وياكم 2013

وياكم 2013 الحلقة الثانية حسم

ربا داوود قعوار . . .

شخصية نوعية، تجاذبتها الألسن، واختلفت حولها الآراء، وتغايرت فيها الرؤى والمواقف، بين مادح وقادح، ومحب ومبغض، وموالٍ ومعادٍ، ومؤيد ومعارض . . .

كان لقصتها وقع في القلوب، وشوق وحنين في النفوس، وبهجة وسعادة في الأرواح . . .

انقلبت إلى غصة وشجى، وحسرة وتأسف، وتوجع وانكسار . . .

وبين هذا وذلك . . .

من وقف حائراً، واجماً، يحوقل، ويسترجع، ويدعو بالثبات وحسن الختام . . .

ومن وقف شامتاً، متَّهِماً، طاعناً، يقيم البراهين على صحة مقوله، وثاقب نظره . . .

لماذا كل ذلك؟!

لأنها قصة ضياع وتيه، وحيرة وشك، تحولت إلى هداية ونور، وبصيرة ويقين، ثم ما لبثت حتى انتكست وارتكست في ظلمات الغي والجهل، والعداء والبهت، لكنها أفاقت من سكرتها، وصحت من غفلتها، واستجابت لفطرتها، وعادت لجَنَّة الإيمان، وطهارة الضمير، ونداوة الروح، وهناءة الحياة . . .

نعم . . . نصرانية . . . ثم إسلام . . . ثم ردة!! ثم إسلام وثبات بإذن الله . . .

هذه باختصار قصة أختنا (ربا قعوار)، مرت بمسيرة طويلة، ورحلة شاقة مضنية، وعقبات كؤودة، تقلبت خلالها على جمر اللظى، ولوعة الندم، وألم الغفلة . . .

لم يكن إسلامها بعد نصرانيها عن تقليد، وهوى، وتجريب شيء جديد . . . كلاَّ . . .

بل كان عن إيمان، وعلم، وبصيرة . . .

ولم تكن ردَّتها بعد إسلامها عن قناعة، وسخط للدين بحد ذاته، واعتقاد بطلانه. . .كلاَّ . . .

بل كانت عن وساوس شيطانية، ونظرات سلبية، ونماذج تنفيرية . . .

ليس غريباً أن يخطئ المرء، فكلنا ذوو أخطاء وعثرات، وهفوات وسقطات، لكن العيب كل العيب، والمستشنع غاية: هو الاستمرار في الخطأ، بل وعدم الاعتراف به، والمجادلة عنه . . .

نعم . . . قد تكون العودة إلى الباطل بعد معرفة الحق، شديدة الوطأة، قاسية الوقعة، لكنها لا تخرج عن كونها ذنباً وتقصيراً، تُرجى له التوبة، والمغفرة، والقبول . . .

يقول الله تعالى: (فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم).

ويقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم).

وكم من صحابي-وإن كانوا قلة- أسلم بعد كفره وجاهليته، وذاق طعم الإيمان، وحلاوة القرآن، ثم غرَّه الشيطان وأغواه، فارتد وراجع الكفر، ولكن الله تعالى لطف به ورحمه، فتاب وأناب، وندم واستغفر، وعاد إلى الإسلام . . .

لو نظر كل واحد منا لهذه الحادثة بهذه النظرة، أو أقام نفسه مقام صاحبتها، لعلم يقيناً مدى العذاب، والعناء، والشقاء، الذي عاشته وكابدته، حتى كادت أن . . .تنتحر مراراً!!

صحيح أن الطريقة التي عاودت فيها الكفر بعد الإسلام كانت مستفزة بصورة صارخة، وفيها استعداء بيِّن للمسلمين، لكن هذا قد يعزى للاستفزاز الذي مورس عليها من بعضهم، والاستدراج والاستغفال من آخرين . . .

لا أقول ذلك تسويغاً لفعلها، أوتقليلاً وتهويناً منه، إنما هو توصيف للمشهد، وقراءة للحدث من زاوية الشفقة، والعطف، وإحسان الظن . . . لا سيما وقد اعترفت بسوء صنيعها، وقبح تصرّفها، وأن الجناية أولاً وأخيراً كانت من نصيبها . . .

ستقع أعيننا في هذه القصة على كثير من الدروس، والعبر، والمواقف، والفوائد، ومواطن الحزن و الألم، والفرح والنشوة . . .

وسنقف أمامها معجبين تارة، ومتعجبين أخرى . . .

مغتبطين حيناً، ومتعوِّذين أحياناً . . .

مسرورين مرة، حزانى آسفين مرات ومرات . . .

لن أطيل الحديث كثيراً، فحكاية القصة وسطْرها، تنبيك عن خباياها، وتكشف لك مستورها . . .

قابلتُها، وحاورتُها، فوقفتُ أمام عقل راجح، ونفس طموحة، وهمة عالية، وحيوية مفعمة، ونشاط دؤوب . . .

ولولا إيمانها، ويقينها، وثقتها بنفسها، لكانت حبيسة الجدران، منعزلة عن الحياة والناس، منفردة بمصيبتها . . .

سأترك الميدان فسيحاً أمام (ربا)، تحدثنا كما تشاء، وتروي لنا ما تحب، ولن أقاطعها إلا للضرورة . . .

أظن الوقت قد حان لسماع تلك المعاناة، فإلى أختنا . . .

تقول ربا:

ولدتُ في الدانمرك، لأسرة أردنية مسيحية، وحضرتُ إلى الأردن عندما كنتُ في الرابعة من عمري.

كان أبي قسيساً لأربعة كنائس، و أمي واحدة من أكبر قادة النساء المسيحيات في مجتمع الشرق الأوسط.

وقد كنتُ قائدة أطفال وشبيبة في الكنيسة، وواحدة من مرشدات المجتمع المسيحي، حيث كانت لدي المعرفة الكافية بالتوراة والإنجيل.

لقد اتخذتُ المسيح مخلصًا شخصيًا لحياتي عندما كنتُ الثامنة من عمري، وتعمدتُ بالماء عندما كنتُ في الثانية عشرة، ثم تعمدتُ بالروح في الرابعة عشر.

لكني لم أغلق عقلي في يوم من الأيام للتعرف على الحقيقة، والبحث عن المعرفة والسلام الذي لم أجده، حتى أنعم الله تعالى علي بالإسلام، الذي أخذتُ وقتاً طويلاً حتى اقتنعتُ به، فأنا لم أجد السلام في داخلي إلى أن أصبحتُ مسلمة.

بدأت قصتي مع الإسلام في مرحلة مبكرة من عمري، لقد كرهتُ هذا الدين كرهاً شديدا ً، وعندما كنتُ في الصف العاشر، رأيتُ فتاة مسلمة تصلي، فركلتها بقدمي، ودفعتها وهي ساجدة على الأرض، وتشاجرتُ مع الكثير من البنات في المدرسة الإعدادية الحكومية، وأردتُ أن أريهم كم أنا مثقفة، لذلك كنتُ أُحضِر الكتاب المقدس (التوراة والإنجيل) معي كل يوم، وأقرأ بصوت مرتفع، أو أكتب نصاً منه على السبورة كحكمة اليوم، وأذكر عندما كان شهر رمضان، اعتدتُ أن آكل أمام البنات المسلمات الصائمات!!

لقد كنتُ أتصرف تصرفات أشعر بالندم عليها اليوم، بعد ما عرفتُ الإسلام. أسأل الله أن يرحمني، ويغفر لي عما بدر مني.

كنتُ في صغري وشبابي المبكر مثيرة للمشاكل، ففي الصف الحادي عشر (قبل التخرج)، أذكر أنني قررتُ أن أحضر درس الثقافة الإسلامية، وأستمع لما تقوله البنات عن الدين المسيحي، حيث قلن: إن الإنجيل محرف، غضبتُ كثيراً، وشرحتُ لهم أن الإنجيل معجز!! وقد كُتب في أربعة كتب مختلفة، من أربعة أشخاص مختلفين، في نفس الوقت، ولكن في أماكن مختلفة: ( متى، مرقس، لوقا ويوحنا )!!

فقالت إحدى البنات: إذاً فإنك تقولين إن الجن كتبت هذه الكتب!

انزعجتُ كثيراً، وخرجتُ من الصف، ولم أكن أريد أن أتناقش مع البنات أكثر من ذلك.

بدأت البنات يتساءلن عني، وأردن معرفتي أكثر، لذلك أتين وبدأن يطرحن علي الأسئلة عن ديني، وحياتي، وكنتُ أجيبهن، وأريهن الكتاب المقدس ودلائله؛ لمحاولة إقناعهن بالمسيحية.

وفي يوم من الأيام، نادتني معلمة اللغة العربية، وقالت لي: إنه يجب علي التوقف عن الحديث مع البنات عن المسيحية؛ لأن القانون لا يسمح بذلك.

فقلت لها: أنا لا دخل لي في الموضوع!!

فقالت: لدي شريط مسجل بصوتك، وأنت تتحدثين مع البنات عن دينك.

هذا الأمر جعلني غاضبة جداً، وازداد كرهي للمسلمين ودينهم، فزادت خدمتي التبشيرية، وصارت لدي الرغبة أكثر بأن يتحول المسلمون كلهم إلى المسيحية، حتى أنني دعوتُ بعض صديقاتي المسلمات ليأتين إلى الكنيسة؛ لإقناعهن بالدين المسيحي.

بعد تخرجي من المدرسة، ذهبتُ إلى جامعة مؤتة عام 1999، التي لم أكمل فيها السنة الدراسية الأولى، حيث علمتُ بأن أوراق هجرتي إلى الولايات المتحدة أصبحت قريبة من متناول اليد .

وفعلاً هاجرتُ إلى ولاية تكساس، في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2002، محاولة بداية حياتي من الصفر، كنتُ أذهب إلى كنيسة دالاس المعمدانية العربية، وكان عمي قسيس هذه الكنيسة.

في الحقيقة لم أحب العيش هناك، فاتصل أهلي مع عائلة مسيحية في ولاية أريزونا لأذهب وأعيش عندهم، وأبدأ حياتي مرة أخرى.

لكني لم أجد من يدعمني مالياً، فطلبت مني عائلتي أن أرجع إلى تكساس، وأبقى مع أخي وأختي، وكنتُ أنا أكبرهم، أما بقية العائلة فرجعوا الى الأردن ؛ كي يكمل والداي خدمتهما التبشيرية في الشرق الأوسط.

وهكذا وجدتُ عملاً، وبدأتُ دراستي في الكلية، وأنا ما زلتُ أذهب إلى الكنيسة، أقوم بنشاطاتي المسيحية المعتادة، حتى أني كنتُ أبعث بعض البرامج والمناهج الجديدة للكنيسة في الأردن، وأساعد في تدريس الإنجيل للأطفال!!

في ديسيمبر عام2003 توفي والدي متأثراً بمرض السرطان، ولكن هذا لم يوقفني عن متابعة رسالتي في الحياة! في الحقيقة أقول: بأني أتيتُ إلى الولايات المتحدة لأبشر عن المسيحية، وأكمل خدمتي التبشيرية، وكان هدفي العمل على اعتناق العرب المسلمين للمسيحية، لأنني أعتقد أن أمريكا دولة حرة، فيها حرية الفكر، والتعبير، والاعتقاد.

وهكذا تقابلتُ مع مجموعة من الأصدقاء المسلمين غير الملتزمين بدينهم، وبدأنا التحدث عن الديانات المسيحية والإسلامية، فأنا أعرف التوراة والإنجيل حق المعرفة، كنتُ أناقشهم بحدة، وأحاول إقناعهم للارتداد عن الإسلام.

في أحد الأيام أحضر أصدقائي شاباً اسمه مصطفى بالحور – الذي أصبح زوجي فيما بعد– ليكمل النقاش معي. كان هذا الأمر بالنسبة لي كالسباق!! حقيقة كان لديه المعرفة الواسعة في القرآن والسنة، فكان هذا سبباً كافياً لكرهه وبغضه. وكنتُ معظم الوقت أحاول إضافة الوقود على النار؛ لتضخيم المسائل الدينية، وفي غالب الأحيان نصل إلى نهاية عقيمة مغلقة، فأنا عنيدة جداً، لدرجة أنني بدأتُ أحس بالإرهاق.

على كل حال، كانت أمي قادمة إلى الولايات المتحدة في أيلول 2005، واعتقدتُ أن هذه حجة مناسبة لتجنب النقاش معهم، والذهاب إلى حال سبيلي، لأنني كنتُ أشعر بالضيق.

كنتُ أعتقد أنها ستكون إهانة لي لو خسرتُ النقاش، لذلك قلتُ لأصدقائي: إن علي الذهاب.

لكن مصطفى ناداني، وقال: أريد دليلاً. فسألته عما يتحدث!!

قال: اذهبي، فتشي الإنجيل بكامله، لن تجدي آية واحدة تفصل أن المسيح قال عن نفسه: إنه هو الله، لم يقل أبداً: أنا الله!!

لقد وجدتُ هذه الفرصة المناسبة لدعوته للمسيح، الذي كنتُ أعتقد أنه المخلص الشفيع، وأنه ابن الله!!

فقلتُ ساخرة: ما الذي تقوله؟!! هناك آيات كثيرة تقول: إن المسيح هو الله!!

قال مصطفى: أعطني دليلاً واحداً!!

اعتذرتُ عن مواصلة النقاش، هرباً من الجواب الذي لم يكن حاضراً عندي.

ذهبتُ إلى البيت، وهذا السؤال عالق في عقلي يعذبني. . .

فتحتُ الإنجيل، وبدأتُ البحث، وبعدها ذهبتُ للإنترنت للبحث، ومن ثم إلى الكتب… لكنني لم أجد شيئاً يساعدني على الرد على هذا التحدي!!

لم يكن أمامي خيار إلا سؤال أمي، الخبيرة في الديانة النصرانية. . .

قالت لي: في الحقيقة لا يوجد هناك آية حقيقية تصرح أن المسيح قال عن نفسه إنه هو الله!!! ولكنه قال : من رآني فقد رأى الآب!

فأجبتُ: ولكن الآب والابن ليسوا متشابهين.

قالت: ولكنكِ تعلمين أن لهم نفس المستوى في القوة، وهما واحد في الثالوث الأقدس: “الآب، والابن، والروح القدس”!!

وجدتُ أن القضية الأولى فاشلة، ولا يوجد عليها أي دليل، فقلتُ: لنذهب إذن للقضية الثاينة، ألا وهي: أن المسيح هو الابن، ابن الله.

بدأتُ بالبحث أكثر، وجدتُ في إنجيل يوحنا (1:1): “في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله”!

حسنا ً، إذاً فالكلمة هي المسيح الذي خُلق منذ بدء الخليقة، وهو كان عند الله!!

ولكن في نفس الآية أو العدد، يقول: “وكان الكلمة الله”!!

فتعجبتُ أن الله = المسيح، وأن الله مع المسيح في نفس الوقت!!! كيف يكون هذا؟

هذه معادلة رياضية باطلة، كيف يمكن أن يكون المسيح هوالله، وهو معه في نفس الوقت؟

هل هو نوع من انفصام الشخصية ؟! هذا شيء غير واقعي، ولا يمكن أن يتخيله العقل . . .

لذا فقد تركتُ هذا النص، وتوجهتُ إلى نص آخر، إلى رسالة يوحنا الأولى، الإصحاح الخامس، عدد (7)، حيث يقول: ” فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة: الآب، والكلمة، والروح القدس، وهؤلاء الثلاثة هم واحد”!!

فرحتُ جداً؛ لأنني اعتقدت أنني وجدتُ الحل ؛ الآب=الابن=الروح القدس، وهم واحد.

ولكن العدد الذي بعده مباشرة (8)، يقول: “والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة: الروح، والماء، والدم، والثلاثة هم في الواحد”!!!

الروح=الروح القدس، الماء=الآب، والدم=الابن.

فكيف يمكن أن يكون الثلاثة=(هم) واحد، والثلاثة (في) واحد في نفس الوقت؟!!

هناك فرق بين المعنيين.

ثلاثة (هم) واحد معناها: أنهم الثلاثة في نفس المستوى في كل شيء، حتى في القوى، والمكونات.

مثال: الماء يتشكل إلى ثلاثة أشكال: السائل، والصلب والبخار، ولكنها لا تتأثر كيميائياً، فهي تحتوي على الهيدروجين والأكسجين.

أما الثلاثة في (واحد): فإنها تشبه ثلاثة إخوان لهم نفس اسم العائلة، ولكنهم ثلاث شخصيات مختلفة.

بالإضافة أنه إذا اعتقدت أن الله ثلاثة فعلاً، فلِمَ لدينا خليقة واحدة، وليس ثلاثة؟!!

فعلى سبيل المثال:  لوطلبنا من ثلاثة رسامين، أن يرسموا لنا شجرة معينة، فسيقوم كل واحد منهم برسمها بأسلوبه الخاص، تبعاً لطريقة تفكيره، وعبقريته، هذا أمر لا نقاش فيه.

ولذا . . . إذا كان الثلاثة في الواحد يخلقون الخليقة، فإن كل واحد منهم سوف يخلقها بطريقة مختلفة عن الآخر، ولو كان لهم نفس الهدف، ولكن العمل الفني سيكتسب الأسلوب الخاص بكل واحد منهم .

وهنا بدأتُ أرى التناقضات في الكتاب المقدس، وأتساءل كيف حصلت؟

أنا أعلم أن المسيح وصف نفسه بأنه ابن الله!! ولما كنتُ أعلم أن جميع اليهود يطلقون على أنفسهم أولاد الله، وهم بشر مثلنا، وكان هذا التعبير دارجاً في زمن المسيح، فما المانع أن يكون المسيح قد قاله، وفهمه الناس بعد عصره بطريقة خاطئة ؟!

كذلك: المسيح كان يجلس لوحده ويصلي!!!!

فلمن كان يصلي؟

هل كان يصلي لنفسه ؟

الكتاب المقدس يثبت ذلك: ” في ذلك الوقت أجاب يسوع، وقال : أحمدك أيها الآب، رب السماء والأرض، لأنك أخفيت هذه عن الحكماء”!!.(متى 11:25). ثم تقدم قليلاً، وخرّ على وجهه، وكان يصلّي، قائلاً: يا أبتاه؛ إن أمكن فلتعبر عني هذه الكاس، ولكن ليس كما أريد أنا، بل كما تريد أنت”!!. (متى 26:39 ).

“وقضى الليل كله في الصلاة لله”!!. (لوقا 6:12). وغير ذلك من الأمثلة كثير .

بالإضافة إلى أنه لمع في ذاكري أمر آخر، هو: أنه عندما كنتُ أدرس (اللاهوت)، العقيدة المسيحية، جاء أحد الدكاترة البريطانيين الكبار، وكان يدرسنا عن تاريخ الكتاب المقدس، وأذكر أنه قال حرفياً: ” لقد ذهبتُ إلى المعرض في بريطانيا؛ لأرى نصوص الإنجيل الأصلية المكتشفة، ولم أجد غير أوراق محروقة، وممزقة وضائعة”!!!

نظرتُ إلى الكتاب بين يديّ، وسألتُ نفسي: ما هذا الكتاب؟ ومن أين جاءت كل هذه الكلمات في الكتاب إذن؟!

وتساءلتُ : إذا كنتُ أعبد إلهاً كاملاً، ليس فيه عيب واحد، فكيف يمكنني الإيمان بكتاب غير كامل أو غير محفوظ؟ هذا ليس صحيحاً.

بدأتُ التفكير والتأمل، فلو أننا أخذنا كل الكتب السماوية التي على الأرض، وألقيناها بعيداً، ثم سألنا الناس ليحضروا كتاباً آخر مطابقاً للكتب الأولى، فلن نجد مسيحياً واحداً يحضر لنا إنجيلاً مطابقاً لها، بينما سأجد على الأقل مليون مسلم حافظ للقرآن عن ظهر قلب!!

لأن المسيحيين لديهم نسخ كثيرة مختلفة عن بعضها البعض، وما زالوا يكتشفون نصوصاً إنجيلية جديدة إلى الآن، أليس هذا عجيبا ً؟!

وبعد ذلك بدأتُ أدرس لاهوت صلب المسيح، فهل مات المسيح حقاً؟

وبدأتُ بالتفكير بهذا الإنجيل الذي بين أيدينا، هل هو حقيقي؟

الأشخاص الذين كتبوا الأناجيل هم يهود تبعوا المسيح، وراقبوه، وكتبوا سيرة حياته .. لقد رأوه يموت على الصليب .. ولكن هل من الضروري أنهم رأوا نفس شخص المسيح هو الذي يصلب؟؟

في القرآن الكريم يقول الله عز وجل: “وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158)”.

فإذاً الناس الذين رأوا المسيح يقتل، رأوا شخصاً مشابهاً له.

فإذاً ما هذا الذي بين أيدينا ؟؟

لقد حصلتُ على النتيجة المرة بالنسبة لي في ذلك الوقت، وهي: المسيح ليس هو الله، ولا حتى ابن الله …!! خفتُ كثيراً، وقلقتُ لدرجة لا تصدق.

كل هذه السنوات؟!!

24 سنة من حياتي، وأنا أدرس نظريات غير معتمدة من الإنجيل والتوراة!!

24 سنة من حياتي أعبد الله بطريقة خاطئة!!

24 سنة من حياتي ذهبت سدى!! . . . حقًّا. . . إنها كذبة محققة.

أردتُ الانتحار!! شعرتُ أن الأرض تهتز من تحت قدمي، وأصابني الرعب.

أردتُ أن أرجع إلى بداية المطاف، وأبحث من جديد لأثبت العكس، ولكني صمتُّ قليلاً، لا أعرف ما الذي سيحدث بعدها .. شعرتُ أنني أدمر حياتي.

صرتُ أفكر . . . أنا أؤمن الآن أن المسيح إنسان، نبي مرسل من الله سبحانه وتعالى، وأنا أؤمن بجميع الأنبياء الذين قبله . . .،

ولكن كانت لدي مشكلة مع النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم!!!

في الحقيقة لم أتعلم شيئاً عن حياته، وكل ما أعلمه هي معرفة بسيطة عن طريق المسيحية، الذين زرعوا في داخلي هذه الأفكار عنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ولكن تساءلتُ: كيف يعظمه المسلمون طوال الوقت ؟؟

قلتُ: كيف يمكن أن تكون هذه مشكلة، والقرآن الكريم أتى من عند الله من خلال النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؟

إنه حقاً لرجل متميز . . . أعظم الخلق صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

إذاً فهي ليست مشكلة أبداً أن أؤمن بنبي آخر، وهو خاتم الأنبياء صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وهو على أية حال صاحب رسالة سماوية، كالمسيح تماماً، إذن أنا لم أبتعد كثيراً، فالمسأله لا تعدو كونها إعادة ضبط لعقيدتي وفق توجه صحيح.

بالاضافة أنني أعلم أن هناك إنجيلاً خامساً، غير قانوني أو شرعي لدى المسيحية، اسمه (برنابا)، فيه آية يقول فيها المسيح: (سيأتي بعدي نبي اسمه أحمد)!!

ويحدثنا أيضاً أن المسيح عليه السلام لم يمت على الصليب، وإنما شبّه به، وارتفع عندما حاول الجند الإمساك به!!

تركتُ غرفتي بعد تأمل طويل، وتفكير عميق في البحث، واتصلتُ مع أصدقائي المسلمين الذين لم أرهم منذ شهرين على الأقل.

ذهبتُ لرؤيتهم . . . كنتُ أصلي لله وأبكي: “إذا كان هذا هو الطريق الصحيح، فغيِّر حياتي، وإذا لم تكن، فاجعلني أموت في حادث سيارة، قبل أن أصل إليهم، واجعلني أدخل الجنة .. فكل ما أريده هو الحق، ومرضاتك يارب، وكل ما أبغيه هو الجنة”!!

وصلتُ إلى أصدقائي، ودموعي تذرف من عيني، فاعتقدوا أن مكروهاً قد حدث لي، وكان من بينهم زوجي الحالي مصطفى، وكان الجميع ينتظر مني أن أتكلم ليعلموا حقيقة أمري، قلتُ وبدون مقدمات:

أشهد أن لا إله إلاّ الله .. وأشهد أن محمداً رسول الله

عم الصمت المكان لعدة دقائق، والجميع يرمقني بدهشة، ثم قال مصطفى ساخراً: أسكتي .. ولا تكذبي.

أذكر أن ذلك كان يوم الثالث من أكتوبر عام 2005.

قلتُ له: أنا لا أكذب، وبدأتُ بالبكاء والشهيق.

قال لي مستغرباً: لقد قلتِ في المرة الأخيرة في نقاشنا إنه لو قلتِ الشهادتين وأنت لا تؤمنين بها، فهذا لا يعني أنك أصبحت مسلمة! فكفى كذباً.

قلتُ له: أنا لا أكذب، غداً سيكون أول يوم في رمضان، والآن ستعلمني كيف أتوضأ، وكيف أصلي، وكل شيء عن ديني الجديد!!

عندما سمعني أقول ذلك، ورأى الإصرار في عيني، أجهش بالبكاء من شدة فرحته، وانفعاله الشديدين، ورحّب بي في الإسلام ترحيباً حاراً.

وفعلاً تعلمتُ الصلاة، والكثير من أمور الإسلام في ليلة واحدة، واشتريتُ حجاباً، وبدأتُ أمارس عبادتي على أساس من عقيدتي الجديدة.

ولكني أخفيتُ إسلامي عن العائلة لمدة أسبوعين.

في ذلك الوقت، ذهبتُ الى الإمام، وأعلنتُ إسلامي، وبدأتُ أتعلم القرآن، وأقارن بين الإنجيل، والقرآن الكريم، وكان من الصعوبة علي في البداية التخلص من الرجوع إلى الإنجيل، ولكني بحمد الله تغلبتُ على هذه العادة، وبدأتُ أتعلم القرآن العظيم، وسيرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وكما قلتُ سابقاً فقد أخفيتُ إسلامي عن العائلة في البداية، وكنتُ أصلي الساعة الثانية أو الثالثة بعد منتصف الليل؛ حتى لا يراني أحد، أو يشكّ في أمري.

وفي يوم من الأيام كنتُ ذاهبة من البيت إلى الكلية، وكان معي حقيبتي التي تحتوي على القرآن والحجاب، وفجأة؛ وقع الحجاب على الأرض، فرأته أختي. . .

فقالت: ما هذا؟

قلتُ: لا شيء، هذه قطعة قماش أضعها على رأسي لتحميني من حرارة الشمس!!

لكن الأمر لم يدم طويلاً، حتى جاء الليل، فاستيقظت لتراني أصلي، فعلمت العائلة بإسلامي، وبدأ الابتلاء.

رفعوا صوتهم علي وصاحوا، واعتدوا علي نفسياً وعاطفياً، نعتوني بجميع الكلمات القذرة، وغير الملائمة.

ضربوني حتى أشرفت على الموت، وهددوني بالقتل، ومع ذلك فقد كنتُ هادئة، ولم أحاول مناقشتهم في شيء، لكني تركتُ البيت داعية الله أن يهديهم.

جلستُ مع صديقتي المسلمة لمدة شهرين قبل أن أتزوج بمصطفى . . .

الحمدلله . . . لقد فقدتُ عائلتي، ولكني كسبتُ عائلة مسلمة أخرى.

عشتُ بعد ذلك الكثير من الضغوط النفسية؛ بسبب الاعتداءات التي حصلت معي، وكنتُ أستلم يومياً على الأقل 25 مكالمة، ورسالة ، من كل أنحاء العالم، يشتمونني، ويهددونني، وما إلى ذلك .

كذلك، قام عدد كبير من العلماء والدكاترة المسيحيين، من الأردن والولايات المتحدة بالاتصال علي، لمناقشتي، ومحاولتهم لإعادتي لدينهم.

سبحان الله . . . لقد اعتدتُ أن يكون معي الإنجيل دائماً في الحوارات الدينية، وكان الاتجاه المعاكس هو القرآن، والآن فقد انقلبت الصورة، وأصبح القرآن معي دائماً وأبداً.

لقد تعلمتُ دروساً مهمة في وقت قصير، تعلمتُ أن أكون صبورة، ومتواضعة، تأملتُ قصة الرسول محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وكيف أهين من أهله وضرب، وهذه قصتي لا تساوي شيئاً بالنسبة له صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، حقاً لقد تعلمتُ الكثير.

ولربما فقدتُ شرف اسم عائلتي في أعين الناس، ولكني فخورة أني اكتسبتُ أعظم شرف من الله سبحانه وتعالى، ألا وهو الإسلام.

إنك-أيها القارئ- لا تستطيع أن تتخيل السعادة والسلام اللذين يغمراني منذ أن أسلمتُ، بالرغم من كل ماتعرضتُ له من الإهانات .

وفي الحقيقة أني تغيرتُ كثيراً كما كنتُ عليه في السابق، حتى أن زوجي لاحظ هذا التغير الكبير، فقد تعلمتُ كيف أكون هادئة مع الناس الذين يعتدون علي، وتعلمتُ كيف أبتسم لهم رغم وجودي في أصعب الأوقات، ورغم فقداني وظيفتي لكوني مسلمة محجبة، ولكن الله عز وجل عوضني عما خسرت بأضعاف وبغير احتساب . . . فالحمدلله.

كل ما أعرفه الآن، هو أن هدفي في الحياة عبادة الله، وإرضاؤه، وصلاتي له، واتباع سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، والعمل من أجل الجنة.

هذه باختصار شديد حكايتي مع الإسلام.

قلتُ: قبل أن ننتقل إلى الجانب الآخر من القصة، أريدك أن تحدثي القارئ عن قصة فوزك بجائزة ملكة جمال الأخلاق، التي كانت قد أعلنت عنها-مشكورة- قناة اقرأ الفضائية، وكان لك شرف الفوز بالمركز الأول في بر الوالدين.

نريد أن نسلط الضوء على هذا الجانب المشرق من حياتك.

فقالت: بلا شك أن علاقتي بأهلي بدأت بالانحدار تدريجياً بعد علمهم بإسلامي، وكما ذكرتُ فقد تعرضتُ لألوان من الأذى النفسي والمعنوي والجسدي . . .

وصل الأمر إلى قطيعتي تماماً، فلم تكن والدتي ترد على اتصالاتي المتكررة، واستغاثاتي المتواصلة . . .

مكثتُ على ذلك قرابة السنة والنصف!! ماذا أفعل؟ لا حيلة أمامي إلا الصبر، وعدم اليأس.

في سنة 2006، قدر الله تعالى أن يتصادف عيد الأضحى المبارك، مع العيد المجيد عند النصارى، أو ما يعرف بـ(الكريسماس)، فقلتُ في نفسي: هذه فرصة لمد الجسور مع والدتي، ومحاولة إعادة المياه إلى مجاريها . . .

فعلاً، ، ، قمتُ بشراء مجموعة من الهدايا الفاخرة، وتوجهتُ إلى بيت والدتي . . .

في البداية رفضت والدتي ذلك، وكانت مترددة في استقبالي، والجلوس معي، لكنني تقدمتُ إليها، وعانقتها بحرارة، وطلبتُ السماح منها، فقبلت ورضيت . . .

ومن ذلك الوقت وأنا أعامل والدتي، وإخوتي معاملة طيبة، أُظهر لهم فيها أخلاق الإسلام الحقيقية، وأنه يدعو إلى البر بالوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الآخرين، حتى لو كانوا على غير دينك وعقيدتك . . .

لم أكن أناقشهم كثيراً في النصرانية، لعلمي أن والدتي متشددة جدًّا في ذلك، ولكن كنتُ أتحيَّن الفرصة من وقت لآخر للحديث عن بعض القضايا العقائدية، ولم أكن هجومية في طرحي، بل كنتُ أحاول توصيل المعلومة بطريقة لبقة، وأسلوب مهذب . . .

هذا الذي أملكه كأسباب مادية، وأما الأسباب المعنوية فكانت تتمثل في الدعاء لهم بالهداية، والتوفيق، وأن يفتح الله على قلوبهم، ويزيل الغشاوة عن أبصارهم.

قلتُ: أحسنتِ صنعاً بذلك، وأنت فعلاً تستحقين لقب أميرة الأخلاق في بر الوالدين . . .

وكم نتمنى من إخواننا وأخواتنا أن يتفهموا هذا الموضوع بهذه العفوية، والإيجابية، وأن يتمثلوا الإسلام الحقيقي في علاقاتهم، وأخلاقهم، ومعاملاتهم، مع الأقربين، وغيرهم.

والآن جاء دور الحديث عن المرحلة المظلمة في حياة الأخت (ربا)، تلك الفترة البائسة القاتمة، بظلالها الكئيبة، وفصولها المأساوية . . . فترة تمنت أنها لم تعشها أبداً، ولم تحيَها لحظة واحدة، لأنها نقلتها من النور، والهداية، والسعادة، وراحة القلب، وانشراح الصدر، إلى الظلام، والضلال، والشقاء، والشك، وضيق الصدر، وموت القلب . . .

حقًّا . . .إنها نقلة لا تحسد عليها أبداً، خاصة إذا علمنا أنها مكثت بعد إسلامها سبع سنوات متتابعات!! وليس يوماً، أو يومين، أو شهراً، أو شهرين . . .

لكن هذا قدر الله تعالى أن يكون ، ولا بدّ . . .

ولعل الله تعالى أراد بها خيراً في ذلك، لتعرف قيمة هذا الدين الذي تركته، وتخلّت عنه، ولتشعر بمرارة البعد عنه، والعودة إلى عالم الحيرة، والتخبط، والاضطراب . . .

امتنعت (ربا) عن الظهور الإعلامي بعد عودتها مرة أخرى للإسلام، وآلت على نفسها ألا تتحدث لأحد عن تلك الفترة، لأسباب كثيرة عندها . . .

ولكن لثقتها الكبيرة بنا-ونحن نثمِّن لها ذلك- وافقت على إجراء لقاء معي مرة أخرى، وكما أعطيتها المجال في المرة الأولى لتفرغ ما في جعبتها عن فترة إسلامها الأولى، سيكون لها الحظ وافراً مرة ثانية، لتفيض علينا تفاصيل تلك المأساة، ومشاهد هيتك المعاناة  . . .

مع الإشارة-وهذا أمر في غاية الأهمية- إلى أن ما ورد على لسانها، ليس بالضرورة أن يكون هو الواقع فعلاً، وإنما هذا الذي ظنّته وتوهّمته، ونحن نسوقه من باب الأمانة العلمية لاغير.

 

تقول ربا:

بداية أسأل الله عز وجل أن يغفر لي، ويتوب علي، ويثبتني على دينه، اللهم آمين.

كانت هناك عدة أسباب لتركي هذا الدين العظيم، وما كان هذا إلا جهل، وتقصير، وغباء مني، ومن هذه الأسباب:

أولاً: التركيز على الذات، بدلاً من التركيز على العىقة بالله عز وجل!!

فكما قال الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم: “ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع رب العالمين، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه”، فأقول: قدّر الله وما شاء فعل، ومهما فعلتُ فلن أفي شكري لله عز وجل؛ لإعادتي إلى أعظم نعمة، وهي نعمة الإسلام، دين الحق والسلام. أسأل الله عز وجل أن يثبتنا على دينه.

لقد حدِتُ عن الطريق بالتركيز على ذاتي، فبدلاً من أن أحمد الله على نعمته علي، وعلى هدايته لي للإسلام، مررتُ بظروف صعبة جداً، أدّت بي إلى النظر إلى العالم بسلبية شديدة!!

كانت بداية انحداري الشديد في حياتي: الطلاق من زوجي السابق (الذي كان يمثل نصف ديني)، بعد اختلافات كثيرة أدّت إلى البعد بيننا عام 2009م، وكنتُ بعد طلاقي أطمع بأن أجذب أهلي إلى الإسلام، فذهبتُ وعشتُ في بيتهم لمدة قصيرة قبل سفري إلى الأردن، بالرغم أن معنوياتي النفسية كانت في الحضيض في ذلك الوقت، ولم أكن خرجتُ من الصدمة بعد، كنتُ أحاول أن أطبق الإسلام أمامهم بالطريقة الصحيحة، ومحاولة التقرب منهم، بعد اختلافات ومشاكل كبيرة، استمرت بيننا لثلاثة أعوام على الأقل.

طُردتُ من البيت بعد فترة وجيزة، فبدأ اليأس يتخلل نفسي! قررتُ الهجرة إلى البلاد الإسلامية، وترك الولايات المتحدة!! في تلك الفترة، كنتُ أحاول النجاة بنفسي من الفتور الروحي، فبدلاً من التوجه إلى الله عز وجل، وسؤاله المعونة، والنصرة، اشتغلتُ بالأفكار السلبية، وصرتُ ألتقط ما هو خاطيء، وأقعد أتصيد على الناس أخطاءهم!!

نعم . . . أعترف أني مخطئة . . .، وهذا النوع من التشدد جعلني أخرج من الدين من الباب الخلفي، دون أن أدري.

ويدخل في هذه النقطة كذلك: الاستغلال الإعلامي: أذكر أني دُعيتُ إلى أحد المساجد كي ألقي محاضرة، وكانت محاضرتي عنوانها “تبشيرات التوراة والإنجيل عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم”، وعندما بدأتُ المحاضرة، قامت إحداهن وطلبت مني أن أتحدث عن قصة إسلامي، فقلتُ لها: إن بإمكانها أن تقرأها من موقعي الخاص، ثم قامت أخرى وطلبت مني نفس الأمر، وبعدها اعترضت مجموعة من النساء على المحاضرة، وأردنَ أن يسمعنَ قصة حياتي!! استغربتُ فعلاً من هذا الأمر، فبدلاً من الاستفادة من الدراسات والخبرات التي لدي، أرى الكثير من الناس اهتم بحياتي الخاصة، ومتابعتها بشكل مكثف، وكأنه لا شغل لديهم إلا قصتي!!

وهذا انطبق على معظم الوسائل الإعلامية التي أرادت السبق الإعلامي عن حياتي الخاصة، ولم يهمهم الرسالة التي أقدمها، والتي كانت نيتي فيها لوجه الله تعالى، وإنما أرادوا التركيز على شخصي، وهذا أوقعني بفتنة كبيرة، فتنة الشهرة وحب الظهور، ووجدتُ أن أصعب شيء يمكن للإنسان تطبيقه في العبادة هو الإخلاص في القول والعمل، ولا يستطيع أن يفعل الإنسان هذا العمل الجبار إلا بمعونةٍ من رب العباد.

ثانياً: الصدمة الثقافية:

عند انتقالي من الولايات المتحدة إلى الأردن، في يونيو 2009م، حدث أن دخلتُ السجن في الأيام الثلاثة الأولى من وجودي في الأردن، لإجراءات أمنية، وهذا أعطاني انطباعاً سيئاً، إلى حد ما عن المجتمع، وكيفية التعامل مع بعضهم البعض.

كنتُ أحلم أنني سأنزل إلى بلد الصحابة رضي الله عنهم، وفي نيتي طلب العلم، ووضعتُ آمالي على بعض المشايخ لمعاونتي على ما اتُهمتُ به، ولكنهم للأسف لم يستطيعوا المواجهة، وتُركتُ امرأة وحيدة، معرَّضة لرياح الفتن والابتلاءات.

دخلتُ في صراع مع نفسي، وضغط شديد، وأُصبتُ بحالة من خيبة الأمل والاكتئاب . . هذا ما كنتُ أعاني منه في الأردن كامرأة وحيدة، فشلت في زواجها، وكان هناك الكثير من الضغوطات من المسلمين عليها، بعد اتهامي بالجاسوسية!!! وتكفيري بسبب خروج امرأة على الهواء مباشرة، واتهمتني بأنني أخبر أهالي المسلمين الجدد الذين يخفون إسلامهم لأهلهم، دون وجود أي دليل على ذلك .. وما كان هذا إلا افتراء-ويعلم الله ذلك-.

ومع وجود بعض الناس الذين أخذوا بيدي، وساندوني، وعضدوني، إلا أنهم لم يفهموا شخصيتي، واعتبروا أنفسهم كأصدقاء لشخصية مشهورة لا أكثر.

ودون الخوض بتفاصيل الأحداث في الأردن، أُصبتُ بالإحباط، والقنوط، واليأس، ومرة أخرى لم أتوجه بشكل كامل لله تعالى، فبدأتُ أبحث عن سعادتي في مكان آخر في الدنيا، ولمتُ المسلمين بل والإسلام على ما كنتُ فيه من اكتئاب!!!

 

ثالثاً: القيل، والقال، وأمراض المجتمع:

لربما من أكثر الأمور السلبية التي أثرت بي، هو أنني عندما أثق بأخت ما، وأبوح لها بسري، ومشاعري، وما أفكر به، ولكن ما إن أدير ظهري، حتى تنتقل هذه الكلمات بطريقة أخرى مشوهة، أو أنها تُفهم بطريقة أخرى!! وبالرغم من أن هؤلاء الأشخاص لديهم نية طيبة، تحاول الإصلاح، ولكن القيل والقال أفسد الكثير من مشاريعي الدعوية، وحطم الكثير من ثقتي بالناس، فلم يعد باستطاعتي الثقة بأحد، ليعينني على ما كنتُ أود فعله في الأردن.

ولكن ما حصل كان ابتلاءاً كبيراً، بدأتُ أدعو الله بدموع مريرة، وأنا أسأله: لماذا يارب؟ ماذا فعلتُ لأستحق هذا؟ هل هذا ردٌّ لي لأنني نويتُ فعلاً أن آتي إلى الأردن؛ كي أطلب العلم، وأكمل دراستي الشرعية؟!!

وبكل تأكيد، كانت تذمراتي هذه خاطئة، ومعصية لله تعالى، وأسأل الله أن يغفر لي، ويتوب علي، ولكن أمراض المجتمع دمرت الكثير من إيمانياتي، وبدأت تنقلب لدي المفاهيم، والأفكار الإسلامية الصحيحة، التي بُنيت في أول إسلامي.

وأنا لا أقول هنا: إن الأردن بلد سيء، بل على العكس، هناك الكثير من الناس الطيبين والملتزمين، والعلماء أيضاً الذين استفدتُ منهم كثيراً، ولكن لربما أنني كنتُ في المكان الخطأ، واحتككتُ مع الأفراد الخطأ، فأخذوا أكثر انتباهي، وبدأتُ أبتعد بذلك عن الله عز وجل. شعرتُ بالخجل كشخصية معروفة أن أشتكي لأحد، أو أطلب المعونة والمساعدة من أي إنسان، فلم أكن أثق بأحد، وفي الوقت نفسه كانت لدي مخاوف أنهم لن يفهموني، أو يشعروا بي.

رابعاً: اعتزالي المسلمين:

عندما أُنهِكتُ من هذه المشاكل والابتلاءات جميعاً، قررتُ أخذ قسط من الراحة، والبعد عن المسلمين!! كانت هذه أكبر غلطة فعلتها في حياتي.

بدأتُ أشعر أنني حرة، ويمكنني فعل ما أريد دون أن يحاسبني أحد، وبالرغم أنني-بحمد الله وفضله- لم أقع وقتها في الأعمال المحرمة كامرأة وحيدة، إلا أن أفكاري وأيديولوجياتي بدأت تتغير وتتحرر، خاصة عندما بدأتُ أحتك بغير المسلمين؛ محاولةً في ذلك دعوتهم إلى الإسلام، إلا أن نفسيتي كانت محطمة، وروحانياتي في الحضيض، فكيف لي أن أدعوهم وأنا لم أشحن نفسي؟!! ففاقد الشيء لا يعطيه.

وبذلك بدأتُ بالاندراج والانزياح والانزلاق لهم دون أن أشعر، لربما أنه كان الملل القاتل الذي كنتُ أشعر به، أو شعوري الخادع باهتمامهم بي، حتى أخيراً فقدتُ إيمانياتي.

خامساً: غسيل الدماغ، والعنف الفكري:

وهنا القصة طويلة جداً، ومن الصعب الخوض بالأحداث بشكل تفصيلي، لكني أكتفي ببعض الإشارات:

  • الشبهات: فزياراتي الطويلة لغير المسلمين، والتحدث معهم، كانت بمثابة غسيل دماغ بحد ذاتها، فقد كنتُ أقضي فوق الأربع ساعات يومياً عندهم بكامل إرادتي!! أتحدث معهم عن الدين، ولربما كنتُ أنبش في الأعماق عن الشبهات التي كانت تراودني . . . وهذه الشكوك أفقدت إيماني . . . وأخيراً بعد عدة أيام قررتُ ترك الإسلام!! بعدما لم أكن أستطيع الصلاة، فعندما كنت أقف للصلاة، كانت أفكاري تدخل في دوامات، وكنت أخطيء كثيراً، وأنسى بعض الآيات والكلمات . . . وفي الوقت نفسه، كنتُ أشعر أن حب القراءة والدراسة، الذي كان لديَّ، عن الإسلام، قد تغير، وأصبحتُ أحب القراءة والاطلاع في كل شيء إلا كتب الإسلام!!

وهكذا-شيئاً فشيئاً- تركتُ الصلاة، فسألوني عن السبب -وابتسامة صفراء على محياهم- فأجبتهم: لم أعد أؤمن بما كنت أؤمن به!!!

كانت حرباً شعواء بيني وبين الشبهات، كنتُ أردُّ على معظمها، ولكن المهاجمين لم يكن لديهم رحمة، ولم تكن أسئلتهم، وتهكماتهم، وسبهم على نبي الله صلى الله عليه وسلم، من دافع المعرفة، والبحث عن الحقيقة، أو من دافع محاولة نجدتي، بل من دافع تدمير معتقداتي، وقتل فطرة التوحيد التي في داخلي! فباحثة مثلي تُدعى من قِبل الناس للإجابة على الشبهات، ما هي إلا سمكة كبيرة بالنسبة إليهم، وقعت في شباكهم . . . على كل حال، في ذلك الوقت كنت ضعيفة الإيمان، غاضبة من المجتمع، أشعر باكتئاب شديد، وكنت مستعدة لأن أفعل أي شيء، حتى أخرج من السجن الذي شعرتُ به . . . سجن دون قضبان حديدية، كان يسيطر على عقلي.

  • اللعب على العواطف النفسية: أخيراً بعدما اعترفتُ أنني لا أدين بالدين الإسلامي، وأردتُ أن أعود إلى ما كنتُ عليه قبل الإسلام، عندها أقنعوني أنه يجب علي مغادرة البلد-أعني الأردن-، والعودة إلى الولايات المتحدة، بحجة أنه إن اكتُشف أمري فقد أُقتل من قِبَل المسلمين، تطبيقاً لحد الردة في الإسلام.

وفعلاً . . . حُجزت!! تذكرة الطائرة رغماً عن أنفي، في يوليو 2010م.

وعندما وصلتُ أمريكا، حصلت معي حوادث كثيرة متسارعة، لا أستطيع التحدث فيها، وأعلنتُ ارتدادي لأول مرة على برنامج البالتوك، بعد شهر تقريباً من عودتي للولايات المتحدة، فبدأت القنوات الفضائية المسيحية الاتصال علي؛ لاقتناص السبق الإعلامي، والضغط علي، للإعلان بترك الإسلام.

وأخيراً بعد فترة من الجدالات والحوارات، أُقنعتُ كي أظهر على قناة الحياة المسيحية، بالحجاب!! حتى لا يدّعي المسلمون أن الفيديو مفبرك، وكي لا يقولوا إن التي ظهرت في البرنامج ليست رُبى!!!

في اليوم التالي ذهبتُ إلى الأستوديو، وجلستُ مع وحيد مقدم البرنامج، وشعرتُ بشيء مريب، لكن لم أستطع أن أتراجع. كانت أمي جالسة من وراء الزجاج، مع رجلين أمريكيين -منصّرين-، وكنتُ ألبس الحجاب!!

بدأ التصوير، وهو يسألني وأنا أجيب، وبعد عدة دقائق، انقطع التصوير، وطُلب مني أن أخلع الحجاب أمام الكاميرا!!! ترددتُ في باديء الأمر، ولكني أُقنعتُ أنه لا بد أن أفعل ذلك؛ حتى أكسب مصداقية الجمهور!!

وبالرغم أنني أحسستُ نفسي في دوامة، ولكني من داخلي أردتُ فعلاً أن أكسب ثقة الآخرين، لعلمي أنني بإعلاني الخروج من الإسلام، سأخسر الكثير، وفي الوقت نفسه كنت مقتنعة أنني على حق، وأنني أفعل ذلك من أجل إعلاني للحقيقة!!

خلعتُ الحجاب . . .!!! وأحسستُ نفسي مخدرة، فقد اصطنعتُ لنفسي جداراً نفسياً حتى لا أتأثر بالموقف.

وبعد عدة دقائق، جاء مسؤول القناة، وقال: إن أمي ستظهر في البرنامج، وقال: إنها ستكون مفاجأة لي على أنهم هم من جمعوا شملي بها!! علماً أنني كنتُ أعيش معها لمدة شهر قبل السفر معها في نفس الطائرة لشيكاغو!! ولكن هذا الذي حصل، عانقتها أمام الكاميرا، لعلها تغفر لي!!

بعدها حصلت أحداث أخرى أكثر ابتلاءً واشمئزازاً، لا يمكنني الحديث عنها علناً، فقد انتقلتُ من بيت أهلي إلى مكان آخر، كان أشبه بمعالجة نفسية، وغسيل مخ شامل.

كل ما أستطيع قوله بالنسبة لغسيل الدماغ، والعذاب الذي تعذبته، أنه كان باستخدام أي طريقة للتحكم في فكري واتجاهاتي، دون أدنى رغبة، أو إرادة مني، تحت مسميات الإصلاح الفكري، عن طريق إعادة التعليم، قبل أن آخذ مكانتي في المجتمع.

نعم . . . لقد اعتنقتُ المسيحية، نتيجة وقوعي تحت هذا النوع من التأثير، فقد كان يتم التحكم في البيئة الاجتماعية والبدنية لي؛ لتدمير أي فكر معاد للمسيحية، ووجدتُ أن الاتجاه سياسي، أكثر مما هو ديني، أما الطرق الفنية التي استُخدمت ضدي، فكانت حجبي بعيدًا عن البيئة الحرة!! حتى لا أستطيع معرفة أي معلومات عما يحدث حولي، والتعرض لضغوط نفسية، والتصفيد في أغلال فكرية، كعقاب على عدم التعاون، وخلق مناخ يُظهِر لي أن الحرية تعتمد فقط على الاتجاه نحو التغيير تجاه الأفكار التي يفرضها هؤلاء.

كذلك لا أنسى الضغوط النفسية والاجتماعية، مثل: التعرض لفترات طويلة من الاستجوابات، واستخدام الإهانة والسب؛ لإضعاف المقاومة، وحضور اجتماعات دراسية يومية لدراسة الفكر المسيحي، والدخول إلى ذاكرة عقلي لمسحها، واستبدالها بأفكار أخرى!!!

كان أسلوبهم الضغط عليك حتى نقطة الموت، ثم إنقاذك، ثم معاودة الضغط عليك حتى ترى باب الموت، وعندما تكون على وشك دخوله، فإنهم يشدُّونك بعيداً، ولكن بعد أن يكرروا ذلك الأسلوب عدة مرات؛ لتشعر بالعرفان لهم في إنقاذهم حياتك، وتنسى أنهم كانوا على وشك أن يقتلوك، وكل ما تحسه أنهم هم الذين أنقذوك، وتكون عندها مستعداً أن تفعل كل شئ يريدونه.

وبتحليل ما حدث معي في تلك الفترة، فقد مررتُ بعدة مراحل، كانت المرحلة الأولى هدفها أن أصبح في وضع أشك به في قيم أحملها من الماضي، لدرجة أميل معها إلى تغييرها، أو إلى اعتناق قيم بديلة لها. وهذه المرحلة انتهت بالاعتراف بالذنوب التي كنت أقترفها سابقاً!!

ثم مرحلة إعادة التجميد، التي تتبلور في قبولي آراء المؤثرين، فبدأتُ بقبول ما يعرضون لي، لأنهم يستغلون نفعية الشخص للمجتمع الجديد، والعقيدة الجديدة بالنسبة له، فيسهل ترك الماضي الخاص به مهما كان.

ومن أساليب غسيل الدماغ التي استخدمت معي: الوهن، والاعتماد على الآخرين، والخوف، والتقمص، وهذه مظاهر نفسية، تُستغل كعامل من عوامل الضغط والتغيير المرغوب، أو أسلوب الشعارات القريبة للعاطفة، ومنطقة اللاشعور، ثم تكرار الإشاعة، وهي غالباً ما تغذي الإحباط، بلباس الخداع اللفظي!! ويزداد خطرها عندما لا يعرف الشخص أنها خطأ، وأنها إشاعة؛ لأنها تمتد امتداداً أفقياً في المجتمع، أو الأفراد الذين يشعرون بالهزيمة، والإحباط، والضغوطات، والوهن.

ومن أساليب غسيل الدماغ أيضاً : معرفة مانحب، وما نكره، ومن ثم معرفة نقطة الضعف لدى الشخص؛ لتبدأ معه التجربة نحو غسيل الدماغ!!

ومن الأساليب النفسية التي تصاحب غسيل الدماغ: ما يعرف بنظرية التأثير النائم، وملخصها: أن للإنسان مخزوناً في ذاكراته، يبقى نائماً في داخله، إلى أن يوقظه مصدر، أو حدث مشابه لذلك المخزون. وبما أنني تربيتُ في بيت مسيحي متشدد، فلا عجب أن لدي مخزوناً كبيراً نائماً، تم إيقاظه، وإثارته، لفترة من الزمن، حتى أدى إلى دماري!!!

كل ما أستطيع قوله في النهاية: أنني تغلبتُ على كل هذا بمعونة من الله عز وجل، ولأن فطرتي أقوى من كل هذا. . .، وأسأل الله أن يثبتني على دينه، وأن يريني الحق، ويرزقني اتباعه.

قلتُ لها:

لا شك أنها قصة مأساوية، وحديث يدمي القلب قبل العين، لكنني رغم ذلك كله أرى أن كثيراً من هذه الأسباب ما هو إلا تخيلات وهمية، ووسوسات شيطانية، تمكنت منكِ لما صادفت فراغاً روحياً، وخواءً إيمانياً، واستعداداً للانحدار إلى الهاوية. . .

ولكن كما يقال: مَن يدُه في النار، ليس كمَن يدُه في الماء!!

وأنا لا أريد إشعاركِ بالذنب زيادة، وإنما هو من باب التعلم من الأخطاء، والانطلاق نحو الصواب.

دعينا نخرج من هذه البوتقة الخانقة، والنفق المظلم، فالنفس تكاد تخرج حزناً وكمداً على ما جرى، ولننطلق إلى فسحة الإيمان، وعبق التوحيد، وأريج الهداية . . .

حدثينا . . . وشنِّفي مسامعنا بقصة الإنابة، والتوبة، والرجوع إلى النور . . .

 

 

فقالت:

قبل الحديث عن قصة إسلامي، وعودتي إلى هذا الدين العظيم، أريد التنبيه على نقطة مهمة، وهي:

اتهامي من قِبل الكثير من المسلمين أنني لم أكُن على الإسلام أصلاً، بل كانت لعبة مع الكنيسة؛ للتجسس على المسلمين من جهة، وللتأثير على المسلمين من جهة أخرى، وخصوصاً المسلمين الجدد!!

إنه هراء . . .، عندما أسلمتُ في المرة الأولى، تعرضتُ للكثير من الابتلاءات، والاعتداءات الجسدية، التي ما زالت علاماتها ظاهرة على جسمي، والاعتداءات النفسية، من قِبَل العائلة، وأعضاء الكنيسة، وكانت محاولاتهم متكررة لعودتي للإسلام، فكيف لي أن أعاونهم بعد كل ذلك؟!!

بل إني كنتُ أعيب الكثير من ممارسات الكنيسة أثناء إسلامي، والله وحده يعلم عدد القصص التي حدثت معي، والتي وفقني الله تعالى فيها لتخليص بعض المسلمين، من أيدي المنصرين، وحملات التبشير.

ولكن دعني أقول كلمة هنا: فبحكم عملي التطوعي عندما كنتُ مسلمة، كان موقفي ووضعي حساساً جداً، وسرياً للغاية؛ لأني كنتُ أساعد المسلمات الجديدات، وأحاول إنقاذهن من أماكن الخطر، بل عرّضتُ نفسي أكثر من مرة للخطر في سبيل الله أولاً، ثم من أجلهن، فإذا رآني مسلم قريبة من نصرانية (مسلمة جديدة بالسر)، فلربما يقول: إنها ترافق النصارى، وتقول كذا وكذا، ويسيء الظن بي.

وثانياً: مقاومة التنصير، إما بمساعدة المراهقات، اللواتي يتخبطنَ في شهوات الحياة، وانجذابهن للديانة المسيحية، وإعادتهن إلى دين الحق، أو الحوارات والمناظرات التي كانت تقام بيني وبين رجال الدين والمبشرين.

وثالثاً: مساعدة المسلمات الجديدات اللواتي أعلنَّ إسلامهن، إما مادياً، أو معنوياً، وهذا كله توفيق من الله تعالى.

وللأسف كان هناك بعض المسلمين الذين تملكتهم الغيرة والحسد، وخاصة عندما جئت إلى الأردن، وكإعلامية اختطفتُ الأضواء منهم، فلم يعجبهم هذا، فأرادوا تدميري، ومحاولة طردي من البلد.

ومما يجدر ذكره أن الفيديو الموجود على صفحة اليوتيوب بعنوان: (رُبى قعوار جاسوسة بالدليل والبرهان)!! أقول: هذا الفيديو هو مقطع من حلقة كاملة، كنتُ قد حمّلتها على قناتي الخاصة، وللأسف أخذ بعضهم هذا المقطع من قناتي الخاصة، وعَنوَنوه بمسمى ليس في موضعه؛ للطعن بي!! فلو كنتُ فعلاً جاسوسة ومخادعة، ألا يجدر بي أن أحذف المقطع، وأن لا أريه لأحد؟ أين المنطق في هذا؟!!

هذه النقطة أريد أن يضعها الكثيرون من الذين تحدثوا عني في الحسبان . . .

أما أسباب عودتي للإسلام:

فما هو إلا توفيق من الله تعالى أولاً وأخيراً، فأحمده تعالى على نعمته العظيمة التي منَّ بها عليّ، وأسأله الثبات، وسأذكر ذلك في عدة نقاط:

 

أولاً: عدم الاقتناع بالمعتقد المسيحي:

فقد حصل عندي نوع من الانفصام النفسي، فبعد ردّتي، أردتُ العودة إلى حالتي الأولى قبل الإسلام، وأصلي للمسيح وأعبده، لكني لم أستطع، لأنني في ثنايا داخلي العميق أعلم أن ما أفعله خاطئ، وكلما كنتُ أتوسل إليه عليه السلام، كلما كنتُ أشعر أنني بعيدة عنه!!

بل وأذكر عندما دخلت جامعة اللاهوت المسيحي في الأشهُر الستة الأخيرة قبل عودتي للإسلام، كان يضيق صدري في السكن، فأخرج إلى البحيرة، وأجلس أراقب الطبيعة، الأشجار، والطيور، الماء، السماء، غروب الشمس، كنتُ أتساءل حينها في نفسي: إني أرى عمل الله عز وجل وصنعه الخلاب، والمعتقد المسيحي ينص أن المسيح هو الله المتجسد حتى يفدي البشرية من الخطيئة، فهل الخليقة احتاجت إلى هذا الفداء؟!!

وإذا كان المسيح هو الله، فلماذا لا أرى آثار عمله في هذه الخليقة الرائعة؟!!

كانت أسئلة كثيرة تراودني، وأردتُ أن أُقنع نفسي، ويكون لي ضمان بالخلاص – كما يقول المسيحيون – ولكن لم أستطع أن أستمر على هذا، لأنني علمتُ أنه ليس الحق، حتى لو حاولتُ إقناع نفسي.

كذلك رفضي الثالوث بشدة، حتى في عودتي للمسيحية، وتركي الإسلام.

وأذكر في جامعة اللاهوت – أثناء دراستي الماجستير– لم أكن قد وصلتُ لدراسات العهد الجديد، ولكني التحقتُ بمادة النقد الأعلى للعهد القديم (التوراة وكتب الأنبياء قبل المسيح عليهم السلام)، فقد وجدتُ تشابهاً كبيراً بين ما كان يعبده الإسرائيليون، وتعاملات الله عز وجل معهم، وبين عقيدة الإسلام، ولم أستطع أن أجد أي دليل أو أثر للثالوث في العهد القديم!! وقد تناقشتُ مع بروفيسور المادة في هذا الموضوع بشكل مطول، مما دفعني أكثر لرفض فكرة الثالوث.

أما الأمر الذي كان له تأثير كبير في عودتي للإسلام، فهو: اشتياقي للسجود، والحجاب!!!

لا أخفيكم، أنه كانت تأتي علي أيام أشعر فيها بالضيق الشديد، والتمزق الداخلي العنيف، فكرتُ بالانتحار عدة مرات، وخططتُ أن أخرج وأهرب بعيداً عن الناس، وأعيش في مكان ناءٍ لا أعرف فيه أحداً، أردتُ الهروب من واقعي، لكنني لم أجد وسيلة للخلاص من كل تلك العذابات إلا في السجود!!

في تلك الليالي التي كنت أقضيها مع نفسي، بعيداً عن أي مخلوق، كان يتملكني صراع داخلي، واكتئاب شديد، كنتُ أجلس أقرأ في الكتاب المقدس، وأتناقش مع نفسي فيما أقرؤه، وأضع رأسي على الأرض، وأسجد لله، وأصرخ من أعماقي، كي يساعدني من التخلص من هذه الصراعات، التي لا أول لها من آخر. أقول: حقًّا . . .لم أشعر بالراحة إلا في السجود.

إن حضارة غير المسلمين –للأسف- لا يوجد فيها أي ممارسات دينية صحيحة، وهذا أدى إلى حيرتي أكثر وأكثر، ولم أكن أرتاح إلا إذا عدتُ إلى طريقتي القديمة في العبادة، عندما كنتُ مسلمة!!

وكلما كنتُ أصلي للمسيح أو بالطريقة المسيحية، كلما أشعر أنني بعيدة عن الخالق، ولا أرى الحق، وكنتُ أعتقد لربما الطائفة التي أنتمي إليها خاطئة، وأحتاج أن أكتشف الطوائف الأخرى، وفعلاً التزمتُ بالطائفة الأرثوذكسية القبطية، وتعمدتُ في كنيستهم، ولكن هذا كله لم يقربني من الخالق، بل زاد الطين بلة!!

لاحظَت أمي الاكتئاب الشديد الذي كنتُ أمُرُّ به، بالإضافة إلى نقاشاتي وصراعاتي، حتى جلَست معي يوماً، وقالت: أنا أرى أن عقلك ما زال متعلقاً بالإسلام، وهذه مشكلة كبيرة، كما أنني أرى أنك ما زلتِ لا تؤمنين بالثالوث!! أجبتها: نعم، حتى اليهود والمسيحيون في القرون الأولى لم يعرفوا الثالوث، ولم تكن هذه عقيدتهم!! ورحنا نتناقش بشدة، حتى قالت لي أخيراً: رُبى إذا بقيتِ على هذا الحال، ستقتُلي وتدمري نفسك .. لا بد لك أن تجدي إيماناً، وإلا ستبقين تائهة ومشوشة ..

بقيت هذه الكلمة ترنُّ في أذني . . .، لا بد لي أن أتخذ قراراً حاسماً، لكني لا أستطيع أن أعود إلى الإسلام الآن، فقد اتخدتُ قراري، ولا أريد أن أرجع عنه، وبدأ الناس حولي يشككون في مسيحيتي، خاصة أنني لم أعد أؤمن بالثالوث، ولكن ما كان يطمئن المسيحيون من ناحيتي، أنني ما زلتُ سلاحاً قاتلاً للمسلمين في بث الشبهات، وكانوا يعتقدون أنه لا يمكن أن أعود مسلمة؛ لأن هذا سيطعن بسمعتي، ويُفقِد ثقة الناس بي.

أما اشتياقي للحجاب: فعندما كنتُ أخرج أمام الناس مظهِرةً شعري، كنتُ أشعر بالخجل، وأضع منديلاً حول رقبتي، أحاول تغطية أجزاء من جسدي، ولم يكن هذا حشمةً فحسب، وإنما كان تعلقاً بمبدأ الحجاب، ولأنني كنتُ على يقين أنه أمر من الله عز وجل.

وأذكر قصة صغيرة حصلت معي: فبعد أسبوع تقريباً من عودتي للإسلام بالسر، أصرّت أمي أن أذهب إلى الكنيسة، دخلتها بالحجاب، وفي نهاية الاجتماع، جاء رجل كبير بالسن، وراح يؤنبني على لبسي للحجاب، ويقول إن ما أفعله هو خطأ فادح، وأنه يجب علي خلعه! قلت له: إنه لا حرج في ذلك ما دمتُ في الكنيسة، وإن بولس كان يأمر النساء أن يتغطين في الكنيسة!! أجاب غاضباً: حتى لو كل نساء الكنيسة لبسنَ غطاء الرأس، أما أنتِ لا تلبسيه!!! سألته: لماذا؟ قال: بعد أن خلعتيه أمام الناس، تريدين لبسه مرة أخرى؟ هل تريدي أن يقول الناس إنك عدتِ إلى الإسلام؟ أجبته: لا يهمني كلام الناس، وما أفعله هو أمر من الله. وحدثت مشادة كلامية عنيفة بيني وبينه، واجتمع من كان حاضراً في الكنيسة علينا، وبعدها خرجتُ وأنا مجروحة جداً من أسلوبه معي، وقررتُ أن لا أعود إلى الكنيسة مرة أخرى.

ومن الأمور التي هزَّتني من الأعماق: عدم قدرتي على إنكار ما في القرآن الكريم، والسنة الشريفة، فبالرغم أنني استُدعيت للعمل في إحدى القنوات المعادية للإسلام، ليكون لي برنامج تنصيري خاص ضد الإسلام، وقد سجَّلتُ 24 حلقة باللغتين العربية والإنجليزية، وجميعها تطعن بالإسلام، إلا أنني في أعماق نفسي لم أستطع أن أنكر حبي لكلام الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم!!

كانت علاقتي بهما، ككره الحبيب لحبيبته عندما يفترقا، فمن شدة حب الحبيب لحبيبته، تجده يحاول التفكير بها بشكل سلبي حتى يكرهها، هذا كان حالي مع كلام الله عز وجل، وحبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم أستطع الابتعاد والافتراق، وحاولت الطعن بهما حتى أبتعد أكثر، ولكني لم أستطع.

وطوال هذه المدة، وأنا أحضّر الحلقات، كانت تتملكني الهواجس، والصراعات الداخلية، لأن معظم هذه الحلقات تتعلق بالعقيدة التي درستها، ورسّختها سابقاً في داخلي، عندما كنتُ مسلمة، وتحضيراتي هذه كانت بمثابة التنبيش في دواخلي عن الحق الذي طالما حاولت طمره، وعدم العودة له، ولكن كلما كنت أدرس أكثر، كلما كانت أفكاري وفطرتي تستيقظ شيئاً فشيئاً.

وأذكر عندما كنتُ أدرس مادة العهد القديم في الجامعة، كتبتُ في بحثي النهائي دراسة مفصلة عن تبشيرات الكتاب المقدس بالنبي المنتظر، ومقارنتها ما بين خصائص المسيح عليه السلام، والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وكان بحثاً معتبراً، أثار حفيظة البروفيسور، بحيث أنه رفضه ثلاث مرات، لأنني اعترفتُ في ختامه أن هذه التبشيرات والنبوءات عن النبي الكريم محمد عليه السلام، ولم يتم قبول البحث إلا عندما موّهتُ الجملة في ختام البحث، وكتبتُ أنه “قد تكون هذه التبشيرات صدرت من شخص آخر غير المسيح!! والله أعلم.”

ثانياً: كشف مخططات حملات التنصير:

لا أخفي أنني عملتُ – بعد ارتدادي عن الإسلام – مع الحملات التنصيرية، في الجامعة، ومع المؤسسات الكاثوليكية التي تعتني باللاجئين، وغيرها من المؤسسات، وأخذتُ مادتين في التنصير في الجامعة، بل وكان تخصصي في دراسة الماجستير في حملات التبشير المختصة بتنصير المسلمين، ومن هم في العالم الإسلامي.

وما رأيته وحصلتُ عليه من معلومات، ما كان إلا توفيق من الله، فبعد عودتي للإسلام، أدركتُ أن ما حصل معي كان تدبيراً من الله عز وجل؛ كي يكشف لي أموراً كنتُ ساهية عنها، ولا أستطيع أن أتحدث جهراً بهذا، ولكني أستطيع أن أقيم محاضرات للتوعية، لمن هو مهتم بموضوع التنصير ومقاومته.

 

 

ثالثاً: الوجهة الإعلامية المسيحية:

كنتُ كسلاح لتدمير المسلمين في أيدي هؤلاء، شعرتُ أني أداة إعلامية رخيصة، وبضاعة خسيسة، يُفاوض عليها لا أكثر، فليس الهدف عقائدياً  لنشر الحق والسلام، وإنما الهدف سبق إعلامي، وجمع تبرعات وأموال، أما الهدف العقائدي فثانوي!! كانت جميعها عهود ووعود كاذبة.

رابعاً: الصدمة الثقافية الراجعة:

فكما أصابتني صدمة ثقافية عندما ذهبتُ الأردن، فقد أصابتني صدمة حضارية أخرى عندما عدتُ للولايات المتحدة، وكانت الصراعات تجتاحني في ظلمات الباطل.

خامساً: مساعدة المسلمين لي على التخلص من الحبال التي ربطتُ فيها نفسي:

هؤلاء الأقلية الذين استطاعوا وصول قلبي وعقلي، رغم وضع جميع العوائق أمامهم، كان همهم الوحيد إنقاذ نفسي من النار، لم يطلبوا مالاً، لم يلعنوني، لم يعنفوني، وإنما كانوا يهبّون للمساعدة راجين الهداية لي من الله، جزاهم الله خيراً.

خلال حديثي مع أحدهم، كنت أتعجب من السعادة الغامرة التي كان يحدثني بها دائماً، في نشوة الصلاة، والدعاء، والعبادة، وكان يحاول إيقاظ ذاكرتي عندما كنتُ مسلمة، ويحدثني عن المسجد، ومحبة الله.

كنت أفكِّر في نفسي أنا كمسيحية، بما أنني طلبتُ اليسوع مخلصاً شخصياً لحياتي، لماذا لا أشعر بهذا السلام الذي يحدثني عنه ذاك الشاب؟! لماذا لا أشعر بالسعادة؟!

كان ذلك سبباً وضعَهُ الله عز وجل في طريقي؛ كي أعود بالتفكير بحياتي السابقة كمسلمة.

بدأتُ أقارن بين حياتي عندما كنت مسلمة، والأشهر العشرة التي قضيتها مسيحية بعدما تركتُ الإسلام، فرق شاسع!! رغم أن كل شيء موفر لي في المسيحية، لكن لستُ مرتاحة أبداً، لا أستطيع التواصل مع الخالق، لم أشعر بالسعادة! كلام فارغ، وعود وعهود فانية، لا أصل لها! تناقضات عنيفة.

في الإسلام، عندما كنتُ أسجد لله تعالى، وأضع جبهتي على الأرض، تنتابني رعشة داخلية، وشعور بالرضا، والقبول، والقناعة، نشوة الحب، والرحمة، والغفران، سعادة غامرة تفيض من الداخل إلى الخارج، وليست المشاعر فقط، بل عقيدة راسخة، ثابتة، قوية، غير متغيرة، لا وجه آخر لها. نعم . . .، الإسلام هو الحق.

قلتُ في نفسي: ما الذي أهمني عندما أسلمتُ أول مرة؟! وما الذي أهمني عندما تركتُ الإسلام، ظانّةً أنه الحق؟! والآن ما الذي سيهمني لو عدتُ إلى الإسلام مرة أخرى؟! وماذا سأخسر على أية حال؟!

توقعتُ أسوأ الحالات، وقلتُ: لن أخسر شيئاً في هذه الدنيا أكثر مما خسرتُ، وتوقعتُ أنه قد لا يكلمني أحد بعدها، ولا يصدقني إنسان . . .، ولكني وثقتُ بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم:( إن الله إذا أحب عبد ابتلاه)، . . .، وصدّقتُ أن الله إذا أحب عبداً هداه إلى الحق، وأنه لا بد لي أن آخذ وقتاً طويلاً حتى تعود الثقة، كما حدث مع أهلي، بعد الصدمة الأولى، وإعادة بناء العلاقة من جديد، ولكن أولاً وأخيراً أردتُ إرضاء الله تعالى، وإرضاء نفسي، وعلمتُ أنني لن أهدأ إلا إذا عدتُ إلى الله.

في يونيو 2011، بينما كنتُ أتناقش مع إحدى الطالبات في السكن عن قضية صلب المسيح، ذهبتُ إلى غرفتي، وانتابني شعور أن هذه اللحظة قد حانت لا محالة، ولا أستطيع أن أؤخر الموضوع أكثر من ذلك . . .، نعم ذهبتُ إلى الحمام – أجلكم الله – واغتسلتُ، ثم لبستُ عباءتي التي كنتُ أحتفظ بها مع ملابسي، ووضعتُ الحجاب، وصليتُ الظهر، وكأن صفعة قوية أرعشت جسدي، واستيقظتُ على واقع مرير، لم أستطع أن أسامح به نفسي!!

نعم لقد أخطأتُ خطأ فادحاً، وأذنبتُ ذنباً عظيماً، أردتُ أن أُذل الإسلام، وأنتقم وأذل المسلمين الذين ظلموني، ولكني أذللتُ نفسي، نعم أذللتُ نفسي، ووضعتُ عزتي التي منحني الله إياها عندما اعتنقتُ الإسلام، من أجل عواطفي، واستسلمتُ لابتلاءاتي وامتحاناتي مع المسلمين، وسلّمتُ نفسي للجحيم!!

لقد ظلمتُ نفسي ظلماً كبيراً، فليس لي إلا الله أن يغفر لي، ويتجاوز عني.

عدتُ إلى الله بعد بكاء مرير، واستغفار كثير، ولم أستطع أن أواجه أحداً في البداية، ولبستُ الحجاب مرة أخرى.

بالطبع لم يلبث الأمر سوى ثلاثة أيام، حتى أعلنتُ لأحد المتنصرين أنني مسلمة، وتم اختراق حسابي على الفيس بوك، وتصوير بعض الحوارات مع المسلمين، وأنا أعلن فيها أنني مسلمة، وبعدها علمَت الجامعة بذلك عن طريق هذا المتنصر، وطلبوني لمكتب الإدارة، فقابلتُ نائب الرئيس، فسألني: لقد سمعنا أنك عدتِ إلى الإسلام، فهل هذا صحيح؟

كنتُ مترددة في بداية الأمر، فأخبرته أنني ما زلتُ مترددة. فقال لي: الجميع يعلم بذلك!! فقلت: نعم أنا مسلمة. فأراد مناقشتي، ومحاولة إشعاري بالذنب بقوله: كيف لك أن تتركي المسيح، ومحبته، وخلاصه؟! هل تعرفين أنك ستذهبين إلى الجحيم؟! أجبته: ونحن كمسلمين نعتقد الاعتقاد نفسه بالنسبة لك، فأنت ستذهب إلى الجحيم!! ثم أخبرته أنني لم أكن أنوي أن أخدع أحداً، وإنما كان لي قصة خلاص بالفعل، وأنني بالفعل كنت مسيحية، وأعمل من أجل المسيحية، ولكني وجدتُ أن ما كنت أعمل لأجله ليس الحق! وفي نهاية الجلسة طلب مني أن أفصل نفسي من الجامعة، وأن أخرج من السكن. وكان هذا الأمر في أول رمضان، من شهر أغسطس، سنة 2011، فطلبتُ منه أن أبقى في الجامعة لنهاية الشهر؛ إلى أن أجد سكناً آخر، دون أن أحضر أي محاضرات أخرى، وأنني سأُسقِطُ جميع مواد الفصل القادم، فوافق على ذلك.

كنتُ في ذلك الشهر أحضر صلاة العشاء والتروايح في المسجد القريب من الجامعة، إلى أن جاء عيد الفطر، فصليتُ مع المسلمين، ثم انتقلتُ إلى بيت أمي، التي اشترطت عليّ أن لا ألبس الحجاب أبداً، وأن لا أقرأ القرآن، أو أصلي في البيت، فقبلتُ ذلك مؤقتاً على مضض.

مرت ثلاثة أشهر من العذاب مع أهلي، والضغط عليّ لإعادتي للمسيحية، إلى أن جاء اليوم الذي طلبت فيه أمي أن أذهب إلى المحل العربي التجاري؛ لإحضار بعض الحاجيات لها، فقلتُ في نفسي: بما أنني قريبة من المسجد، فلا بد لي أن أصلي الظهر، وعندما أنهيتُ الصلاة، إذا امرأة كبيرة بالسن تنظر إلي، والدموع تملأ عينيها!! إنها فوزية سلطانة، الهندية المسلمة، جارتي السابقة، حيث كانت تقضي وقتها عندي في البيت وهي تتعلم اللغة العربية!!

عندما رأتني، عانقتني بشدة، وأجلستني بجانبها، وسألتني عن أحوالي، طلبت مني أن آتي لأتغدى عندها في البيت، وسبحان الله أخذت تتصل بي كل يوم، تسأل عن حالي، وطلبت مني أن أسكن معها في شقتها، فهي تعيش لوحدها على حساب الحكومة، وأصرّت عليّ في ذلك، لكني كنتُ أشعر بالإحراج، وفي نفس الوقت كانت تزداد ضغوط أهلي عليّ.

حتى جاء اليوم الفاصل، وبعد استخارة، جلستُ مع أمي، وقلت لها: إنه من المستحيل أن أبقى في البيت، ما دمتُ محرومة من الصلاة، وقراءة القرآن، وطلبتُ منها الخروج من البيت، وطمأنتها أنني سأكون بخير، وأنني لن أسكن لوحدي. وفعلاً خرجتُ من البيت، رغم أنه لم يكن لدي عمل أعيل به نفسي، ولكن الله الرزاق دبرّ لي العمل في اليوم التالي، وفتح لي أبواب رزقه ورحمته، والحمدلله رب العالمين، كم كنتُ سعيدة أنني أستطيع الصلاة بحُرية، وقراءة القرآن دون أي إزعاج، وبدأتُ حفظ القرآن من جديد.

نعم،،، عدتُ أدراجي، عدتُ إلى وطني (فطرتي السليمة)، وبالطبع في بداية الأمر عندما عدتُ إلى الإسلام، عدتُ بدموغ غزيرة، وقلب منكسر لم أعهد مثله من قبل، أدركتُ فعلتي الشنيعة التي فعلتها، فقد ظلمتُ نفسي ظلماً عظيماً، ولا يغفر الذنوب إلا الله عز وجل. ورغم جميع التثبيطات التي حولي، إلا أنني شعرتُ براحة لا مثيل لها، ورضى عن نفسي؛ لأنني تأكدتُ أن ما أفعله هو الصحيح، والمشاعر التي شعرتها عندما تركتُ الإسلام، ما كانت إلا مشاعر خادعة، مصطَنعة، مؤقتة، اختفت بزوال شهر العسل، وقد مرّ علي إلى الآن أكثر من عام وأنا مسلمة، وفي كل يوم يمر، يزداد فيه اطمئناني، وأشعر أنني أقرب إلى الله تعالى، وأسأله تعالى الثبات على دين الحق.

كان يمكنني أن أعيش في أغنى القصور، يلتف حولي ملأ من رجال الأمن، وتكون لي وظيفة في إحدى القنوات الفضائية المسيحية، أقيم فيها برامجي الخاصة، كان يمكن أن تُعطى لي أوسمة سياسية، واجتماعية، وأقيم الندوات، والاجتماعات، في مختلف بقاع العالم، أهاجم فيها المسلمين والإسلام، كان يمكنني أن أعيش مع أهلي الآن، سعيدة بالجو العائلي المترابط، كان يمكنني أن أبقى مسيحية في أجواء تشجيعات المسيحيين عما أفعله، شاعرة بالقبول!! ولكني رفضتُ كل هذه الاغراءات؛ لأنني علمتُ في داخلي أنني كنتُ على خطأ عظيم، علمتُ أنني قد أكون ناجحة الآن في الدنيا، ولكنه فشل، وعمل محبط في الآخرة، وعقوبته وخيمة!!!

نعم . . . لقد عرفتُ الحق، وقد أكون ابتعدتُ قليلاً، ولكني لم أستطع أن أبقى بعيدة، فكيف لي أن أدير وجهي عنه؟!!!

كانت تلك آخر كلماتها التي ختمت بها قصتها بطولها، وعرضها، وأحداثها، وفصولها . . .

وصدقت . . . فكيف لعاقل، فاهم، متبصِّر، متعلِّم، أن يُعرِض عن هذا النور، أو يشيح وجهه عنه، أو يستدبره؟!

كيف له أن يفرط فيه، ويجانبه، بل . . . ويعاديه، وقد ذاق حلاوته، وعرف لذته، وعاش سعادته، بعد أن اكتوى بنار الظلمات، وشقاء الجهالات، وجحيم التناقضات؟!!

كيف له ألاّ يعود إليه، ويرتمي بين يديه، ويبكي ملء عينيه حسرة وندماً، ويتقطع قلبه كمداً وألماً، ولو ابتعد كثيراً، وسعى في إبطاله حثيثاً . . .

حقًّا . . . إنها رحلة شاقة، ودرب وعر، ذاقت فيه مرارات كثيرة، وتعرضت فيه لبلاءات عظيمة، قد تنوء بحملها الجبال، ويعجز عن إطاقتها أشداء الرجال . . .

لكنها تبقى تجربة ثرية، ملأى بالدروس، والعبر، والدلالات . . .، لها، ولمن اطلع على حكايتها . . . ندعو الله تعالى لها بالثبات، والهداية، والتوفيق، ، ، والحمد لله رب العالمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى