بيني وبينكم 2012

بينى وبينكم 2012 الحلقة العشرون ( وضربنا علي اذانهم في الكهف )

 

وضربنا على آذانهم في الكهف

نحن نؤمن بأن كلام الله سبحانه وتعالى من خلال ارتباطه الموضوعي باللغة العربية فإنه يعطي معاني آنية للذين يعيشون في ذلك الوقت وفق ثقافتهم؛ ولكن ذلك لا يمنع من اكتناز معاني تصلح للمستقبل يكتشفها الإنسان، ومن ثم تكون الآيات متجددة تناسب كل زمان، ومكان، ومن هنا يتحقق قول الله تبارك وتعالى ولا سيما في الآيات الكونية، والآيات النفسية: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق}.

وللتدليل على صدق هذه القضية سنتناول الإذن البشرية كنموذج لذلك، وكوني غير متخصص في مجال الطب، ومن باب قول الله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم تعلمون}، فتحت المجال أمام أهل العلم في ذلك، فكان لي لقاء مع أحد كبار أطباء الأنف، والأذن، والحنجرة، وهو الاستشاري عبد الله العلي، وهو متخصص في الجراحة الدقيقة للأذن.

وبعد الترحيب به، قلتُ له:

لقد وقفتَ مع آيات سورة الكهف في قضية الإعجاز العلمي في الأذن، فما الذي لفت نظرك في هذه الآيات؟

فقال:

البداية كانت حوالي عام 2000، حيث كنت في مدينة الطائف سياحة، وقرأت وقتها تفسيراً للشيخ الشعراوي رحمه الله تعالى في هذه الآية: {فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً}، فذكر رحمه الله تعالى أن النائم لا يرى؛ ولكنه يسمع، فإذا تم تعطيل سمعه، فلا شيء يوقظه! فقلت: سبحان الله، فالأصم يستيقظ من الجوع، أو من البرد، أو من قرصة، أو من أي شيء يوقظه، فهو ينام، ويقعد، حاله حال الآخرين، والله سبحانه وتعالى قال: {فضربنا على آذانهم}، ولم يقل: على أسماعهم، إذن هناك شيء ربما يكون أوسع من تعطيل السمع، فالأذن لها وظيفتان: السمع، والتوازن، فقلت: إذن المعنى أي يختل توازنهم، فلو حاول أحدهم القيام لم يستطع، لكن هذا غير وارد، فالله سبحانه وتعالى أعطى وصفاً كاملاً لهم، فقال: {وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال}، فكلمة (نقلبهم): تشير إلى أنهم فاقدون للوعي، لا يستطيعون تقليب أنفسهم، وأمر آخر في قوله تعالى: {وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود}، أي أن أعينهم مفتحة، أو أن الواحد منهم يغمض، ويفتح.

 

 

قلتُ:

إذن أنت تريد أن تثبت أن الذي يرى أحدهم لا يحسبه مستيقظاً إلا أن تكون عينه مفتوحة؟

فقال:

نعم، ويضاف على ذلك قوله تعالى: {لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً}، فمعروف أن يد الإنسان لا تخيف، وكذلك الرقبة؛ وإنما علامات الخوف تأتي من الوجه، فإذا أردتُ أن أخيف أحداً فإنني أكشّر في وجهه وأبحلق، ولكنها هنا تكشيرة قوية لدرجة أن الله سبحانه وتعالى يصفها: {ولملئت منهم رعباً}!

إذن المسألة ليست أن هذا لا يسمع؛ وإنما حدث شيء من هذه الضربة غيّر الملامح، وجعلها تخيف من يراه، وأنهم فاقدون للوعي، ويحتاجون إلى تقليب، وأنهم أحياء، وأحياء بمظاهر الحياة بتقليبهم يمنة ويسرة، وبدخول الشمس عليهم صباحاً من زاوية، وقبل الغروب من زاوية،{وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه}، وبالهواء الذي هو أساسي للحياة، فمظاهر الحياة موجودة عندهم.

ثم إنهم ناموا واستيقظوا وحسبوا أنهم ناموا يوماً أو بعض يوم، والنائم عادة عند أغلب الناس إذا أطال النوم فإنه يشعر بذلك، لكن هؤلاء لم يشعروا بشيء من ذلك مع أنهم ناموا ما يزيد على 300 سنة!! فتفكرت في قوله تعالى: {فضربنا على آذانهم}، وليس على أسماعهم، فما هي هذه الأذن التي لو ضربتها، أو عطلتها، أو شغلتها، أدى ذلك إلى فقدان الوعي، وإلى تغيير ملامح الوجه إلى الشكل المخيف، ومع ذلك تبقى حية؟!

قلتُ:

تفضل فقد شوقتنا للمعرفة.

فقال:

من خلال معرفتي بالأذن، وعملي فيها طوال هذه السنوات، وجدنا أن هناك عصباً صغيراً موجوداً في قناة الأذن الخارجية متفرع من العصب العاشر الحائر، ويسمى بالحائر لأنه يخرج من المخ، ومن الأعصاب المخية، ويمشي ما شاء الله له أن يمشي إلى أن يذهب إلى القلب، والرئتين، والمعدة، والأمعاء الدقيقة، والغليظة، وكذلك الحنجرة واللهاة، والوجه، وغير ذلك، هذا العصب الحائر بفرعه الذي أرسله إلى الأذن عندما تحقق وتدقق فيه، تجد أنه ليس له دور معروف!! فالأذن جاءها الإحساس من العصب الخامس، والسمع من العصب الثامن، والعصب السامع الذي يحرك عضلات الوجه مار مرور، وهذا طريقه، والعصب التاسع مطرش فرع أيضاً رايح إلى الجزء الداخلي من الطبقة، وجزء داش في هذا العصب عصبنا آرنولد من الحائر، وهذا العصب أيضاً فيه صفه غريبة أنه بعد ما يطلع من العصب العاشر منطقة ما تحت الأذن، ويرد حق الأذن، ويتّحد مع فرع طالع له من التاسع، فانه يقوم يطلع فرع صغير يروح يمشي حق العصب السابع الذي يحرك عضلات الوجه، وهو يستقر في قناة الأذن الخارجية في الجدار الخلفي تحديداً وصغير يعني سمكه سمك خيط البكرة التي نخيط فيها، فهو ليس له دور بالإحساس بالأذن باللمس، لو وضعت عود في الأذن وحكيت ممكن تكح من هذا العصب، وهو عصب آرنولد الحائر. (غير مفهوم)

وعصب آرنولد هذا صغير دقيق، فلو تمّ تهييجه، بضربة ما تكون مباشرة على الأذن، أو بطريقة ما لم نتوصل لها بشكل دقيق إلى الآن، فإن هذا العصب سيهيج العصب العاشر، ويهيج العصب السابع!!

أما العصب العاشر فيذهب للحنجرة، والقلب، والرئتين، والأمعاء، والمعدة، وأما السابع فيحرك عضلات الوجه، فماذا يحدث لو تهيج العصب العاشر؟

إن السرعة الطبيعية للقلب بدون أعصاب هي 180 نبضة بالدقيقة، ونحن نراها ما بين 60 إلى 90؛ لأنها محكومة بالعصب العاشر، فلو زاد هذا التحكم فإنك تهيجه أكثر، وسوف تنخفض نبضات القلب إلى أن تصل إلى 28 نبضة، وعندها قد يفقد الشخص وعيه، وقد يتحمل البعض هذا الانخفاض بل وأكثر من ذلك إلى أن سصل إلى 16 نبضة، وهو في وعيه، ولكن بعد ذلك يفقد وعيه، ويبقى على قيد الحياة، بمعنى أنه فاقد للوعي، لكنه حي!! فيحتاج إلى من يقلبه؛ لأنه لا يستطيع أن يتقلب بنفسه، فليست فيه قوة أو إدراك، فهنا يأتي قول الله تعالى: {ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال}، حتى تحدث فيهم تقرحات الفراش. هذه الصفة الأولى لهم.

أما الصفة الثانية: فنجد في هذه الآيات أن الله تعالى قال: {وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود}، فهم ليسوا أمواتاً، وإنما رقود، والتقليب مستمر، والهواء موجود، والشمس تدخل عليهم مرتين في اليوم، ثم قال: {لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً}، فأنت لا يمكن تخاف من شخص تحسبه نائماً، أما هؤلاء فتحسبهم أيقاظاً، ويخيفون، فأشكالهم مرعبة، {لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً}، والسؤال: من أين أتى هذا التغير في ملامح الوجه، حتى أصبح مخيفاً مرعباً لمن يراه؟

الجواب: من خلال عصب الوجه الذي يتحكم في عضلات الوجه، وهو العصب السابع، الذي تلقى فرعاً من عصب آرنولد الصغير، الذي يم تهييجه، فهيج بدوره العصب السابع في الوجه!!

قلتُ:

هل أفهم من كلامك هذا أننا لو ضربنا إنساناً على أذنه ضربة وصلت إلى عصب آرنولد هذا، فإنه يسقط أرضاً ويفقد وعيه، ويفتح عينه، ويكشر عن أنيابه، ويصبح شكله مخيفاً؟

فقال:

تماماً، هذا الذي سيحدث!

وها هنا فائدة يحسن ذكرها، وهي أن عصب الوجه له وظائف أخرى، فهو المسؤول عن سيلان اللعاب، وعملية التذوق، فالعصب الذي تفرع من عصب آرنولد ذهب لعصب الوجه مباشرة، ولم يمر في المكان الذي يخرج منه العصب الذي يشرف على عملية التذوق، والغدد اللعابية!!

قلتُ:

ذكرتَ أن نومتهم لم تكن نومة طبيعية، ولم يكن الضرب للسمع فقط، فهم ليسوا فاقدين للسمع فحسب؛ وإنما فاقدوا أشياء أخرى، هل لك أن تحدثنا عن طبيعة هذه النومة؟

فقال:

الله سبحانه وتعالى حينما قال: {فضربنا على آذانهم} هو أعلم سبحانه بقوله، فكان بالإمكان أن يقول: أرقدناهم، كما في قوله عز وجل عن عزير: {فأماته الله مائة عام ثم بعثه}، ولكن قوله: {فضربنا على آذانهم} إشارة إلى أن هذه الضربة هي التي أدّت إلى هذه النومة الطويلة، فهي ضربة مقدرة، ومستمرة، والراجح أنها على الجانبين، أي على الأذنين؛ لكي تتحرك العينان، والوجه، على الناحيتين، ولكي لا يعمل عصب واحد على إبطاء القلب من ناحية، ولا يعمل الآخر.

هذه واحدة.

النقطة الثانية: أن هذه النومة حُفظت فيها مظاهر الحياة، فكل شيء يشير إلى أنهم نيام:

أولاً: {وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود}.

ثانياً: {ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال}، والتقليب لا ينفع الميت لأنه ميت، ولكنه ينفع النائم؛ لأنه لو لم يقلب أصبحت فيه تقلبات الفراش، ولأكلت الأرض جسمه، فقول: {ونقلبهم}؛ لكي لا يتقرّح الجسم.

ثالثاً: {وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه}، فالمكان مشمس، ومهوى تهوية كاملة.

إذن أسباب الحياة متوفرة، وكونهم فاقدي الوعي، فهم   يعيشون على مخزونهم من الشحم، واللحم إلى ما شاء الله عز وجل، ثلاث مائة سنين شمسية، وازدادوا تسعة لو كانت قمرية، فهذه هي صفة نومة أهل الكهف، ونومتهم أصبحت آية لكل من أتى بعدهم.

قلتُ:

ذكرتَ أن الدليل على أنها ليست نومة طبيعية؛ أن فيها ضربة، وسقوطاً، وأنهم يحتاجون إلى من يقلبهم، بينما النائم العادي لا يحتاج إلى من يقلبه؟

فقال:

هي فقدان وعي، واستدل عليه بالتقليب، وعندما صحوا، قالوا: {كم لبثتم قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم}، ولم يرد في القرآن وصف لأشكالهم، وهل نمت أظفارهم وأشعارهم؟ لو نمت شعورهم وأظفارهم على غير المعتاد، لما قالوا: {لبثنا يوماً أو بعض يوم}، لأن نموها يأخذ من طاقة الجسم، ويخرج النيتروجين.

قلتُ:

قد يقول قائل: ولماذا كل ذلك من تقليب، وتزاور للشمس، وهواء، وغيره، والله تعالى قادر أن يبقيهم على ما كانوا عليه دون الحاجة لكل ذلك؟!

والذي يتبادر إلى الذهن بداية في الإجابة على هذا السؤال أن يقال: إننا نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى خلق الكون بأسبابه، وأسبابه مخلوقة، وأعلمنا بهذه الأسباب، فالله تعالى قال: {وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا به}، إذن بالماء أنبت، مع أنه يستطيع أن ينبت من غير ماء،      ولكنه خلق نظاماً كاملاً أعلمنا به، فما تعليقك على ذلك؟

فقال:

أنا أوافقك تماماً، وهذه الأسباب أخذ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله عز وجل قادر على أن يهدي الناس جميعاً، قال تعالى: {ولو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة}، {ولو شاء الله لآمن من في الأرض كلهم جميعاً}، ولكن الله عز وجل جعل لذلك ناموساً وسنة كونية نسير وفقها، ولو تأملنا القرآن الكريم حين لوجدنا أن كل ما جرى في هذا الكون فقد جرى بالناموس، فمثلاً في سورة يوسف نجد أن يعقوب عليه السلام نبي من أنبياء الله، ومع ذلك ظل يبكي على فقد ولده حتى ذهب بصره، والله عز وجل قادر على أن يجعل نبيه مسروراً سعيداً، وأن لا يفقد ابنه، وأن يأتيه بـأخباره. هذا أمر.

أمر آخر: أن يوسف عليه السلام أعطاهم قميصه، وقال: {ألقوه على وجه أبي يأت بصيراً}، وقد حدث ذلك بمجرد إلقاء القميص على وجهه فارتد بصيراً، فهل السبب في ذلك أن دواء ما دخل في عين يعقوب عليه السلام؟

فلو كان في القميص دواء، ودخل في عينه، فإنه يحتاج إلى وقت طويل لكي تعود العين إلى طبيعتها، كما هو معروف، ولكن الذي يبدو أن عمى يعقوب عليه السلام هو عمى من نوع آخر، فبمجرد أن شمّ رائحة يوسف عليه السلام، وألقي القميص على وجهه ارتد بصيراً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى