بيني وبينكم 2007

بيني وبينكم 2007 الحلقة الثانية البر والعقوق ج 1

البر والعقوق ج1

هناك موضوعات كثيرة لا تموت، ولا يمل المتحدث من تكرارها، ليس الواعظ فقط، أو المربي، أو أستاذ الجامعة، وإنما المجتمع برمته، كموضوع الإنسانية، والأمانة، والصدق، والوفاء، والقيم، والمخدرات، وما إلى ذلك.

ومن تلك الموضوعات التي ينبغي أن نؤكد عليها في ظل تراجع معناها، وفي ظل ثقافة الفردية، وثقافة الأنانية، وثقافة الذات على حساب الآخر، وعلى حساب المجتمع، ألا وهو موضوع البر والعقوق.

والبر إذا أطلق، ونقيضه العقوق، ينصرف الذهن مباشرة إلى الوالدين، فهؤلاء أولى الناس بالبر، وينبغي أن نكون أبعد الناس عن هذه الجريمة النكراء.

جاءتني دعوة من صديق عزيز أننا نريدك في محاضرة في اليوم الفلاني، فاعتذرت منه، وقلت: إنني مشغول في هذا اليوم. فقال لي: عندما تعرف لمن ستكون هذه المحاضرة فسوف تلبي النداء، ولن تتأخر، وستأجل كل أعمالك لها!! فقلت: ولمن ستكون يا ترى؟ فقال: إنها لمن يسمّى مجهولي الوالدين، أو الأيتام. فوافقت بلا تردد؛ لأن الواحد منا يجب أن يفكر في هؤلاء المجروحين، والمنكوبين، والمكروبين، فالجُرح النفسي يكون في الأغلب أعمق وأشد وأكثر تأثيرًا على صاحبه من الجرح الحسي، وقد يكون الإنسان مالكًا للمال، والبيت، والسيارة، وكل شيء؛ ولكنه داخلياً محطم نفسيًّا، وهؤلاء إذا لم يتفهمهم المجتمع، وإذا هم لم يفهموا أنفسهم، ولم يفهموا معنى الحياة، فلن تستقر لهم نفس.

فذهبت لهم، وشاهدت وجوه طيبة، وتكلمت في موضوع عام، ثم بعد ذلك بدأت الشكاوى، والآهات، وبدأ التنفيس عن المشاعر الحزينة، والمؤلمة.

فقلت لهم: هناك من يركز التفكير في: لماذا؟ بمعنى: لماذا كنت أنا كذلك؟ ولماذا حظي هكذا؟ وهناك على الطرف المقابل من يفكر في: كيف؟ لأن التفكير في: لماذا، سوف يجعل الإنسان يعيش في همّ، ودوامة لا تنتهي.

إذن لا بد أن نفكر في كيف؟ أي: في المخرج، وفيما سيأتي؟ لا بد من البحث في كيف؟ هذا أولاً.

ثانيًا: من قال: أنتم فقط من يعاني من الغربة في المجتمع؟! كلا، فما من إنسان إلا ويعاني من ذلك، فهذا شخص منبوذ من الناس، وآخر له خصوم، وهذا فقير، وهذا غير أصيل، وهذا ضعيف، إلى غير ذلك، فلا يخلو أحد من غربة، فكلنا سواء في المجتمع؛ ولكن يبقى الأمر المهم وهو: كيف تقبل ذاتك؟ هنا تكمن القوة.

فقالوا لي: ولماذا الإعلام لا يهتم بنا؟ ولا يكتب عنا؟ فقلت لهم: سوف أكتب عنكم، وأهتم فيكم؛ لكن الواحد منا يخاف أن يكتب، يريد الإفادة، فيُحرج نفسية هذا المسكين، ولذا يجب أن يكون الكلام في هذه المسائل بحذر، وروية، وعقل، فهؤلاء يشعرون بعدم انتماء، فلا أحد يسأل عنهم، فلا أم، ولا أب، ولا عم، ولا عمة، ولا خال، ولا خالة، ولا جد، ولا جدة! ولكن في المقابل هناك من عنده أم، أو أب، أو عم، أو عمة، أو خال، أو خالة، أو جد، أو جدة، لكنه منبوذ منهم؛ لأنه مجرم، ولأنه أضر بهم، وجل لهم العار والمصائب.

فهذا موجود أيضاً.

ثالثًا: يجب أن يعرف الإنسان أن هناك جرائم وقعت منه، وبسببه، وجرائم لم تقع منه، وليست بسببه، فالفتاة التي وقع عليها الاغتصاب مثلاً قد تكون من بيت أم وأب، ومن أناس محترمين، فنقول لها: لا تعاتبي ضميرك أكثر من اللازم، فأنت لم ترتكبي هذه الجريمة عن اختيار منك، ولذلك فالله سبحانه وتعالى يراعيكِ، ولا يُدينُكِ، ولا يعاقبكِ، بل على العكس من ذلك فإنه يعطيكِ أجرًا على هذا البلاء.

ومثل ذلك يقال لمجهول الوالدين، أو مجهول النسب: فأنت ما كسبت هذا الذنب، وإنما كنتَ نتيجة علاقة محرمة من رجل وامرأة لم يراقبا الله تعالى وقت معصيتهما له، فلا تحمل نفسك وزر شيء لم ترتكبه.

وعليه فأنت أمام طريقين:

الأول: الإعاقة، بأن تنكفئ على ذاتك، وتفكر في همومك، وتنسحب من المجتمع، وتصاب بإحباطات نفسية.

والثاني: أن تتحدى المشكلة، والتحدي يعني أن تثبت ذاتك، وتثبت شخصيتك، لأنك:

أولاً: يجب أن تفهم مصدر الحياة، فأنت أُكرمت بالوجود في الحياة.

ثانياً: أنت إنسان، ولك عقل يفكر، ويختار، ويُقدر.

ثالثاً: الله سبحانه وتعالى خلق الناس، وجعل لهم اختيارات، فمن الناس من يفخر بقضية وأمر ليس له فيه اختيار! كأن يولد في البلد الفلاني، أو من العائلة الفلانية، أو بالشكل الفلاني، فهذه قضايا جبرية، لا فخر للإنسان فيها على أحد، وإنما الفخر يكون بما لك فيه اختيار، وبالتالي يستطيع هذا الإنسان مجهول الوالدين أن يختار العقيدة السليمة الصحيحة، والقيم الراقية، والهدف من الحياة، فيكون مجهول الوالدين؛ لكنه معلوم العقيدة، كريم الخلق، عظيم النفس، فيكون أفضل ملايين المرات ممن لهم آباء، وأجداد، وأحساب، وأنساب.

فواجب عليك أن تعتصم بالله، وتكّون شخصيتك، وتثبت لذاتك أن الله تعالى خلق خلقاً لا يستمدون قواهم من العائلة، ولا من المكانة الاجتماعية، ولا من الأموال الكثيرة، وإنما من قيمهم، وأخلاقهم، وإثبات ذواتهم في المجتمع، ومن أصالتهم الطبيعية القيمية.

وليكن من رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم قدوة وأسوة في هذا الجانب، فهذا العظيم توفي والده وهو في الشهر السادس في رحم أمه، وتوفيت والدته وهو في السنة الثامنة من عمره، أي أنه عاش يتيمًا، وكان يعاني حرماناً كبيراً، ولذلك امتن رب العالمين عليه بهذا، فقال:{ألم يجدك يتيماً فآوى}، ثم قال له موجهًا وآمرًا في آخر السورة: {فأما اليتيم فلا تقهر}، فذكره بالحرمان، ثم ذكره بالنعمة، والفضل، ولذلك انظر كيف كان بره وعطاؤه عليه الصلاة والسلام!

يحدثنا أبو الطفيل فيقول: كنت بالجعرانة، وكنت غلامًا، فرأيت رسول الله  صلى الله عليه وسلم يوزع اللحم بمكة، وإذا بامرأة تأتي من بعيد، فلما رآها استقبلها، وبسط رداءه لها، وأجلسها عليه، فسألت عن ذلك، فقيل: هذه أمه التي أرضعته! فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك بالأم من الرضاعة، فكيف يكون فعله بالأم الحقيقية؟!

وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أذنبت ذنبًا عظيمًا، فقال: هل لك من والدة؟ قال: لا. قال: هل لك من خالة؟ قال: نعم قال: فبرها.

فبر الخالة من بر الأم.

ولكن للأسف تغيرت النظرة هذه الأيام، وتغيرت المفاهيم، وتبدلت الأعراف، والتقاليد، والقيم، وأصبح همّ الشاب، أو الفتاة نفسه، فلم يعد يلتفت لبر ولا عقوق! فهذه من آخر اهتماماته وأولوياته، إلا من رحم ربك، حتى لا تكون نظرتنا سوداوية قاتمة، ولكن هذا واقع يجب أن نعترف به، وأن نحاول قدر الإمكان، وكل من موقع مسؤوليته، أن نعزز القيم، وأن نحجم المشكلة، وأن نوجد لها الحلول الناجعة، والمستعجلة، فإن المجتمع الذي تذوب فيه علامات البر وصوره، مجتمع مأذون بالخراب والدمار، متوعد بالهلاك والبوار، إن لم يكن هناك أخذ على يد السفيه والمقصر.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى