وياكم 2013

وياكم 2013 الحلقة الثامنة والعشرون لسان

اللسـان

 

اللسان وما أدراك ما اللسان؟! إنه ورطة الورطات، فاللسان سبع ضار، وثعبان ينهش، ونار تلتهب، وكما قيل: وخز اللسان أحدُّ من وخز السنان.

ذكر الإمام البيهقي في كتابه مناقب الشافعي، قال: قال الشافعي: دخلتُ صنعاء أو عدن، فقرأتُ على بابها:    

            احفظ لسانك أيها الإنسان           ﻻ يلدغنّــك إنه ثعبان

           كم في المقابر من قتيل لسانه       كانت تهاب لقاءه الشجعان    

بسبب كلمة، أو عبارة، أو تعبير في غير محله، أو لم يكن التقدير جيداً، كانت نهايته!!

لماذا الحديث عن اللسان؟!!

كلامنا عن الكلام السيء، والبذاء، والتجريح، والتشريح، ذلك الوباء الذي طغى، وطفح، وشاع، وذاع، في الحياة العامة للأسف.

كيف انتقل هذا الوباء، وهذا المرض من الأماكن الخاصة إلى الأماكن العامة؟!

كيف انتقل من الكبار إلى الصغار؟!

كيف وصل إلى أوساط ثقافية، ما كان يُظَن أن تخرج منهم هذه الكلمات؟!!

ونحن إن جاز لنا أن نستثني عالم السياسة المبني أساساً على التجريح، فكيف لنا أن نفهم هذا الانتقال إلى العالم التربوي، المبني على الترشيد والتهذيب؟!!

نحن نعيش هذه الأيام مأساة حقيقية، فاحت رائحتها، وذاعت، وصار للتجريح محترفون، وصار للتسفيه والطعن مصممون، وصارت المسألة متداولة مشهورة في كل الأوساط، حتى باتت أشبه ما يكون بالتطبيع!! فتنوعت الشتائم: شتائم سياسية، وشتائم رياضية، وشتائم في عالم الفن، وشتائم في عالم الطائفية، وشتائم في عالم الصراع اﻻقتصادي، وعمت الشتائم في كل مكان، لدرجة التفنن في السباب، والطعن، والسخرية بفلان أو علان!!

لا شك أن اللسان نعمة عظيمة، وتميز الإنسان بالكلام هو تفرد خاص عن بقية الكائنات، ولذلك فقد امتنّ الله سبحانه وتعالى علينا بهذه النعمة، فقال: {الرحمن علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان}، فهذه الهبة التعليمية خاصة بك أيها الإنسان، ليست لأحد سواك من المخلوقات، فالحيوان البهيم لا يعلم، وإنما يوحى إليه إيحاء، كالبرمجة، قال الله تعالى: {وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون فهو إيحاء وبرمجة !! أما أنت أيها الإنسان فقد رُزقت بوعي، وأُعطيت هذا اللسان للتعبير عن هذا الوعي، وإنشاء علاقات متنوعة.

ولذا جاءت قاعدة القرآن الكريم في ترشيد هذا اللسان، وهي قاعدة عامة، سهلة، مبسطة، يقول رب العزة في هذه القاعدة: {وقولوا للناس حسناً}، فقال للناس، وليس للمسلم أو التقي، أو القريب، أو الحبيب، أوالمعارف، بل للناس، كل الناس!! مؤمنهم وكافرهم، من نعرف، ومن ﻻ نعرف، قولوا للناس حسناً، شعار عام، وقاعدة حياتية،   يجب نشرها على أوسع نطاق، إﻻ أن الواقعية الحياتية تشدنا أحياناً إلى التعامل مع الخلل الموجود في الإنسان بأسلوب يناسبه، حيث توجد مشاحنات، وخصومات، واختلافات، وصراعات، وهذا أمر لا يمكن إنكاره وجحوده، ولكن يجب أن يبقى في نطاقه الخاص، أما أن تصبح مسألة الإساءة، والتجريح مسألة عامة، وقضية غير طارئة، فهنا يكمن الخلل، ونحتاج عندها إلى ضابط يضبط الوضع الطاريء، فضلاً عن الوضع العام!

يأتينا القرآن ليعلمنا، ويقول: {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً}، هذه صفة من صفات عباد الرحمن، الذين يمشون على الأرض هوناً، وهي صفة خليقة في هؤﻻء القوم الذين يتصفون بالعبودية الصادقة لله سبحانه وتعالى، فشعارهم الكفّ والإعراض عن ذلك السفيه، لماذا؟!! لأنه جاهل!! ومن صفات الجاهل أنك إذا رددتَ عليه، يزداد جهلاً إلى جهله، وسفهاً إلى سفهه!!

ولننظر إلى هذا التطبيق العملي لقاعدة: وقولوا للناس حسناً…

لن نجد من يطبق هذه القاعدة بجميع معطياتها خيراً من معلم البشرية: رسول صلى الله عليه وسلم، وقد انتقيتُ خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم مع خادمه، لأمور…..

أوﻻً لأن وظيفة الخادم متواضعة، وهو محكوم بأمر سيده، كطبيعة حياتية.

ثانياً: أن هذا الخادم كان غلاماً، صغيراً، فلو عُنِّف فل إشكالية عند البعض.

هل عرفتم من هو هذا الغلام، الذي كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم؟!!

إنه الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه!!

دعونا نستمع إليه، ماذا يقول عن تلك الفترة الطويلة التي خدم فيها النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف كان يعامله؟!! يقول أنس رضي الله تعالى عنه: خدمتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أفٍّ قط!!! سبحان الله! عشر سنوات لا تصدر منه كلمة أف لخادمه، مع أنه يقيناً سوف يخطئ في عمله، أو يفعل خلاف الأولى، ومع ذلك لا توجد كلمة أفّ!!

والأفّ هذه هي أقل الضجر، وهي تعبير انفعالي عن عدم الرضا!!!

هل وقف الأمر عند هذ الحد؟!! كلاّ، بل تجاوزه بما لايمكن أن يخطر على بال! ماذا قال أنس؟ قال: (وما قال لشيء صنعتُه لم صنعتَ هذا هكذا؟ ولا لشيء لم أصنعه: لم لم تصنع هذا هكذا؟)، تُرى؛ على ماذا يدل هذا الكلام؟؟

إنه وبلا شك يدلنا على أنه عليه الصلاة والسلام هو خاتم الأنبياء، وسيد المرسلين، وحبيب رب العالمين، حيث كانت له تربية بالإيماءات، والمعايشة، وإرسال الرسائل الموجهة الحانية، دون أن يكون منه تعنيف، أو توبيخ، أو إهانة، ولو بشطر كلمة، أو نظرة، بل ولا بـ: أفّ!!

تخيل هذه العظمة في المعاملة، والرفق واللين، ثم قارن ذلك بمعاملة الخدم في وقتنا الحاضر، ولن أزيد أكثر من ذلك.

إن الإنسان يتكلم تعبيراً عن مفاهيمه، وأفكاره، ومشاعره، وأحياناً تغلب عليه المشاعر، وأحياناً يغلب عليه العقل، فإذا غلبت عليه المشاعر، وحركته العاطفة في موقف من المواقف الشديدة على نفسه، والقاسية عليه، فربما يصل به الأمر السباب، أو الضرب، بل وإلى القتل أحياناً!

أما الرسول صلى الله عليه وسلم صاحب الخلق الرفيع، فلم يكن منه شيء من ذلك، قليله أو كثيره!! إنها عظمة النبوة.

وفي حديث آخر يرويه لنا جابر بن سليم الهجيمي يقول فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ناصحاً له: (وإن امرؤ شتمك وعيرك بأمر يعلمه فيك، فلا تعيّره بأمر تعلمه فيه، فيكون لك أجره، وعليه إثمه، ولا تشتمنّ أحداً)!

انظر إلى هذه التوجيهات السامية، والتربية العالية، يقول له: وان امرؤ شتمك، وعيّرك بأمر يعلمه فيك، فما هو الجوابب؟!! قال: فلا تعيره بأمر تعلمه فيه!! أي إن كان هو ظالماً لك، ومعتدياً عليك، فلا تكن مثله، لأنك بإعراضك عنه يكون لك أجره، وعليه إثمه، فاترك عنك هذا السفيه، وقل كما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:

يخاطبني السفيه بكل قبح      فأكره أن أكون له مجيــبا     

                      يزيد سفاهة فأزيد حلماً        كعوداً زاده الإحراق طيـبا    

ثم ختم الحديث بقوله: (وﻻ تشتمنّ أحداً)، فكيف تلقى جابر وصية الرسول صلى الله عليه وسلم؟    يقول جابر: (فما سببتُ بعده حراً، وﻻ عبداً، وﻻ شاةً، وﻻ بعيراً، منذ أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم)، لماذا؟!! لأنه لا يريد تعويد لسانه على الشتيمة، لأن الإنسان لو اعتاد على كلمة، ودرجت على لسانه، فقد تصدر منه في موقف لا يحسد عليه، ويقع في ورطة بسببها، خاصة أننا نعيش هذه الأيام عصر التسجيل، والتصوير، والمتابعة لكل صغيرة وكبية.

يروى أن السيد المسيح عليه السلام مرّ به خنزير، فقال له: مُرَّ بسلام! فقالوا: ما هذا أيها السيد المسيح؟! مر بسلام؟ أي أنه لم يقل له: اخسأ، أو غيرها من الكلمات، فاستغرب الحاضرون من تصرف السيد المسيح عليه السلام، فأجابهم بقوله:لم أرد أن أعوّد لساني على سوء!!

سبحان الله! حتى مع الحيوان؟!

ولذلك فإن المسألة من أولها لآخرها عادة، لكنها قبل أن تكون عادة، هي معرفة، ومع المعرفة إرادة.

قيل لبعض الصالحين: فلان يقع فيك، حتى أشفقنا عليك ورحمناك!! فقال: عليه فأشفقوا، وإياه فارحموا!! انظر إلى الفهم الدقيق.

وهذا الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى يقول: أدركتُ بهذه البلدة- يقصد المدينة المنورة- أقواماً لم تكن لهم عيوب، فعابوا الناس، فصارت لهم عيوب، وأدركتُ بها أقواماً كانت لهم عيوب، فسكتوا عن عيوب الناس، فنسي الناس عيوبهم!!

معادلة عجيبة، لماذا؟!

هذا الذي ليس له عيوب إنسان مسالم، لكنه عندما اشتغل بعيوب الناس، عرّض نفسه لانتقاد الناس، والبحث عن عيوبه، وهم واجدوها بلا شك؛ لأن كل واحد منّا مليء بالعيوب، والنقائص، والآفات، فالسلامة لا يعدلها شيء …

وها هنا  لا بد من ملاحظة أمر مهم، وهو أننا نفرّق بين الطعن في الناس، والتشهير بهم، والتجريح لهم، وبين كشف بعض الحقائق! فمثلاً: فلان ظالم، نتكلم عن ظلمه، ونحذر الناس منه، فليس في ذلك إشكال، لأن هذا وصف، وليس طعناً.

أما القسم الآخر فهم أناس لهم عيوب، لكنهم سكتوا عن عيوب الناس، فنسي الناس عيوبهم!

نبيك صلى الله عليه وسلم يقول لك: (الكلمة الطيبة صدقة)، مفهوم جديد لمعنى الصدقة، ينقلك فيه من الجانب المادي، الذي صورته إنسان محتاج آخذ، وآخر قادر معطي، يتصدق عليه بالمال، أو بحاجيات يسد بها عوزه، إلى الجانب المعنوي القيمي، الذي فيه الكلمة الطيبة صدقة، والابتسامة في وجه أخيك صدقة، وإعانة المسلم صدقة، فالكلّ بهذا المفهوم الواسع والشامل يستطيع أن يكون متصدقاً، باذلاً، معطياً، الفقير والغني على حدٍّ سواء، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: (اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة)، فاتقاء النار يكون إما بالماديات، كالتمر ونحوه، أو بكلمة طيبة، لأن الكلمة الطيبة تفعل بالنفوس الأفاعيل.

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كذلك:(وسلِّم على من عرفتَ، ومن ﻻ تعرف)، ويقولأيضاً: (البخيل من بخل بالسلام)، وكذلك: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت(، فبعض الناس إن تكلم، أو كتب، فلا هو بالذي يقول خيراً، وﻻ هو بالذي يصمت، فماذا بقي له؟!!

إن للصمت أدباً، وحكمة، ومهارة، وفنًّا، لا يستطيعه أي أحد، ولذا لا نستغرب إن كانت هناك جمعية عالمية تُعنى بالصمت، وفنونه، هي:        جمعية الصمت العالمية، ولا نستغرب كذلك إن كتب في هذا الموضوع  رسائل دكتوراه! ومن الكتب القيمة في هذا المجال، كتاب: أنصت يحبك الناس، لمحمد النغيمش، جزاه الله خيراً.

إذن…فالصمت أدب، فإن لم تقل خيراً فاصمت.

القرآن الكريم يربينا على أن نبادل الخير بخير أكثر منه، حتى على مستوى الكلام، يقول رب العزة والجلال: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها}، إنسان حيّاك بتحية، فتحيّيه بمثلها، أو ترد بأحسن منها، ومن خلال تحية الناس بعضهم لبعض، وسلامهم على بعض، تكتشف ذواتهم، وشخصياتهم، لا أقصد اﻻكتشاف الكامل، ولكن على الأقل الطباع العامة، والأمزجة العامة! فبعض الناس حين يرد عليك السلام، فكأنما يتصدق عليك به، أو كأن لسان حاله يقول: ليته لم يسلّم عليّ، حتى لا أردّ عليه!! نعم؛ هذه طباع شخصية موجودة، وهي دالّة على سوء خلق من صاحبها، خاصة إذا أصبحت سمة عامة من سمات شخصيته!!

ومن اللفتات الجميلة البديعة في تعريف الإنسان المتديّن، ما قاله الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه: إحياء علوم الدين، حيث يقول: قال بعضهم: أدركنا السلف وهم لا يرون العبادة في الصوم، ولا في الصلاة، ولكن في الكف عن أعراض الناس!!

نعم؛ المتديّن الحقيقي هو الذي ﻻ يتكلم في الناس، وﻻ يجرح، وﻻ يسيء، ولذلك جاء تعريف النبي صلى الله عليه وسلم للمسلم بقوله: )المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، هذا هو المسلم…

ولذلك فإن الكلمة قد تورد صاحبها المهالك!!  والعرب تقول: مقتل الرجل بين فكيه!!! ومن منا ينسى المثل الذي يقول: (رُبَّ كلمة قالت لصاحبها دعني)، فكم من إنسان قال كلمة، ثم ندم عليها، وتمنى لو أنه لم ينطق بها؟!! كم من كلمة أنقصت من مكانة صاحبها؟ كان إنساناً راقياً، وكان وجيهاً بين الناس، سواءاً كان مربياً، أو مدرساً، أو موجهاً، أو أديباً، أو مفكراً، فأصبحت تلك الكلمة السيئة هي المحفوظة عنه، ولا يذكر إلا بها، ويُنسى تاريخه كله!!!

فبالكلمة نؤمن، وبالكلمة نرتد، وبالكلمة نتزوج، وبالكلمة ننفصل، وبالكلمة نجري العقود، وبالكلمة ننهي العقود،        وبالكلمة نعطي المواثيق، فلا يستهين أحد بهذه الكلمة، ولذلك وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول لمعاذ: عندما قال معاذ: وإنا لمآخذون بما نتكلم به يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكبُّ الناس في النار على وجوههم، أو قال: على مناخرهم إﻻ حصائد ألسنتهم(.

حصائد الألسن هذه أحدثت فتناً، وأراقت دماءً، وقطعت علاقات، وأفسدت بشراً، وهدمت أسراً، وروجت منكراً، فدعونا نتحمل المسؤولية، فنحن نحتاج أن نتدرب على آليات الضبط اﻻنفعالي في الرياضة وكلماتها، وفي السياسة وكلماتها،      وفي الشارع، وفي التنافسات.

كان عبد الله بن أبي زكريا ﻻ يدع أحداً يغتاب في مجلسه، ويقول: (إن ذكرتم الله أعنّاكم، وإن ذكرتم الناس منعناكم أو تركناكم)، وهذا الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يوجه لنا نصيحة عامة، تصلح لكل زمان ومكان، فيقول:

إذا رُمتَ أن تـحيا سليماً من الردى                 ودينك موفـور وعرضـك صيَّـنُ

فلا ينطقن منـك اللسـان بسـوأةٍ                فكلـك سـوءات وللنـاس ألسـنُ

وعينـاك إن أبـدت إليـك معايبـاً              فدعها وقل يا عين للناس أعينُ   
فالناس لها ألسن، وعندها أعين، وإذا قلتَ قالوا، وإذا سببتَ سبُّوا، فأبرز القيمة اﻻيجابية في نفسك، وليكن حالك مع هذا اللسان كما يقال المثل الشعبي: )لسانك حصانك، إن صنته صانك، وإن شنته شانك).

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى