وياكم 2013

وياكم 2013 الحلقة الخامسة عشر بلاغة

بلاغـــــــــــــــــــــــــــــــــة

 

لا شك أن لكل إنسان في حياته مواقف مؤثرة، وحوادث معبرة، تبقى مغروزة في الذاكرة على مر الأيام، والأعوام، وكلما استجمع ذكرها، عاشها كأنها تحدث معه هذه اللحظة.

وأنا كغيري من الناس أختزن رصيداً ضخماً من تلك المواقف والذكريات، إلا أن أحد أهمها تعبيراً، وتأثيراً، وتحريكاً للقلوب، مشهد هؤلاء الأطفال الذين ما عن تراهم حتى تختلج عند المشاعر، وتضطرب الأحاسيس، بين إشفاق، وحزن، وألم، وبين قوة، وتصميم، وإرادة….

نعم إنه مشهد زيارة مدرسة الصم والبكم!!!

حقًّا إنه مشهد أعيشه لأول مرّة في حياتي، فكيف لي أن أتعامل مع شريحة الصمّ والبكم؟!!

كانت تجربة جديدة علي ليس فقط من باب الثقافة والمعرفة، ولكن من باب المعايشة المبهرة العجيبة الغريبة…

استعنا بمدرسة الأمل، التابعة لوزارة التربية، إدارة التعليم الخاص، تلك المدرسة النموذجية والرائدة في هذا المجال، ليس على المستوى المحلي فحسب، وإنما على المستوى العربي كذلك، ولها منا خالص الشكر والوفاء، حيث لم تألُ جهداً في تيسير وتسهيل تلك الزيارة النادرة مع شريحة الصمّ والبكم من البنين والبنات من طلبة الصف الابتدائي.

كانت زيارة عفوية بكل معنى، ورحلة لها مذاق خاص، ونكهة مميزة…

دخلنا عليهم في فصولهم الدراسية، وخرجنا معهم إلى الحديقة في جلسة جميلة لا مثيل لها، وعشنا معهم همومهم، واحتياجاتهم، ومعاناتهم….

نعم لقد قضيتُ معهم يوماً عجيباً غريباً!!

تخيّل نفسك تجلس يوماً كاملاً مع أناس يحيطون بك على مدار الساعة، ولا بد أن تتعامل معهم، ولكن وسيلة التواصل بينكم مفقودة، فأنت ﻻ تسمعهم، ولا تفهمهم!!

ماذا يكون شعورك؟ وكيف تكون حالك؟

هنا يكون التحدّي، وهنا تكون غفلتي، وغفلتك، وغفلة المجتمع، عن هذه الشريحة المهملة، شريحة الصمّ والبكم، فالخبراء، وأهل التخصص، يقولون: إن الإعاقات كثيرة، ومتنوعة، ولكن تبقى الإعاقة السمعية من أصعب الإعاقات في التواصل اﻻجتماعي! فالأعمى قد يكون عبقرياً، وقد يكون أستاذاً، أو دكتوراً، أو أديباً، أو مفكراً، أو غير ذلك.

أما الأصمّ…فإنه يبقى مفصولاً عن المجتمع!!

إن الأصم الأبكم غريب في المجتمع؛ إذا رأيته يمشي، فهو يمشي ولا يبالي بالناس، لأنه لا يسمع ما يدور حوله، يعيش في عالم مصمت، وإذا أراد شيئاً من أحد، صعُب عليه تفهيمه، وتوصيل رسالته التي يريد، فلذلك يشعر أنه ثقيل عليه، فينكسر قلبه.

حقًّا إنه عالم عجيب، ثم مع هذا كله، يأتي الإعلام فيقصّر مع هؤلاء!!

نعم أقولها بملء الفم: إن إعلامنا العربي مقصّر مع هذه الشريحة من المجتمع، وقد يكون العذر عندهم هو الصعوبة في التواصل، ولكن ذلك لم يعد عذراً هذه الأيام.

لعل سائلاً يسأل: لماذا أسميتَ مقالك هذا بلاغة؟!!

فأقول:

نحن عندما درسنا في المنطق أنواع الدﻻﻻت، وجدنا أن هناك دﻻلة عقلية، ودﻻلة طبيعية، ودﻻلة وضعية..

فالدﻻلة العقلية: معروفة لكل أحد، فحمرة الوجه مثلاً تدل على الخجل، وصفرة الوجه تدل على الوجل…وهكذا

وأما الدﻻلة الطبيعية: فكالدخان يدل على النار.

وأما الدﻻلة الوضعية: فكإشارات المرور، وعلامات الخطر، فهذه من الدﻻﻻت التي وضعها الإنسان العبقري.

فعندما أردنا زيارة تلك الشريحة، سألنا واتصلنا بالمختصين، وقلنا: كيف يمكننا أن نتعامل مع هؤلاء؟ ثم كيف نعلّم المجتمع كيفية التحاور معهم؟

فقالوا: بالنسبة للتعامل مع هؤلاء، هناك صعوبة في تنمية قدرات التواصل بين الأصم والأبكم مع والديه، ومع المجتمع بشكل عام، فكان لا بد من إيجاد طرق لتجاوز هذا الحاجز والمانع، فوجدنا طريقتين للتفاهم بينهم:

  • طريقة الشفاه
  • طريقة الأصابع

أما طريقة الشفاه: فالمقصود بها أن يفهم الأصم ما يقال له، وما يراد منه، من خلال حركة شفتي المتكلم! ولا شك أن هذا الأمر عسير ليس بالسهل، ويحتاج إلى إنسان عبقري، إلا أنه ليس مستحيلاً، فنحن إذا رجعنا إلى تاريخنا الإسلامي، فسوف نجد أن الإمام قالون الذي ينقل روايات قراءة القرآن الكريم بالأسانيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كان أصمّ، ومع ذلك يفهم عن طريق الشفاه!! فقد درّس التلاميذ، وخرج الحفاظ، كل ذلك بملاحظة الشفاه للقارئ، وهذه بلا شك عبقرية نادرة.

  • فقرة غير مفهومة[وأما طريقة الأصابع: طريقة اﻻتصال اللفظي تعتمد على قراءة الشفاه حيث يتم التركيز على العيون، ﻻزم نركز على العيون حتى يفهم المتحدث وتعبيراته.

وتنقسم هذه الطريقة لطريقتين:

طريقة اسمها التحليلية،  وطريقة تركيبية..

الطريقة التحليلية: تعتمد على حرف حرف وهذه لها عيوبها لما تطلع حرف حرف وصعبة.

الطريقة التركيبية: هي تعلم الطفل كلمة كلمة.

محمد عبد الله نعم يعلمونها على طريقة الشفاه، وهي طريقة صعبة، الطريقة الأصعب منها طريقة التواصل اليدوي.   ليش؟

لأنهم سريعي التلقّي، وسريعي التفاهم، وهذا نظام يعتمد على الإشارة يسمونه التهجية بالأصابع.

في طريقة ثالثة اللي عنده شوية سماع مع خفيف جدا يستعملون معاه طريقة التخاطب الشاملة اللي هي استعمال بقايا السمع للطفل مع الأجهزة السمعية مع الإشارة، وهذا ممكن أن ينمو أما أولئك فلا طريقتهم تكون طريقة الإشارة].

إذن هذا عالم يحتاج أن نفهمه حتى نخدمه، لأنها شريحة في رقابنا، ونحن مسؤولون عنها، فصحيح أنها تعيش معنا، ونعيش معها، ولكنها شريحة مجتمعية مفصولة عن التواصل، فهي تعيش غربة قاسية، ﻻ يفهمها الناس، ولا تفهم الناس.

من هنا كانت البلاغة المسكوت عنها.

البلاغة في الإشارة …

البلاغة المبتكرة…

البلاغة التي تبين ما في الداخل….

إنه عالم مليء بالأسرار والألغاز.

وكما قلت قبل قليل رغم كل الظروف السابقة، إلا أننا مقصرون معهم، غير ملتفتين إليهم، والدليل على ذلك أنه لا توجد قناة خاصة تخاطبهم بما يريدون، أو على أقل تقدير لا يوجد برنامج ثقافي، ديني، خاص بهم! أليس هذا تقصيراً منا في حقهم؟!!

وقبل أن أتكلم عن شريحة الصم، وما وجدته في زيارتي تلك، وما هي الفوائد التي خرجتُ بها، سأوجه بعض الرسائل العامة لكل من كانت فيه إعاقة، مهما كان نوعها، فأقول:

أولاً: الإنسان المعاق-والأفضل أن نطلق عليهم ذوي الاحتياجات الخاصة- يجب أن يعلم أن هذا قدره، وأنه يجب عليه أن يتكيف مع هذا القدر، وأن يرضى بما قسمه الله تعالى له، ومن ثَم نعلمه أن يتعامل مع الناس من منطلق: اقبلوني كما أنا، ولذلك يعجبني كثيراً هؤلاء المعاقين أو ذوي الاحتياجات الخاصة الذين يخرجون في دورات تدريبية، ويشرحون كيف تغلبوا على تلك الإعاقة، أو كيف تكيّفوا مع المجتمع بوجودها.

ثانياً: على المجتمع أن يتقبل هذه الشريحة الغالية علينا، ويتعامل معهم على أن الواحد منهم إنسان طبيعي، يراعى في جزئية إعاقته في الجوانب الحياتية الوظيفية العملية فحسب، وما سوى ذلك فهو إنسان كغيره، لا ينقصه شيء.

ثالثاً: يجب أﻻ نبكت المعاق، ونتعامل معه بعكس تعاملنا مع الآخرين الذين يتحركون في مناشط الحياة، فإذا فشل المعاق، قلنا له: فشلت لأنك معاق!! بينما إذا فشل غير المعاق نقول له: حاول مرة ثانية، خيرها في غيرها.

لماذا ذلك؟؟؟ لماذا هذا التمييز، وهذه الطبقية في التعامل؟! بل يجب أن يكون الخطاب للمعاق بالأسلوب نفسه: حاول مرة أخرى، وكلنا ذوو أخطاء، والإنسان يتعلم من أخطائه، وغير ذلك من العبارات التي تدخل السرور على نفسه، وتشعره بأنه كبقية الناس، وأن مصيبته ليست في إعاقته.

ولذلك وجدنا أمثال هؤلاء يتفوقون، ويخرجون إلى الحياة بمناصب عالية، لأنهم تعلموا من أخطائهم، فالواجب إعطاؤهم الفرصة في الحياة.

رابعاً: التعاطف الرشيد مع المعاق، بمعني ﻻ نكرّس في المعاق قضية المسكنة، بحيث يستجدي العطف والشفقة في مجاﻻت يستطيع أن يقوم فيها، ويبدع من خلالها، فنحن بذلك نعتدي على ملكاته، وقدراته، وإمكاناته، بل ونعطيه قيماً سلبية فيما يستطيع القيام به، فلا نصنع كما تصنع بعض الأسر من دفن المعاق في البيت، وعدم السماح له بالخروج؛ لأنه يشكل عبئاً، وثقلاً علينا! هذه مصيبة عظمى، فهذا المعاق هو ابني، وابنك، وبنتي، وبنتك، وهو قطعة مني، هذه نقطة مهمة لا بد من ملاحظتها، لا بد من إشراكهم في هذه الحياة، وإشعارهم أنهم ليسوا عبئاً علينا، وإلا كان لمثل هذه النظرة مردوداً سلبياً سيئاً للغاية.

ما سبق من ملاحظات يشترك فيه عموم المعاقين، وينسحب الكلام عليهم أجمعين، وأما الشريحة التي قصدناها بهذا المقال، والتي كانت عينة الزيارة من ضمن سائر الإعاقات، فهي كما قلنا شريحة الصم والبكم، هؤلاء الذين لهم لغة خاصة، وحياة خاصة، وقلنا إن أهم سمة لهذا النوع من الإعاقة هو الغربة في المجتمع، والانفصال عن الآخرين، فهي أكثر شريحة مهملة تواصلياً.

وهنا تبرز مشكلة خطيرة ينبغي التنبه لها، ألا وهي أن كثيراً من الآباء-وهذا كلام المختصين- يمتنع من الذهاب بهذا المعاق أو ذاك إلى معهد المعاقين للتدريب، أو مدرسة معينة للإعاقة، بحجة الخوف من تسمية ولده أو بنته خريج مدرسة معاقين!! أقول: سبحان الله! وما المشكلة في ذلك؟ فهذه مدرسة وليست سجناً حتى تخجل منها، هي مدرسة تعليم وتربية وتأهيل.

ثم من الذي قال إن الذين يتخرجون من الجامعات المفتوحة، والمدارس، كلهم أناس أسوياء، لا إعاقة فيهم؟!! هناك إعاقة أخلاقية، وإعاقة سلوكية، وفكرية، وانفعالية، وغير ذلك من أنواع…

فالإعاقة مفهومها أوسع مما نظن بكثير…

فهذا المعاق إعاقته جبرية، لا دخل له فيها…

وأما بعض هؤلاء فإعاقته اختيارية، وهذا هو التخلّف بعينه…

لذلك ليس من حق الوالد تأخير ولده عن هذه النعمة، خاصة أنه سريع اﻻلتقاط، فهذا نوع من ممارسة الحرمان على الولد، وأخشى أن يكون من عقوق الأب لابنه، أو عقوق الأم لابنتها.

ولو أن كل أب، أو أم تحمل هذا الفكر، وتمارسه على الابن المعاق، قاموا بزيارة لمدرسة تهتم بشؤون المعاقين، كالمدرسة التي زرتها، لتغيرت عندهم النظرة بالكلية، ولعلموا كم هم مقصرون في حق هذا المعاق المسكين.

لقد رأيتهم كيف يصلّون؟ وكيف يتوضؤون؟ وكيف ينصتون لك إذا حدثتهم؟

ومن الطرائف التي حدثت معي في تلك الزيارة، أنني من عادتي أثناء الحديث أن أشير بيدي، تلقائياً، وبدون أن يكون لها معنى مقصود عندي، فإذا بالأستاذ أحمد المترجم بيني وبين هؤلاء الأطفال يقول لي: ﻻ تشر بيدك أثناء حديثك؛ لأن لغة التخاطب مع هؤلاء الصم هي الإشارة، وكل إشارة عندهم لها مدلولها الخاص، فقد يفهمون منك شيئاً عكس الذي تريد، أو تكون الإشارة لا معنى لها عندهم، فيصابوا بالحيرة! نعم إلى هذا الحد هم دقيقون في التعامل.

أما أهم مميزات الصمّ والبكم فهي أنهم جيدون في التقاط الحركات بسرعة عجيبة. لماذا؟

لأن مهارة السمع لم تعد موجودة، فأصبح الاعتماد كاملاً على مهارة الإشارة، كالأعمى تجده أكثر تركيزاً على حاسة السمع، لفقدهم لحاسة البصر.

فهم يتفاعلون جيداً، ويستجيبون، ولا يترددون، إلا أنني وجدتُ فيهم بعض الصفات الحساسة كصفة: الغضب السريع، أو التوتر، وهم معذورون في ذلك، فالواحد منهم لا يفهم المطلوب منه بالسرعة المرادة، فلذلك تجدهم يتوترون قليلاً، فيجب مراعاتهم من هذا الجانب.

ومن الأمور التي لفتت انتباهي-وهذا بناء على تجارب حدثت في المدرسة- أن بعض الأمهات تتعامل مع ولدها الأصم، وتفهمه دون لغة إشارة، أكثر من المدرس في فهمه للطالب الصغير وإن كان بينهم لغة تعليمية متفق عليها، بمعنى أن حنان الأم له روح خاصة مع هذا المعاق.

كذلك من الصفات التي لمستها فيهم: أنهم يعيشون غربة، ولا يعرفون أحداً، وﻻ يحبون التواصل مع الناس، لأن حاجز الصوت منفصل بينهم، ويحس هذا الأصم أنك لن تتفاعل معه، ولذلك هم يفرحون ويأنسون إذا رأوا معلماً يعرف لغتهم، أو أدركوا إنساناً يعرف مفاتيحهم، فينفتحون عليه تماماً، كما تفرح أنت عندما تكون في منطقة بعيدة، في قرية من قرى الصين مثلاً، لا تعرف فيها أحداً، وفجأة ترى واحداً من أهل بلدك، أو شخصاً عربياً، فكم تكون فرحتك وسعادتك عندها؟ فما بالك بهذا الإنسان المفصول عن أقرب الناس له، والكل بالنسبة له غريب؟!!

فهذه شريحة عجيبة، تستحق منا اﻻهتمام والرعاية، والتفاعل والتطوير، ونشد على يد كل من ساعد هؤﻻء ودعمهم، سواء كانت جهة حكومية، أو جهة متعاملة مع الحكومة، من الجهات الداعمة، أو الشركات، أو المؤسسات الخيرية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى