بيني وبينكم 2007

بيني وبينكم 2007 الحلقة الرابعة والعشرون الطائفية ج 2

الطائفية ج2

فإذا وقع التعصب، فما هي النتيجة؟

النتيجة حسب درجة التعصب:

أولاً: التعميم في الأحكام على الطوائف، فالمتعصب يستخدم دائماً هذه الكلمات: (كل، وجميع، ولا أحد يسلم)! فهو دائماً يعمم ويسقط.

ثانياً: الحكم على الأشخاص بأخطائهم، فعنده عملية إقصاء، وإلغاء، ودفن للمحاسن.

الشيخ محمد الغزالي له كتاب بعنوان: (علل وأدوية) يقول فيه: ماذا يبقى من تاريخنا إن أخذنا سيرة الشيخين أبي بكر وعمر من أفواه الغلاة؟ وسيرة علي بن أبي طالب من أفواه الخوارج؟ وسيرة أبي حنيفة من أفواه الإخباريين؟ وسيرة ابن تيمية من ابن بطوطة وابن فلان؟ وسيرة محمد بن عبد الوهاب من أفواه الأتراك؟

ثم يقول: كنت أتمنى لو أني رزقت موهبة الإمام أبي حامد الغزالي صاحب كتاب: (إلجام        العوام عن علم الكلام)، فأخرج كتاباً وأسميه: (إلجام الصغار والأغرار من مناوشة الكبار)، حتى أخلص الناس من فوضى التعصب التي تسقط الناس إسقاطاً كلياً.

كلام جميل يكتب بماء الذهب.

ثالثاً: بخس الحق، فمثلاً: يأتيك عامل لأمر ما في البيت، فعندما ينتهي من عمله، تقوم بإعطائه أجره، فإذا علمتَ أنه من مذهبك، أو من دينك، أو قوميتك، وفيّت له الأجر، وإن كان خلاف ذلك بخسته حقه، وأنقصت أجره!!

ما علاقة الحق بالانتماء أيها البشر؟!

رابعاً: عدم التعاطف مع المظلومين، فالبعض يرى الناس تهلك أمامه، وهو لا يحرك ساكناً، لماذا؟ لأن ذاك الشخص من الآخرين!!

وقد يصل البعض إلى قمة الدمار التعصبي الطائفي المذهبي القومي العرقي، حينما يتلذذ بقتل الآخرين، ويعطي ذلك الشرعية، وهذه خطورة ما بعدها خطورة.

لذلك فإن الدكتور عبد الوهاب المسيري يقول: إن التعصب ليس فقط في العلوم الاجتماعية، بل هناك تحيز في العلوم الطبيعية!!

كنا نسمع الشيخ الشعراوي رحمه الله تعالى يقول: العلوم محايدة.

بمعنى ليس هناك كهرباء إنجليزية، وكهرباء أمريكانية، وكهرباء عربية، أو حديد يتمدد بالحرارة على الطريقة الشرقية، أو على الطريقة الغربية؛ لأن القواعد المادية حتمية. ومع ذلك فقد دخلها التعصب، والتحيز!!

أما القاعدة التي نريد الانطلاق منها، وتقريرها في ظل حديثنا عن الطائفية، والمذهبية، والحزبية، فتنص على: إقرار التعددية وتحريم التعصب.

فإقرار التعددية لا يعني أنك توافقها، ولكن هذا واقع يجب أن تقرّه، فلا تبيده أو تنفيه، بل تتعامل معه بالحسنى.

وأضرب على ذلك مثلاً عملياً: ففي شهر ثمانية 2006 نشرتُ مقاﻻً في جريدة الرأي بعنوان: (يهودي في ضيافة كويتي!!)، ومختصر المقال:

أنني كنت على الخطوط الجوية الكويتية في طريقي إلى جدة، فجاءني المضيف وأعطاني ورقة فيها سؤال، وقال لي: أريد الجواب مكتوباً، فلما قرأت السؤال، قلت له: سأكتب الجواب في مقال في جريدة الرأي! اقرأه هناك، وسأجيبك الآن شفوياً بسرعة.

والسؤال يقول: أنا مضيف أنزل في إيطاليا مع طاقم الطيارة، ونسكن في السكن الخاص لنا هناك، وأتردد على مطعم قريب مني، وهو مطعم وجبات سريعة، فتعرفت على النادل، وكان يهودياً، وخلال هذه المعرفة نقلتُ له ثقافة بلدي، وتاريخه، وعاداته، وتقاليده، ودينه، وقيمه، وجغرافيته، فأحب طبائع البلد، وبدأ يتطبع بها من باب تقليد المحب، فقال: علمني الصلاة! ليس من باب أنه يريد الإسلام، ولكن من باب أنها رياضة جميلة، وفي يوم من الأيام سافرت وكان معي ابن عمي جاء معي إلى إيطاليا، فلما رأى مني حسن المعاملة مع اليهودي نهرني، وعامله بغلظة! فقال لي اليهودي بعد ذلك: هل هذا الذي جاء معك من نفس بلدك؟ ألستم من ملة واحدة، ودين واحد؟! فيسأل هذا المضيف: أيهما أصح أنا أم ابن عمي؟! قلت له: أنت الأصح مئة بالمئة، وابن عمك مشكور على اجتهاده، لكنه مخطئ، وقلت له: أنت بفعلك ذلك طبقت أحكام الإسلام العملية التي شوهت من جهتين:

من جهة بعض أبناء أمتنا من المسلمين الذين يتصرفون خطأ، ومن جهة القصف الإعلامي الغربي المتصهين والمتحيز ضد هذه المجتمعات المسلمة.

هذا أولاً.

ثانياً: نحن لسنا ضد أي يهودي، أو أي مسيحي، لسنا ضد أي مسلم، نحن ضد الصهيوني المستعمر فيما يسمى إسرائيل، الذي يهتك العرض، ويسلب الأرض، نحن ضد الصليبي الذي يهتك العرض، ويحتل الأرض، نحن ضد الإرهابي الذي يقتل باسم الإسلام، وباسم الدين، وباسم القرآن، نحن ضد الإنسان الحربي المجرم أياً كان، حتى لو كان أخي من أمي وأبي.

ثم قلت له: أنت أيضاً يجب أن تنتبه إلى نقطة مهمة، ألا وهي: التفريق بين الوﻻء والبراء، وبين المعاملة بالحسنى.

فهذا مثال واضح وجلي على الأزمة التي نعاني منها.

ثم تعالوا بنا نتحدث عن المعالجة، كيف نعالج قضية ازدياد معدلات الطائفية والتحيزات؟

أولاً: صمام الأسرة، فالأسرة يجب أن تكون ناضجة، عاقلة، لا تغرس في الطفل المسكين البريء الحقد والكراهية.

ثانياً: صمام التربية.

ثالثاً: الجانب العملي، فمثلاً: عندما أدخل إلى الكلية لتدريس الطلبة، في أول يوم في الدراسة أقول لهم: يا شبابنا كلكم وأنا أيضاً يريد أن يترقى بمستواه التعليمي، بوظيفته، بكذا.. وطريقة الوصول للدرجة الممتازة بثلاث طرق: الغش، الواسطة، الاجتهاد.

فالغش مرفوض قطعاً، جملة وتفصيلاً، والواسطة استثنائية لحالات قاهرة، ونادرة جداً، فلم يبق إلا الاجتهاد.

وهل يدخل المظهر في الاجتهاد؟ أي محجبة أو متبرجة؟ كلاّ، بل تأخذ حقها.

ملتحي أو غير ملتحي؟ كلاّ، بل يأخذ حقه.

وهل يدخل الدين والمذهب في الاجتهاد؟ أي مسلم، أو مسيحي، أو شيعي، أو سني، أو درزي، أو بهائي؟ كلاّ، فالكل يأخذ حقه.

فالشكل ليس له دور، ومنطقة السكن، والقبيلة،  والدين، والمذهب، والمكانة الاجتماعية، وغيرها، كلها لا دخل لها في التقييم.

رابعاً: القرار السياسي، فيجب أن يكون واضحاً، واتخاذ إجراءات عملية، فلا تعلق المسائل؛ لأنه بالقانون يتغير الشيء الذي لا يتغير بالموعظة، والعقل، والحوار.

خامساً: لا بد من اجتماع العقلاء في كل مذهب، وهم كثر، فلماذا لا يجتمعون، ويتحاورون، ويتعاونون على قضية المشترك العام، لكي تسير سفينة المجتمع، ولا ترتكز في القاع، ويغرق الجميع.

ثم إن مفهوم الدين يقوم على التعارف، كما قال ربنا جل وعلا: {لتعارفوا}، فقبل حوار الحضارات دعني أتعرف عليك حتى لا ألومك، أو أحملك ما لا تتحمل في مذهبك، وفي دينك، وفي قوميتك، فالمشاكل التاريخية، والمشاكل العرقية القديمة لا بد أن نسقطها الآن.

كذلك العدالة، فالدين يقول لك: العدالة فوق الجميع، يجب أن تعدل مع الموافق والمخالف، فالعدالة فوق الانتماء، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان مطارداً من أناس يطلبونه بالدم، ويحاربونه باللسان، والسنان، ويتخفي من أجل أن ينجو بنفسه إلى المدينة المنورة في الهجرة، ومع كل ذلك يجعل يترك علي بن أبي طالب في بيته في مكة، لماذا؟ لكي يرد الأمانات إلى الذين يطاردونه! لنتخيل هذا الموقف.

فهذه معجزة، نعم هذه حقوق ليس لها علاقة بالصراع، والحق يجب أن يرجع لصاحبه أيًّا كان.

إذن يجب أن نفرق بين الوﻻء والبراء، وبين المعاملة بالحسنى، وإعطاء الحقوق، فأنا لا أوالي عقيدتك، بل أختلف مع نظريتك كلها ودينك، ولكن أعاملك بالحسنى، وأعطيك حقوقك.

فإذا كانت العقيدة تقول: {لكم دينكم ولي دين}، فكيف بالمذهب؟!

هناك عصابات مجرمة يجب أن نتآلف ونتكاتف لمحاصرتها، لعدم إعطائها الفرصة لكي تزرع الفتن بين أبناء الأمة الواحدة، والبلد الواحد، وإلا غرقنا جميعاً، فالإنصاف، والعقل، والعدل، يقتضي منا أن نفوت الفرصة على غرق سفينة المجتمع، فالطائفية تحرق الجميع، وتحرق الأخضر واليابس، والخاسر الأول هو النظيف المسالم العاقل.

كلنا ينتمي، وكلنا له بعض التحيزات، ولكن يجب أن نغلب جانب العدالة، ونراقب الله سبحانه وتعالى، ونكون الإنسان بالمعنى الحقيقي، لكي لا يخسر الجميع، ويهلك الجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى