وياكم 2013

وياكم 2013 الحلقة الاولي ( الله )

 

الله جل جلاله

الله
كلمة جميلة إلى النفوس، حبيبة إلى القلوب….ولكن، لمن؟

لمن آمن بها، وعرف معناها، واستسلم لمقتضاها…

الإنسان كائن مفكر، وما من إنسان -مهما كان مستواه الثقافي والعمري- إﻻ وتنشأ في داخله فطرياً تلك التساؤﻻت:

من أين أتيت؟!!

ومن الذي جاء بي؟!!

ولماذا خلقني؟!!

وماذا يريد مني؟!!

إلى أين المسير؟!! وما هو المصير؟!!

هي هل الذات الآلهية؟!! أم الطبيعة؟!! أم الأرواح؟!!

تتبعثر الإجابات…. وبناءً على تلك الإجابة، يفهم كل واحد منّا الكون، والإنسان، والحياة، ويرسم خطة له في هذه الحياة.

كما أن التصورات تنعكس ولا بد إلى تصرفات، والاعتقادات إلى أعمال….

كلامي عن الله جل جلاله سوف يكون وجدانياً، شاعرياً، بتعبير  الشعراء والأدباء…لماذا؟
لأن الشعر أدباً ونثراً هو القالب الجميل للغة الإنسانية، فكيف يكون الحال إذا كان الكلام عن الله سبحانه وتعالى؟!!

هنا تتجلى عبقرية الأدباء، والشعراء، والبلغاء، في أن يعبر الواحد منهم عما في خلجاته وأفكاره عن الله سبحانه وتعالى.

فهذا يتكلم عن الكمال، وذلك يركز على الجمال، وثالث عن الجلال، ورابع مناجاة، وخامس شكوى، وسادس ابتهاﻻت… يتنوعون في ذلك….

ﻻ أدعي أنني أتيت بأجمل القصائد، وأعمقها، وأشهرها…وإنما أتيت بما يناسب المقام، وهو اجتهاد ذوقي، ولكل وجهة هو مولّيها…

  • دخل رجل من الأعراب الحرم، فوجد شاباً طواﻻً أبيض، يتعلق بأستار الكعبة، ويقول:

أﻻ أيها المأمول في كل ساعة                        شكوت إليك الضر فارحم شكايتي

فزادي قليل ما أُراه مبلغي                                     أللزاد أبكي أم لطول مسافتي

أتحرقي بالنار يا غاية المنى                                       فأين رجائي فيك أين مخافتي

ابتهال ورجاء، بخشوع وبكاء…

فنظر الأعرابي إليه، واقترب من هذا الذكي، بهذا الكلام النقي، وإذا به الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين!!!

فقال: يا فلان؛ أنت تقول هذا برجاء وخوف! وأنتم آل بيت رسول الله صل الله عليه وسلم، غفر الله لكم، وزكاكم؟!

فقال: اسمع يا هذا؛ إن الله خلق النار لكل شقي، وإن كان سيداً قرشياً، وخلق الجنة لكل سعيد مؤمن، وإن كان عبداً حبشياً، أو ما قرأت قوله تعالى: (فلا أنساب بينهم يومئذ وﻻ يتساءلون)!!!

 

الله أكبر!!! ما هذا الفهم؟ وما هذا العلم؟!!

لا غرابة؛ فهو سلالة البيت النبوي الطاهر، على صاحبه أفضل الصلاة، وأزكى التسليم.

التوازن في القصيدة ظاهر؛ فالمؤمن يعبد الله جل جلاله خوفاً ورجاءً….

فلا يكون رجاء مطلق بلا خوف، فيتساهل ويفجر!! وﻻ يكون خوف بلا رجاء، فييأس ويقنط!!

هكذا يكون التوازن في التوجه إلى الله سبحانه وتعالى، وهكذا تكون معايير آل البيت في تعليم الناس أن قيمتك بسلوكك وعبادتك، ﻻ بما تستند إليه من حسب ونسب، وأسماء ومسميات، وغير ذلك مما يعرفه الناس.

  • منصور فهمي، الأديب المصري الذي توفي سنة 1959، سافر إلى باريس؛ للحصول على درجة الدكتوراه في الفلسفة من السوربون، كانت أطروحته للحصول على درجة الدكتوراه لها صدى واسع وهي: (أحوال المرأة في الإسلام)، منع على إثرها من التدريس بالجامعة المصرية آنذاك، بعد عمله بها لمدة عام.

وهو صاحب عبارة: الإنسان وحده ﻻ شريك له!!!

ثم عاد إلى رشده في سنين نضجه، وكتب كتابه: خواطر نفس، وقال هذه المقطوعة الجميلة تحت عنوان: أنت أنت الله!

واذا ما اشتد السقم بمن أحاطته عناية الأطباء، وسهر الأوفياء ونام بين آمال المخلصين، ودعوات المحبين، ثم ضعفت حيلة الطبيب، ولم ينفع وفاء الحبيب، واستحال الرجاء إلى بلاء، إذ ذاك تظهر جالساً على عرش عظمتك، والنواصي خاشعة، والنفوس جازعة، والأيدي راجفة، والقلوب واجفة، لتقول: أنا قضيت، ويقول الطبيب والقريب والحبيب: لك الأمر، أنت أنت الله!

وإذا ما باين الدنيا إنسان وباينته، إذ ينظر إلى المال فيلقاه فانياً، وإلى الجاه فيلقاه فانياً، وإلى الأماني فيلقاها زائلة، وإلى الآمال فيجدها باطلة، وإلى الشهوات فيجدها خادعة كاذبة، وإلى المسرات فيجدها آفلة غاربة، إذ ذاك يستغني عن الجاه والمال، ويشل في نفسه حركة الآمال، وبين جاه يدول، وأمل يزول، ﻻ يملأ فراغ النفس إﻻ ذكرك، أنت أنت الله!

وإذا ما وقعت العين على زهرة تتفتق في الأكمام، أو تلاقت العين بعين يملأها الحسن واﻻبتسام، وإذا ما أعجب المعجبون بجمال الفجر المتنفس، وتغريد الطير المتربص، وعاود الصدر انشراحه، وملأ القلب ارتياحه، إذ ذاك يشرق جبينك النوراني الجميل! فنراك أنت أنت الله!

  • جار الله الزمخشري، المفسر الذي قيل فيه: لوﻻ الكوسج الأعرج لظل إعجاز القرآن بكراً!!

والكوسج هو صاحب اللحية القصيرة، والأعرج لأن إحدى رجليه سقطت بسبب الثلج في رحلته إلى الحج، توفي سنة 538 هجرية، وصاحب كتاب الكشاف في التفسير، وغيرها من الكتب.

قال: اكتبوا على قبري إذا متُّ هذه الأبيات للعبرة:

يا من يرى مد البعوض جناحها                  في ظلمة الليل البهيم الأليل

ويرى نياط عروقها في نحرها                          والمخ في تلك العظام النحل

ويرى ويسمع ما يرى من دونها                         في قاع بحر زاخر متجندل

اغفر لعبد تاب من فرطاته                                ما كان منه في الزمان الأول

هكذا تكون المناجاة، والقرب من الله تعالى، عالم مفسر، كتب كتابه أطواق الذهب، عبارة عن مقامات، كان كلما طاف حول الكعبة سبعة أشواط، يكتب مقامة، هذا الإمام الذي فسر كتاب الله بما لم يسبقه أحد من الجانب البلاغي، يقول هذا الكلام! فماذا عسانا أن نقول؟!!

  • الإمام فخر الدين الرازي، توفي سنة 606 هجرية، ناقش الإلهيات، والفلاسفة، كابن سينا، وغيره، ومن المتقدمين أرسطو، وسقراط، وهو عقل جبار، ولكن ماذا كانت النهاية؟!!

إنه الرجوع إلى الإيمان الفطري، والعقيدة النقية، وقال كلماته الجميلة:

نهاية إقدام العقول عقال                          وغاية سعي العالمين ضلال

                        ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا          سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا

وكم من جبال على شرفاتها                       رجال فبادوا والجبال جبال

وصدق الله تعالى حيث قال: (وقل رب زدني علماً)، وقال: (وما أوتيتم من العلم إﻻ قليلاً).
فالإنسان يدرك ظواهر الأشياء، ومهما فعل فهنالك عقال عقلي يلزمه في الحد، وفوق كل ذي علم عليم.

  • الشاعر أحمد الصافي النجفي العراقي، الذي توفي سنة ،1977 دخل في مرحلة شك في حياته، ثم استيقظ، وقال قصيدته الشهيرة:

هل في عيون الملحدين عماء                      أم في عقول الملحدين غباء
أيجوز عقلاً أن عقلاً مبدعاً                           قد أبدعته طبيعة بلهاء
فإذا الطبيعة أدركت وتصرفت                 قلنا الطبيعة والإله سواء
الله أحيا الكائنات بسره                                 وبسره تتفاعل الأشياء

كثيرون من الذين يعيشون حياة الشك، ويستغنون عن وجود الله تعالى، يهربون من الإيمان

بمقدس إلى مقدس آخر، فيضفون صفة العقلانية، والمنطقية، والنظام، على الطبيعة!!

هرب من إله، واختار إلهاً آخر، أعطاه صفات الإله الحق، تلك هي عقلانية الحجارة، ومنطقية العشوائية، والعبثية الزمنية.

ولصديقنا الدكتور ناصر الزهراني قصيدة عذبة الألفاظ، بدأ في مطلع كل بيت فيها بلفظ الجلالة الله، فيقول:

الله يا أعذب الألفاظ في لغتي                      ويا أجل حروف في معانيها
  
الله يا أمتع الأسماء كم سعدت          نفسي وفاض سروري حين أرويها
  
الله أنسي وبستاني وقافيتي                                  الله يا زينة الدنيا وما فيها
  
الله يرتاح قلبي حين أسمعها                       وحين أبصرها نقشاً وأمليها
  
الله أرحل في أعماقها وعلى                            إيحائها تستمد النفس باريها
  
الله فيها إجاباتي وأسئلتي                    ومن معاني الرضا والحب صافيها
  

 

والآن دعونا نتكلم عن كلام الله، ألا وهو كتابه العظيم، القرآن الكريم…

كيف حالنا مع القرآن الكريم، قراءة، وتوقيراً، وحفظاً، وتأملاً، وتدبراً؟!!
ولنضع التأمل والتدبر بين قوسين!!
الذي نريده من هذا الكتاب العظيم هو: المعايشة!
هذا الكتاب الذي على الرفوف، والذي نحرص على أن نأخذ منه أجمل اللوحات، ونعلقها في البيوت، تحول إلى طقوس في مواسم الموت، وفي مراسم افتتاح المناسبات!! بينما نجده يتوارى  في الواقع العملي سواءً على صعيد التأمل، أو في سلوك الأفراد في علاقاتهم، وفي معاملاتهم!!
أليست هذه هي المشكلة، والمعضلة؟!!

أصبحنا مجتمعات تركز على جانب طاب الأجر، وطلب علو الدرجات، وفي الوقت نفسه يخلو السلوك من الآداب، والعلاقات!! أليس هذا انشطاراً، وانفصاماً نكداً؟!!

أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تصف خلق النبي صلى الله عليه وسلم بأنه: كان خلقه القرآن.

فليس صواباً، ولا نهجاً نبوياً أن نركز على العبادات، وتنعدم السلوكيات والآداب!! لماذا؟!

لأن شخصية المسلم شخصية تكاملية.

ولذلك يجب علينا أن نتفاعل من القرآن، وأن نجعله هو الأساس في حياتنا، يجب أن نستغل المواسم الأسبوعية، والشهرية، والسنوية في إحياء القرآن.

يجب أن نسأل أنفسنا أين القرآن من حياتنا، ومن قلوبنا؟!!

يقول عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: اطلب قلبك في ثلاث مواطن: عند سماع القرآن،

وفي مجالس الذكر، وفي أوقات الخلوة، فإن لم تجده، فاسأل الله أن يرزقك قلباً، فإنه ﻻ قلب لك!!!

إذا لم تجد نفسك في القرآن، وﻻ عند الذكر، وﻻ في جلسات الخلوة، إذن أين أنت؟!!

حقًّا أننا نحتاج أن نرجع لذواتنا، وننمي أنفسنا مع كتاب الله.

ويقول خباب بن الأرت رضي الله تعالى عنه: تقرب إلى الله ما استطعت، فلن تجد أفضل من

التقرب إليه من كلامه، فإنه أحب شيء إليه.

أحد الأفاضل يقول: منذ التزمتُ وأنا اقرأ كل يوم جزءً من كتاب الله تعالى! بعضه بالليل،

وبعضه بعد الفجر، أو بعد العصر، أو قبل النوم، وهكذا… ولذلك فقد أتيتُ على القرآن كله،

بأحكامه، وعقائده، وقصصه، ومواعظه، شعرتُ أن حياتي تغيرت، بل أصبحتُ لا أحتاج إلى

رزنامة التاريخ!! تسألني كم تاريخ اليوم؟ أقول:15!! لماذا؟ وكيف عرفت؟! أقول: لأنني

اليوم في الجزء الخامس عشر!! فأنا أمشي مع التاريخ، فانعكس ذلك على نفسي، وعلى سلوكي،

وعلى طمأنينتي!!

وصدق والله…فالناس اليوم يدخلون دورات، يبحثون من خلالها عن الطمأنينة، ويبحثون عن

السعادة، وراحة البال، وما دروا أنهم لو عاشوا القرآن تأملاً، وتدبراً، ومعايشة عملية، لأثر ذلك في نفوسهم تأثيراً عظيماً!!

هو خطاب لي قبل أن يكون لغيري من القراء.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى