بيني وبينكم 2008

بيني وبينكم 2008 الحلقة الرابعة والعشرون الحديد

الحديد

الحديث مع الدكتور صبري الدمرداش سيكون تحت عنوان: كلمات لا يقولها إلا خالق!

وقد اخترتُ أن يكون موضوع البحث في أحد المعادن التي ورد ذكرها في كتاب الله تعالى، ألا وهو الحديد، وهو المعدن العظيم الذي سمّى الله تعالى سورة من القرآن الكريم باسمه، فقد جاء في هذه السورة الكريمة قول الله تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس}.

قلتُ موجهاً سؤالي لدكتورنا الفاضل:

نحن نعلم أن تسمية السور في القرآن توقيفية على الشارع، بمعنى أنه سبحانه هو الذي يختار هذه الأسماء، فهل لتسمية سورة الحديد بهذا الاسم من دلالة؟

فقال:

نعم كل الدلالة، وأنا أفهمها بمعنى خاص جدًّا:

أولاً: فلولا الحديد ما كنت أنا، ولا أنت، ولا أحد من البشر!، ولا يصلح حال الأرض من غير الحديد، فبدون الحديد لا نساوي شيئاً، لا الإنسان، ولا الحيوان، ولا النبات، ولا الأرض ذاتها!

قلتُ:

وكيف ذلك؟

فقال:

لأن كتلة الأرض ستة آلاف وستمائة مليون مليون مليون طن، و35 في المائة من هذا الرقم، ومن هذه الكتلة هو عبارة عن حديد موجود في لبّي الأرض! فللأرض لبّان: لب داخلي، ولب خارجي، أما اللب الداخلي فـ 90 في المئة منه حديد، وتسعة في المئة منه نيكل، والنيكل كما هو معلوم يعتبر ابن عم الحديد! فهم عبارة عن عائلة واحدة، وهي عائلة صلبة، شديدة المراس.

وعندما تخرج من اللب الداخلي ستجد أن نسبة الحديد بدأت تقلّ في اللب الخارجي، حتى تصل في قشرة الأرض إلى 5.6 في المئة! ولكن الذي يهمني هو اللب، لماذا؟

لأنه لولا هذا الحديد ما كانت الحياة على الأرض! فأنت حتى تعيش على هذه الأرض، فإنك تحتاج إلى غلاف جوي، فمن الذي يمسك هذا الغلاف الجوي؟

إنه الحديد الموجود في اللب الداخلي للأرض.

قلتُ:

نريد تفسير ذلك.

فقال:

لأن هذا الحديد يكوّن تيارات كهربائية، وهذه التيارات الكهربائية تعمل مجالاً مغناطيسياً، يسميه العلماء ماجنيتوسفير، والماجنيتوسفير هذا هو الذي يمسك أغلفة الأرض: الغلاف الغازي، أو الهوائي، أو الجوي، والغلاف المائي والغلاف اليابس.

قلتُ:

هل معنى كلمة يمسك أنه إذا عدم الحديد فإن الكون ينفلت، ونطير نحن؟!

فقال:

بكل تأكيد؛ لأنه إذا لم يوجد الحديد، فلن يكون هناك مجال مغناطيسي، وإذا عُدم المجال المغناطيسي، فمعنى ذلك أنه لا يوجد ماء، ولا هواء! وبالتالي فإن فقدان الحديد يعني عدم وجود حياة أصلاً!

ثم ها هنا سؤال: كيف تقوم الحياة؟

الحياة على أي كوكب بحاجة إلى شروط معينة:

أولاً: أن يكون الكوكب يدور حول نجم مفرد، وليس حول نجم مزدوج، فشمسنا مفردة، لأنه لو دار حول نجمين مزدوجين، فإذا وقع بينهما فمن الممكن أن يتمزق عند نقطة معينة.

ثانياً: وجود الماء بالصور الثلاث: الصلبة، والسائلة، والغازية؛ فالمريخ مثلاً هناك دلائل قوية جداً على وجود ماء فيه، ولكنه ماء متجمّد في صورة صلبة، فلا يوجد به ماء سائل، ولا مياه غازية.

ثالثاً: أن تكون درجة الحرارة معقولة فيه، ليست عالية جداً، مثل درجة الغليان، ولا متدنية جداً مثل درجة التجمد.

رابعاً: أن يوجد فيه عنصر الكربون؛ لأن هذا مهم للحياة.

خامساً: أن يوجد فيه عنصر الحديد، من أجل المغنيسيوم، وهو المجال المغناطيسي الذي يمسك الغلاف الجوي الذي يحتوي على الأكسجين.

قلتُ:

هل معنى ذلك أن النبات يحتوي على الحديد؟

فقال:

بالتأكيد، فالكلوروفيل حديد.

والإنسان كذلك فيه حديد، ففي أحد البحوث الطريفة: أننا لو استخلصنا المواد الموجودة في جسم الإنسان، فإننا سنجد أن كمية الحديدة فيه تكفي لعمل 12 دبوساً من الحديد!

فالحديد موجود في المادة الحمراء وهي الهيموجلوبين، والمادة الخضراء وهي الكلوروفيل، والمادة الحية البروتوبلازم وهي الخاصة بالخلية.

قلتُ:

نأتي للآية مباشرة، فهناك سؤال حيّر العلماء ألا وهو: أن الآية تقول: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس}، فقال: أنزلنا، ولم يقل: جعلنا، أو خلقنا، أو قدرنا الحديد، فهل هذه الكلمة مجازية، أم أنزلناه على الحقيقة، أي أنه نزل من مكان آخر؟

فقال:

هناك قاعدة شرعية في التفسير، وهي أنك لا تجنح للمجاز إلا في حالتين: ضرورة تضطرني للمجاز أو التشبيه، أو استحالة تفسير اللفظ على المعنى المتبادر منه، ففي هذه الآية لا توجد ضرورة تجعلني أفسر الكلمة بمعنى مجازي، وليس هناك استحالة في حمل اللفظ على ظاهره.

قلتُ:

أي أننا نفهم من الآية أن الحديد نزل من فوق على الأرض؟

فقال:

نعم، فما قلتُه قبل قليل هو من الناحية الشرعية، وأما من الناحية العلمية فلا بد أن نحمل كلمة أنزلنا على أنه إنزال حقيقي! لأننا لو حملناها على المعنى المجازي بمعنى أوجدنا، وخلقنا، وقدرنا، فلن ينفع ذلك، وسوف نصطدم بالواقع! لأن العلماء يقولون: إن ذرّة الحديد حتى تتكون فإنها بحاجة على الأقل إلى 500 بليون درجة مئوية، وهذه غير موجودة في الأرض، بل ولا حتى في الشمس! فذرّة الحديد حتى تتكون، بحاجة إلى طاقة تفوق كل الطاقات الموجودة في نظامنا الشمسي أربع مرات! إذن لا بد أن نجنح للحقيقة، وليس للمجاز.

قلتُ:

الإمام أبو حيان التوحيدي في تفسيره البحر المحيط، يرى أن أنزلنا هنا كالآيات التي جاءت في إنزال الأنعام، وبما أن الأمر يأتي من السماء، إذن هو إنزال معنوي، بمعنى الإيجاد، وأنت تقول هو إنزال حقيقي، فما تعليقك على ذلك؟

 

فقال:

جزى الله أبا حيان التوحيدي وجميع علمائنا كل خير، فقد بذلوا جهداً كبيراً خارقاً للعادة، ولكني مع ذلك أقول: كانت لهم مرحلتهم، ونحن لنا مرحلتنا، ففي هذه الآية بالذات عندنا سبب شرعي، وسبب علمي لأخذها على حقيقتها وظاهرها، فالإنزال هو إنزال من فوق إلى تحت.

فالسبب الشرعي: أن الكلمة تحمل على ظاهرها وحقيقتها، ما لم يوجد دليل وقرينة لصرفها عن هذا الظاهر، ولذلك أقول: هناك نوعان من الإنزال:

الأول: إنزال هداية من السماء، كقوله تعالى: {وأنزلنا معهم الكتاب}.

الثاني: إنزال الحديد، وهنا لب الموضوع.

أما السبب العلمي، فكما ذكرتُ قبل قليل، أن ذرة الحديد تحتاج إلى 500 بليون درجة مئوية حتى تتكون، وهذه الدرجة لا توجد في مجموعتنا الشمسية بالكامل.

فالعلماء ظلوا يبحثون في الكون كله عن منطقة تكون درجة حرارتها تقترب من الدرجة المطلوبة، وهي 500 بليون درجة مئوية، فوجدوها في طبقة اسمها السوبر نوفا، وتعني النجوم المتفجرة، والنجم الذي يكوّن لنا الحديد يجب أن يكون فيه شرطان:

الأول: أن تكون التفاعلات النووية التي حصلت فيه أوصلته إلى مرحلة الحديد، حتى يعطينا الحديد.

الثاني: أن تكون كتلته أقل من أربع أضعاف كتلة شمسنا.

والكتلة تعني الوزن، ووزن الشيء هو كتلته ما دام في مكان واحد؛ لأن عجلة السقوط الحر لم تتغير.

فوجد العلماء هذين الشرطين قد تحققا في السوبر نوفا، حيث ينفجر النجم بسبب التفاعلات النووية الحرارية، فيتناثر قلبه الحديدي إلى أشلاء، هذه الأشلاء تذهب لكواكب أخرى بأمر الله، فتدخل فيها؛ لأنها محتاجة للحديد، ومن تلك الكواكب أرضنا!

وهذا الكلام عن التكوين البدائي، وﻻ زال حتى الآن، ولكن قشرة الأرض يبست وتصلبت، لكنها لما انفصلت عن الشمس كانت هيّنة ليّنة، كومة من الرماد، أثقل ما فيها: الألومنيوم وهو رقم 13، والسيليكون وهو رقم 14، ثم جاء الحديد، ولكن نظراً لكبر كثافة الحديد 7.8 جرام لكل سنتيمتر مكعب، فإنه اخترق القشرة الأرضية عندما كانت ليّنة، ونزل إلى القاع وهو اللب (النواة)، فكوّن لبّين: لب داخلي، ولب خارجي، وهذا سر بقائنا، وهو ضرورة من ضرورات جعل الأرض صالحة للحياة.

 

قلتُ:

الله سبحانه وتعالى لم يقل: {وأنزلنا الحديد}، فحسب، وإنما أتبعه بقوله سبحانه: {فيه بأس شديد} والقدماء يتكلمون عن البأس الشديد بما علموا، فماذا تقول أنت عن معنى البأس الشديد في الحديد في عصرنا هذا؟

فقال:

{فيه بأس شديد}، لو أخذنا ذرّة الحديد، فإننا لن نجد ذرّة تضاهيها في شدة التماسك، فشدة البأس هذه جاءت من شدة تماسك ذرّة الحديد، ولكن من أين أتت الذرة بهذا البأس، وشدة التماسك؟

لا بد أن نرجع لعلمي الفيزياء النووية، وعلم فيزياء الجوامد، فماذا يقول علم الفيزياء النووية؟

يقول: إن أكبر ذرّة فيها طاقة نووية اندماجية هي ذرّة الحديد، ولا يضاهيها ذرة عنصر آخر، وهذه التي تعطيها البأس الشديد، وشدة البأس تأتي من شدة التماسك.

أما علم طبيعة الجوامد فيقول: إن الحديد له خصائص مغناطيسية متفردة، فلو أتينا بمغناطيس، وقربناه من أي جسم من الألومنيوم، أو من النحاس، أو من الرصاص، أو من        الفضة، أو من الذهب، فإنه لن ينجذب له، ولكن لو أخذنا كتلتين أحدهما من الحديد، وزنها واحد جرام، والأخرى من الألمونيوم، بنفس الوزن، ثم وضعنا المغناطيس بينهما على مسافة واحدة، فإن قوة جذب المغناطيس للحديد، تفوق جذب الألمونيوم ألف مرّة!

ولذلك فالحديد هو عصب الصناعات الخفيفة والثقيلة، في السلم وفي الحرب، وفي الصناعة وغير الصناعة، وفي النبات، وفي الحيوان، بل وفي الإنسان نفسه، فلو أن شخصاً ليس فيه حديد، ستجد لونه أصفر، وعنده أنيميا، وفقر دم.

قلتُ:

ما رأيك أن تحدثنا عن بعض اللطائف في سورة الحديد؟

فقال:

هي ليست لطائف! وإنما إعجاز إلهي.

فمثلاً: رقم سورة الحديد في المصحف هو 57، والحديد فيزيائياً وكيميائياً ثلاثة نظائر، أوزانها الذرّية كالتالي: 54، 56، 57، فرقم السورة في ترتيب المصحف 57، وأحد الأوزان الذرية لأحد نظائر الحديد هو 57، هذه واحدة.

ثانياً: العدد الذرّي للحديد 26، والآية التي فيها ذكر الحديد هي آية 25، فإذا أضفنا إليها البسملة في بداية السورة، أصبحت الآية 26!

 

قلتُ:

ونحن نقول: إن مثل هذه الأمور اللطيفة الجميلة ليست ملزمة للعقول، ولكن الإعجاز العلمي هو الملزم للعقول.

فقال:

الإعجاز العلمي في كلمة (وأنزلنا)، وفي (فيه بأس شديد ومنافع للناس).

قلتُ:

كنا نظن أن الانتفاع بالحديد هو الانتفاع المادي المباشر، فإذا بنا نجد من خلال تفسيرك يا دكتور لهذه الآية العظيمة أن الحياة لا تقوم بلا حديد، فلا غلاف جوي، ولا غاز، ولا ماء، ولا حياة شخصية، في دمنا، وفي نباتنا، وفي مائنا، وفي كل شيء.

فالحمد لله على عموم نعمه وآلائه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى