بيني وبينكم 2007

بيني وبينكم 2007 الحلقة السابعة الخمور

الخمور

لا يوجد إنسان عاقل، حتى ولو لم يكن متديناً، لا يقر أن هذا الشيء الذي أتكلم عنه أنه آفة، وسوء، ورذيلة، ومضرة بالصحة، وبالعقل، وبإنسانية الإنسان.

إنه الخمر! ذاك المشروب النجس، التي تتفق الأديان والعقول على سوئه، ومضرته، ولكن… لماذا هذا الإقبال عليه؟ ولماذا هذا الجري وراءه؟! حتى أصبح الخمر يباع في الدكاكين بخلسة، ويروج للشباب الصغار، بل وللفتيات، على أنه ينعش الجسد، ويذهب بالظمأ، ويحرك الدم، الخ…!!

فعندما تصل المسألة إلى هذه النتيجة فنحن مضطرون لأن نذكر، ونقرع جرس الخطر، وننبه، ونحذر، ونلفت الانتباه لما هو مسكوت عنه، أو لما هو مغفل، ونبين أن هناك مشكلة تحتاج إلى حل جذري، وليس حلاًّ موضعياً!

والسؤال: هل هناك أحد يجهل أن الله سبحانه وتعالى حرم الخمر؟!! فالله تعالى يقول: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزﻻم رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون}.

أقول: نعم لقد خرج علينا البعض من الذين يهرفون بما لا يعرفون فقالوا: لا يوجد في القرآن آية تقول: إن الخمر حرام!! وإنما الآية تقول: فاجتنبوه!! وهذا من أعجب العجب.

فالخمر ذكر ضمن مجموعة من الكبائر: الميسر، والأنصاب، والأزلام، ثم وصفها جميعاً بأنها: رجس، أي نجاسة، ثم بين أنها جميعاً من عمل الشيطان، ثم أمر باجتنابها، وبين أن الفلاح لمن ترك هذه الأمور.

والاجتناب أشد من التحريم؛ لأنه ينبغي أن تذهب وتبتعد عن كل البيئة المحيطة التي تسوقك إلى هذا المحرم.

ثم جاءت السنة النبوية، وهي المذكرة التفسيرية للقرآن، وأغلقت الأبواب على الجميع، حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الخمر (فهي ملعونة بحد ذاتها)، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه»، واللعن: هو الخروج من رحمة الله سبحانه وتعالى، فالمسألة محرمة.

ألقيتُ مرة محاضرة في السجن المركزي، فقال لي أحد الحاضرين: هل هناك نص يحرم المخدرات؟! يظن الأخ أن الشريعة تحرم كل شيء نصاً نصاً! الشريعة تأتي بقواعد وكليات تندرج تحتها التفاصيل والتفريعات، فتستوعب الزمان والمكان، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر، وقال: (ما أسكر كثيره فقليله حرام)، فهذه أحكام كلية، أما يأتي النص الشرعي ويقول: احذر كذا، واحذر كذا، بتفصيلات، فمثل هذا لا تأتي به الشريعة غالباً.

ثم إنه توجد لدينا قاعدة عامة، بل هي أحد الأدلة المعتبرة عند كثير من أهل العلم، وهو ما يعرف بالقياس، وهو: إلحاق فرع بأصل في حكمه لعلة جامعة، فبالقياس تنحل الإشكالية التي يطالب بها الكثيرون؛ فالعلة المشتركة بين الخمر والمخدرات هي الإسكار، وعليه تلحق المخدرات بالخمر في الحكم وهو التحريم.

هذا من ناحية الحكم الشرعي، ولكن تعال بنا لننظر عندما تربط المسألة بالعقيدة، وبالإيمان، بدرجة صعود مستوى اليقين والتقوى، من نزوله إلى الدرجات السفلى، فنجد النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)، بمعنى أن لحظة الزنى، أو السرقة، أو شرب الخمر، يرتفع الإيمان عنك، وتصبح إنساناً مادياً، مفرغاً إلا من الشهوة.

ثم إن الشريعة تقوم على التدابير الوقائية، قبل العلاجية، فالشريعة فيها تربية، وفيها تدابير وقائية، ثم تعطي العلاج، ثم توقع العقوبة بعد ذلك لمن أصر، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول:(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يدار عليها الخمر)، فهذه رسالة لكل من يجامل الناس على حساب دينه، وأحكام شرعه، فيوافق الفاسدين على بعض أعمالهم وتصرفاتهم، وإن لم يفعلها، فنقول له: اعتصم بمبادئك وكن قوياً، فهؤلاء المنحرفون يجاهرون بمنكراتهم، ولا يخجلون من ذلك، فلماذا لا تكون أنت قوياً، وتنطلق من قناعاتك الداخلية، ﻻ من الواقع المنحرف لهؤلاء؟

في إحدى الرحلات الجوية، جاء أحد المضيفين لتقديم الطعام للركاب، وكان في عربة التقديم خمور!! وكان هذا المضيف باكستانياً اسمه جنيد، فقلتُ له: يا جنيد هل هذا خمر؟ فقال: نعم هذا خمر! فقلتُ له: وهل أنت مسلم؟ فقال: أنا مسلم! فقلتُ له: وكيف تقدم الخمر إذن؟ فجلس وقال: إنني أسكبها وأنا متألم! ومع ذلك فإنني لا أصب الخمر لأي إنسان، بل أترك الطرف الآخر الذي يشرب الخمر من الموظفين، أو من يجيز لنفسه فعل ذلك، أو ليس عنده حساسية تجاه هذا الموضوع أن يسكبها للراكب، أما إذا اضطررتُ أن أسكب الخمر، فإنني أفعل هكذا، وأخرج زجاجة مطهر من قميصه، وقال: والله أغسل يدي، وأدعو الله تعالى، وأستغفره من ذلك!!

أقول: إن العقل والضمير الداخلي يرفض هذا السلوك، ويرفض هذا الحرام.

وفي إحدى المرات كنا في مدينة لوجانو السويسرية، ومررنا بفندق مشهور، فعرفنا أن صاحب هذا الفندق كان مدمن كحول حتى تلف جسمه، فنذر هذا السويسري على نفسه أن يبني فندقاً لا تسكب فيه الخمور، ومطاعم لا تسكب فيها الخمور!! لماذا؟ لأن هذا الرجل عرف ضرر هذا الأمر، ومن ثم أحب أن يساعد الناس على البعد عن هذه السموم!

ولو تساءلنا عن مفهوم الثقافة والتثقيف، لوجدنا تعريفات عالمية، ومعجمية، وفلسفية، ومحلية، لا تنتهي، ولكن من المعاني الجميلة في تعريف الثقافة: أنها صناعة وعي يعود بالإيجابية على المجتمع، فما  نقوم به هو مجرد وعي نرجو أن يعود بالإيجابية على المجتمع، ومن هذا المنطلق لا بد أن يتحرك الناس جميعاً للحد من مثل هذه الظواهر السلبية، كل من موقعه، وبحسب مسؤوليته وتخصصه، كوزارة الداخلية، ووزارة التربية، ووزارة البيت وهي الأسرة، بل وحتى أهل الحي لا بد أن يكون لكل منهم دوره، يجب أن نكون أمناء على جيلنا، وأهلنا، وبلدنا، ومستقبلنا، ولا نكون سلبيين.

ماذا تعطي الخمرة للإنسان غير الفساد وما ترونه، وتسمعونه، وتعلمونه بالفطرة والواقع؟ والقصص على ذلك أكثر من أن تعد وتحصى.

ذكر ابن أبي الدنيا أنه مر على سكران وهو يبول في يده، ويمسح به وجهه، كهيئة المتوضئ، ويقول: الحمد لله الذي جعل الإسلام نوراً، والماء طهوراً!!

وذكر الإبهيشي في كتابه المستطرف: أن سكراناً استلقى على طريق، فجاء كلب فلحس شفتيه، فقال: خدمك بنوك، ولا عدموك، فبال على وجهه، فقال: وماء حاراً أيضاً، بارك الله فيك!!

فالسكران يطلق عقله، ويضر صحته، ويضيع دينه، فيا شباب المسلمين انتبهوا لصحتكم، واتركوا هذه السموم التي هي ضد الفطرة، وضد العقل، وضد الصحة، وضد الدين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى