وياكم 2013

وياكم 2013 الحلقة الثالثة عشرة نقاب

نورا السويسرية

 

مِن عُمان الجمال . . . والخضرة . . . والسماحة . . . والبساطة . . .

مِن عُمان الإيمان النقي . . . والفطرة الصافية . . . والخلق الكريم . . .

مِن عُمان الكرم . . .  والوفاء . . . والمحبة . . . والتواضع . . .

مِن عُمان . . .

شَعَّ نور الإيمان في قلبها، وملأ اليقين جوانحها، فطارت الروح فرحاً، وغنّت النفس ابتهاجاً وطرباً.

تجلى الثبات في شخصها . . .

واشتعلت بالنشاط أركانها . . .

فكانت بَوْصَلة تدل الحائرين، وذخراً وسنداً للتائهين، وشمعة تضيء للسائرين.

قَدِمَت من سويسرا، بلد الحضارة، والتقدّم، والرّقيّ، وحقوق الإنسان، والحرّيات الشخصّية، كما يدّعون . . .

إلى بلاد العالم الإسلامي الثالث، المتخلّف، الرجعي، المتأخّر عن ركب الحضارة، كما يظنّون ويزعمون . . .

قَدِمَت من بلاد الغرب بقلبٍ لا يعرف إلا الماديّة، ولا يرفع رأساً بتعاليم دينيّة أو خُلُقيّة، ولا يحتفل بحياة اجتماعية، أو علاقات مجتمعية . . .

بل هَمُّ المرء منهم: نفسي . . .  نفسي . . .

لكن المولى جلّ وعلا إذا أراد شيئاً هيأ له أسبابه، فكانت هذه الفتاة ممن أراد الله بها خيراً وفضلاً . . .

صَحِبها والدها رجل الأعمال إلى مسقط عام 2002م، فحلُّوا ضيوفاً عند أسرة عُمانية مسلمة، كريمة الأخلاق واليد، وما هي إلا أيام قلائل حتى تبدلت الصورة، وتغيّرت الفكرة، وانقشعت الغمامة، وبدأ النور يغزو ظلام القلب، ويزاحم شكوك الروح والعقل، ويسمو بها إلى علياء الطمأنينة والراحة التي كانت تبحث عنها ولا تجدها . . .

رأت بأم عينها التسامح، والمحبة الحقيقية، غير المشوبة بالمصلحة الآنية، والتواضع، والتلقائية، وحبّ الخير للغير أيًّا كان دينه . . .

رأت قيمة المرأة الحقيقية لا المدَّعاة، واحترام الإسلام لها، وتقديره لجهودها، وإشراكها في بناء الحياة والوطن . . .

سمعت كلمات الأذان تصدح في الآفاق، تطرب الكون بجمالها، وتتسلل إلى أعماق النفوس بحنانها وعذوبتها، وتأسر القلب برقتها . . . فلا عجب حينئذ إذا أراقت العين ماءها.

في أيام قليلة اختلطت المشاعر، وتبدد السراب عن ذلك الفكر الحائر، فأسلمت القياد لباريها، وأذعنت للحق بقناعتها واختيارها، وأعلنتها مدوّية بلا خوف أو وجل:

أشهد أن لا إله إلا الله . . .  وأشهد أن محمداً رسول الله

ما أجملها من كلمة . . .

تنقلك من حياة الشك إلى حياة اليقين . . .

من ضيق الدنيا وضنكها إلى سعة الدنيا وسعادتها . . .

من الاضطراب النفسي، والخواء الروحي، إلى الطمأنينة والراحة والنعيم . . .

إنها (نورا) السويسرية التي كان لها من اسمها نصيب . . .

سمعتُ عنها كثيراً، وعن حواراتها، ونقاشاتها، وأخذها، وردِّها، ودفاعها عن حقوقها، وحقوق المسلمات مثلها في بلاد الغرب . . .

أحببتُ لقاءها؛ للاطلاع على تجربتها، والنهل من خبرتها، فلكل صاحب تجربة خبرة، ولكل صاحب خبرة درس وعبرة.

سألنا عنها فعلمنا أنها تقيم مع زوجها وأبنائها في مصر المحروسة العامرة، لِتَعَلُّم اللغة العربية، فشددنا الرحال إلى تلك الديار، وطرقنا الباب . . .

استقبلونا بحفاوة بالغة، وكرم ضيافة، أخبرناها أننا ما قطعنا تلك المسافات الطويلة إلا للوقوف على قصتها، وقصص غيرها من المهتديات، لتكون مضرب المثل، ومعقد العزم لأبنائنا وبناتنا في التمسك بدينهم، ومبادئهم، وأخلاقهم، وليعلموا أن هناك نماذج في ديار الغرب تستحق التقدير، والوقوف لها ولجهودها احتراماً وإعجاباً.

اللّافت في موضوع الأخت نورا أنها كانت منتقبة!! وليست محجبة فحسب، وهذا أمر لاشك أنه يحتاج إلى تضحية، وبذل، وعطاء، خاصة لمن يعرف نظرة الغرب للحجاب، فضلاً عن النقاب وغطاء الوجه، حيث صُوّر الحجاب على أنه والإرهاب، والتخلف، والرجعية، وجهان لعملة واحدة، في حين أن المجتمع الغربي أشبع بالعُرِيِّ، وأتخم بثقافة الجسد، وذاقوا من جرّاء ذلك الويلات والحسرات، ولكنها المكابرة للعقل، والمصادمة للفطرة، والتمرّد على كل ما هو سماوي.

إن فتاة كـ (نورا) تخرج من رحم تلك البيئة، وعاداتها وتقاليدها، وفجأة دون مقدمات تنقلب عليها، وترى فيها الصورة المهينة للمرأة، والمنتقصة لكرامتها، والباحثة عمّا يشبع غرائزها، أقول: إن وضعاً كهذا لابد أنه صادر عن قناعة تامة، وإيمان عميق، ويقين ثابت بأن ما كانت عليه لا يعدو أن يكون مسخاً لجميع القيم والمبادئ التي تدعو إلى الفضائل، وتحذر من القبائح والرذائل.

كنتُ مستغرباً جدًّا من اختيارها للنقاب، فلماذا لم تكتفِ بالحجاب الشرعي فقط؟! أم أنها انطلقت في ذلك من منطلقات دينية، وأقوال لبعض الفقهاء ترى وجوب غطاء الوجه، وحرمة كشفه لغير المحارم؟

فلما سألتها عن ذلك، قالت: أنا لستُ فقيهة حتى أفتي بوجوب النقاب أو عدمه، لكن المسألة لا تخرج عن كونها حكماً شرعياً من رب العالمين، أحببتُ أن أكون مستسلمة فيه، منقادة لأمره، ولو قيل عني ما قيل، فكلام الناس وآراؤهم ليست ذات أهمية كبيرة عندي، ما دمتُ أعمل بما يرضي الله تعالى، ولو أن الإنسان جلس يراقب نظرات الناس وآراؤهم فيه، ثم يبني عليها مواقفه، لكان حاله كحال الإمعة الذي إذا أحسن الناس أحسن، وهو لا يعلم لماذا يحسن، وإذا أساء الناس أساء، وهو لا يعلم لماذا يسيء !!

هذا أولاً . . .

وأما ثانياً: فإن النقاب فتح عليّ أبواباً كثيرة من الخير، والدعوة إلى دين الإسلام ما لا أستطيع فعله بدونه، فكثير من الناس عندما يراني يسأل مباشرة:

لماذا تفعلين بنفسك ذلك؟

ومن الذي يجبرك على إخفاء جمالك، والانطلاق بحرية في هذه الحياة؟

لماذا تمارسين الكبت والظلم لنفسك؟

وغير ذلك من الأسئلة الحائرة، الغافلة، التافهة، التي لا تدرك معنى أن يكون الإنسان عبداً لرب عظيم جليل، يصدر عن أمره، ويسير تحت سلطانه.

فمثل هذه الأسئلة تكون مدعاة لي للدخول معهم في نقاش حول الإسلام، وتعاليمه، ومبادئه، وكيف حافظ على المرأة، وقدم لها الحماية والرعاية بشتى الأساليب.

بقي أمر مهم لابد من الإشارة إليه، قد لا تلتفت له كثير من النساء، ولا يخطر لهن على بال، ولكنه خطير، ألا وهو أنني لا أحب أن أفعل فعلاً، أو أتصرف تصرفاً ما، ويفهم عني بطريقة خاطئة، فعلى سبيل المثال: من المعروف في ثقافتنا أننا نبتسم للغرباء، وهذا تعده المرأة أمراً عادياً لا إشكال فيه، لكن الإشكال أن مثل هذا التصرف قد يحمل على محامل أخرى، ويفسر تفسيرات لم أقصدها بحال من الأحوال، فيجرّ عليَّ هذا التصرف ما أنا في غنى عنه، ولذلك كان النقاب حماية لي من هذه الإشكالات.

طبعًا هذا رأيي الشخصي، ولا ألزم به أحداً، وفي المقابل الأصل أن الآخرين يحترمون رغبتي وخياراتي، طالما أنني لم أعتدِ على حرياتهم وتصوراتهم.

كانت تلك نظرتها لهذا القرار الجريء، الذي اتخذته وهي تعلم أنه قد يجر عليها بعض المضايقات، والتجاوزات، والعقبات، لكنها تبقى في النهاية قناعتها التي يجب أن تحترم، خاصة أنها تنطلق فيها من منطلقات شرعية وواقعية، فأنت تقف أمام شخصية ذكية، واعية، مدركة لأبعاد الأمور، ومآلاتها، تتكلم بكلام منطقي، معقول، ومتـزن.

ثم تابعت قائلة:

فمن الصعوبات التي قد تواجهها المحجبة –والمنقبة من باب أولى وأشد- صعوبة الحصول على عمل، وإذا تجولت في الشارع أو الأماكن العامة فقد تتعرض لمواقف محرجة، وتصرفات غير لائقة، كإلقاء بعض الكلمات النابية عليها، والتهكم والسخرية منها، وقد يصل الأمر إلى محاولة الضرب، والاعتداء الجسدي، والدعوة للخروج والرحيل من هذا المجتمع المتحضر الذي تشوّه صورته وسمعته بشكلها ولبسها، إلى غير ذلك من مضايقات، إلا أنه لابد أن توطّن المسلمة نفسها على ذلك، وأن تكون على يقين أن هذا من البلاء الذي يؤجر الصابر عليه، ثم قبل كل شيء: تذكير النفس بأن هذا الفعل تفعله من أجل مَن، ولماذا؟!

فالمسألة ليست قطعة قماش توضع على الرأس، ويغطى بها الوجه، بل هي مسألة ثقافة، وحضارة، ومبدأن وهوية، بل دين أولاً وآخراً.

إن من تضع في حسابها هذه التصورات، يسهل عليها بعد ذلك ما تلقاه من أذى، وسوء، وجفاء، ولو كان من أقرب الناس إليها.

على كلٍّ … فالقضية لم تعد مجرد حجاب أو نقاب، وافتعال معركة معه؛ لأنه يشكل علامة فارقة في المجتمع، وشعاراً عنصرياً يفرق بين أهل البلد الواحد، كلا . . .

ليس الأمر بهذه السذاجة التي يتصوها البعض، بل الواقع أن المعركة في حقيقتها معركة مع الإسلام نفسه، ومبادئه، وأحكامه بشكل عام، وهو ما بات يعرف في الغرب بـ (الإسلاموفوبيا)، نتيجة للتراكمات الفكرية والسلوكية السلبية تجاه هذ الدين.

لذلك فمن الواجب على المسلمين –وخاصة في ديار الغرب- أن يكونوا يداً واحدة في أهدافهم وغاياتهم، وإن اختلفوا في بعض المعطيات، وتباينت وجهات النظر بينهم في بعض القضايا . . .

لابد للغرب أن يرى ذلك واقعاً عملياً، لا أقوالاً نظرية، فمثل ذلك يزيد من احترام الآخرين لنا، ولو خالفونا في أصل ديننا وعقيدتنا.

كنتُ أنصتُ لها باهتمام بالغ لما تطرحه من رؤى وتصورات، تلامس الواقع الذي تعيشه، وتضع فيها النقاط على الحروف…

ولما سألتها عن تجربتها الشخصية في مواجهة هذا الواقع الكئيب، المليء بالمتغيرات والمتناقضات؟

قالت: لابد أن نعلم جميعاً أن كل مسلم مطالب بتقديم ما يستطيعه خدمة لدينه، وهذا ليس من باب النافلة والاستحباب، بل هو واجب وجوباً عينياً . . .

ولذا حملتُ على عاتقي منذ اللحظة الأولى لإسلامي واجب الدعوة إلى هذا الدين، والمشاركة في تصحيح النظرة الخاطئة عنه، والسعي في إيجاد الحلول والاقتراحات للمشاكل التي تواجه المسلمات عندنا.

فتوجهتُ للإعلام والصحافة، لعلمي اليقيني أن العصر عصر إعلام، وأن الحرب الإعلامية باتت تشكل خطراً أشد وأعظم من حرب الأسلحة الفتاكة، وهذا الكلام لا مبالغة فيه، فكل من عايش ذلك، علم صدق قولي.

بدأتُ بالحوار والنقاش مع الآخرين، بالأسلوب الطيب، والكلمة الرقيقة؛ لأن الكثيرين يجهلون حقيقة هذا الدين، والتشويه المتعمد الذي تمارسه وسائل الإعلام صباحاً ومساءً جعلهم يقفون في صف العداوة والكره لهذا الدين وإن لم يعرفوا عنه شيئاً.

ناقشتهم كثيراً في حقوق المرأة التي يتشدق بها الغرب، ويظن أنه قد كفل لها الحرية، والكرامة، والعزة، وهو في الحقيقة جعل منها سلعة رخيصةن يتاجر بها حسب رغباته ونزواته.

قلتُ لهم: نحن كمسلمات لنا حرية كبيرة في أعمالنا، واختياراتنا، وإراداتنا، لسنا كما تظنون عبارة عن زوجات حبيسات الجدران والبيوت، لا همّ لنا إلا انتظار الزوج بالطعام والشراب، وتهئية الجو المناسب له، وإن كان هذا مما نفخر به، ونعتز بتأديته، طاعة لله تعالى، إلا أنه ليس الدور المنوط بالمرأة فحسب، بل نحن عاملات، منتجاب، مشاركات في إصلاح المجتمع وبنائه . . .

فمنّا: الطبيبة، والمهندسة، والممرضة، والمعلمة، وأستاذة الجامعة، والشاعرة، والأديبة، والكاتبة المبدعة، وغير ذلك من مناحي الحياة . . .

إن الحجاب والنقاب لا يغطي عقل المرأة وتفكيرها، بل يغطي رأسها، ويطلق لها العنان في الإبداع والتجديد . . .  هكذا علّمنا ديننا الحنيف . . .

مثل هذا الطرح كان مؤثراً كثيراً، وأقل ما يستفاد منه إخراج البعض من صف العداوة لهذا الدين، إلى صف الحياد، وعدم الاتهام، وهذا بحد ذاته يعد إنجازاً وأي إنجاز.

قلتُ لها: لكن ألا تعتقدين أن بعض الممارسات الخاطئة، والتصرفات السلبية التي تقع من بعض المسلمين، تؤثر سلباً على هذا العمل والإنجاز؟

لم أكن أعلم أن هذا السؤال ينكأ لها جرحاً، ويدخل عليها همًّا، لأن الواقع الذي يعيشه المسلمون في الغرب يختلف عن أي مكان آخر، حيث أن الإسلام يحاكم من خلال تصرفاتهم وأفعالهم.

كادت تغصّ بالجواب؛ لأن الواقع مرير –وللأسف-، فبعض المسلمين، وخاصة المهاجرين إلى بلاد الغرب، يعطون انطباعًا سيئاً عن دينهم، لسوء أفعالهم وتصرفاتهم، وما درى الواحد منهم أنه يمثل الدين في نظر الآخرين، ولكن بحمد الله مثل هذه النوعية بدأت بالتقلص والزوال يوماً بعد يوم، نتيجة ازدياد الوعي بين المسلمين، وللهجمة الشرسة التي يواجهونها، وإن كان بعضهم لا يتمثل من الإسلام إلا بالاسم، ومع ذلك يقابل بالمضايقات، والاستهزاء، والأذى، وغيره.

ثم لابد من العلم أن النماذج السيئة موجودة في كل زمان ومكان، ولو أردنا أن نحاكم جماعة، أو طائفة، أو مذهباً، أو ديناً، من خلال أخطاء بعض أهله، أو أحدهم، لكان ذلك ظلماً وحيفاً، فلا يؤاخذ الجميع بجريرة الفرد، بل كل واحد يمثل نفسه، ويخبر عن مضمونه.

ولذلك نعلم يقيناً أن مسألة تصحيح المفاهيم لدى الغرب عن الإسلام، وتغيير الصورة النمطية المشوهة له عندهم، ليس بالأمر الهيّن، فلن يكون ذلك بين عشية وضحاها، هذا أمر مستحيل، وإنما يحتاج لنفس طويل، وصبر ومصابرة، واستخدام كافة الوسائل التي تعينك على غايتك، ولعلّ من أهمها في نظري: الدعوة بالقدوة، فكلما كان الإنسان ملتزماً بأقواله، وما يدعو الناس إليه، عاملاً به، متحلياً بالأخلاق الحميدة، كلما كان قبوله عند الناس أعظم، وحظه أوفر، وصدقه أظهر.

يضاف إلى ذلك: الاهتمام بالمشاريع الاجتماعية، والعمل الخيري، والأنشطة الثقافية، ومساعدة الناس، والاهتمام بالطفل، كل ذلك له أثر عظيم في تقديم الإسلام للغرب بصورة جذابة، ومختلفة، عما هي عليه في الأذهان، وبذلك نستطيع خطوة خطوة أن ندمج الإسلام في المجتمع بأسلوب راقي، يتناسب مع رقي هذا الدين ومنهجه.

فرحتُ جداً، وحزنت كثيراً في الوقت نفسه من سماع هذا الكلام من تلك الفتاة…

فرحتُ لهذه الهمة، والثبات، والجلد، والتضحية، والبذل، والعطاء، من أناس لم يكونوا يعرفون الإسلام، فلما عرفوه كان منهم كل ذلك.

وحزنتُ على أحوال المسلمين الذين ولدوا فيه، وعاشوا عليه، ومع ذلك جفوه، وقلوه، وتنصلوا منه.

قلتُ لها: بحكم عملك في المركز الإسلامي في سويسرا، ما هي أهم وأكثر المشاكل التي تواجه المهتديات الجدد، وهل هناك مشاريع مؤسسية تخدم النساء؟

فقالت: كما تعلم فأنا مسؤولة الشؤون النسائية في المركز الإسلامي، ومن خلال عملي يتوجب عليَّ التعامل مع العديد من المشاكل التي تواجهها المرأة المسلمة، والتي من أهمها:

عدم توفير الملاذ الآمن للمسلمة الجديدة، فكثير من الحالات التي أعرفها طردت من بيت ذويها، وتخلى عنها أهلها، وأصبح الشارع مثواها، فمثل هذه النوعية إن لم تجد من يقوم على رعايتها، وحمايتها، وكفايتها، وتوفير المأوى لها، فإنها بلا شك ستكون عرضة للضياع، وضحية للتقصير من جانبنا، خاصة وأن الكثيرات من هؤلاء المهتديات صغيرات في السن، فلا يجدن من يعينهن، ويأخذ بأيديهن إلى بر الأمان.

فكان من أهم مشاريعنا تأمين المأوى لمثل هذه الحالات، وتوفير كل الخدمات التي تحتاجها، ومن ثم توثيق صلتها بهذا الدين وأحكامه، وهذا ما يقودني إلى الحديث عن المشكلة الأخرى التي نعاني منها، ألا وهي: توقف الدعوة والإرشاد عند حد دخول الإنسان في الإسلام، وبعد ذلك تختفي المتابعة والمناصحة والرعاية لهذا المسلم الجديد، وبسبب ذلك فقد شاهدنا وسمعنا عن حالات كثيرة لمسلمين جدد، ومسلمات جديدات انتكسوا على أعقابهم، ورجعوا إلى ما كانوا عليه من قبل، والسبب في ذلك كله، عدم الاهتمام بهم بعد إسلامهم، هذه نقطة لابد من وضعها في الحسبان.

ولذلك فنحن في المركز الإسلامي نهتم كثيراً بهذا الجانب من خلال الدورات الشرعية، والمناشط الثقافية، والمحاضن التربوية التي تشكل جواً إسلامياً صافياً لهذا المهتدي، مع متابعة أحواله المادية، ومشاكله النفسية، ومحاولة دمجه في المجتمع، ومحاولة توثيق صلته بذويه، وتقديم صورة مشرقة لهم عن هذا الدين.

أعلم أن التحديات كبيرة، والمخاطر عظيمة، لكن أملنا بالله كبير ، وثقتنا به أكبر وأعظم، فنحن نرى إقبالاً عظيماً على هذا الدين، وهذا يجعلنا نضاعف الجهود، ونبذل المزيد من الوقت والهمة في سبيل تحقيق هذه الآمال والأمنيات، التي ستكون يوماً ما واقعاً  حقيقياً نلمسه جميعاً بأيدينا بإذن الله تعالى.

نسأل الله العون والتوفيق، فبه العصمة، ومنه نستمد القوة.

كان ذلك ختام لقائنا المبارك مع الأخت نورا، التي قدمت لنا أنموذجاً للمسلم الحقيقي، الذي يمثل الإسلام بكل جزئياته وأحكامه.

فشكر الله لها هذه الجهود المباركة، وأعانها على إتمام هدفها وغايتها.

وأما نحن فلا شك أن الوقت قد أزف، والرحيل قد دنا، والديار قد طلبت أهلها… فإلى الكويت مرة أخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى