بيني وبينكم 2008

بيني وبينكم 2008 الحلقة الثامنة ميريام الامريكية

ميريام الأمريكية

الحياة . . .  مواجع وآهات

الحياة . . .  فراق بعد لقاء

الحياة . . .  ألم وبكاء

الحياة . . .  ضياع وشقاء

تلك هي الحياة،،، إذا خلت من الإيمان، كأرض يابسة بائسة قفر من ماء السماء. . .

لكنها بعد الهداية والنور . . .

صبر وجهاد

عزة وثبات

قيم وأخلاق

دعوة وحكمة

عطف ورحمة

حب وحنان، شفقة ولين جنان

الحياة . . .  موقف وعبرة

الحياة . . .  درس وخبرة

الحياة . . .  طموح وأمنيات

الحياة . . .  حنين وذكريات

ومن لم يجرب المرّ، لم يعرف الحلاوة…

كل تلك المعاني -وغيرها كثير- نبضت بها حكايتنا، وعلقت بها روايتنا، بل من وقف على حقيقتها، واطلع على دقائقها، لا يملك إلا أن يسبل العين بدمعة حرّى، وعَبرة من بعد شكوى.

في أحد أيام شهر رمضان المبارك من عام 2008، دعيتُ لإلقاء محاضرة في الجامعة الأمريكية بالكويت ضمن فعاليات حملة ركاز لتعزيز الأخلاق، وكان شعار الحملة آنذاك: سيئاتك بدلها حسنات.

كان برفقتي فضيلة الشيخ الحبيب نبيل العوضي حفظه الله.

بعد انتهاء المحاضرة جاء بعض الحاضرين ليقف أمام الملأ، ويعلن عن توقفه من تلك اللحظة عن بعض المخالفات: كالتدخين، أو سماع الأغاني، أو النظر إلى النساء، أو غيره، فكان المنظر مؤثراً جداً.

لكن ذلك لم يكن بشيء أمام ما حدث بعده…

خرجت شابة من بين الحضور، بملامح غربية، وثوبها العربي المحتشم، واعتلت المنصة، وقالت:

هؤلاء بدّلوا سيئاتهم حسنات، أما أنا فأبدِّل نصرانيتي إسلاماً.

نعم لقد بدّلت نظرتها للكون، والحياة، والإنسان، والدنيا، والآخرة.

إنها الفتاة الأمريكية مريام . . .

فتاة طيبة النفس … كريمة الأخلاق … صادقة الإيمان … محبة للخير … تتمنى السعادة للجميع.

درست في جامعة واشنطن اللغات، والعادات، والأديان …

سافرت إلى فلسطين… والأردن… والبحرين… ثم إلى الكويت…

درست فيها اللغات الشرقية، والعادات …

أسلمت وحسن إسلامها … وكان لإسلامها قصة عجيبة طريفة …

كانت تتمنى أن تصبح داعية كبيرة … تدعو أبناء جلدتها، وأهل بلدها إلى هذا النور الذي عرفته …

لم تنسَ والدتها التي تحبها كثيراً … فهي وحيدتها وحبيبتها …

دعتها إلى الإسلام؛ لأنها أحق الناس بالدعوة …

فلم يخيب الله دعاءها ورجاءها … فأسلمت الوالدة …

أترك المجال رحباً أمام مريام لتحدثنا بنفسها عن قصة إسلامها :

تقول:

أنا فتاة نصرانية، لستُ ملتزمة بالدين، كما هو شأن ملايين الحيارى في أمريكا وأوروبا وغيرها من أصقاع العالم، كنتُ في حالة صراع نفسي عنيف، لا أدري من أنا ؟! وماذا أريد؟!

حتى وأنا أعيش صخب الحياة، وضجيج العصر في أكبر دولة في العالم … كنتُ أشعر بالفراغ الروحي القاتل… وموت المشاعر والأحاسيس… والتعب النفسي…

ولستُ وحدي في هذه الحالة المؤلمة، فصديقاتي جميعهن على اختلاف مستوياتهن المادية التي تتراوح بين الثراء الكبير، والدخل المتوسط، يعشن ما أعيشه من القلق، والاضطراب، والإحساس بالضياع …

لم تكن المسألة ناتجة عن قلة ذات اليد، أو ضعف في التعليم، أو قصور في المكانة الاجتماعية، أوغير ذلك… كلا إن الأمر أبعد من ذلك بكثير…

دخلتُ ذات يوم إلى عالم الانترنت الفسيح الصاخب، لأضيّع شيئاً من وقتي الضائع أصلاً بلا فائدة أو جدوى…

تنقلتُ بين مواقعه الغريبة العجيبة، التي لم تكن تزيدني إلا قلقاً، وأرقاً، واضطراباً، وحيرة، وشعوراً أعمق بالضياع …

ذات يوم فتحتُ بريد رسائلي… فوجدتُ رسالة لافتة للنظر من رجل مسلم … عرفت فيما بعد أن اسمه … (عيسى).

طبعاً هذا الاسم أحبه كثيراً؛ لأنه يمثل لي شيئاً عظيماً في ديني (النصراني).

يقول عيسى في رسالته: إذا كنتِ تبحثين عن السعادة، فراسليني على هذا الإيميل !!

استغربتُ كثيراً من ذلك، ولكن قلتُ في نفسي: وماذا يضيرني لو جربتُ، فلن أخسر شيئاً.

بادرتُ بالإرسال إليه، موضحة حاجتي الماسة إلى السعادة، التي أصبحتُ أشك أنها موجودة في هذه الحياة، وقلتُ في ردّي على رسالته: مع أنني أشك أيضاً في قدرتك على أن تدلني على طريق السعادة، إلا أنني سأجرب . . .

فجاء ردُّه مباشرة: لقد بعثتُ إليك بملف صوتي، يحتوي على تلاوة لأحد القراء المسلمين، لسورة من القرآن الكريم، اسمها (مريم) !!

أرجو أن تستمعي لها بتركيز، فأنا على يقين أنها ستؤثر فيك، وإن لم تكوني على معرفة باللغة العربية.

إنها سورة قرآنية كريمة، تتكلم عن عيسى ابن مريم عليه السلام، وأمه الصديقة البتول.

أصابني الذهول مما قرأتُ في رسالة عيسى، فهل يوجد أحد تكلم عن السيد المسيح، وأمه مريم العذراء غير النصرانية؟!

استمعتُ بتركيز شديد إلى ذلك الفيض الروحي العجيب، وتأملتُ ذلك النسق البديع، والجرس الإيماني في تلك الآيات، التي شعرتُ أنها تلامس شغاف قلبي، مع أنني كنت لا أعرف اللغة العربية، إلا كلمات يسيرات جداً…

أحسستُ أن هذا الكلام ليس كلاماً عادياً ككلام البشر، بل هو يقيناً كلام الله تعالى.

ومع ذلك شعرتُ براحة عجيبة وطمأنينة، لم تمر عليَّ منذ ولادتي.

أعدتُ سماع السورة مرة بعد أخرى، وأخذتُ بترجمتها إلى الإنجليزية لأفهم المعاني، وكانت والدتي تستمع معي، وهي مثلي لا تعرف العربية، بل إنها لا تعرف الإنجليزية أصلاً، فهي من أصل مكسيكي، إلا أنها تأثرت كثيراً بهذه السورة، ومن أكثر الآيات التي شدت انتباهي، وأسرت قلبي، وكنتُ أحس عند سماعها بشيء غريب يخالجني، قول الله تعالى: ﭿﯻ  ﯼ  ﯽ  ﯾ  ﯿ   ﰁ  ﰂ  ﰃ  ﰄ  ﰅ  ﰆ  ﰇ    ﰈ [مريم: ٧٦].

أقبلتُ على قراءة القرآن، ودراسة معانيه…

كنتُ أقرؤه بشغف…

وكلما ازددتُ من القراءة، ازددتُ راحة وسكينة…

شعرتُ بأن هذا الكتاب يخاطبني خطاب المشفِق الحاني…

تأثرتُ بقصة سيدنا موسى عليه السلام، وما لاقى من قومه بني إسرائيل من مصاعب، ومحن…

أما قصة سيدنا يوسف عليه السلام، فهذا بحر لا ساحل له، ما قرأتُ في حياتي رواية متناسقة الأحداث، محكمة التصوير والإخراج، مثل هذه القصة، رغم قراءتي لروايات عالمية كثيرة، ومن كُتَّاب مشهورين جداً، لكن مثل قصة يوسف عليه السلام لم أرَ أبداً.

عزمتُ بعدها على دراسة اللغة العربية وتعلمها، فدرستها في جامعة واشنطن، بالإضافة إلى دراستي العلوم الإدارية والدولية.

استمر بي هذا الأمر –أعني دراستي اللغة العربية والإسلام- مدة سنتين!! ولعلّ سائلاً يسأل:

لماذا هذه المدة قبل إعلان الإسلام، والنطق بالشهادتين؟

أقول: لقد تركتُ لنفسي الوقت الكافي حتى سيطر الإسلام على عقلي، وقلبي، وروحي، ووجداني، وشعرتُ حينها أنني جزء من هذا الدين، وأنه جزء مني، عندها كان لابد من القرار الحاسم…

خلال تلك الفترة تعرفتُ عن طريق النت على شاب سعودي يدعى عدنان، تواصلتُ معه ومع زوجته، فكان يشرح لي أحكام الإسلام، ويوضح لي معانيه العظيمة، وما فيه من رحمة، وأخلاق، ومبادئ كريمة، وكانت زوجته تعلمني قراءة القرآن، كل ذلك عن طريق الاتصال الالكتروني، إلى أن شاء الله تعالى أن تكون اللحظة التي أودّع فيها حياة الضياع، والشقاء، والصراع النفسي، والخواء الروحي، والعاطفي، إلى حياة الأمن، والأمان، والطمأنينة، والسكينة، وراحة القلب، فأعلنتُ إسلامي ولله الحمد.

تلك كانت قصة إسلام مريام، الفتاة الأمريكية، المثقفة الواعية، التي سافرت إلى بلاد كثيرة، سبرت خلالها عادات الناس، وتقاليدهم، وأخلاقهم، وقارنت بين الثقافات المختلفة، والحضارات المتعددة، حتى حطت رحالها، وأسلمت قيادها لهذا الدين العظيم.

فهل انتهت حكايتها عند هذا الحد ؟!

بالطبع لا …

لقد كانت مريام توّاقة النفس لزيارة بعض البلاد العربية والإسلامية؛ لأهداف كثيرة، منها: الاطلاع على اللغات الشرقية، والعادات والتقاليد فيها.

لقد كان محط نظرها الأول من تلك البلاد جمعاء: فلسطين الحبيبة

أرض الإسراء والمعراج، الأرض المباركة، مثوى كثير من أنبياء الله تعالى.

كان ذلك من أهم الأسباب التي دعتها لزيارتها، أضف إلى ذلك أنها كانت تريد التعرف عن قرب على معاناة أهل فلسطين، والظلم والاضطهاد الذي تعرضوا له باحتلال أرضهم بدون وجه حق، ومصادرة بيوتهم ومزارعهم، فضلاً عن المجازر التي كانت ترتكب بحقهم من وقت لآخر.

ومريام كانت كغيرها من الناس المغيبة عن الحقيقة في مأساة فلسطين، بل والاعتقاد بأن اليهود هم أصحاب الحق في ذلك.

لكنها بعد إسلامها، وتعلمها لكتاب الله، أدركت أنها كانت تعيش عقوداً من الجهل، والاستغفال، والارتكاس في حمأة الضلالة.

نعم لقد زارت فلسطين، وجلست فيها ما يقارب الأسبوعين، وتعرفت على الناس هناك، فرأت الطيبة، وحسن المعشر، والأخلاق، والكرم، والنبل، والشهامة…

أحبت عجائز فلسطين… ببساطتهن، وخفة ظلهن، وحلاوة روحهن…

جلست عند بعض الأسر الفلسيطينية، وتعلمت عندهم بعض أحكام الإسلام والقرآن، وصلّت معهم لأول مرة صلاة الفجر جماعة، كان شعوراً رائعاً لا يوصف.

ولم تخلُ هذه الزيارة من أعظم مقصود، وهو زيارة المسجد الأقصى، وقبة الصخرة…

دخلته، وصلّت فيه، إحساس غريب جداً، وروحانية عجيبة، ينسى الإنسان نفسه في ذلك المكان المبارك، وتلك البقعة الطاهرة…

يا الله كم نحن مفرطون في حقنا، مقصرون في واجبنا تجاه هذا المسجد العظيم.

كانت مريام على علم بأن كثيراً من أبناء فلسطين محرومون من هذه اللذة، ممنوعون من الوصول إلى المسجد الأقصى، بل من دخول فلسطين !!

رفعت يديها إلى ربها الكريم، سائلة متضرعة بقلب خاشع، أن ييسر زيارة المسجد الأقصى لكل مسلم، وأن يعيد لنا هذا المكان كما كان، عزيزاً كريماً بإذن الله تعالى.

ومن فلسطين كانت محطتها الثانية إلى: الأردن… بلد النشامى…

ذلك البلد الذي يربطه بفلسطين روابط كثيرة، فكثير من أهل فلسطين هاجروا بعد الاحتلال الصهيوني إلى الأردن، وسكنوا فيه، وأصبح بلدهم الثاني.

في الأردن نزلت مريام في ضيافة عائلة كريمة، من عشيرة البطوش، استقبلوها بحفاوة وترحيب…

جلست عندهم ما يقارب الأسبوعين، وكان ذلك في شهر رمضان المبارك.

حدثتنا مريام عن تلك الرحلة، وذكرياتها بها:

كانت من أجمل الرحلات، أحببتُ تلك العائلة كثيراً، كان بابا عاطف –وعاطف هو ربّ الأسرة- يعاملني كأنني واحدة من بناته.

صمتُ معهم، كنا نتسحر سوياً، ونصلي جماعة، تعرفت على ابنته ربا، فتاة لطيفة جداً، مهذبة خلوقة…

لازلتُ أذكر إلى الآن رحلتنا إلى مدينة البتراء، تلك المدينة الأثرية، الجميلة بطبيعتها وأجوائها…

وهي كما يقول العلماء: إنها ديار النبي صالح عليه السلام.

ركبتُ الجمل، وتذكرتُ قصة سيدنا صالح عليه السلام مع قومه، ومع الناقة…

أصابني شعور غريب في تلك اللحظات، فلم أتمالك عيناي، بكيتُ طويلاً…

تعرفتُ على كثير من عادات أهل هذا البلد الكريم، ومن أهم ذلك المأكولات الشهيرة عندهم، وعلى رأسها (المنسف)، تلك الأكلة الشهية التي أذكر طعمها إلى الآن، ولأول مرة فتاة أمريكية متحضرة، تأكل بيدها!! بدون ملعقة، أو شوكة، أو سكين….

كان شعوراً رائعاً، عشتُ البساطة، والسماحة، والعفوية، بكل معانيها.

كانت محطتها الأخيرة إلى: الكويت… هذا البلد الطيب، بأرضه وأهله.

لم تكن مريام تعرف عن الكويت شيئاً من قبل، وأول مرة سمعت فيها عن هذا البلد: يوم جاءهم الشيخ مشاري العفاسي، بدعوة من المركز الإسلامي في كاليفورنيا؛ للإمامة، والصلاة بهم.

صلى بهم الشيخ العفاسي، وكانت مريام مأمومة خلفه، وكل من يعرف الشيخ مشاري، وصوته العذب، وتجلياته، يعرف لذة الصلاة خلفه…

بكى الشيخ، وأبكى المصلين، تأثرت مريام بذلك تأثراً عظيماً، ولما سألت عن صاحب هذا الصوت الندي، قيل لها: إنه الشيخ العفاسي من الكويت، فكانت أول مرة تسمع فيها بالكويت.

في رحلتها من واشنطن إلى الكويت، قدّر الله تعالى أن تلتقي في الطائرة بالدكتور سليمان الشطي من جامعة الكويت، وهو أستاذ خلوق فاضل، تبادلا أطراف الحديث، وشرح لها بعض الأمور في الإسلام، وزوّدها بعنوان أخت فاضلة، تتواصل معها عند وصولها الكويت.

كانت تلك الأخت هي الأستاذة الفاضلة صفية الزايد، من لجنة التعريف بالإسلام.

بعد وصولها إلى الكويت التحقت بالجامعة الأمريكية؛ لدراسة اللغة العربية، والتاريخ السياسي، والعلوم الإدارية.

وخلال وجودها في الجامعة، بدأت تتعرف على الحياة، والناس، وطبيعة العلاقات التي تربطهم، وبساطة العيش.

أعجبها كثيراً الجو العام المحافظ في الكويت…

ففي أي مكان تذهب إليه تسمع السلام والتحية…

أصوات الأذان تنطلق من كل مكان…

المساجد شعلة إيمان، ونشاط…

خاصة في شهر رمضان المبارك، الذي عاشته بكل أحاسيسها ومشاعرها…

تنقلت بين المساجد لصلاة التراويح والقيام…

ومن المصادفات الجميلة أنها صلّت خلف الشيخ العفاسي في أحد ليالي رمضان صلاة القيام في المسجد الكبير، فقرأ بهم سورة مريم، بصوت كاد أن يخلع القلوب، جعل مريام تبكي إلى الفجر من شدة التأثر.

كانت لحظات رائعة، وجميلة، تعيشها لأول مرة في حياتها، التي لم يكن لها طعم، ولا لذة قبل ذلك.

ومن الأمور التي لفتت انتباهها في الكويت –وهذا أمر ليس بالغريب على أهل هذا البلد الطيب-: حب الناس للصدقة، والإنفاق على الفقراء، والمساكين، والمحتاجين، وتفقد أحوالهم، وسدّ حاجتهم، وإغنائهم عن المسألة.

هذا المشهد لم يكن يحدث في بلدها، ولا في كثير من بلاد الغرب التي زارتها؛ لأن الدافع الذي يدفع الإنسان للتصدق، والإحسان إلى الآخرين، مفقود عندهم…

فلا علاقات اجتماعية، ولا تواصل، ولا تعاون، أو تكاتف،،،

بل إن الجار لا يعرف جاره!! وهذا –للأسف- بدأ يتسلل شيئاً فشيئاً إلى مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

فالإسلام ليس مجرد أقوال، أو عبادات ظاهرة، بل الإسلام شامل لكل مناحي الحياة، وتفاصيلها، وجزئياتها، وكما أن الإسلام علاقة بين الخالق والمخلوق، فهو كذلك علاقة بين المخلوق والمخلوق، بل وعلاقة بين المخلوق والبيئة التي يعيش فيها….

كانت مريام تهتم كثيراً بموضوع البيئة، والحفاظ عليها؛ لأنها جزء مهم من حياة الإنسان، فقد شاهدناها على أحد الشواطئ، تشارك في عملية التنظيف بيدها، وتقول: طموحي أن أعمل شيئاً في دول الخليج عن البيئة، والاهتمام بها، والمحافظة عليها.

وبعد ذلك،،،

كان لنا شرف اللقاء بوالدة مريام، التي جاءت لزيارتها والاطمئنان عليها….

(ماريا) الاسم القديم للوالدة، والتي أصبحت اليوم بعد إسلامها تدعى (فاطمة)…

من أصول مكسيكية، مثقفة، متدينة، درست الإنجيل، وعملت كداعية إلى الأخلاق الحميدة، والالتزام بمبادئ المسيح عليه السلام، في الإذاعة المكسيكية، ولذلك كان لها شهرتها بين الناس، ومع حبها الشديد للإنجيل، إلا أنها كانت تعتقد أن هناك ما هو أفضل وأكمل منه.

لما استمعت إلى سورة (مريم) مع ابنتها مريام تأثرت كثيراً، وشعرت براحة نفسية، وطمأنينة لم تجدها من ذي قبل، مع أنها لا تعرف العربية أبداً!!

قالت: هذا الكلام ليس كلاماً عادياً، بل هذا كلام الله !!

سبحان الله، كيف يخترق هذا القرآن القلوب، ويسيطر على الوجدان والمشاعر؟!

لأنه حقاً كلام الله تعالى…

لقد وجدت فاطمة ضالتها في هذا الكتاب العظيم، والنور المبين، فلم تترك لنفسها المجال لطول التفكير، والتأخر في اتخاذ القرار، بل كانت حازمة صارمة في أمرها، فأعلنت إسلامها، ودخلت في دين الله تعالى طائعة مختارة.

وها هنا أمر أحب التنبيه عليه،،،

وهو أن الواجب على الإنسان أن لا يستصغر نفسه، أو يقلل من شأنه، فرُبَّ فعلٍ تراه في نظرك لا أهمية له، يكون عند الآخرين طوق نجاة، وحياة بعد موت، وخلاص من شقاء، وضيق، وألم.

فهذا الشاب (عيسى)، الذي بعث لمريام بالملف الصوتي لسورة مريم، كان نتيجة عمله ذلك إسلام امرأتين، وإنقاذهما من النار…

ولعله لم يكن يخطر بباله حدوث ذلك،،، ولكن الله تعالى بارك في عمله، فنسأل الله أن يجزيه خير الجزاء.

والمقصود: أنك أيها الشاب… وأنكِ أيتها الشابة… مطالبون بالعمل، والبذل، والعطاء، والدعوة لدين الله تعالى، بشتى الوسائل والأساليب.

ألقِ كلمتك وامضِ، فلعل الله تعالى أن يفتح بهذه الكلمة قلوباً غلفاً، وأعيناً عمياً، وآذاناً صمًّا،،،

فلا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو قل في نظرك:

كلمة جميلة…

ابتسامة رقيقة…

هدية متواضعة…

مساعدة في عمل…

نصيحة…

تذكرة…

معاملة حسنة …

فأنت لا تدري في أي ذلك تكون البركة…

ومن التوافقات العجيبة الجميلة:

أن مريام كان لها صديقة أردنية تدعى ربا، وكان لوالدتها فاطمة صديقة أردنية تدعى ربا أيضاً!! تعرفت عليها في عملها في أمريكا، وكانت لأول مرة في حياتها ترى مسلمة،،،،

فهي لا تعرف عن الإسلام شيئاً، فشد انتباهها ما تقوم به ربا يومياً خمس مرات من الوضوء والصلاة!!

ولما سألتها عن ذلك، شرحت لها أشياء كثيرة عن الإسلام، إلا أن فاطمة لم تكن وقتها مهيأة لدخول هذا الدين، لكنها تأثرت كثيراً بها.

وهذه دعوة إلى كل شاب وفتاة، يذهب إلى بلاد الغرب، أن يكون سفير خير لدينه، ووطنه…

نحن بحاجة ماسة لنقل صورة طيبة عن ديننا لهؤلاء الناس، وتوضيح حقيقة الإسلام السمحة الصافية لهم، والتي شوهت بأفعال كثير من المسلمين، وجعلت الغرب ينظر إلى هذا الدين على أنه دين العنف، والشدة، والإرهاب، والرجعية، والتخلف، والأخلاق السيئة…

والإسلام بريء من كل ذلك.

لقد تحولت فاطمة من داعية إلى دينها النصراني، إلى داعية إلى الإسلام، بطيب أخلاقها، وحلاوة أسلوبها، ولذا لم تواجه أي مشاكل في عملها بعد إسلامها، بل على العكس الكل احترم رغبتها، واختيارها، وقرارها،،،

وتقديراً لها على جهودها: أُعطيت غرفة؛ لتكون مكاناً للصلاة، وقراءة القرآن، فأصبحت مركزاً للدعوة إلى الإسلام.

أما الحجاب: فلم يكن عائقاً أمام كل من مريام وفاطمة عن العمل، ومواجهة المجتمع،،،

بل كان وسيلة للدعوة إلى الإسلام!!

فطبيعة المجتمع المكسيكي يرى في غطاء الرأس احتراماً للرب، لكن ذلك يكون عند تأدية شعائر العبادة، وبعدها لا حاجة إليه…

فكان لبسهما للحجاب على الدوام مثيراً للتساؤلات، والاستفسارات، فكانت فرصة سانحة للتكلم عن الإسلام، ودعوة الآخرين إليه.

أما أعظم أمنية كانت تتمناها (فاطمة) بعد إسلامها: فهي زيارة بيت الله الحرام…

لأداء فريضة الحج والعمرة، وتقبيل الحجر الأسود،،،

فيسر الله تعالى أحد الأخوة، وتكفل لها بذلك، ولما سمعت بالخبر كادت تطير من الفرح.

كانت تلك نبذة مختصرة عن (فاطمة)، والدة مريام، التي منّ الله تعالى عليها بالهداية، وشرح صدرها لنور الإسلام.

أما والدها: فيدعى مايكل، وهو رجل ضرير، نصراني محبّ لدينه،،،

ولما علم بإسلام مريام طلب منها أن تقرأ عليه القرآن، فكانت تقرأ عليه بعض قصار السور، كسورة الناس، فيتأثر تأثراً شديداً، وينهمر في البكاء!!

في أحد الأيام ركب الأوتوبيس، وأثناء الطريق سأل السائق عن جنسيته، فقال له السائق: أنا من أثيوبيا، فقال: ما شاء الله من أثيوبيا، أنا ابنتي مسلمة مسلمة،،، يفتخر بذلك.

نسأل الله أن يهدي قلبه للإسلام.

وبعد،،،

فقد آن للستار أن يسدل، وآن للقلم أن يتوقف عن الكتابة، ليس مللاً من القصة، ولا رغبة عنها، وإنما أسىً، وحزناً، ولوعةً، على نهايتها، التي كنت أتمنى أن لا أخطها بيدي، أو أحدث بها نفسي.

تعمدتُ ألا أذكر ذلك من البداية، مع علمي بالنهاية، حتى لا أنغص على القارئ الكريم متعة القصة، وجمال الحكاية.

أحببتُ أن تعيشوها كما عشتُها أنا… بروعة مشاهدها، وصدق مشاعرها، ورقة أحاسيسها.

فبعد أن أنهت مريام دراستها في الجامعة الأمريكية في الكويت، ذهبت إلى الأردن لبعض أعمالها الخاصة، وكانت تنوي العودة إلى الكويت؛ لوداع هذا البلد الطيب، الذي قضت فيه أجمل أيام حياتها…

أرادت وداع جامعتها، وصديقاتها … بل وكل ذرة في الكويت.

لكن قدر الله أسبق، فقد تعرضت في الثالث من رمضان لحادث مروري أليم، فاضت روحها الطاهرة على إثره إلى بارئها.

فرحمك الله يا ميريام، وغفر لك، وجعل مثواك الفردوس الأعلى. . .

شاء الله تعالى أن تصلي في المسجد الأقصى، وكثير من المسلمين حرموا ذلك. . .

شاء الله تعالى لك أن تسلمي في رمضان، و أن ترتفع روحك الطاهرة إلى السماء فيه. . .

شاء الله الكريم أن يتحدث الجميع عنك، وعن قصة إسلامك. . .

شاء الله الكريم أن تكون والدتك في صحيفة عملك يوم القيامة. . .

شاء الله الكريم أن لا تنغمسي في هذه الدنيا القذرة؛ لأنك لست من أهلها، فأنت الطاهرة النقية التقية. . .

فاهنئي بنومة قصيرة، ثم تردين إلى رب كريم، جواد رحيم، بإذن الله، وعد المؤمنين قائلاً: ﭿﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭗ  ﭘ  ﭙ  ﭚ   ﭛ    ﭜ  ﭞ  ﭟ  ﭠ  ﭢ  ﭣ  ﭤ [يونس: ٢٦].

إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا ميريام لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي الرب جل جلاله . . .

فإنا لله وإنا إليه راجعون…. والحمد لله على كل حال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى