بيني وبينكم 2012

بينى وبينكم 2012 الحلقة السادسة تعقيدات الزواج ج 2

 

تعقيدات الزواج  

تعقيدات الزواج!!!

موضوع اجتماعي حساس، يتصل بنا جميعاً، نعيشه هذه الأيام في عالمنا العربي في ظل أوضاعنا الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، المتردية.

نعيش تعقيدات الزواج في أمّة تنتمي إلى دين البساطة واليسر، الدين الذي يقدم التراحم على التعاقد، الدين الذي يرى في الزواج الجمع بين قلبين متفقين أكثر من أثاث، وبريستيج، ومظاهر كاذبة خادعة.

والمنطقي أن أبدأ بكتاب الله سبحانه وتعالى، ثم بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم بالإجماعات الكلية الكبيرة التي وقعت من الصحابة وغيرهم، ثم الاجتهادات، ثم الاجتهاد العصري أو القياس، والاستفادة من الدراسات الحديثة العربية والغربية.

إلا أنني سأخالف هذا الترتيب، وأعكس الأمر، فأبدأ من كلام الخواجات، الأجانب، الغربيين، ليس زهداً بمرجعيتي، وليس إرجاءً لها، وتقديم الغير عليها، ولكن لعدة أسباب:

أولاً: لأنه في كثير من الأحيان تتجلى الأمور بالمقارنة.

ثانياً: لأن بعض العقول لا يقنعها إلا أن تسرد لها وتلمح إليها بما قال الغربيون!! فهي عند هذه الأدلة تخر سجداً وبكياً.

ثالثاً: أنه عندما تبدأ بالآخر فإنه بالمقارنة يتجلى الشيء.(ما الفرق بين الأول والثالث؟)

لاري ديفيز، عميد كلية العلوم الاجتماعية أو الخدمة الاجتماعية، له كتاب اسمه: (الجماعات المتحركة أو الحركية الديناميكية)، ذكر مصطلحين متقابلين، لكن الطريف في اصطلاحاته أن عنوان المصطلح يناقض المضمون، أما المصطلح الأول فهو: الأغلبية النفسية، وأما المصطلح الثاني فهو: الأقلية النفسية.

ماذا يقصد بالأغلبية النفسية؟

الأغلبية النفسية: هم الأقلية في الواقع، كيف ذلك؟ لأنهم يمتلكون مراكز تأثير، وصوتهم عالي في المجتمع، ومن ثم فهم الظاهرون في المشهد السياسي، أو المشهد الاجتماعي، أو المشهد الثقافي، فيظن هذا المتلقي نفسياً أن هذا هو الحق، وأن هذا هو السائد.

ومثال ذلك: جريدة تعرض لك موضوعاً ما، سواء في قضية فكرية، أو اجتماعية، أو سياسية، أو دينية، أو غير ذلك، ثم أيها القارئ: هل أنت مع، أم ضد؟

الذي يحدث أن صاحب الجريدة لديه اتجاه معين، ولديه تحيز لرأي ما، وكل إنسان عنده نوع من التحيز، فماذا يصنع في هذه الحالة؟

يقوم أولاً بوضع الرأيين: المعارض والموافق، ثم مع الأيام يبدأ يقلل مساحة النشر للرأي الذي يعارضه، ويزيد مساحة النشر للرأي الموافق له!! ومع الزمن يوحي إليك أيها المتلقي أن الناس كلها مع الرأي الفلاني الذي يوافقه هو، بينما الواقع الميداني أن المعارض أكثر!

هذه واحدة من أشكال الأغلبية النفسية، الذين هم أقلية في الواقع.

اما المصطلح الثاني وهو الأقلية النفسية: فهم في الميدان أكثرية، وهي قناعات ومجتمعات مسلمة لها انتماءاتها، ووﻻءاتها، وتناغماتها مع عقيدتها، وسلوكها، ولكن ليس لها صوت عالي، فمراكز الثقافة والتوجيه في البلد بيد الآخرين، خاصة قبل الثورة الإلكترونية، فتكون أصواتهم أقرب ما تكون إلى الكبت، أو المناجاة الداخلية، فهم أقلية نفسية، وإن كانوا في الواقع هم الأكثرية، ولكن ليس لهم التمثيل الذي يكشف عن حقيقة وجودهم، أو ثقلهم في الواقع، وهذا ما نشاهده في الدعاية والإعلام.

لماذا نقول هذا الكلام ونحن نتكلم عن تعقيدات الزواج في حياتنا اليومية؟

لأن الإعلام له دور كبير، والثقافة العامة المصدرة عبر الوسائل لها دور كبير في عملية الترجيح، والتقديم والتأخير، فيما هو مقبول وما هو مرفوض.

مثال ذلك: ما الذي يؤثر فينا أنت في عملية الخطبة لأحد أبنائنا؟

هل العملية آلية فقط؟ أم أننا نكون مشحونين ذهنياً حول معنى الخطبة، ومن الذي يخطب، وما حاله، وما هي أوصافه، وما وظيفته، ومن أي عائلة، وووو إلخ القائمة الطويلة من الأسئلة التعجيزية، والأدبيات المتوارثة، والعادات المتّبعة المتعبّد بها؟!

لا شك أن هذا الضغط سيؤثر تأثيراً غير عقلي، ولا موضوعي، ولا واقعي، على الشاب والفتاة اللذان يريدان تأسيس بيت الزواج، وبيت التراحم، وبيت التلاحم، ذلك الزواج الذي يقول عنه رب العالمين بصيغة إيمانية سلوكية أخلاقية تراحمية: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة}.

ولاحظوا التعبير بكلمة (من أنفسكم)، فهذا هو قمة التلاحم، ثم بكلمة (لتسكنوا) والسكن ليس فقط السكن المكاني، وإنما المقصود الأعظم هو السكن النفسي، وما سمّي الزواج سكناً إلا لأنه يعطيك هذه الراحة، ثم (وجعل بينكم) أي الرجل والمرأة، وهل هناك أكثر من المودة والرحمة، فالمودة هي قمة الحب، فهي الحب الذي ليس فيه مصلحة إلا للوفاء الطبيعي، المودة أن يشعر المرؤ أنه جزء من الثاني، المودة حتى لو وقع خلاف بين الزوج وزوجته، فلا بد أن يكون هناك ندم داخلي، ومن ثم تعود المياه إلى مجاريها، ليس هذا فحسب بل فوق المودة الرحمة، يا إلهي.

فليس زواجاً ذلك الزواج بلا سكنى نفسية مريحة، ذلك الزواج الذي يرى الإنسان أن راحته في الهروب من البيت، لا في البيت، ذلك الزواج الذي إذا دخل الإنسان فيه بيته أحس أنه في جحيم، أو أحست العائلة أنها في جحيم!!!

فهذه ليست أسرة، هذا معتقل، هذا سجن إجباري، هذه زنازين فردية قاهرة.

وحتى تعلم أيها القارئ صدق قولي، وواقعيته، انظر إلى الثقافة الآسرة للكثيرين منا في قضية الزواج، ومتطلباته، وتعقيداته، التي ألزمنا بها أنفسنا، وهي غير لازمة لنا، حتى غدا الواحد منا مع الأسف ينطلق من الخارج الضاغط، أكثر من القناعات المنطقية، والقيم التي نحن مؤمنون بها من داخلنا، فضحّينا بالداخل الإيماني الناصح الراشد المفيد، في مقابل الضغط الخارجي الذي جعلني أستسلم، وأخضع له.

وأنا أعلم أن هناك أدبيات وسلوكيات مجتمعية ينبغي مراعاتها، ولكن لا يكون ذلك على حساب أهدافي، وقناعاتي، وتصوراتي، لأن الذي سينطلق من الخارج الضاغط سيتعب كثيراً، ويتحيّر كثيراً، وهو مع كل ذلك لن يرضي جميع الأطراف، فلا بد أن يبقى هناك من ينتقد عملك، ويتهمك بالتقصير، والمخالفة، فالقضية لها نهاية لها.

ولعل من أوائل المشاكل التي تواجه الرجل عند تفكيره بإتمام شطر دينه، والبحث عن شريكة حياته: مشكلة غلاء المهور!

وقصة المهور شيء لا يتخيله العقل! وليس الكلام عن دولة بعينها كالكويت مثلاً، وإنما في كل مكان، سواء أكانت الدولة فقيرة أم غنية.

فما معنى المهر؟ المهر: هو هدية، والهدية يجب ألا تتعلمن!! كما يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله تعالى في كتابه العلمانية الشاملة، عندما يتكلم عن الزواج العلماني، أي المظهري الخادع الرأسمالي المتوحش الاستعراضي، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول عن هذا المهر: (إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤونة)، فالاقتصاد والرشد في قضية النفقة هو العقل، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يزوج بالقرآن، ويزوج بالشيء اليسير (التمس ولو خاتماً من حديد)،فهو صلى الله عليه وسلم يريد أن يقول لك: انظر إلى المعنى لا إلى الماديات، لا تنحصر في المادة وتجعلها هي المعيار، وتنسى الأصل!

قضية غلاء المهور أصبحت ثقافة عند الناس، فالمهر يجب أن يكون لسقف معين لا يقل عنه، وهذا أصبح عرفاً يطبق على الأثرياء والميسورين، كما يطبق على الفقراء ومتوسطي الحال!! ولا شك أن هذا عبث، وظلم، بل يجب أن ننطلق من قناعاتنا لا من الخارج.

كيف يشكل الناس قناعاتهم؟

هناك ثلاث مستويات:

الأول: الانطباعات الشخصية، وماذا نعني بالانطباعات الشخصية؟

هي تلك الأحكام التي يصدرها الشخص بناء على مواقف معينة، وحوادث شخصية! فمثلاً: قد يدعي البعض أن هناك عنفاً زوجياً في الكويت. فإذا سألته: كيف عرفت ذلك؟ فيقول: فلان من الناس ضرب زوجته، وآخر معه في العمل ألقى على زوجته كأس ماء، وقرأ خبراً في الجريدة أن أحدهم كاد أن يحرق زوجته!

ثلاث حوادث كوّن من خلالها انطباعاً أصدر على أساسه حكماً كلياً على المجتمع! ولا شك أن هذا تصرف خاطئ، وحكم مجانب للصواب.

الثاني: الإحصاءات الدراسية من مراكز علمية معتبرة، أو مؤسسات رسمية، مقدمة من باحث اجتماعي كبير معروف، يعرض خلاله آليات البحث، ونتائجه، ويكون مدعماً بالأدلة، والإجراءات الإحصائية، والشريحة المستهدفة، كما هو الحال في البحوث المنهجية، وهذا الذي يجب أن نركز عليه.

الثالث: الصورة التليفزيونية، أو الانطباع التليفزيوني، وهو الذي أصبح المؤثر الحقيقي في قضايا الزواج، وقضايا الحقوق، وغيرها من القضايا الظاهرة في المجتمع، فأصبحت التمثيليات والمسلسلات هي الفكر، وهي الثقافة، وهي المجتمع، وهي الدراسات، وهي الحكم النهائي على هؤﻻء الناس، ومع الأسف تكون الصورة شائهة في الأغلب.

نعود إلى الحديث عن المهر، فالمهر حق شرعي للزوجة، فهو هدية من الرجل لزوجته، وهو في الأصل قضية رمزية، وأخطر ما في المهر أن يتحول إلى جانب استعراضي! أن يكون المهر عقدة العقد! هذا ما ينبغي أن يكون.

ومن البدع العصرية المنتشرة في قضية تعقيدات الزواج، وتكليف الإنسان فوق طاقته، وتحميل العريس ديوناً ومهمات لا تدخل في طبيعة الزواج، ما يسمى بـ: صندوق المهور! وهذا غير المهر الذي يدفعه الرجل لزوجته! فما هو صندوق المهور هذا؟ هو عبارة عن هدية للزوجة نفسها، أو لأهلها! كساعة فخمة، أو عطورات ماركات، أو بعض الاكسسوارات الثمينة!!

فكيف ستكون المودة والرحمة في مثل هذا الزواج، إذا كانت هذه هي البدايات؟! هذه ليست مودة ولا رحمة، وإنما هذه تجارة، هذا بيع وشراء! نعم لقد حولنا الزواج من زواج تراحمي، إلى زواج تعاقدي، وكأننا في مقاولات، هذا الفكر يجب أن يهدم، وأن يزول، ولا بد أن نتكلم بصوت عالي ضده.

لقد أصبحنا نقرأ في المقالات: هل يجوز أن يكون الزني بالمجان، والزواج بالملايين؟ نعم هذا أمر واقعي، فلا ينبغي أن ندفن رؤوسنا في الرمال تجاهه، ونغلق الأبواب، فنحن بذلك نضيق الأمور، ونخرب الفرص، ونكسر القلوب! كلنا يحفظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه)، نعم زوجوه، وإلا (إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض)!

يجب علينا أن ننطلق من المبادئ لا من الواقع، ومن القناعات لا من الإيحاءات.

من القصص التي آلمتني كثيراً: قصة فتاة سورية بعثت لمركز الفتوى تعرض مشكلتها التي يمكن تلخيصها بـ: أن والدها رجل صالح، وقد عقدت قرانها على شاب طيب بمهر قدره 7 آلاف يورو، لكن كان شرط والدها أن يكون الزواج بعد تخرجهما كليهما من الجامعة، فوافق الشاب وجلس ثلاث سنوات يجمع المال، ويقتصد، ويستدين، حتى أتم المبلغ، وعندما جاء وقت الزواج وكتابة العقد، طلب والدها منه المؤخر 23 ألف يورو!! فكانت صدمة للشاب ولها كذلك، وعندما سأله الشاب عن سبب ذلك، أجاب الوالد: حتى نضمن أنك لا تطلق!! ما هذه المهزلة؟

فكان سؤال هذه الأخت: هل يجوز أن آخذ من أموالي الشخصية وأعطيها لزوجي دون علم والدي، وبالاتفاق مع والدتي، حتى يثبت أنه يملك 23 ألف يورو؟ ثم هل هذا الذي يفعله والدها من أدبيات الشرع؟ وبدأت البنت تضع أسئلة وتقول: ساعدوني!!

لا شك أننا نرتكب جريمة في حق بناتنا، وأولادنا، ومجتمعنا مع الأسف، الدكتور عبد الوهاب المسيري أحد مفكري العصر الكبار الذين يجمعون بين التنظير الفكري العميق، وقراءة واقع المجتمعات السلوكية، ذكر في كتابه: (العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة)، علمنة الزواج! حيث أن مؤسسة الزواج بدأت في الغرب تتراجع، وتتقدم العلاقات المباشرة التي تختفي فيها قضية الخصوصية الزوجية التراحمية، فبدأت تتولد مجتمعات لا تقوم على أب، وأم، وأسر ممتدة، بل أصبح تعريف الأسرة اليوم في النظام العالمي الجديد، والعولمة، وما ﻻحقها من علمانية شرسة، عبارة عن سقف تحته اثنان! من هم هؤلاء الاثنين؟ ذكور؟ إناث؟ فخرجت علينا منظومات أسرية لا علاقة لها بالتاريخ الإنساني كله، فتجد: رجل يتزوج رجلاً، ويأتون بأبناء يتبنونهم! وهذا شكل من الأسر الفوضوية اللاعقلية، واللامنطقية، غير موجودة في التاريخ، لماذا؟ لأنه لا توجد أي مرجعية إلا الواقع، والواقع متغير ونسبي.

أما حفلات الزواج: فقد أكد على الفكرة التي تقول: إن حفلات الزواج بدل أن تستدعي الصديق القديم، والجار البعيد، والفقراء، أصبحت تستدعي رجال الأعمال في بعض البيئات الرأسمالية، ويجب أن يأتي الكل بأغلى ما يمتلك من لباس، وساعات، وإكسسوارات، ومجوهرات! فيكون العرس أقرب إلى قضية استعراض ملكيات مادية!!

ثم يختم الدكتور كلامه فيقول: هذا الجو بدلاً من أن يحقق الأمن الاجتماعي كزواج، وتراحم، ولم الشمل، بات يستدعي لحفلات الزواج الأمن المركزي أساس أن لحماية تلك المجوهرات، وحماية الأشخاص الذين يمتلكونها، فتراجع التراحم، وتقدم البعد المادي التعاقدي!

نحن نقول كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إن المهر جانب رمزي، وليس هو الجوهر، وإنما الجوهر كما قال صلى الله عليه وسلم: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض)، فالزواج ميثاق غليظ، يجب أن ننظر له نظرة قدسية راقية، أما قضايا الماديات والشكليات فهذه قضايا تكميلية طبيعية في حياة البشر، لكن هذا شيء، وقضية تضييع جوهر العبادة في الزواج شيء آخر.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى