بيني وبينكم 2012

بينى وبينكم 2012 الحلقة الخامسة والعشرون سيكولوجية الانسان الملحد ج 1

 

سيكولوجية الانسان الملحد ج1

إنه…

موضوع جادّ في صلب العقيدة…

موضوع جادّ في اﻻنحرافات الفكرية…

موضوع جادّ في التصورات والأفكار…

موضوع جادّ من عدة اعتبارات…

سنغوص في أعماق هذا البحر المتلاطم، الممتلئ بالشبهات والشهوات، وسنحلق في فضاء هذا العالم التائه، المتمرد على الأديان والمعتقدات، مع علم من أعلام التربية، والتشخيص، والتعريف، والتوصيف…

مع الأستاذ الدكتور البروفيسور الاستشاري طارق الحبيب

بدأتُ حواري مع الدكتور بقولي:

في السنوات الثلاث أو الأربع الماضية، وبمتوالية متسعة حادة، برزت عندنا مؤشرات خطيرة لنوع جديد من التمرد على الدين في العالم العربي بصفة عامة، وفي الجزيرة العربية المحافظة المغلقة بصفة خاصة، وهذا التمرد لم يتوقف عند كونه صفة فكرية جادة، كلاّ، بل إنه انتقل إلى كونه صفة استفزازية، تطعن في أصل الدين، وتهزأ بالمجتمع، وتهدر الماضي، والتراث المتراكم، وفي المقابل رأينا افتخاراً فيما عند الغرب، وصعوده، وطغيانه…

كيف تنظر إلى هذه الظاهرة التي أربكت الرؤية في التشخيص؟!!

فقال: في الحقيقة أنا ﻻ أرى أن هناك تمرداً واضحاً على الدين في منطقة الخليج، وإنما اتخذ الدين كرمزية، فهو في الحقيقة رفض لطريقة المجتمع في التعاطي مع قضاياه، فاستخدم الدين كرمزية، ولا شك أن ذلك خطأ عظيم في الطريقة، ولكنني أقدم التفسير النفسي لهذه الظاهرة، وليس التبرير النفسي.

يذكر أدورنو أنه في عام 1930 أنشأت لجنة لدراسة سيكولوجية الغرب، ومجتمعاتهم، فوجدت ما يسمى بـ: الشخصية التسلطية، هذه الشخصية التسلطية لها تسع صفات في بنية ذلك الإنسان! من أين نشأت هذه الصفات؟ إنه من المجتمع السلطوي الذي ينادي بلسان حاله: ما أريكم إﻻ ما أرى، وهذا المجتمع السلطوي قد يوجد داخل الأسرة، وقد يوجد داخل المجتمع في بنيته الكبيرة، بأن تكون العلاقة قائمة على الأمر والنهي، وليس على الأخذ والعطاء! قائمة على العقاب، والعقاب، وليس على الثواب، والعقاب!      قائمة على المساءلة المستمرة، وليس على العناية المستمرة!

وبذلك تشكل الإنسان في ذلك المجتمع بعلاقة سلطوية مع  الآخر، تشكلوا بعدها بسيكولوجية النفاق!! ولذلك فإن النفاق له أبعاد نفسية، فأنا أقابلك بوجه، ومن خلفك بوجه آخر، لماذا؟!!

لأن علاقتي معك علاقة الأمر والنهي!!

ولذا؛ فحين انفتح الإنسان العربي بشكل عام، ثم إنسان الخليج بشكل خاص، على ذلك العالم الغربي، وأصبح له أن ينتمي إلى أي ثقافة، أو فكر، أو دين، أو غيرها، عندها استخدم الدين كوسيلة رمزية للتعبير عن رفضه لتلك الطريقة المجتمعية!

ولذلك فإنك تجد هؤﻻء الملحدين يركضون وراء الإسلاميين المنفتحين العقلانيين، في حين أنهم يرفضون غيرهم من الإسلاميين!! ولو كان ملحداً حقيقياً، لرفضك بجميع أشكالك الأيديولوجية، إسلامياً مرناً كنتَ، أو لم تكن، ولذلك فهو ﻻ يلحد بفكره فحسب، بل في كل شؤونه العامة والخاصة، حتى في طريقة لبسه وغيرها!!

فلو كان الإلحاد مجرد فكرة في الخليج، لرفض الدين لذاته، لكن القضية هي قضية استفزاز، وشتائم!! فأنا قد أرفض الدين الإسلامي، لعدم اقتناعي به مثلاً، ولكنني ﻻ أشتمه، أو أطعن فيه، ولكنني حينما أشتمه، فهذه تكون ردة فعل، نستطيع توصيفها بأنها: مركب عدوان! ولو سألتَ: كيف يتشكل مركب العدوان هذا في نفسية الإنسان؟

فأقول: إن الإنسان الذي تربى في طفولته بطريقة عنيفة يتشكل عنده مركب عدوان، ومركب العدوان هذا ﻻ يستطيع توجيهه لمصدر العدوان، الذي قد يتمثل في الأب، أو السلطة، أو غيرها، وإنما يبقى في داخله، هذا المركب يبدأ ينمو، ويكبر شيئاً فشيئاً، وإذا به يخرجه لجهة أخرى، بصور مختلفة، كمعارضة على الدولة، أو كمعارضة للدين، أو كمعارضة للأسرة، أو غيرها!!

ولذلك فالسؤال الذي يطرح نفسه: هل هناك سيكولوجية للإلحاد خاصة؟!

أم أنها سيكولوجية عامة، قد تتشكل في الإلحاد، وقد تتشكل في الرفض الوطني، أو في التفجيرات، أو في تفكير بعض الجماعات الإسلامية المنحرفة؟!!

ولذلك حينما سألتني مرة عن بعض الناس الذين كانوا متزمتين دينياً، إلى درجة الغلو، بحيث يحاسبك على شعرة صغيرة قصصتها من لحيتك، فتحول إلى رجل يسحب السيجارة في رمضان، وينفخها في وجهك، ويقول لك: هل لا زلتَ مصدقاً أنه يوجد إسلام وعقيدة وتوحيد إلى الآن؟!!

فجوابي: أن هذا الإنسان بحاله تلك انتقل من كونه متطرفاً ذات الشمال، إلى كونه متطرفاً ذات اليمين!!

وذلك التطرف ربما يتشكل في لباسه، أو في دينه، أو في مجتمعه، أو في غيره، فإذا جئنا للتشكل في الدين، فإما أن يتشكل زيادة أو نقصاناً! إذن هناك تطرف نوعي، وتطرف كمي.

أذكر مرة أنني كنت أحاضر عن سيكولوجية التطرف، وكان أحد الحاضرين من الأثرياء العرب الكبار، وهو موصوف بالتمرد والرفض الديني، فلما انتهيتُ من كلامي، قام بالتعقيب والرد على المتطرفين بطريقة فجة عنيفة، فكان جوابي له: أنك في البنية النفسية متطرف كل التطرف مثل هؤلاء، لكنهم تطرفوا من زاوية، وأنت تطرفت من زاوية أخرى!! وهذه حقيقة.

ولذلك ينبغي أن ﻻ تغرنا المظاهر، فنحكم على هذا بالتحرر، وعلى ذاك بالتطرف، مع أنه في الحقيقة كله تطرف! وقد تحدثت الأبحاث العلمية عن وجود تطرف إيجابي، وآخر سلبي، والإيجابي ليس بمعنى أنه جيد، وإنما الإيجابي: مع،        والسلبي: ضد.

فحينما أتطرف لجماعتي، فهذا يسمى تطرفاً إيجابياً، أي أنه مع، وليس جيداً، والتطرف السلبي أي بمعنى ضد.

قلتُ: كنتُ قد قرأتُ لك بحثاً للدكتور بول فيتس الذي أخرجه عام 1999، وكان ملحداً، ثم آمن، وألف كتاباً عن سيكولوجية الملحد، فخالفته في مضمون بحثه، حيث أنه اعتبر كلاًّ من سارتر، وفولتير، وبرناتراسل، وماركس، وتوماس هوبس، يعانون في طفولتهم مشكلة الأبوية، وأسقط عليهم نظرية التحليل النفسي لفرويد، من وجهة نظري أنا ﻻ أؤمن بالتفسير الأحادي للظاهرة المعقدة، أنت ما رأيك بذلك؟!

فقال: يجب أن نفرق بين الظاهرة الطبيعية، والظاهرة الإنسانية، فالظاهرة الطبيعية تقوم على الفيزياء، والكيمياء، وأن هذا يؤدى إلى هذا، أما الظاهرة الإنسانية كالإلحاد وغيره فإنها تقوم على عدة عوامل تفاعلت مع بعضها في شخصية معينة، فتتشكل بشخص معين، هذه واحدة.

الأمر الآخر: أن بعض الناس يتبنى فكرةً بناءً على شذوذ خاص به، فمثلاً: لو نظرنا إلى شوبن هاور المفكر الألماني، ماذا يقول عن المرأة؟!!

المرأة في نظره أفعى لينة الملمس!! لماذا قال ذلك؟! لقد اكتشفنا بعد التحري والتنقيب أن شوبن هاور شاذّ جنسياً!! إذن فكرته جاءت من شذوذه الجنسي، ولم تأتِ من معتقد أو من تصور، أنا قد أكون مفكراً؛ لكن قد يكون لي شذوذ معين، هذا الشذوذ يتشكل في بعض الأطروحات الفكرية، فليس كل ما أقوله يكون نابعاً من فكري، وإنما قد يأتي من شذوذي، أو من اضطراب في شخصيتي، أو من غيره.

قلتُ: إذن أنت تؤمن بأنه عند الحكم على شخص ما، فلا بد أن تستقرأ تاريخه ومواقفه، وتجربته الإنسانية.

فقال: ﻻ شيء سوى هذا، وهذا ﻻ يكفي أيضاً، لماذا؟

الاستقراء الكامل هذا ضرورة، ولكن الالتقاء بهذا الشخص مطلوب كذلك إن كان ممكناً، لماذا؟

لأنك حينما تقرأ سيرة الشخص، وأفعاله، وآثاره، قد لا تخرج بتصور صحيح عنه؛ لأنه في بعض الأحيان تكون الآثار نتيجة العديد من الأسباب، وليس سبباً واحداً، فمثلاً: تفاعل الشخص مع المجتمع، وضغوطاته قد تفرض عليه أفعالاً معينة، ليست هي فكره في الحقيقة، وإنما تبنّاها لاعتبارات مختلفة، فلو جئنا إلى الماركسية مثلاً: هل المجتمع الروسي كان يؤمن بها من كل وجه؟!! ﻻ أظن ذلك، لماذا؟

لأنه ما إن انفتحت فكرة الرأسمالية أمام غورباتشوف وغيره، إلا وطلقوا الشيوعية، وركضوا وراء الرأسمالية! فهل كانت فكرة الشيوعية قناعة في المجتمع الروسي؟ أم أنها كانت واقعاً مفروضاً عليهم نتيجة انغلاق ذلك المجتمع، وعدم مقارنته بفكرة أخرى، فاعتقد المجتمع بتلك الفكرة، وتحمّلها؟!!

قس على ذلك مسألة  الشذوذ الجنسي في الطب النفسي.

فالشذوذ الجنسي كان مرضاً حسب تصنيف الأطباء النفسانيين، إلى أن جاء طوني بلير، وبيل كلينتون، واحتاجوا إلى الشاذين جنسياً في أصواتهم  للانتخابات، وإذا بهم يخرجونهم من كتب الأطباء!!
إذن هي ظاهرة معقدة، تحتاج إلى مزيد دراسة وفحص.

قلتُ: أودّ الدخول معك في الجانب العملي والتجربة الشخصية…

كيف تنظر إلى شاب مبهور بالغرب انبهار قوي جداً، ومحتقر للشرق احتقار عظيماً، ويقول: أنا ﻻ يمكن أن أعيش في بلادكم، ودياركم، مثل هذا الشخص هل يكون حواره عقلياً، بأدلة وإحصاءات رقمية، وماذا قال فلاسفة الغرب عن الحضارة المادية، وكيف يعيش الإنسان الغربي؟!! أم أنني لا بد أن أستوعبه؟! أم أبيّن له ما عندنا من حضارة وتراث؟ أم أفهمه ما معنى العلم؟ لأنه يرانا في الحقيقة ﻻ شيء.

فقال: نيوتن له قاعدة في الجمادات تقول: لكل فعل ردة فعل، في الحقيقة أنني ﻻ أؤمن بهذه القاعدة في بني البشر، لأن الصحيح في بني البشر أن لكل سبب فعل رد فعل، وليس لكل فعل رد فعل! فلو سألنا: لماذا يفكر هذا الشاب بهذه الطريقة؟ فالجواب: أن هناك ما يسمى بـ: الشخصية الحادية، وهي الشخصية المزاجية، وهي تقوم على لغة الأبيض والأسود، فلا رمادي فيها، فهذا الإنسان ينظر إلى الغرب على أنه المثل الأعلى، والذي لا نظير له في الواقع المحسوس، بخلاف المجتمع الإسلامي فإنه لا ينفع مطلقاً، الإشكالية هنا أن هذه الشخصية امتدت لتركيبة الإنسان العربي، والمجتمع العربي، فأنت إما معي وإما ضدي، واستمدت تاريخها الأسبق من مجتمع الصحراء في سيكولوجية أن النفس تتخالط مع التاريخ، والجغرافيا، فنحن قبيلة إما أن تُغيروا علينا، وإما أن نغير عليكم! فأنت إما معي أو ضدي! فأنا أتحالف مع ناس ضدك، وأنا خائف منك! إذن هذا صديقي، وذاك عدوي! فقامت علاقة الإنسان بغيره على هذه الطريقة، ولذلك أصبحت علاقته بالفكر بهذه الطريقة، وعلاقته بالأديان بهذه الطريقة، فهو من وجهة نظره: إما دين رائع، أو دين ﻻ ينفع! بل إن الداعية المسلم حينما يذهب ويدعو الغربيين للدين الإسلامي، فإنه في الحقيقة يدعوهم إلى طريقته في فهم الدين، وليس إلى حقيقة الدين!! ولذلك فإنني أقول: إن أروع من قدم دينه للآخرين هم النصارى!!

وأرجو أن لا يفهم كلامي خطأ!! فأنا أقول: أروع من قدمه دينهم هم النصارى، ولا أقول: أروع دين، فهناك فرق بين العبارتين، فالروعة منصبة على طريقة التقديم فقط…كيف ذلك؟

الدين عبارة عن ماذا؟

عبارة عن أدبيات، وعن سلوكيات، دعك من العقائد.

المسلم حينما يقدم دينه للآخرين هل يقدم سلوكيات الدين، أم يقدم أدبياته في الدعوة إلى الله تعالى؟

الجواب: أنه يقدم السلوكيات!!

فتجده يخاطب الآخرين بقوله: الحجاب فرض، شرب الخمر حرام، الختان واجب، وهكذا…

بينما نجد النصراني يقدم أدبيات دينه!!

فأنا الآن كإنسان بوذي، أو هندوسي، أو غيره، عندما يدعوني شخصان، أحدهما بأدبيات دينه، والآخر بسلوكيات دينه؟ بمن سأقبل؟  لا شك بالأدبيات، وهذا هو سبب انتشار المسيحية أكثر من الإسلام، عن طريق التبشير أو غيرها، في بعض المناطق؛ لتقديم الأدبيات أكثر من السلوكيات! ولذلك كان الواجب على الأمة الإسلامية أن يقتدوا بفعل النبي صلى الله عليه وسلم مع كفار قريش قبل الإسلام، حيث بدأت الدعوة إلى الله بأدبيات الأمانة، والصدق، وأن يفعلوا ما فعل التجار اليمنيين عندما سافروا إلى إندونيسيا من دعوة الناس إلى الإسلام بأخلاقهم وأدبهم، فبهذه الطريقة نستطيع أن ندعو إلى الله تعالى، ونجذب الآخرين إلى ديننا، فأنا أنادي بنقلة ثورية حضارية في طريقة الدعوة إلى الله، بتقديم الأدبيات بدلاً من السلوكيات.

لأن الإنسان حينما يؤمن صادقاً من قلبه، فإنه يتبنى تلك السلوكيات تلقائياً، ودون ضغوط أو نفوذ.

ولو سألنا أنفسنا: لماذا نقدم السلوكيات على الأدبيات في الدعوة إلى الله تعالى؟؟

فالجواب: لأننا نرجع إلى نفس الحدية في التفكير، لغة الأبيض والأسود، لأن السلوكيات تقبل القياس عندي والحساب، فهذه تحجبت، وتلك لم تتحجب، وهذا شرب الخمر، وذاك لم يشربها، وهكذا…

أما الأدبيات فلا تقبل القياس، كالصدق، والأمانة وغيرها.

ولهذا يلجأ إنسان الصحراء والجبل إلى الأدبيات، ويفبركها بطريقته، بل يستخدمها وسيلة للنفاق مع الآخر في هذا التعامل!!

قلتُ: هذا كلام كبير، وربما ﻻ نلحظه إلا عند بعض المجموعات الصادقة في التحرك إلى الله سبحانه وتعالى، من غير مكاسب سياسية، ولا مادية.

فقال: يجب أن نعلم جميعاً أنني لستُ ضد السلوكيات، والدعوة بها، وتبيينها للناس، كلاّ، ليس الأمر كذلك، ولكن المسألة بالنسبة لي في قضية التوقيت!!

فأنا لستُ ضد السلوكيات، ولكنني مع التوقيت، فكما أن الإسلام وقّت كيف تقدم بعض الواجبات، فكذلك الدعوة إلى الله تعالى! فأنت حينما تدعو شخصاً جديداً إلى دين الإسلام، فكأنما رجعت 1400 سنة إلى الوراء، ومثل هذه الحالة يجب أن يكون لها استراتيجية في التقديم.

أذكر أنني تكلمت مرة في قناة إسلامية فضائية عن إنسان فلسطين في ذكرى النكبة، وإذا بمجموعة من اليهود يكتبون لي على صفحتي في الفيس بوك معاتبين-دون علمي بمتابعتهم لي-، يقولون: أنت مفكر للإنسانية، ﻻ مفكر للمسلمين فقط!!

لقد شعرت حينها أنني على طريقة محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان جاره يهودياً، والذي رهن درعه عند يهودي أيضاً، إنك تقدم شيئاً يجعل اليهودي يقول: كما قال ذاك اليهودي: أطع أبا القاسم!!

فالمقصود أنك تستطيع أن تملك العدو من خلال الأدبيات.

قلتُ: أنا أؤكد لك أن النفرة من التديّن تكون أحياناً بسبب أن هذا المتدين يصلي، ويصوم، ويحج، ويتصدق، ولكنه قاسٍ في معاملته مع زوجته، ليس أميناً في معاملته مع التجار، شديداً عسيراً، لا يعرف قلبه الرحمة واللين والعدل في علاقاته مع موظفيه…

ولذلك ينبغي أن نعي جميعاً أن الأدبيات هي أيضاً من الدين، فعندما تتضخم العبادة، وتغيب الأدبيات يكون هناك انفصال بين العبادة والعمل، ونقع في مصيبة كبيرة.

فقال: لا شك أن هذا هو الطرح الإسلامي، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول🙁إنما بعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق)

ولكن لي تعليق هنا… فالإنسان العربي بشكل عام، والخليجي على وجه الخصوص، لماذا يقدم السلوكيات على الأدبيات؟! هو معذور في هذا، ولا نظلمه، لماذا؟!!

لأنه ﻻ يعرف سوى هذا، فقد تربى في بيته على العلاقة السلطوية، وتربى من الشيخ على قاعدة: ما أريكم إلا ما أرى!! وتربى في علاقته بالحاكم على الخضوع والخنوع، والتسليم المطلق، وعدم الاعتراض، إذن هو تربى على أشياء معينة، ولذلك تقوده السلوكية تلك في التعاطي مع معطياته الأخرى، بل حتى مع ذاته هو تماماً؛ ولذلك إذا تدين، فإنه يتدين بذاته، وبشكله الذي هو سلوكي! فلا يلام ذلك الإنسان، وإنما يلام مفكرو الأمة؛ لأنهم لم  يدركوا الخلل! مفكرو الأمة معهم السياط التي يجلدون فيها المجتمع! أتدري أين المشكلة؟!! ولعلك تعجب! مشكلة المجتمع العربي في نظري أن مثقفيه بجميع أطيافهم، وتوجهاتهم، هم أقل من مستوى هذا المجتمع!! إنهم لم يستطيعوا أن يرتقوا إليه! لماذا؟

لأن المجتمع العربي مكوّن من طبقات معينة، متشكلة ومختلطة بعضها في بعضه، فتحتاج أن تفككه لرموز بسيطة، لأنك ﻻ تستطيع أن تخترقه بالدرجة الكافية، ولذلك فالمجتمع العربي مجتمع شكّاك، ﻻ يسلم نفسه حتى يثق فيك أمانةً وعقلاً؛ فإذا وثق بعقلك دون أمانتك ﻻ يسلم لك، وإذا وثق بأمانتك دون عقلك يحبك، لكنه ﻻ يسلم لك كذلك، فهو يريد العقل والأمانة في آن واحد، ولذا فهو معذور في أطروحاته؛ لأنه ﻻ يملك سواها، رضعها مع الحليب، وعاش بتلك الطريقة.

قلتُ: نرجع إلى الناس المنبهرين بالغرب؟

فقال: هذا طبيعي جدًّا، لأن ذلك الإنسان تربى على الطريقة السلطوية، الناقدة، اللاذعة، فحينما يربيه أبوه في طفولته على أنك لا تنفع، وأن ابن فلان أفضل منك…، فهو يتربى الآن على قاعدة: أبيض وأسود. وهذا بلا شك خطأ جسيم، والصواب أن يقول له: لديك سلوكيات جيدة، وسلوكيات غير جيدة، فالإشكالية في تربيتنا أننا نلوم الذات، ولا نلوم الفعل، بل الواجب أن يوجه النقد إلى الفعل، ﻻ إلى الذات.

قلتُ: حتى الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى انصبت على لوم الذوات، وتحطيم الأشخاص.

فقال: هذا غلط محض…

النبي صلى الله عليه وسلم عندما حكم بالجلد على أحد الصحابة لشربه الخمر، جاء في الحديث:(فمنا الضارب بيده، ومنا الضارب بنعله)، فقال أحد الصحابة: لعنه الله! ما أكثر ما يؤتى به؟! وإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم ينبري معاتباً لذلك الصحابي على تلك الكلمة!!

ولو جئنا للقياس: فأيهما أعنف وأشد: كلمة نقد توجه لشخص مجلود، أم قرار جلد أمام الناس؟

لا شك أن قرار الجلد أمام الناس هو الأعنف، والأشد؛ ولكن لماذا يقرر النبي صلى الله عليه وسلم الجلد، وفي الوقت ذاته يغضب من الفعل الأقل، وهو تلك الكلمة؟!!

لأن هذا توجه للفعل، وذلك توجه للفاعل، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يحامي الذات في أطروحته.

هذا التشكل في طريقة بنية الإنسان يجعله حدي النظر، فينظر إلى المجتمع الغربي على أنه الأروع، والأكمل، والأحسن من كل الجوانب.

ولذلك أقول: إن طريقة الردود العلمية على مشكلة الإلحاد ﻻ تنفع؛ لأن مشكلة الإلحاد نفسية، وليست علمية، والدليل أنك كلما أتيت لهم بأدلة، كلما ألحدوا أكثر! لماذا؟

لأن القضية نفسية، وليست علمية، فحينما تذكر له شيئاً فاسداً في المجتمع الغربي، يعطيك تبريرات له،  وحينما تذكر له شيئاً جيداً في المجتمع العربي، يعطيك مساوئ له! لماذا؟!

لأنه يصر على الحدية في التفكير، بطريقة الأبيض والأسود، فهو لم ينشأ على لون رمادي بين الأبيض   والأسود، ولا على كلمة ربما بين نعم ولا، فيتشكل بالحدية في التفكير حينما يلحد، وحينما يدرس، وحينما يتزوج….

إذن، هل للإلحاد وغيره سيكولوجية خاصة؟ الجواب: ﻻ أظن!!

نقطة أخرى مهمة: في رأيي أن قضية ملحد ومتدين انتهت الآن، وإنما هو سلّم، الإلحاد في طرفه، والتدين الشديد في طرفه الآخر، فأنت تسير بين هذا وذاك، فمنكر لوجود الله تعالى، ومقدس لله سبحانه وتعالى، فأنت حينما تولد، في أي نقطة تكون في هذا السلم: (فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه)، هذه واحدة.

الأمر الآخر: طبيعتك المجتمعية، فقد تولد وأنت في الدرجة العاشرة من السلم، أو في الدرجة التسعين من السلم، أو غير ذلك، لماذا؟!

لأن طبيعة مجتمعك تشكل طريقتك في التعاطي! فهذا عامل.

العامل الآخر: هو اضطراب الشخصية، فالشخصيات شبة الفصيبية، أي غريبة الأطوار، هذه في العادة تتبني الأفكار الغريبة ليس تحدياً للمجتمع، وإنما غرابة في أطوارها، فكيف نحكم عليه إذن؟ انظر إليه في طريقة حياته كلها، تجده يلبس الملابس الغريبة، يعمل الحركات الغريبة، وغيرها من الأمور.

الأمر الآخر في احتمالية الإلحاد وغيرها، هي: تغيرات المراهق، فالمراهق يحب أن يجرب الجديد؛ ولذلك قد نعانده ونضاربه إذا جرب الجديد، فيصرّ على موقفه أكثر، فأنت الذي أنشأت فيه ذلك العناد، والإصرار؛ لأنك تجهل روح المراهق، فهو يصر على الشيء بالعناد، ويبدأ يلتزم بهذا من عناده، ﻻ من قناعته الفكرية.

جاءتني ابنتي فقالت لي: هل عبدة الشيطان جيّدون؟!! أتدري ماذا رددتُ عليها؟!

لم أقل: الشيطان خبيث، وهؤلاء خبثاء! وإنما قلتُ لها: دعينا نرى، ونتأكد! لماذا؟

لأنني لم أرد أن أدغدغ سيكولوجية العناد فيها، فقلتُ: ننظر إليهم، ونرى ماذا عندهم من مزايا، وماذا عندهم من عيوب، فأنا أريد أن أعلمها كيف تخرج من الحدية، وتقرأ المزايا، والعيوب.

فالسؤال كان عبارة عن فكرة عابرة لمراهقة، ولم تكن قناعة فكرية مأسسة عندها، فتبدأ تعاند، وتحامي، ثم تلجأ إلى صديقاتها، فيدافعون، ويشكلون مجموعات.

قلتُ: ما أحوجنا إلى أن نعلم الآباء، والأساتذة، والمربين أن لا يكتفوا بثقافة الإنكار، والصد، والإغفال، بل ناقشه، وتعرف على مشكلته، وما يدور في خاطره، ودعْه يتحدث بما يشاء، ولو كان كلاماً كفرياً، لأنك أنت في مقام الطبيب الذي يريد معرفة المرض، وتشخيصه بدقة، لصرف الدواء الناجع له.

فقال: لا أكون مبالغاً إذا قلتُ: إن كثيراً من رواد الدعوة إلى الله تعالى، والمفكرين في الأمة، ﻻ يعرفون هذه القضايا!! وهذه طامة كبرى.

لا أقول ذلك تنقصاً منهم، وإنما لأنها لم تبرمج في المناهج الدراسية، فتصبح جزءًا من نمط الحياة!

أنا عرفتُ هذه القضايا لأني درستها، ولولا ذلك، لما عرفتها، ولربما عشتُ جاهلاً مع أبنائي، منفراً لهم عن هذا الدين العظيم، والسبب طريقة التدين الخاطئة، وليس الدين.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى