بيني وبينكم 2012

بينى وبينكم 2012 الحلقة الحادية عشر السمعة

 

السمعة

في السابق عندما كنا نقرأ خبراً في جرح كرامة شخص ما، أو طعن في أسرة معينة، نتألم ونحزن لمثل هذه التصرفات؛ لأننا نرى أننا شبكة علاقات متراحمة متلاحمة، أما اليوم فقد أصبحنا نحن من يذيع هذه الأخبار، وينشرها، ويتفاخر الواحد منا بأنه صاحب السبق في ذلك!!

ومثال على الإسفاف: ما نراه ونقرأه يومياً في جلّ الصحف العربية، في صفحات خاصة يمكن وصفها بصفحات الفضائح، وكذا مجلات الفضائح السياسية، والاجتماعية، والفنية، والرياضية، بل وحتى الدينية، من أن زوجة الوزير الفلاني، أو أخت اللاعب العلاني، أو شقيقة الفنان كذا، أو ابن الداعية فلان، ويذكر الخبر السيء، مع الكثير والكثير من البهارات كما يسمونها!! لماذا ذلك؟

يقال: من أجل أن يقرأ الناس! وحتى يتساءلون: من هذا الوزير؟ ومن يكون ذاك الشيخ؟ أو اللاعب؟ أو الفنانة؟

إذن أصبحت قضية التجريح، والنيل من السمعة، وسيلة للتسويق، وجر أكبر قدر للتفاعل، والتعاطي، وحديث الناس!! ومن المستفيد الأول والأخير من وراء كل ذلك؟ إنها الجهة التي سوقت لهذا الخبر، أو المصدر الذي يريد أن يتكسب…

ولذلك نقول: إن فقضية السمعة أصبحت ثقافة!

وتعالوا بنا نقف قليلاً مع قضية السمعة…

فأبدأ بالقرآن الكريم أولاً، ثم أنتقل إلى نماذج عصرية، ومن ثم إلى تطبيقات يومية، لنرى إلى أين نحن ذاهبون؟ ولنعلم أن هذا الطريق والمسار الذي يسير فيه الكثيرون طريق غلط، يسيء لي، لك، ويسيء لأختي، وأختك، وبنتي، وبنتك، وزوجتي، وزوجتك، وأمي، وأمك…

فكيف للإنسان أن يفرح بفضائح الآخرين؟! وكيف له أن يهبط في حمأة هذه الأوحال؟!

بل وصل الأمر عند بعضهم أن يقحم هذا التجريح، والطعن، وتشويه السمعة، والانتقال إلى الخصوصيات الدقيقة للآخرين، في الحوارات الفكرية، والمناظرات العلمية، والسياسية!!

وقد قلت أكثر من مرة، وبما أن القضية لا تزال في زيادة، أقول:

لا بأس أن تنتقد من تشاء، حتى الرئيس، وكذا المنظومة السياسية، والسلطة، من أن هناك ظلم واقع، وإجحاف في حق فلان، أو المجموعة الفلانية، وغياب للعدالة، وتعسف في استخدام القانون، وغير ذلك من الانتقادات، لا بأس أن تتحدث بها، طالما الأمر دائر في إطار الأدب، وعدم التعدي، والكذب، والتشويه…

أما أن تذهب إلى الخارج، وتصبح معارضاً سياسياً، ثم تأتي وتتكلم عن الزوجات، والبنات، وثقافة فضائح السرير!! فهذا دليل على إفلاس فكري، وسقوط في منظومة الصراع نفسها، أو كما يقال: سقوط شرف الخصومة بما لم يصنعه أهل الجاهلية من قبل! وهذا الذي لا نريد.

ثم إنك إذا خضت في هذا الخضم، ودخلت في هذا السياق، ودائرة الفضائح، من خلال صراعك الفكري، أو السياسي، أو الاقتصادي، فإن هذه الدائرة ستنعكس عليك ولا بد، وستجد من يفتش عنك، بل ويؤلف عليك الشائعات، وينشر عنك الفضائح…

ولذا…فلنكن رجالاً في خصوماتنا.

لنعد إلى كتاب ربنا جل وعلا لنرى منزلة السمعة، ومكانتها، عند الناس:

هذا أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام يدعو ربه تعالى كما في سورة الشعراء فيقول: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين}، ماذا قال المفسرون في معنى هذا الدعاء؟

قالوا: أي جاهاً حسناً، وسيطاً جميلاً بين الناس، في الحاضر، وفي المستقبل، أي أن الإنسان يكون خالداً بهذه السمعة، وهذا الذكر الجميل.

قال ابن عطية: هو الثناء وخلد المكانة بإجماع من المفسرين.

فالناس عندما يمدحون فلاناً، ويثنون عليه خيراً، فإنهم يعطونه خلوداً بهذا المدح، والثناء، ومن منا لا يريد الخلود الحسن في هذه الدنيا له، ولأهله، ولذريته؟

فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يخاطبه رب العالمين ماذا يقول له؟ وكيف يثني عليه؟

قال الله تعالى: {ورفعنا لك ذكرك}، أي رفع له ذكره في الدنيا والآخرة، كما قال المفسرون، بل إنه قرن اسمه باسمه في الشهادة، وفي الآذان، وفي الاشتقاق، فالله سبحانه وتعالى هو المحمود، ومحمد عليه الصلاة والسلام من الحمد.

ومن القصص التي توضح الصورة وتجليها أكثر: أن صفية بنت حيي زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم جاءته يوماً تزوره وهو في معتكفه في رمضان في المسجد، يتهجد، ويتعبد، ويرتقي بذاته، ونفسه، وروحه، فجلس معها فترة من الزمن، فلما أرادت الانصراف، قام معها لكي يوصلها!! انظروا إلى هذه الرقة، والأخلاق! محمد صلى الله عليه وسلم يقوم لزوجته، ويوصلها، ويداريها.

وعندما أوصلها إلى باب المسجد، إذا باثنين من الصحابة يمران، فلما لاحظا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع امرأة أسرعا في المشي، أدباً وذوقاً منهما، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم هادي مهدي، لماح الذكاء، عبقري الفؤاد، يلحظ الدقائق، وينظر إلى ما وراء الحدث، ويستشف العلاقة الإنسانية المداورة، وليست المباشرة، فماذا صنع؟ قال: على رسلكما! أي انتظرا قليلاً، إنها صفية بنت حيي زوجتي!! فكأن الأمر كبُر على الصحابيين: فهل يعقل أن نشك فيك يا رسول الله، أو يأتي في أذهاننا شيء آخر؟! فقال لهما الرسول صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت عليكما!!

الرسول صلى الله عليه وسلم حريص على نفسه، وعلى سمعته، ويجب أن نلاحظ البعد الآخر في هذه الرواية: فأنت لست حريصاً على سمعتك فحسب، وإنما حريص على أصدقائك، وأحبابك أن لا يقع بينك وبينهم شيء، وحريص ألا يخسروك، وحريص على الآخر ألا يتأذى أو يوسوس أو يقع في قلبه شيء!

ومن أروع المشاهد القرآنية في قضية حرص الإنسان على نفسه بعد تهمته، وبعد خروجه من السجن: ما وقع مع سيدنا يوسف عليه السلام من ابتلاء عظيم، نتج عنه سجنه ظلماً، ولما رأى الملك في منامه تلك الرؤيا، وعلم أن خير من يعبرها له هو يوسف، وهذا الذي كان، فماذا حدث عندها؟ يقول الله تعالى: {وقال الملك ائتوني به}، يقول الملك: أحضروه، فالملك عندما سمع عن سيرته، وعن أخلاقه، وعلمه، وحكمته، أراد أن يفرج عنه، ويخرجه من السجن، لكن يوسف عليه السلام رفض هذه البراءة غير المبررة، والتي لا تعيد اعتباراً للجانب المعنوي لذاته، ولشخصيته، ولا تزيل عنه التهمة الملصقة به، زوراً، وبهتاناً، وافتراءً، ومؤامرة، يقول الله تعالى: {فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك}، أي: سيدك، ومسؤولك، {فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيدهن إن ربي بكيدهن عليم}، قال له: لن أخرج من هذا السجن، حتى تذهب إلى سيدك، وتسأله عن أولئك النسوة اللاتي قطعن أيديهن عندما دخلت عليهن، وعن المكيدة العظيمة التي كادوه بها؟ إنها السمعة، وتبرئة الساحة من كل شين.

فماذا كان رد فعل الملك؟ توجه مباشرة إلى أولئك النسوة قائلاً لهن: {ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه}، وهذا الذي كان يريده يوسف عليه السلام من أن القيادة العليا تعرف أن هذا الإنسان بريء.

{قلن حاشا لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين. ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله ﻻ يهدي كيد الخائنين} وهذا اعتراف شخصي من زوجة العزيز بأنها هي من دبرت كل تلك المؤامرة، وأن يوسف عليه السلام برئ من تلك التهمة.

ولذلك أقول: إن الذين يتهمون الناس بغير بينة خونة، والذين يستسهلون إرسال رسالة، أو إرسال صورة عن فلان من الناس، وعن بنات الناس هم خونة، فهل ترضى أيها الكريم أن تكون من الخائنين؟ هل ترضى أو ترضين أن تكون من الذين يساعدون الخونة في جريمتهم، ونشرها، وإعادة إرسالها؟!!

إن ترجع القيم، واستسهال المعاصي، دليل على أن الإنسان بدأ يتراجع عن إنسانيته، وعن دينه، ودليل على أننا بدأنا نصبح أنانيين، ودليل على أن الثقافة التي كانت قبل سنوات قليلة من أننا نحن من يتحكم في الآلات، ونحكم بالقيم على الخلافات، وقعنا الآن ضحية في هذا المستنقع الآسن، وصرنا جزء، وسناً في ترس اللاأخلاقيات في تشوية سمعة الناس مع الأسف!!

ثم قالت امرأة العزيز بعد ذلك الاعتراف الخطير منها: {وما أبريء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إﻻ ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم}، فالقرآن الكريم دائماً عندما يحدثنا عن مأساة أو مصيبة، فإنه يعطينا الأمل في محو الصفحة السوداء، وطي الماضي السيء، وتجديد الشخصية بكيانها الكامل الذهني، والمفاهيمي، والنفسي، فالذات كلها تتغير، ويعطينا قاعدة كبيرة تقول: إن ربي غفور رحيم.

ولكن…ما هي نتيجة السمعة الحسنة؟ إنه الاطمئنان، والثقة، {وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي}، فالملك الآن ﻻ يريده فقط لكي يفسر له الأحلام، وإنما ليصبح من حاشيته، وخاصته، وأقرب المقربين له، ويا ليت الحاشية النظيفة تقترب من كل مسؤول، ووزير، وأمير، وملك، ورئيس جمهورية.

{وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين}.

هذا مشهد على الحرص على حسن السمعة فيما مضى، ولنضرب مثلاً على ذلك بمشهد من واقعنا المعاصر:

ففي 3-2-2012، قدم وزير الطاقة البريطاني كيس هيون الليبرالي الديموقراطي استقالته بسبب اتهامه بتهربه من دفع مخالفة تجاوز السرعة!!

ولكن هل قدم استقالته وحسب؟ كلاّ، لقد قدم استقالته، وصرّح للصحفيين من أمام شقته في لندن أن قرار جهاز الادعاء العام مؤسف للغاية، وأنه بريء من هذه التهم، وأنه يعتزم مواجهتها في المحاكم!

ويكمل الوزير البريطاني كلامه قائلاً: وأنا واثق من أن المحلفين سيقفون معي في براءتي.

فهو لا يريد أن يورط نفسه، ولا سمعته، ولا مصالحه، ولأن عنده شيء مهم جداً وهي الكتلة التي يمثلها، فلا يريد أن يكون سبباً في جلب السمعة السيئة لهم!!

فأنت أيها الحبيب لست وحدك، بل لك أهلك، وأصدقاؤك، ولديك اتجاه، وعندك وظيفة مؤسسة، فأنت بكل هؤلاء، ولا تمثل نفسك فقط، فأنت فرد في شبكة، ودوائر متداخلة، ومترابطة، فسمعتك مهمة جداً.

هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس يوماً مع أصحابه، وإذا بأحد الجالسين يتكلم في كعب بن مالك، وهو صحابي كريم تخلف عن غزوة تبوك مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله ما أقعده إلا برداه، والنظر في عطفيه!! أي: ما أقعده إلا الترف، والنعمة، وتقديم الدنيا على الآخرة!! وكان في المجلس أحد شباب الصحابة، وعلمائهم، وهو معاذ بن جبل رضي الله عنه، فقال معاذ: بئس ما قلت، والله ما علمنا عنه إلا خيراً.

فمعاذ أولاً أدان تشوية سمعة ذلك الصحابي الجليل، والنيل منه، وأدان ذلك المجرِّح الذي نال من الجانب الاعتباري، والأدبي لذلك الشخص الغائب.

وثانياً أعطى معاذ تقريراً إيجابياً، وشهادة حسن سير وسلوك عن كعب بن مالك بأننا ما علمنا عليه إلا خيراً.

وأختم كلامي بعبارة تقول: من أكثر من شيء عرف به، فأي شخص يكثر من شيء، فإنه يكون صفة لازمة له، سواء كانت هذه الصفة من الكرم، والخير، أو كانت هذه الصفة من السوء، والشر، ففلان يكثر من الصدقة، فإنه يعرف بالصدقة، والإنفاق، وفلان متواضع، وسلوكه الدائم التواضع، فإنه يعرف بذلك، وفلان متكبر، فإنه يعرف أنه متكبر.

أخيراً:

اعلم أن صحبتك سمعتك، وسمعتك رصيدك، وثروة لك، ولأهلك، ولبيتك.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى