بيني وبينكم 2008

بيني وبينكم 2008 الحلقة الثالثة فاطمة الزهراء ج 2

(فاطمة الزهراء/ ج2)

قلتُ:

من المستحسن أن نلج هذا البيت المبارك، لنرى كيف كانت تسير الحياة اليومية في الذهاب والإياب، والعلاقات الداخلية، والخارجية!

فقال:

لا شك أن فاطمة رضي الله عنها، عندما انتقلت من بيت أبيها محمد صلى الله عليه وسلم إلى بيت علي بن أبي طالب، كانت تدرك أنها ﻻ تنتقل من بيت إلى قصر، لأنها تعلم أن علياً رجل ﻻ يملك شيئاً من متاع الدنيا؛ غير أنه يملك الإيمان، والتقوى، إنها تنتقل إلى علي بن أبي طالب الذي قال مخاطباً الدنيا: غرِّي غيري، غرِّي غيري، فقد بِنتُكِ ثلاثاً، أي طلقتك ثلاثاً، فحياته حياة زهد، وتقشف، وصبر.

هي تنتقل إلى رجل شهم، إلى رجل بطل له مواقفه المشرفة في ساحة القتال.

فنحن لا نتكلم عن امرأة عادية، وإنما نتكلم عن امرأة وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها سيدة نساء العالمين، وسيدة نساء أهل الجنة، ومع ذلك تكون حياتها على هذه الصورة من الفقر، والحاجة، والشدة، والزهد!! نعم، لقد مجنت يداها بالرحى، حتى ظهر عليها القشور، وتورمت! وهي التي كانت تستسقي الماء حتى أثرت القربة على نحرها! وهي التي كانت تقمّ بالبيت، وتكنسه، حتى اغبرت ثيابها!! هذه هي سيدة نساء أهل الجنة!!

أما علي الزوج الصالح فيحدثنا كيف كان يتكسب المال، فقد خرج ذات مرة يبحث عن عمل، فوجد امرأة كبيرة في السن تطلب من يساعدها في ملء الدلو بالماء، فعمل عندها أجيراً على تمرة، بكل دلو يسحبه من البئر، وينقله لبيتها، فسحب، ونقل إلى بيتها 16 دلواً، يقول: فمددت يدي بين يديها، فوضعت لي 16 تمرة!!

فهذا أحد أركان البيت النبوي يكسب المال من عرق جبينه، وليس بالتأكل المذموم، والاعتماد على المكانة الدينية، وأكل أموال الناس بالباطل، أو التعالي على الناس بأنه سيد، أو شريف! فيمحقهم، ويأكل أموالهم لمنزلته، أو علو نسبه!

قلتُ:

أي أنه لا يأكل الدنيا بالدين، كحال الكثيرين!

فقال:

نعم، هذا علي بن أبي طالب.

وبهذه التربية الجادة كان علي بن أبي طالب يدير ذلك البيت المبارك.

كما أننا لا بد أن نكون على علم تام أن النبي صلى الله عليه وسلم  كانت له مشاركة في تربية هؤلاء، فمثلاً: النبي صلى الله عليه وسلم كان مع الحسن وهو صغير، فامتدت يد الحسن إلى تمرة من تمر الصدقة، فوضعها في فمه، فأسرع  النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرج تلك التمرة من فمه، وقال: كخ كخ، كلمة تقال للصغار، ثم قال مخاطباً الحسن: أما علمت أننا ﻻ نأكل الصدقة؟!

فالنبي صلى الله عليه وسلم يخاطب الحسن، وهو صغير، ويعطيه حكماً، فقهياً، شرعياً، وقد أثبتت الدراسات التربوية أن الحديث والخطاب مع الصغار بلغة صحيحة، ينمي قدراتهم، ويرتقي بمستوياتهم، فعامل الصغار على أنهم كبار، على أنهم رجال الغد، لأن الصغير سيكون غداً رجلاً.

قلتُ:

وقد يضاف إلى ما ذكرتَه أن النبي صلى الله عليه وسلم منعه من هذا الفعل، وبرر له ذلك المنع، وذكر له السبب، ونحن في كثير من الأحيان نعاقب الطفل، ونمنعه من الفعل، دون أن نبين له السبب، أو نذكر له العلة، وهذا خطأ جسيم، لأن الطفل بحاجة إلى إقناع، وتفهيم، ونحن نعيش اليوم في عصر فيه عشرات بل مئات المنافذ، فإذا لم نستوعب هذا الجيل، أو على الأقل قربنا المسافة بيننا، وعللنا له الأحكام، والعقوبات، ووضحنا له الجانب السلبي، فإننا سوف نخسر كثيراً.

فقال:

هذا كلام في غاية الأهمية.

هكذا كان بيت علي بن أبي طالب، حتى أنه قال: لقد تزوجت فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، ومالي فراش غير جلد كبش، ننام عليه بالليل، ونعلف عليه ناضحنا بالنهار، وما لي خادم غيرها!

هذا البيت يضم بين جنباته أمير المؤمنين، وسيدة نساء أهل الجنة، وسيدَيْ شباب أهل الجنة، وريحانتَيْ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك ينامون على جلد كبش، فلماذا الإنسان يغتر بالمظاهر الخادعة؟!

قلتُ:

ولماذا كذلك نعقّد الزواج، ونجعله شبه مستحيل؟!

الزواج ليس أثاثاً، الزواج ليس إسرافاً، الزواج ليس طعاماً وشراباً ولباساً، الزواج قلبان تفاهما، وتحابا، وتعاقدا على ميثاق غليظ، أن يقيما أسرة ناجحة سعيدة، فمتى ما وقع الإنسان أسيراً للمظاهر، والشكليات، تعب، وأتعب من معه.

 

 

فقال:

ومع تلك الحياة المتواضعة التي كان يعيشها هؤلاء الكرام إلا أن هذا البيت قد شع منه العلم، والتقوى، والإيمان، وشع منه القرآن الكريم.

قلتُ:

قد يظن البعض من الناس أننا بكلامنا هذا ندعوهم إلى الزهد، والتقشف، والبعد عن كثير من المباحات، وليس الأمر كذلك، وإنما نحن نتكلم عن طبيعة التكيف مع الحال الذي يوجد عليه الإنسان، ونتكلم عن القناعة، والاكتفاء بالحلال، وعدم الإسراف، ونضرب نموذجاً لكيفية التوازن في الحياة، ومعرفة التعاطي مع الواقع.

فقال:

هذا شيء.

وشيء آخر: أن لا يحتج الإنسان بواقعه على تقصيره في أمور آخرته، ففاطمة، وعلي بن أبي طالب، والحسن، والحسين، رضي الله عنهم أجمعين، عاشوا هذه المعيشة القاسية، ولم تؤثر على دينهم، وإيمانهم، وصلتهم بربهم.

ولعل هذا الكلام ليس خاصاً بعلي وفاطمة، بل ﻻ بد أن ندرك أن بقية الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يعيشون في ظروف مقاربة لهذا الواقع، ولم يضرهم ذلك في شيء.

قلتُ:

دعنا نكون واقعيين، فالتعامل مع تاريخ العظماء، حتى لو كانوا من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، كنموذج وسقف أعلى للمثالية الواقعية، وليس المثالية الأسطورية المستحيلة، فهل مثل هذه الأسرة تخلو من المشاكل؟! أليست المشاكل ضرورية كي نعرف كيف كانوا يتعاملون معها؟! أليست الأسرة – كما يقول علم التربية- التي ليس فيها أي مشكلة، أو توتر، أو غضب، أسرة غير طبيعية؟!

فقال:

أحسنت في ذكر هذه النقطة، فنحن عندما نتكلم عن بيت فاطمة، فإننا ﻻ نزعم فيه المثالية المطلقة، بمعنى أنه ﻻ يوجد فيه مشاكل، فبيت النبي صلى الله عليه وسلم، وهو خير منه، حدثت فيه بعض المشاكل، كالغيرة بين النساء، وغير ذلك.

ولنضرب مثلاً على إحدى المشكلات التي وقعت في بيت فاطمة وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، ونرى تصرف الزوجان تجاهها، وكيف كان دور الوالد الرحيم محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك؟ لنتعرف على  دور الأهل في كيفية التعامل مع مشاكل أبنائهم.

روى البخاري ومسلم: عن سهل بن سعد، قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت فاطمة، فلم يجد علياً في البيت، فقال: «أين ابن عمك؟» قالت: كان بيني وبينه شيء، فغاضبني، – أي غضب مني -، فخرج، فلم يَقِل عندي، – أي لم بنم وقت القيلولة -، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان: «انظر أين هو؟» فجاء، فقال: يا رسول الله، هو في المسجد راقد، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع، قد سقط رداؤه عن شقه، وأصابه تراب، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسحه عنه، ويقول: «قم أبا تراب، قم أبا تراب».

وجاء في بعض الروايات: إن كان أحب أسماء علي بن أبي طالب إليه لأبا تراب، وإن كان ليفرح أن يدعوه بها، وما سماه أبا تراب إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هكذا انتهت المشكلة، ولم تنقل كتب التاريخ ما نوعية المشكلة  التي وقعت بينها، وقد رأينا كيف عالج النبي صلى الله عليه وسلم القضية، ولم يتدخل في صلب المشكلة، أو يسأل عن تفصيلاتها، وإنما أتى إلى الزوج الحنون، وداعبه بهذه الكلمة، التي أصبحت من أحب الكلمات إلى قلبه.

قلتُ:

هنا نحتاج أن نؤكد على أمرين في غاية الأهمية:

أولاً: أنه عندما حصلت المشكلة مع الزوج، فإنه خرج من البيت مباشرة، لماذا؟! لأنك إذا حدثت لديك مشكلة، أدت إلى توترك، وتهييج انفعالاتك، فإن المكوث في البيت – والحالة هذه – سوف يزيد من المشكلة، ويفاقمها، لكن الخروج من البيت، والمفارقة له مدة زمنية، سوف يخفف تلك الحدة، ولكن من الضروري أن تعرف أن تذهب عندما تخرج من البيت، فلا تذهب إلى صديق سيء قد يزيد النار حطباً، ولا إلى مكان معصية، وإنما خير ما تفعله، أن تذهب إلى المسجد، كما فعل أبو الحسن، وتذكر الله تعالى، حتى يزول عنك ذلك التوتر.

ثانياً: انظر إلى المعالج، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف بدأ باللين، والتنازل، وعدم فتح ملف القضية.

فقال:

وفي بعض الأحيان كثرة التدخلات الخارجية، والوساطات الإصلاحية، قد تزيد من المشكلة، بدل أن تحلها، وهذا واقع مشاهد.

قلتُ:

فاطمة الأم، فاطمة المربية، ونحن في عصر أزمة التربية، نريد أن نعرف كيف كانت تربيهم؟

فقال:

لو أعلنا، وصرحنا، وقلنا: إن فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم هي أعظم مربية عبر التاريخ، لما قلنا شططاً، فيكفي أنه من رحمها، ومن تربيتها خرج الحسن، والحسين، سيدا شباب أهل الجنة.

دعنا نبدأ بالحسن رضي الله عنه، فهو الابن الأكبر: انظر كيف كانت تربية فاطمة رضي الله عنها له؟!

فقد جاء في مسند الإمام أحمد بن حنبل: أن فاطمة كانت تنقز- أي ترقص – الحسن بن علي، وتقول:

بأبي شبه النبي … ليس شبيهاً بعلي

هذا البيت بذاته تمثل به الصديق أبو بكر رضي الله عنه، مداعباً به الحسن، فقد روى البخاري: عن عقبة بن الحارث، قال: صلى أبو بكر رضي الله عنه العصر، ثم خرج يمشي، فرأى الحسن يلعب مع الصبيان، فحمله على عاتقه، وقال:

بأبي شبيه بالنبي       لا شبيه بعلي

وعلي يضحك.

واللفتة المهمة في تربية فاطمة رضي الله عنها، أنها كانت تربي الحسن على القدوة، فمع أنه صغير، لكن ﻻ ينبغي أن نتعامل مع هذا الصغير على أنه ﻻ يفهم، فكانت تقدم له العبارات الإيجابية التي يفهمها الصغير، وبعبارة فصيحة، وبيت من الشعر، فكانت تقدم له القدوة.

وفي المقابل ننظر إلى حال الأمهات هذه الأيام، و وما يعرض للأبناء من القدوات، حيث أصبح الفسقة، والفجرة هم القدوات أما أبنائنا، والأم وللأسف ليس لها دور في تصحيح هذه القدوات، ومحاربة هذا الانحراف، بل ربما كانت الأم هي من تقدم هذه القدوات الفاسدة الساقطة لأبنائها!!

كما أننا يجب ألا نغفل دور النبي صلى الله عليه وسلم في توجيه الحسن الوجهة الصحيحة، وتدعيم القيم الإيجابية لديه، بما يعود عليه بالسمو، والرفعة، والكمال.

فقد روى البخاري: من حديث أبي بكرة، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، على المنبر، والحسن إلى جنبه، ينظر إلى الناس مرة، وإليه مرة، ويقول: «ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين».

لا شك أن هذه الكلمات الرقيقات أثرت في السيد الحسن، ومن ثَمّ فهو الذي صنع المشروع الإصلاحي الذي جمع الله تعالى به بين المسلمين المتحاربين في تلك الفترة، وسطر لنا التاريخ ذلك الموقف المشرف، في ذلك العالم الذي عرف بعام الجماعة.

ولذلك فقد برزت في السيد الحسن صفة الحلم، التي أخذها من جده المصطفى صلى الله عليه وسلم.

أما السيد الحسين رضي الله عنه فقد برزت فيه صفة الشجاعة، التي استقاها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن والده علي رضي الله عنه.

وأما زينب بنت علي: فقد برزت فيها صفة الصبر، حتى أنها كانت تسمى أم المصائب، فقد أدركت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت صغيرة، وأدركت وفاة فاطمة رضي الله عنها، وأدركت مقتل والدها علي بن أبي طالب، وأدركت وفاة الحسن، وأدركت مقتل الحسين مقتل في كربلاء، وكانت في كل هذا صابرة محتسبة، وهي التي أوصاها الحسين بقوله: يا أختاه، إني أقسمت عليك، فأبري قسمي، ﻻ تشقي عليّ جيباً، ولا تخمشي عليّ وجهاً، ولا تدعي عليّ بالويل والثبور، إذا أنا هلكتُ.

قلتُ:

ما دمنا جئنا على ذكر المصائب، والأحزان، وحتى لا نذهب بعيداً، نريد أن نسلط الضوء على السيدة فاطمة التي عاشت وفاة أبيها صلى الله عليه وسلم، فكيف كان تلقيها للخبر؟ وتعاملها مع هذا الحدث الضخم؟

فقال:

بعد أن أتم النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، رجع إلى المدينة، ثم لم يلبث أن مرض، فكانت فاطمة تعوده، وفي إحدى المرات كان النبي صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة، فدخلت فاطمة رضي الله عنها عليه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتألم من شدة المرض، فتأثرت فاطمة رضي الله عنها مما تراه بالنبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه صلى الله عليه وسلم قام إليها، وقال: مرحباً بابنتي وأجلسها عن يمينه، أو شماله، وأسر إليها حديثاً، فبكت فاطمة رضي الله عنها، ثم أسر إليها أمراً فضحكت فاطمة!! أمر غريب، بكت ثم ضحكت في الموقف نفسه! وعائشة رضي الله عنها تراقب الموقف، فأخذت بيدها وسألتها عن الأمر، وما الذي أسره إليها النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقالت فاطمة: ما كنت لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم! وهذا درس عظيم في حفظ الأسرار، وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، جاءتها عائشة مرة أخرى، وسألتها عن ذلك الموقف، فأخبرتها فاطمة أن النبي صلى أخبرها في المرة الأولى بأن هذا المرض هو مرض موته صلى الله عليه وسلم فبكت، ثم أخبرها في المرة الثانية: بأنها سيدة نساء أهل الجنة، وأنها أول أهله لحوقاً به صلى الله عليه وسلم فضحكت.

مات النبي صلى الله عليه وسلم وما سمعنا أن فاطمة رضي الله عنها ولولت، أو ضربت صدرها، أو شقت جيبها، وإنما كانت الصابرة المحتسبة، وقالت: وا أبتاه أجاب رباً دعاه، وا أبتاه إلى جنة الفردوس مأواه، وا أبتاه إلى جبريل ننعاه.

ثم دفن النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا كان الصحابة قد فقدوا نبيهم صلى الله عليه وسلم، فإن فاطمة فقدت نبيها، وأباها محمداً صلى الله عليه وسلم، ولذلك ورد عنها أنها قالت: يا أنس، كيف طابت أنفسكم، أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب؟

لكنها سنة الحياة.

فكان هذا موقفها موقف الصبر الجميل عند فراق الحبيب صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

قلتُ:

نواجه في هذه الأيام في عالمنا الإسلامي، بل في العالم الإنساني ككل مشكلة عظيمة، ألا وهي انتزاع أنوثة الأنثى، وتحوّل الأنثى إلى عدوة للأنوثة، واستباحة الجسد، وتلاشي معنى الحياء، واختلاط النساء بالرجال، وترجل المرأة، وتخنث الرجل، إلى غير ذلك من مصائب وكوارث قيمية، أخلاقية.

من خلال حديثنا عن هذه السيدة الشريفة، سليلة بيت النبوة، صاحبة الحياء والعفاف، نريد أن نبرز هذا الجانب الذي بدأ يخبو أواره في بناتنا، وشبابنا.

فقال:

في الحقيقة أننا عندما نتكلم عن فاطمة رضي الله عنها، فإننا نتكلم عن الحياء، وعندما نتكلم عن الحياء، فإننا نتكلم عن فاطمة رضي الله عنها وأرضاها، وإذا كان الصحابة رضوان الله عليهم قد تكلموا عن النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها، هذا حال أبيها محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف بحال ابنته فاطمه رضي الله عنها وأرضاها؟!

سألها علي بن أبي طالب رضي الله عنه مرة، فقال: ما خير للمرأة؟ أي بحيث تكون صالحة، فقالت: (ألا ترى الرجال ولا يرونها)، كي تحافظ على خصوصيتها، وتكون متمثلة بالحياء، لأن أبرز صفة في المرأة هي صفة الحياء، فإذا خسرت المرأة الحياء، فقد خسرت كل شيء، فلا معنى لأنوثتها بعد ذلك، فكما يمدح الرجل بشجاعته، فإن المرأة تمدح بحيائها، وحشمتها.

ولنستمع لهذا الموقف الغريب، والعجيب، والذي لو لم ينقل في كتبنا، لقلنا هذا شيء من الخيال!

فاطمة رضي الله عنها بعد وفاة أبيها محمد صلى الله عليه وسلم بدأت تذبل، وتضعف حتى ماتت بعده بستة أشهر رضي الله عنها وأرضاها، وكانت تعلم ذلك، لإخبار النبي صلى الله عليه وسلم لها، فقالت لأسماء بنت عميس زوجة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، التي كانت تطببها، وتكون في خدمتها، قالت: قبيح ما يصنع بالمرأة عند الموت! وذلك أن المرأة يلقى عليها الثوب وقت الجنازة يلقى عليها الثوب فيصف جسمها، قالت: فهل تستطيعين أن تواريني بشيء؟ فقالت أسماء بنت عميس: إني رأيت الحبشة يعملون السرير للمرأة، ويشدون النعش بقوائم السرير.

ومعنى ذلك أن المرأة لا ينكشف منها شيء، ولا يوصف جسدها.

وجاء في رواية: إن فاطمه عمل لها نعش قبل وفاتها، فنظرت إليه، فقالت: سترتموني ستركم الله.

سبحان الله فاطمة تفرح بذلك أشد الفرح، لشدة حيائها، وعفافها، وكمال حشمتها.

قلت:

كثير من الناس اليوم لديهم الاستعداد لمتابعة المسلسلات المترجمة، والأجنبية، وغيرها، جرياً وراء الجزء الغريزي الإمتاعي المفرغ من المعنى، فما بالنا بمثل هذه السير التي تغيب كثيراً عن أبنائنا، بل حتى عن الإنسان المثقف!!

نحن نحتاج أن نرتقي إلى مثل هذا المرتقي، ولا شك أن مرتقى هؤلاء الأفاضل عالٍ جداً، إلا أن العاقل ينظر إلى النجوم، ويحاول أن يصل إليها، وﻻ ينظر إلى المستنقعات لكي يقترب منها، فلنحاول السير على نهج هؤلاء، وإكثار القراءة عنهم، والسماع عنهم، وترديد قصصهم، حتى يكون ذلك بديلاً يسد هذا الطوفان الشهواني التافه الذي يغزونا صباحاً ومساءً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى