة، ولكن في المقابل أين ديننا، وأخلاقنا، وتربيتنا؟! بل أين تفكيرنا؟! دعني من إنسان غيرمتدين، و يقيم وزناً للقيم والأخلاق، ولكن ألم يفكر هؤلاء في الجانب الأمني، في الجانب المستقبلي، في الجانب المصلحي، في الجانب الوظيفي؟!!

تجد تلك الفتاة واضعة صورها الخاصة من حفلة عرس خاصة، وبلباس خاص، على مواقع التواصل الاجتماعي، كالفيس بوك، وتويتر، والانستغرام، وغيرها!! ما هذا الكلام؟! وما الذي يحدث لنا؟! هل هو جنون الاستعراض؟! هل هو عبادة الجسد؟ هل هو عودة للوثنية اليونانية الرومانية؟!

فقال: من وجهة نظري الشخصية هذا غير مرتبط بالتعلق!!

فقلتُ له:

سأذكر لك قصة واقعية حدثت أمامي، واستغربتُ منها كثيراً في ذلك الوقت، لكننا لما كبرنا بدأنا نفهم تلك الأمور، وأبعادها، والقصة وما فيها أننا عندما كنا في مرحلة الثانوية، كان مدرس مادة اللغة العربية رجلاً فاضلاً، متمكناً من مادته، قوي الشخصية، ذا وسامة وهيبة، وكان إذا أخذ في شرح الدرس استرسل، وتفاعل، حتى يبدأ يعرق!! في تلك الأثناء كان طالب من فصل آخر يأتي، ويقف عند شباك الفصل، ويبدأ يتأمل في الأستاذ!! ولا يفارقه حتى يخرج من حصته، بل إنه في كثير من الأحيان كان يلحقه في نهاية الدوام إلى سيارته، ويحدق به!! لم نكن نعلم وقتها ما سبب ذلك، إلا أننا علمنا، وفهمنا بعدها أن ذلك الشاب كان متعلقاً بالأستاذ إلى درجة العشق!!

فما رأيك بهذا الكلام؟!! والقصص في ذلك كثيرة، ولكن هذا مثال.

فقال:

لماذا يحدث هذا التعلق الشديد لدرجة أن الفتى، أو الفتاة، يحس أن حياته ليس لها معنى، ولا قيمة، ولا مستقبل، بدون ذلك الشخص.؟!

أقول: وقع في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم قصة توضح لنا ما نتحدث عنه، ألا وهي قصة مغيث وبريرة، فقد كان عشقاً جميلاً، أحب مغيث بريرة، وخرج الحب عن إطار قلبه، ولم يعد يستطيع العيش بدونها، وفي المقابل لم تكن بريرة تبادل مغيث تلك المشاعر، بل لم تكن ترغب فيه، فكان من فرط حبه وهيامه بها، يسير وراءها ودموعه تسيل على خديه، يرجوها أن تلطف بحاله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس من بعيد، ينظر إليهما، وبجواره عمه العباس، فيقول: يا عماه؛ أﻻ تعجب من حب مغيث لبريرة، ومن بغض بريرة لمغيث!!!

بل بلغ الأمر أكثر من ذلك، حيث شفع له النبي صلى الله عليه وسلم عندها، لعلها ترق له، فكان جوابها واضحاً صريحاً، إن كان أمراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالسمع والطاعة لرسول الله، وإن كانت شفاعة، فلا حاجة لي به، فقال عليه الصلاة والسلام، بل شفاعة، فقالت: لا حاجة لي به!!

الله أكبر، ما أعظم هذا الموقف، وما أصعبه، فهذا تعلق شديد بمحبوب، لكن المحبوب عازف عنه، لا يلتفت إليه!! ولكن لننظر كيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع مغيث؟

فمغيث أحب بريرة، لكن بريرة لم تحبه، وهذا درس في حياة العشاق، حينما يكون العشق من طرف واحد، نعم تعلق بها فانكسر قلبه لذلك، فهل هذا علامة على ضعف الإيمان، وضعف محبة الله تعالى ورسوله؟

أقول: ليس بالضرورة أن يكون ذلك ضعف إيمان، لكنه حب صادف قلباً خالياً فتمكن، فماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟

لم يلم مغيثاً، ولم يعنّفه، بل إنه حاول مع بريرة لتتنازل عن رأيها، ولكنها أصرت على موقفها، فلم يملك النبي صلى الله عليه وسلم إجبارها على أمر لا تطيقه نفسها، لأنه يعلم عواقب تلك العلاقة القائمة على عدم الحب، والرضا، والقبول الاختياري، فلم يضغط عليها، ولم يلزمها من منطلق الأمر النبوي، بل تركها وحريتها، وأرجأ أمر مغيث إلى ربه جل وعلا.

أما القصة الأروع في هذا المقام، فهي قصة زينب رضي الله عنها وأرضاها، بنت النبي صلى الله عليه وسلم، وزوجة أبي العاص بن الربيع، الذي كان مشركاً،      فقد هاجر النبي صلى الله عليه وسلم، وهاجرت أخواتها، وهاجر المسلمون، لكن زينب بقيت في مكة، والذي أبقاها هو حب الكافر أبي العاص بن الربيع!! فماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟!

لقد احترم النبي صلى الله عليه وسلم  ذلك الحب، وقدّره، وأعطى فترة لذلك التعلق، ومع أن إيمانها عظيم، إلا أن تعلقها بزوجها كان كبيراً، وكان بإمكان النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول لها: دعيكي من ذلك الكافر، وأنا أزوجك خيراً منه آلاف المرات، وهي لن تتردد، ولن تعارض أبيها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، لكنها لن تكون سعيدة أبداً!! لأن تعلقاً بداخلها يدرك أنها مؤمنة، لكنه يدرك أنها إنسانة رضي الله عنها!

وحاولت رضي الله عنها بزوجها أبي العاص، لعله يثوب إلى رشده، ويرجع عن غيّه، ويدخل في دين الله، بكن ذلك لم يكن، فإذا بها تقرر الهجرة إلى مدينة والدها صلى الله عليه وسلم، وبدأ ذلك التعلق يقل لكنه موجود، وهذا يعطينا درساً بأن نعطي فرصة للحب، حينما يأتي الطرح العقدي أو الديني، وإن كان أقل من الحب، نعطيه فرصة زمنية، حتى ينمو الطرح الإيماني مقابل طرح الحب فيتأصل في نفس الإنسان.

وخرجت زينب رضي الله عنها مهاجرة إلى المدينة، وخرج زوجها أبو العاص يحميها إلى أن بلغت المدينة، فلما جاء يوم بدر، وإذا بأبي العاص بن الربيع يقع في الأسر، وإذا بزينب يتحرك عندها ذلك الحب، وتلك المشاعر، وإذا بها تهرول إلى الأسرى هناك، وتقف عندهم حاملة بيدها شيئاً!!! ماذا كانت تحمل يا تُرى؟! إنه عقد ورثته من أمها خديجة رضي الله تعالى عنها!!!! أرادت أن تفادي به أسيرها، لقد كانت تملك غير ذلك العقد، لكنها اختارته، لأنها أرادت إيصال رسالة مبطنة لوالدها ونبيها صلى الله عليه وسلم: أني أحبه يا رسول الله، كما تحب خديجة!!

فماذا قال الحبيب صلى الله عليه وسلم، وعينه على تلك القلادة؟!!

قال: إن شئتم رددتم عليها قلادتها، وأطلقتم لها أسيرها. وكانت عينه صلى الله عليه وسلم لا تفارق تلك القلادة، فما كان من الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم إلا أن استجابوا لرغبة النبي صلى الله عليه وسلم، ووافقوا على إطلاق أبي العاص دون مقابل!! لماذا؟

لأنهم يدركون ليس فقط عمق حبه صلى الله عليه وسلم لخديجة رضي الله تعالى عنها، وإنما معنى الحب عنده صلى الله عليه وسلم.

فانظر كيف قدّر النبي صلى الله عليه وسلم هذا التعلق في ابنته؟ وكيف قدّره في مغيث؟ وفي غيرهما.

إذن إذا وجد التعلق، فلا بد أن يقدرالتقدير المناسب له، وليس معنى هذا السماح بالحرام لا من قريب، ولا من بعيد، ولكنها الحكمة النبوية في التصرف في المواقف بما يناسبها، ومراعاة أحوال الناس، ونفسياتهم، ومشاعرهم.

لو سمع شبابنا، وبناتنا بهذه الأطروحات عن نبيهم الكريم، لضربوا تحية سلام وتعظيم له، ولما رضوا عن منهجه، ودينه سبيلاً، وما الإلحاد، والتفلت، وغيره، الذي نراه اليوم بين شبابنا إﻻ لأننا نحن أهل الدين-كما يقال- أسأنا لأطروحات النبي صلى الله عليه وسلم، أي شكلناها بعجينة الصحراء، والجبل، التي ورثناها، وعشنا بها، ولم نعرضها على منهجية محمد صلى الله عليه وسلم.

قلتُ:

وتتميماً لكلامك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفرض الحب فرضاً، لأن الحب اختياري، والحب مشاعر، فلا يمكن أن تجبر إنساناً على مشاعر معينة، ولذلك لما شفع لمغيث بزواجه من بريرة، قالت: أتأمرني؟ أي من باب النبوة، فأنا مستعدة عندها لأستسلم، وأضحي بعواطفي، ومشاعري، ووجداني، وقناعاتي. فقال: ﻻ آمرك، وإنما أنا شافع. صلى الله عليه وآله وسلم.

أحياناً أذهب للشفاعة في قضاية زواج، فأحس أن هناك تفاهماً بين الطرفين، وتناغماً، وأجد تعلقاً بين الطرفين بمنطقية، وأحياناً أجد رفضاً بلا منطقية، لأن عندنا ظروفاً اجتماعية، وثقافية، ومذهبية، تحكمنا، ولكن في المقابل قد يكون الرفض غير مبرر البتة.

في هذه الحالة ماذا يفعل الشخص الذي تعلق، ولكنه لم يستطع أن يصل!!

وعودة إلى الإمام ابن القيم، هذا السيكولوجي القديم، عندما تكلم عن العشق، جعله في أعلى درجات الحب! وقال: ومن تعلق في مستحيل أضاع وقته، وجهده.

نحن نقول: هناك إمكانيات، وأمنيات، ولكن قد يعسر، ويستحيل تحقيق هذه الأمنيات، لضعف، وقلة، وعدم ملاءمة الإمكانيات، فقد يقع التعلق من شخص، إلا أن الطرف الآخر لم يلتفت إليه، ولم ولن يفكر فيه، كحال مغيث مع بريرة، فماذا يفعل عندها؟ أيقتل نفسه؟!!

ماذا يحدث لو أن هذا الإنسان لم يقتنع بأنه غير مرغوب به؟! أليس مطالباً عندها أن يكيّف نفسه على هذا الأمر؟!!

فقال:

رغم أننا لا نؤمن بالحب خارج إطار الزواج، إلا أنه موجود بين أبنائنا، وبناتنا، ويجب على الشاب أو الفتاة إذا أحس بارتياح لإنسان، فإنه في البداية تكون له القدرة على السيطرة على نفسه، ثم ينظر بعد ذلك من خلال المناظير الاجتماعية: هل يمكن لي أن أرتبط بفلانة، أم ﻻ؟!

فإن كان الجواب بالنفي، وجب عليه الرجوع، وعدم الاستمرار في العلاقة؛ لأن رجوعه والحالة هذه يكون أسهل، وحتى ﻻ يقع في مشكلة مغيث رضي الله عنه.

الأمر الآخر: من خلال التجارب الواقعية التي مرت علينا، والتي يقال فيها: إن هذين الشخصين متعلقان ببعضهما، ولا يستطيعان الحياة بعيداً بعضهما، وعند البحث، والفحص، نجد أنهما غير متعلقين حقيقة!! فهناك ما يعرف بالتعلق الرومانسي، وهناك التعلق الناضج، كما هو الحال في الحب الرومانسي، والحب الناضج.

فإذا وجدتَ من يقول: لا أريد غيره، ولن أعيش بدونه، وهو أفضل شخص في العالم، ولن أجد مثله أبداً، فاعلم أن هذا شخص رومانسي، وليس ناضجاً.

الإنسان الناضج هو الذي يقول: أنا وجدتُ ارتياحاً مع فلان، مع أنه قد يوجد من هو أفضل منه، ولكن تركيبته، وشخصيته، أجد فيها ارتياحاً، ومناسبة لي.

ولذلك قبل أن تذهب شافعاً لفلان عند فلان، في مسألة الزواج، لا بد أن تعرف ما هي نوعية هذا الشخص الذي أشفع له، هل هو ناضج، أم رومانسي؟!

لأنه من خلال التجارب الواقعية، وجدنا أن الرومانسي الذي شفعتَ له لا يقدر الحياة الزوجية قدرها، فلأدنى مشكلة قد يقع الطلاق، وقد يطلق بدون سبب أصلاً!! فيقع الشافع في حرج شديد مه أسرة الفتاة، وهذا أمر واقع.

إذن يجب أن تتأكد ممن تريد الشفاعة له: هل حبه رومانسي، أم أنه حب ناضج؟!!

اسأله: ماذا الذي يعجبك في هذا الإنسان؟ ما الذي تتوقعه منها؟ وما الذي تتوقعينه منه؟

ثم بعد ذلك لا بد من نقله للمراحل العملية لهذا التعلق؛ لتعلم صدقه من كذبه.

في كثير من الأحيان تأتيني إلى العيادة مثل هذه الحالات، فتاة متعلقة بشاب، ووالدها يريدني أن أبيّن لها خطأها بالحسنى، أو بالعنف!!!

فأول شيء أفعله: أسألها هل تحبين فلاناً؟ فتقول: نعم؛ أموت فيه جداً.

فأقول لها: اطلبي منه أن يتقدم لك. أنا هنا أنقلها إلى الجانب العملي.

فتقول: طلبتُ منه ذلك. فأقول: وماذا كان جوابه؟!

فتقول: يقول لي: أنا سأتزوجك بإذن الله، إلا أن ظروفي الآن لا تسمح بذلك، لأني طالب جامعي!!!

فأقول لها: اطلبي منه أن يتقدم لخطبتك حالياً، ونؤجل موعد الزواج إلى أن تتيسر الأمور.

فإذا اعتذر عندها، فهذا دليل على أنه مخادع كاذب، يريد اللعب ببنات الناس، فالواجب على الفتاة أن تتركه مباشرة، إلا أن المشكلة التي نواجهها أن الفتاة إذا تعلقت بحب رومانسي، فإنها ﻻ تستطيع تركه! لماذا؟!

لأن عقلها مغيّب، وعاطفتها هي التي تحركها.

قلتُ:

هنا نقطة مهمة: أﻻ تعتقد أن الشاب أحياناً يمتلك من المهارات، أو الخبرة، ما تجعله يشكل حلماً رومانسياً، وجنةً معلقة في السماء الدنيا، لتلك الفتاة إذا وافقت على الارتباط به، أﻻ تعتقد أن هناك من يمارس هذا الأمر؟!

فقال:

قضية أن هناك شباباً يمتلكون ذلك، فهذا لا شك فيه، ولكن في المقابل يوجد من الفتيات من تتقن ذلك مرات ومرات!!

قديماً كان الشاب هو الذ يركض خلف الفتاة، أما الآن فقد أصبحت الفتاة هي التي تركض خلف الشاب!!

بل حتى فيما يعرف بزواج المسيار، ليس الرجل هو الذي يطلب الزواج من المرأة بهذه الطريقة، فحسب، بل أصبحت النساء هن من يفعل ذلك! فصاحبات الأعمال، وصاحبات رؤوس الأموال، أصبحن يلتقطن الشباب الذين يأتون من القرى للعمل، أو الدراسة، في المدن الكبيرة! فالمسيار أصبح يقع من الطرفين، والالتقاط من الطرفين، ولكن بطرق مختلفة.

والحل لهذه المشكلة ليس بأن نقول: ماذا نفعل في هؤﻻء الشباب؟ وإنما الحل في تأهيل الآباء كيف يتعاملون مع بناتهم في مثل هذا الحال؟!

ثم من النقاط المهمة التي لا بد من الإشارة إليها في قضية التعلق: أن التعلق هو استدعاء لصورة خيالية مرسومة في الذاكرة من أيام الطفولة، ولذلك حينما أمر الإسلام بالنظر إلى المرأة عند الخطبة، فإن ذلك استدعاء للصورة المرسومة للمرأة المقبولة عندك في طفولتك، فمن الذي كان يعطيك الحلوى، ومن كان حنوناً معك من النساء؟! فتبدأ تأخذ عين هذه، وفم هذه، وأذن هذه، وأنف هذه، وتشكلها في الداخل، وفي اللاشعور، وعندما أجد تلك الصفات قد انطبقت على شخص في أرض الواقع، فإنني بلا شك سأميل إليه!!

في البداية يكون ميلاً بحسب قدراتي في مهارات التعامل مع الضغوط، والقدرة على إدارة الأزمات لدي، ثم يصبح تعلقاً بسرعة أو ببطئ، بحسب ذلك الإنسان.

الشيء الآخر إذا كان في نفسي سيكولوجية الحذر والشك اللي عنده، سيكولوجية الحذر والشك ذلك الإنسان تعلقه يكون أكثر من غيره لأن الشك يعيق ذلك التعلق.

الشخصيات الهستيرية والمزاجية ﻻ تتعلق، وإنما تتعلق بمزاجيتها ينقطع ذلك التعلق، أما الشخصية الوسواسية فربما ﻻ تتعلق بسبب وسواسيتها، لكن بسبب عدم أمانها، وترددها قد تتعلق فهي مزيج بين هذا وهذا، فمعرفة الإنسان لسماته الشخصية، حسب البحث العلمي، أو حسب التصنيف العلمي، مطلب أساسي مهم، هذه الصورة حينما تأتي على أرض الواقع، ترتبط بإنسان يأتي البعد اﻻجتماعي ما مساحة اﻻحتكاك فيه هذه واحدة.

كم أنا خيالي بحيث أنني عندما أراه أكمل من خيالي بقية الصورة التي أتمناها، ولذلك تجد التعلق في المجتمعات المحافظة التي تحتك جزئياً بالرجل أكثر المجتمعات المفتوحة. لماذا؟

لأن المفتوحة الراقية كثيراً فاري من عيوبك ورأيت من مزاياه….

قلتُ:

من النقاط التي أودّ السؤال عندها، وهي محل إشكال عند الكثيرين، ألا وهي: أن الزواج الذي يحدث بين شاب، وفتاة، كانت بينهما علاقة تعلق، سرعان ما ينتهي، ويحدث انفصال بينهما، مع أن الزواج كان بعقد رضائي بين الطرفين، والفتاة طيبة، والشاب كذلك، وهما من بيئات محافظة، فلماذا يحدث هذا الانفصال؟!!

فقال:

الأصل في هؤلاء أن ينفصلوا!! لماذا؟

لأن الذي حدث في هذا الزواج هو زواج بيئة مع بيئة، وليس زواج إنسان من إنسان، أنت زوجت أسرة بأسرة، نعم، ولماذا عند الطلاق يرفضون اﻻنفكاك؟ لأن الزواج كان بين أسر ولم يكن بين فردين.

الزواج هو تكامل احتياجات، فما الذي أحتاجه من هذه الفتاة؟ والفتاة كذلك ما الذي تحتاجه من الشاب؟

فإذا وجدتُ حاجتي عندها فأنا سعيد، وإذا وجدت حاجتها عندي فهي سعيدة!!!

ولذلك أحياناً يكون الزواج السري-مع أنني ﻻ أدعو إليه أبداً- بين ناضجين، بعيداً عن تأثير العائلة، وضغوطها، يلبي الحاجات عند الشاب، والفتاة، فما الذي أحتاجه أنا بالضبط؟ وما الذي تحتاجه هي كذلك؟ فتتكامل هذه اﻻحتياجات.

أما الزواج لأجل إنشاء بيت، وأسرة، وأطفال، فهذه احتياجات عامة، وفرق بين اﻻحتياجات العامة، والاحتياجات الخاصة!!

أنا أريد امرأة تتعامل معي بالطريقة الفلانية، لأن ذلك سيؤدي إلى كذا، وكذا، من احتياجاتي…

فهنا تكامل اﻻحتياجات. هذه واحدة.

كذلك هناك ما يعرف بتقدير الرغبات، فلا بد أن أقدر رغبات الطرف الآخر في العلاقة الزوجية، ولو لم تكن من محبوباتي، وأن يقدر الطرف الآخر رغباتي، ولو لم تكن من محبوباته، فإذا تحقق هذان الركنان، قمنا بأداء الواجبات.

المشكلة أننا نبدأ بأداء الواجبات، قبل أن نقدر الحاجات، وقبل أن نكمل الرغبات، فتكون الواجبات في الحياة الزوجية عبأ علينا، وليست إضافة، ولكننا لو بدأنا بتقدير الحاجات، وإكمال الرغبات، فإن واجبات هذه المرأة تصبح إضافة للحب، ودعماً للحب، واستمراراً ورفعة لذلك الحب.

قلتُ:

ليت أبناءنا يفهمون معنى الواجبات، إلا أن المشكلة تكمن في أن هذا الجيل ﻻ يريد أن يتحمل مسؤولية، أي أنه جيل سريع التخلص من قضية الواجبات، من جهة الطرفين؛ الزوج والزوجة!

فأصبحت القضية أقرب ما تكون إلى التعاقدية، فبُعْد التعاقد يغلب بُعْد التراحم، ومن ثم يصبح الزواج بدلاً من أن يكون تراحماً في التعامل، يكون: هذه وظيفتك أنت، وليست وظيفتي!!!

فقال:

ﻻ يمكن أن يكون الزواج تراحمياً، قبل أن يكون تعاقدياً، التعاقد شرط أساسي، حتى نصل للتراحم، الإشكالية عندنا أننا نعطي مواعظ عامة، لكننا لا نبيّن تفصيلات هذه المواعظ، وأساسياتها.

في الإسلام مثلاً: تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولجمالها، ولدينها ولحسبها، فاظفر بذات الدين، إذن هناك استثمار في طبيعة العلاقة، كذلك إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه، ولذلك نريد تحقيق الموقف بعدها، العلاقة اﻻستثمارية ليس معناها أنها تعطيني من مالها، وإنما هي تكامل حاجاتي، ورغباتي، ولذلك لو وقعت عليّ مصائب الدنيا، أو الخلافات، فإنني أكون حينها متكئاً على جبال من تلبية الحاجات والرغبات، فأستطيع تحمل المشكلة، وإخضاعها للحب، وليس إخضاع الحب لها.

قلت:

لا شك أن هذه مسألة تحتاج إلى مجاهدة كبيرة…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى