بيني وبينكم 2008

بيني وبينكم 2008 الحلقة السابعة والعشرون الارض والماء

الأرض والماء

يقول أحد زهاد القرون الثلاثة الأولى الإمام محمد بن واسع: أهل القرآن في نزهة أينما حلوا.

المشكلة عندنا في عدم تأمّل هذا الكتاب العظيم، فالكل منا يقرأ، بل والكل يسمع، ولكن أين المتدبّر، والمتأمّل، والمتفحص؟ هذه هي مشكلتنا مع كتاب الله سبحانه وتعالى.

وما زلنا مستمرين في استخراج كنوز القرآن الكريم العلمية مع الأستاذ الدكتور صبري الدمرداش

قلتُ:

في قوله تعالى: {أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها. رفع سمكها فسواها. وأغطش ليلها وأخرج ضحاها. والأرض بعد ذلك دحاها. أخرج منها ماءها ومرعاها}، نريد أن نتحدث عن الأرض والماء، لكن السؤال: لماذا قُدم ذكر السماوات وخلقها على خلق الأرض؟ كيف تفسر لنا هذه الآيات علمياً؟

فقال:

الله تعالى قال: {ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضداً}، وقال تعالى: {أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها. رفع سمكها فسواها. وأغطش ليلها وأخرج ضحاها. والأرض بعد ذلك دحاها. أخرج منها ماءها ومرعاها}.

انظر إلى الجرس الجميل، فالخطاب هنا موجه للناس بصفة عامة، وللكفار بصفة خاصة؛ لأن هذه الآيات جاءت بعد إخبار المولى جل وعلا عن فرعون في زمن سيدنا موسى الذي قال: {أنا ربكم الأعلى. فأخذه الله نكال الآخرة والأولى}، والنكال هو الجزاء والعقوبة، الآخرة والأولى هنا ليس لها علاقة بالدنيا ولا بالآخرة، بل المقصود أن الله تعالى أخذه نكال الكلمة الآخرة والأولى التي قالها:

أما الكلمة الأولى: فقوله: (ما علمت لكم من إله غيري).

وأما الثانية: فقوله: (أنا ربكم الأعلى)،  فجاءه الجواب: (فأخذه الله نكال الآخرة والأولى).

يقول الله تبارك وتعالى: {أأنتم أشد خلقاً}، هذا موجه للكفار بصفة خاصة، وللناس بصفة عامة.

{أم السماء بناها}، فمن المؤكد أننا لسنا أشد خلقاً من السماء، والدليل قوله تعالى: {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس ﻻ يعلمون}.

قلت:

ما التحليل العلمي لذكر الأرض بعد السماوات في الخلق الطبيعي؟

فقال:

لأن الأرض استلت من الشمس، قال تعالى: {أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون}، فبطبيعة الحال لا بد أن تكون السماء هي الأول خلقاً.

ثم قال تعالى: {والأرض بعد ذلك دحاها. أخرج منها ماءها ومرعاها}

أقول: لا يقول هذا الكلام إلا خالق!!

قلتُ:

كثير من الناس يقولون: وأين الإعجاز في ذلك؟ فالأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها، هذا وصف لواقع! فالعربي البدوي الذي نشأ في الصحراء، في أرض فيها ماؤها، وأنهارها، وعيونها، فأين المشكلة؟ وأين الإعجاز؟

فقال:

هذا الكلام في إطار كوكب واحد، ولكن ماذا عن الكواكب الأخرى؟ ولماذا هذا الكوكب الوحيد الذي فيه الماء؟ هنا السؤال، وهنا الإعجاز.

ثم إن الماء موجود على الأرض بصوره الثلاثة: الصلبة، والسائلة، والغازية، أما كوكب المريخ ففيه ماء، ولكنه ماء متجمد صلب، ولا تصلح الحياة إلا بالصور الثلاث: صلبة، وسائلة، وغازية.

على أية حال نرجع للحضارات السابقة: ما هي المشكلة؟

المشكلة أن الأرض لها خمسة أسماء:

الأول: الكوكب الثالث قرباً من الشمس، فالمجموعة الشمسية تبدأ بعطارد، ثم الزهرة، ثم الأرض، فهي الكوكب الثالث.

الثاني: الكوكب التوأم للزهرة؛ لأن كتلة كل من الأرض والزهرة متقاربة إلى حد كبير جداً، ووزنهما واحد، فيسمون الأرض: الكوكب التوأم للزهرة.

الثالث: الكوكب الأزرق؛ لأن أي أحد قادم من الفضاء سيرى أرضنا عبارة عن نقطة صغيرة باهتة، ولعالم الفلك المشهور كارلي سيجل كتاب مترجم بعنوان: نقطة زرقاء باهتة، يقصد بها كوكب الأرض.

الرابع: الأرض.

الخامس: وهو الذي يهمني: الكوكب المائي.

فلولا أن ربنا ذكر الأرض في القرآن بهذا الاسم، لكان حري بها أن تسمى الكوكب المائي، لماذا؟ لأن هذا الكوكب هو الكوكب الوحيد فيما نعلم حتى الآن في كواكب المنظومة الشمسية الذي يحتوي على الماء، وبصوره الثلاثة: الصلبة، والسائلة، والغازية، بما يعادل 1.4 بليون كيلو متر مكعب.

فالسؤال الذي حيّر العلماء سنين عديدة: لماذا خصّت الأرض بالماء؟ وهذا الماء من أين جاء؟

نرجع للحضارات القديمة: فنبدأ باليونان، ثم بعد ذلك نأتي للعلم الحديث ونرى ماذا قال، ونرى ماذا قال القرآن الكريم.

أما الفلاسفة ومنهم أرسطو فقال: إن ماء الأرض جاء من السحب الركامية، فهي مخازن الماء في السماء!

فنقول له: السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: ومن أين جاءت هذه السحب الركامية؟!

ثم يقول أرسطو: أن إله المطر كان لديه ما يشبه المحبس! فإذا رضي عن عباده، فتح المحبس وأنزل المطر، وإذا غضب عليهم يقفل المحبس، ويمنع عنهم المطر!! وقد استمر هذا الكلام 20 قرن من الزمان، ثلاثة قبل الميلاد، و17 بعد الميلاد، ومن المعروف أن أرسطو كان له سحر على البشرية، فكانوا يسمونه المعلم الأول، أما نحن فمعلمنا الأول هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

في القرن السابع عشر بدأ علماء الغرب يعملون بجد: من أين جاء هذا الماء؟ فوجدوا كالتالي:

لاحظوا الغازات الخارجة من الأبخرة، والغازات الخارجة من فوّهات البراكين، فقاموا بتحليلها، فوجدوا أن أكبر نسبة في هذه الغازات هي بخار الماء،71.1  في المئة! وهذه الغازات تصعد، فيتكثف بخار الماء، وينزل على هيئة مطر!

المهم أنهم وصلوا لنتيجة تقول: إن ماء الأرض جاء من الأرض نفسها.

ولنا وقفة عند هذه النسبة، وهي 71.1:

نسبة بخار الماء في غازات البراكين 71.1 في المئة.

نسبة الماء في جسم الإنسان 71.1 في المئة.

نسبة الماء في الأرض إلى اليابسة 71.1 في المئة.

الفعل واحد في الجميع، إذن لا بد أن يكون الفاعل واحداً وهو الله جل جلاله.

والأجمل من ذلك: أننا عندما حسبنا كلمة البر والبحر في القرآن الكريم، وجدنا أن كلمة البحر وردت 32 مرة في القرآن، وكلمة البر13 مرة، فالمجموع 45، وبحساب نسبة الماء إلى الأرض ككل: 32 مقسومة على 45 ضرب 100، تكون النتيجة 71.1.

وبحساب نسبة اليابسة ستكون: 13 مقسومة على 45 ضرب 100، تكون النتيجة 28.9.

وبجمع النسبتين يكون الناتج 100 في المئة، وهي النسبة العالمية.

الخلاصة:

أن العلم التجريبي أثبت: أن ماء الأرض لم يأتِ من السحب الركامية، كما قال أرسطو، ولم يأتِ من كوكب آخر، كما كان بعض العلماء يفترضون، وإنما جاء من الأرض نفسها.

نرجع للقرآن حيث يقول: {والأرض بعد ذلك دحاها. أخرج منها ماءها ومرعاها}، فالبدوي أيام التنزيل عندما كان يسمع هذه الآيات الكريمات يتبادر إلى ذهنه وتفكيره البسيط أنها مياه الينابيع، والعيون، والآبار، أما المرعى فعندما ينزل المطر فإن الأرض تخضر.

ولكن هذا كلام سطحي للغاية!

قلتُ:

ولكنه كلام واقعي، ويناسب العقل الذي كان في ذلك العصر، ولكن عطاءات القرآن ماذا يقول؟

فقال:

عطاءات القرآن أن العلم التجريبي أثبت أن ماء الأرض جاء من الأرض نفسها، وكذلك القرآن يقول: {أخرج منها ماءها ومرعاها}، فالمعجزة ليست في الماء فقط، وإنما في المرعى كذلك.

قلتُ:

وكيف ذلك؟

فقال:

مرعاها، نرجع إلى فوهات البراكين والغازات المتصاعدة منها، فعندما حللها العلماء، وجدوا أن أكبر غازات متصاعدة منها هي: غازات النيتروجين، وغازات الكربون، وبالذات ثاني أكسيد الكربون، وثاني أكسيد النيتروجين، لماذا؟

قالوا: جسم النبات: جذره، وساقه، وأوراقه، وأزهاره، وثماره، تتكون من هذين العنصرين وهما: أكاسيد الكربون، وأكاسيد النيتروجين.

وقد سئل الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ترجمان القرآن: ما معنى قوله تعالى: {والأرض بعد ذلك دحاها}؟ فقال: فسّرها ما جاء بعدها، {أخرج منها ماءها ومرعاها}!

تعال لننظر إلى قوله تعالى: {أخرج منها ماءها ومرعاها}، فالذي يهمني من الناحية الجيولوجية أن الأرض مرت بمرحلة اسمها مرحلة الدحو، في تكوينها ونشأتها، وكان عمرها مليار سنة فقط! أما عمرها الآن فهو 4600 مليون سنة!

فعندما كان عمرها مليار سنة حدثت فيها ثورات بركانية عنيفة جدًّا، خرجت منها ملايين الملايين من المواد الصلبة، والسائلة، والغازية، وكونت أغلفتها الثلاثة: الغلاف الغازي أو الهوائي أو الجوي، والغلاف المائي، والغلاف اليابس، ولا يزال حتى الآن، ما دام أن هناك براكين تخرج.

قلتُ:

دعني أحدثك بلغة القارئ: فحينما يقول علماء الجيولوجيا أو الفلك: إن عمره الأرض كذا وكذا مليون سنة!! فلي الحق أن أسألهم: وكيف عرفتم؟

فقال:

العلماء يصلون إلى الحقائق العلمية بخمس وسائل: إما الملاحظة، أو التجريب، أو الاستدلال، أو الفحص، أو القياس.

وهذه أشياء لا يصلح غير الاستدلال، وعندهم وسائلهم لذلك، فمثلاً: إذا أخذت أي فقرة من فقرات الإنسان بعد موته، فستجد سجله كله مدون في هذه الفقرة.

وعندما يقولون لنا: إن وزن الشمس اثنان بليون بليون طن، فيجب أن نصدقهم، لأن لهم وسائلهم في معرفة ذلك، ولا يقولون ذلك اعتباطاً.

وعندما يقولون: إن الأرض تبعد عن الشمس 93 مليون ميل، فيجب أن نصدقهم.

وعندما يقولون: إن عمر الكون 15 ألف مليون سنة، فيجب أن نصدقهم.

المهم أننا وصلنا إلى مرحلة الدحو، فخرج منها الأبخرة، ومن رحمة الله تعالى بنا أن الثورة البركانية للأرض هدأت لحد كبير جداً مع تقدم عمر الأرض، وخلق الإنسان، وانتشار العمران.

فبخار الماء يخرج بقوة دفع، والأرض لها قوة جذب، إذن هناك قوتان تعملان ضد بعضهما: البخار لأعلى، والجذب لأسفل،        فتمسك البخار عند حد معين أقصاه 18 كيلو، ولذلك لا يوجد سحاب بعد 18 كيلو تقريباً!

أما الغلاف الجوي فهو طبقات عديدة،منها: التروموسفير، ثم الأستراتوسفير، ثم الميزوسفير، ثم الأيونوسفير، ثم الأجزوسفير، وانظر إلى الإعجاز الذي سيحدث هنا، فكلما ارتفعنا عن سطح البحر مقدار كيلو متر، فإن درجات الحرارة تنخفض ست درجات مئوية، بحيث يكون عند خط الاستواء وترتفع، يعني تقريباً هتلاقي درجة الحرارة وصلت 80 تحت الصفر، ثم هذا الانخفاض يليه ارتفاع، ثم انخفاض مرة ثانية، ثم ارتفاع، وبعدين ارتفاع، حكمة بالغة، الانخفاض 80 تحت الصفر، ثم الطبقة التي بعدها ترد إلى درجة الصفر وهذا ارتفاع.

قلتُ:

إذا استبعدنا كلام المعترض، والمتشكك، والجاحد، فمن حقي أن أسأل: أنتم تقولون إن الكون محكوم بنواميس خلقها الله سبحانه وتعالى، ثم تأتوننا بأحاديث تزعمون صحتها تقولون: إن الشمس تشرق من مغربها!! أليس في ذلك خرق للناموس، وتناقض مع العلم؟!

المؤمن يؤمن بأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، ولكن هل بإمكانه أن يفهم هذا الناموس من خلال العلم المعاصر؟

فقال:

خالق الناموس قادر على خرق الناموس، مثال ذلك: قوله تعالى: {يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم}، فهذا خرق للناموس، وكذا عصا موسى خرق للناموس، وغير ذلك.

فأقول: الأرض تدور منذ خلقها الله تعالى، ولكن هناك عوامل تحاول كبح هذا الدوران بشكل ما، مثل:

أولاً: قوى المد والجزر، فقد عرفنا أن 71.1 في المئة من الأرض عبارة عن ماء، و 28.9 يابسة، فالماء الموجود في الأرض، في البحار، والمحيطات، عندما يواجه القمر، يقوم القمر بجذب الماء ويجعله يرتفع لأعلى فيحدث المد، وفي أثناء دوران الأرض فإنها تقوم بأخذ الماء بعيداً عن القمر، وتدريجياً يهبط الماء فيحدث الجزر، هذه العملية تعطل دوران الأرض قليلاً.

ثانياً: هبوب الرياح عكس اتجاه دوران الأرض حول نفسها، حيث أنها تدور من الغرب للشرق، فالرياح التي تصطدم بالأرض من الشرق للغرب تعيق الدوران قليلاً.

ثالثاً: تمدد الأرض وانكماشها نتيجة مواد تضاف، ومواد تختزل، فهذا يقلل من قطر الأرض عدة أقدام قليلة، لكنه أيضاً يعيق الدوران.

وبالتالي هناك عوامل تعيق الدوران تمثل في مجموعها ستة أجزاء من مئة مليون جزء في الثانية الواحدة في اليوم، أو اثنين جزء من ألف جزء كل مئة سنة، أي كل قرن، فهو وإن كان تعطيلاً بسيطاً، إلا أنه تعطيل له أثر.

وعليه فبعد خمسة بلايين سنة سيكون طول اليوم 43 ساعة، وهكذا حتى يبطء دوران الأرض قليلاً قليلاً، إلى أن تكاد تتوقف، وعندئذ ينعكس دورانها، بدلاً من الغرب للشرق يصبح من الشرق للغرب، فإذا دارت الأرض حول محورها من الشرق للغرب، فكل الناس الموجودين عليها في هذا الوقت سيرون الشمس تشرق من مغربها، وقد جاء في الحديث الشريف عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: اطلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر، فقال: «ما تذاكرون؟» قالوا: نذكر الساعة، قال: ” إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات – فذكر – الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى