وياكم 2013

وياكم 2013 الحلقة الرابعة وفاة عبد الحميد كشك

وفاة عبد الحميد كشك

وفاء

كلمة جميلة، ومعنى يعطي لمن يقوم بتطبيقه قيمة عالية..

الأوفياء كرماء، الأوفياء يحبهم الناس، ولو كانوا من غير ملتهم، أو بيئتهم، أو دينهم!!

بل أحياناً يقدر الإنسانُ الإنسانَ الوفي، ولو كانت بينه وبينه مخاصمات، فكيف إذا كان الوفاء للفضلاء؟!!

كل إنسان منا توجد في حياته شخصية لها بصمات وحفريات، في عقله الباطن أو الظاهر، سواءً أكان مدرساً، أو صديقاً، أو قريباً، أو غير ذلك، وتختلف هذه الآثار والانعكاسات من شخصيته، ولذلك فنحن مجموع من التأثرات من هنا وهناك.

واحد من الناس، ومن تلك الشخصيات الفريدة، الفذة، الذي ﻻ أستطيع أن أنساه ما حييتُ، كانت لكلماته، ومواقفه، وشجاعته، وثقافته للمرحلة التاريخية التي عاشها، وللجهد الذي قام به لأمته، وللهم الكبير الذي كان يحمله، وليس للقضية الجزئية التي كان يعيشها… الأثر العظيم، والتوجيه السديد في حياتي…

كنتُ وأنا صغير في مراحل الثانوية أستمع إلى أشرطته الكاسيت، وأنا ذاهب إلى المدرسة في سيارة الوالد…

كان يتكلم بصوت واضح، ونبرة عالية، مع الثقة والجرأة، والجمع بين الحديث الجدي المتزن، والبساطة المملوحة بالطرفة والدعابة…

كان يتكلم عن الفقراء، ويشهر بالطواغيت، ويحاور أعداء الدين…

يتبسط في الحديث فيصل بخطابه إلى الطبقات الدنيا من المجتمع، ويرتفع في الجدل الفكري فيصل إلى الدرجات العليا من المفكرين…

هذا الإنسان الغريب العجيب كان يشغل حيزاً كبيراً من الخليج إلى المحيط في خطاب خاص، قد تتفق معه أحياناً، وقد تختلف معه أحياناً أخرى، إﻻ أنك تضطر ضرورة إلى احترامه، وتقديره، والاعتراف بفضله وتمكنه…

لقدوضع بصماته في نفسي منذ الصغر، فكرهتُ الطواغيت من كلماته، وأحببتُ المساكين!!

إنه الشيخ الإمام الخطيب المفوه الذي لا يشق له غبار: عبد الحميد كشك رحمه الله تعالى…

فارس المنابر إلى يومنا هذا، فلا يستطيع أحد أن ينكر أنه كان أحد ملوك الكلمة الصادقة، في وقت جبن فيه الكثير عن الكلام، وانسحب فيه الأكثر عن المواجهة…

وفوق ذلك كله، كانت لديه موهبة خاصة، قلّ أن تجدها عند أحد، أﻻ وهي القدرة التصويرية البلاغية، صوتاً ونبرة وتخييلاً في العرض، فإنك عند سماعك إليه، تتخيل أنك تعيش الحدث الذي يتكلم عنه بكل تفاصيله، وإيحاءاته، وكأنك معاصراً له!!

حقَّا مواهب متعددة، ﻻ يمكن أن يعرفها الإنسان إﻻ من خلال اﻻستماع له طويلاً، ليكتشف المنهج والمدرسة التي أبدعها هذا الإمام.

في 6-12-1996 ميلادية، الموافق 25 رجب من عام 1417 هجرية، توفي الشيخ عبد الحميد كشك، وهو ساجد، في صلاة الضحى، يوم الجمعة، وهو يستعد للذهاب إلى صلاة الجمعة، وكان يومها موقوفاً عن الخطابة!! أي أنه يذهب مستمعاً ﻻ خطيباً، وهو ملك المنابر!!

انتشر الخبر سريعاً بعد صلاة العصر، وكان المفترض أن يُصلى عليه في اليوم التالي، ليتمكن أكبر عدد من الناس من حضور جنازته وتشييعه، فهذا أقل حقه عليهم، إلا أن الجهات الرسمية سهلت مراسيم الجنازة بعد صلاة العصر من نفس اليوم!! والعلة في ذلك حتى لا يحضر جنازته عدد كبير من الناس، لأنه لو تم الأمر كما كان متوقعاً، لامتلأت الساحات والشوارع، فضلاً عن المسجد بالحشود العظيمة من الناس، ومع كافة الاحتياطات التي اتخذتها الجهات الرسمية لتقليل أعداد المشيعين، فقد حضر للصلاة عليه ما يزيد على الخمسة آلاف شخص، خلال نصف ساعة من سماع خبر وفاته رحمه الله تعالى، وما ذاك إلا اعترافاً صريحاً منهم بخالص الحب، والاحترام، والتقدير، الذي كانوا يحملونه له في قلوبهم، وهو حقيق بذلك وزيادة.

ويقدر الله تعالى لي أن أزور مصر المحروسة، وأن أتقصد الذهاب إلى المكان الذي دفن فيه، نعم…ذلك القبر الذي ضم تلك الأعظم الطاهرة، بعد تاريخ طويل من الجهاد لكلمة الحق، ونصرة المظلومين.

هذا الرجل كان في السبعينات في الوقت الذي أصيبت فيه الأمة بالهزيمة النفسية، والتراجع، وفي الوقت الذي تخلى فيه كثير من الناس عن اليقين بدينهم، كان الشيخ رحمه الله تعالى أحد أهم الرموز الذين تتلقى منهم الشعوب شرقاً وغرباً عن طريق أشرطته الكثيرة كلمة الحق التي تغيظ الطواغيت، والظلمة، وكل من استبد، والغيرة على الدين، والرد على كل مناوئ للعقيدة.

كان الشيخ رحمه الله تعالى أكبر من مجرد ظاهرة في وقته، وما تزال بصماته في الأجيال مستمرة إلى يومنا هذا.

وأنا شخصياً واحد من الذين فاجأني نبأ وفاة الشيخ رحمه الله تعالى، وهو الرجل الوحيد الذي بكيت على وفاته ثلاث مرات في اليوم نفسه، في أوقات متقطعة!! ذلكم لأنني تربيت كما قلتُ على أشرطته، وتعلمتُ منه أشياء كثيرة، ولذا فقد أسفت على غياب رمز عظيم، كان يجمع بين القول والعمل، وكان مثلاً للقدوة الحسنة لكل من يسمعه، فهو صورة واقعية للمسلم الذي ﻻ يساوم على مبادئه، فالمبدأ شيء مقدس مهما كانت الظروف قاسية.

ذاك القبر الذي وقفتُ أمامه ذكرني بكلمات وأشعار كان يترنم بها الشيخ رحمه الله تعالى، يذكر فيها الظالمين، ويذكر الحكام المستبدين، وكل مسئول، وكل مغرور من الذين تربعوا على الأموال والملايين بغير وجه حق.

يذكر فيها كل غافل، وكل معرض، وكل ساهٍ ولاهٍ في دروب الحياة المهلكة، وغفلاتها المحرقة.

تلك الأبيات التي كنت أسمعها من الشيخ رحمه الله تعالى وأنا في المرحلة الثانوية…

كان يقول فيها:

أتيت القبور فناديتها فأين المعظم والمحتقر

وأين المذل بسلطانه وأين المزكى إذا ما افتخر

تساووا جميعاً فما مخبر وماتوا جميعاً ومات الخبر

تروح وتغدو بنات الثرى فتمحو محاسن تلك الصور

فيا سائلي عن أناس مضوا أما لك فيما مضي معتبر

قبل عشر سنوات كنت في مصر مع مجموعة من الطلبة، بدعوة من اتحاد الطلبة الكويتي هناك، لمؤتمر في القاهرة، فخرجتُ مرة إلى نهر النيل، وركبتُ قارباً، وإذا به يضع أغاني وموسيقا!! فقلتُ له: هل عندك شيء آخر غير هذه الأغاني؟ فقال على الفور: عندي شيء جميل!! فقلتُ له: أسمعنا إذن.

فإذا به يضع شريطاً فيه خطبة للشيخ عبد الحميد كشك رحمه الله تعالى!!

كم أثّر فيّ ذلك الموقف، فقلتُ: سبحان الله؛ كيف بارك الله في هذا الشيخ، وجعل دعوته تجوب الآفاق، ويستمع لها الصغير والكبير، والعالم والجاهل، والموافق والمخالف.

وقد فوجئتُ أن هذا الأمر منتشر هناك بكثرة…

تركب التاكسي، فإذا طلبتَ من السائق وضع شيء تسمعه، فإما أن يضع قرآناً لأحد القراء الكبار، وإلا فالشيخ كشك رحمه الله تعالى!!

تدخل المقهى، فإذا به يضع خطبة للشيخ رحمه الله تعالى!!

تذهب هنا وهناك، فتسمع صوت الشيخ يجلجل في الآفاق!!

ما هذا الخطيب المنبري، والشيخ الأزهري، الذي تسمع خطبه، ودروسه، في المقاهي، والمراكب، ووسائل النقل؟!!

تسمع كلماته المركبة التي يصدر فيها حكماً، ويصدر فيها نكتة ساخرة، لها دﻻلتها الاجتماعية، وليس من أجل النكتة، وإنما لتوصيل الفكرة بأسلوب مبسط يفهمه الجميع، ويتقبلونه بكل أريحية، فيقترب من جميع الشرائح والطبقات في المجتمع.

زرتُ منبره الذي كان يصدع من أعلاه بكلمة الحق، والذي كان رمزاً ومكاناً للسياح ليس من العرب فحسب، وإنما من الأجانب أيضاً!!!

يقع مسجده رحمه الله تعالى في منطقة حدائق القبة، دير الملاك، في القاهرة، وقد كان يخطب الشيخ فيه منذ عام 1964 إلى 1980 أو 1981، وفي هذه السنة أوقف رسمياً عن الخطابة إلى أن توفاه الله سبحانه وتعالى عام 1996.

وقد عرف المسجد الذي كان بخطب فيه الشيخ بمسجد الشيخ عبد الحميد كشك لشهرته، ولعطائه، ولجرأته، ولأن هذا المسجد كان مدرسة متكاملة في الخطابة، والوعظ، والحوار، وتصدير المعرفة، ومناقشة قضايا الأمة المحلية والعالمية.

فلم يكن رحمه الله تعالى رجل مرحلة، أو رجل قضية، وإنما كان رجل أمة.

ودعونا بهذه المناسبة نتكلم عن قضية الخطابة!!

فالشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى يقول في كتابه فصول إسلامية: أُحمِّل جزءً كبيراً من تخلف المسلمين لخطباء الجمعة!!

لماذا؟!!

عندما تأتي الملايين من المسلمين، وتسلم ذواتها، وعقولها، ومشاعرها، وأحاسيسها، يوم الجمعة لذلك الخطيب الذي يعتلي المنبر، ثم ﻻ يكون في المقابل أثر، ولا تغير في أخلاقها، وسلوكها، وطريقة تفكيرها، فهذا بحد ذاته كارثة كبيرة، ومصيبة عظيمة، لأن هذا المكان الذي يقف فيه الخطيب، كان يقف عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعظ الناس، ويذكرهم، ويعلمهم، فكأن الخطيب يقتفي أثر النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا لم يكن على قدر هذه المسؤولية، فليفسح المجال لمن هو أهلٌ لها.

وأنا لا أقول هذا الكلام عبثاً، ولا تجنياً، على بعض الخطباء، وإنما هو من واقع عملي مُعاش، ومعاصَر، وإلا… كيف تفسر لي أن خطيب الجمعة يحضر خطبته قبل الصلاة بفترة وجيزة، لا تتجاوز الساعة أو الساعتين؟!!!

أين احترام عقول الناس، وإقبالهم عليه، وحضورهم طوعاً بين يديه؟!!

لقد أثبتت الدراسات التربوية التدريبية أن كل رسالة يقصد بها التأثير، ﻻ بد فيها من مرسل، ومتلقي، ومكان، وزمان، وروح عامة.

والدراسات تقول إن المسجد هو أعظم مكان فيه نضج الأفكار، وحسن تلقي الرسالة، وتأثيرها…

لماذا؟!!

لأن المكان هو بيت الله سبحانه وتعالى، الذي فيه السكينة، والخشوع، والخضوع، والتساوي بين الجميع.

ولأن الزمان هو وقت الظهيرة من يوم الجمعة، فهو يوم عطلة، ووقت راحة لا عمل.

ولأن المستمع جاء باختياره، وإرادته، لا قصراً، أو جبراً.

ولأن المستمع يجلس للصلاة، ويؤمر بالاستماع للخطيب، وإذا ما يُخلّ بهذا الاستماع ولو كان قليلاً، فلا جمعة له!! قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من مس الحصى فقد لغى، ومن لغى ﻻ جمعة له).

ثم العيون متجهة، ومقبلة على الخطيب، وهذا فيه من وسائل التأثير بالقسمات والإيماءات، والإقناع في المستمع الشيء الكثير.

ثم مع كل ما سبق وغيره مما لم يذكر من الظروف المحيطة بهذه الخطبة، نجد الخطيب ﻻ يؤثر، ولا يحرك المشاعر، ولا يغير الواقع!!!

إذن هناك خلل واضح لا بد من الوقوف عنده طويلاً.

ولذلك نتساءل جميعا: لماذا أثر الشيخ رحمه الله تعالى هذا التأثير العظيم، في القريب والبعيد؟!!

لا شك أن هذا يحتاج إلى دراسة وافية لمنهج الشيخ رحمه الله تعالى، وأسلوبه، وطريقة عرضه، لأنه باختصار شديد مدرسة قائمة بنفسها في هذا الجانب.

فهو أوﻻً: صدق الكلام بما يتوافق مع القناعات.

ثانياً: الواقعية.

ثالثاً: الأدلة المقنعة، وأعني بالأدلة المفهوم الأوسع من النصوص الشرعية فقط.

رابعاً: الفصاحة، والبلاغة، والبيان.

خامساً: الدخول في حياة المجتمع التفصيلية.

سادساً: حمل هم الإنسان البسيط، الكادح، المظلوم.

سابعاً: الكلام عن القضايا المصيرية للأمة، فهو لا يتكلم في المواعظ، والعبادات من صلاة، وصوم، وغيرها، ثم هو يسكت عن قضايا العدالة، وقضايا الحريات، وقضايا أكل الحقوق، وقضايا اﻻستبداد والظلم.

ومثال على ذلك: كان يقول من على منبره، وهو يتكلم عن التعذيب في السجون العربية وغير العربية: إن الأفكار ﻻ تغير بالكرباج، إن الأفكار ﻻ تغير بوضع الطوق الكهربائي في الرؤوس، إن الأفكار ﻻ تغير بتعليق الآدميين كما تعلق البهائم في السلخانات، إن الأفكار ﻻ تغير بإطفاء أعقاب السجائر في مواطن العفة والكرامة، إن الفكر ﻻ يغير إﻻ بالفكر.

من العبارات الجميلة المعبرة التي حفظتها منه رحمه الله تعالى عندما كان يتحدث عن قضية الثبات على المبدأ، وعدم التنازل عنه، قوله: شعار بعض الناس وافق، أو نافق، وإﻻ… ففارق!!!

حقًّا…إنه رجلٌ شكّل غيابه فراغاً كبيراً، قلّ أن يُسدّ مثله.

وقد يسّر الله تعالى لي زيارة أبناء الشيخ رحمه الله تعالى في بيته، والذين كانوا يرفضون التحدث في الإعلام بوصية أبيهم، إﻻ أنهم استقبلوني إكراماً، ومحبة، فجزاهم الله خيراً.

جلستُ في ذلك المنزل البسيط المتواضع للشيخ، ورأيتُ آخر كتاب قرأه رحمه الله تعالى، وهو: سبل الهدى والرشاد في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ورأيتُ سجادته التي كان يصلي عليها، والمكان الذي سجد ومات فيه، في يوم الجمعة، وهو يستعد للذهاب للصلاة، رحمه الله تعالى.

ثم التقيتُ بمن كان يرافق ويلازم  الشيخ رحمه الله تعالى، وهو الأخ محمد عبد الغفار، وسألته عن السر وراء التأثير والحيوية الفكرية، والثقافية، واﻻجتماعية، والسياسية، عند الشيخ رحمه الله تعالى.

فأجاب: بأن ذلك كله نابع من الإخلاص، فالشيخ رحمه الله تعالى أخلص قلبه لله تعالى، ففتح الله عليه ينابيع الحكمة، وينابيع المعرفة، مع كثرة اﻻطلاع والعلم، وحبه لهذا الدين، وحبه للرسول العظيم صلى الله عليه وسلم، ومدى قوة الإيمان، واﻻرتباط بالله جل وعلا.

بل إن الشيخ رحمه الله تعالى عندما جاء إلى مسجده الذي كان يخطب فيه، كانت صفوف المصلين فيه متباعدة، والأعداد قليلة جدًّا!! ولكن بفضل الله تعالى استطاع الشيخ أن يجمع الناس، ويؤلف بينهم، بالحكمة، والكلمة الطيبة، خصوصاً أنه دعا ربه جل وعلا حينما فقد البصر، فقال: اللهم إن كنتَ قد استرجعتَ مني موهبة البصر، فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليّ!!! فاستجاب الله له هذا الدعاء.

ولذلك التفّ الناس حوله، وبلغت دعوته آفاقاً بعيدة، لأنه كان صاحب دعابة، وكان له أسلوب يستطيع أن يلم به الشتات، ويجمع به الشمل.

أما خطبه فكنتَ تشعر كأنه أسد جسور، يشحذ الهمم، ويحرك القلوب والأسماع، كأنه نذير جيش، كأنه منذر حرب، هذا وضعه من فوق المنبر، خطب قوية رنانة، بلغة عربية فصيحة بليغة، فقد كان ﻻ يبارز في اللغة، وإذا كان محمود سامي البارودي هو الذي أعاد الشعر من مرقده، فنحن نقول: إن الشيخ عبد الحميد كشك هو الرجل الذي أعاد الخطابة من مرقدها! هذا بالنسبة للمنبر.

أما بالنسبة للدرس؛ فكان فيه دعابة، وطرفة، ممزوجاً بالفائدة، والعلم.

قلتُ:

رحمه الله تعالى، لقد كان رجل مواقف، وتربية، ومنهج، ومبدأ.

ومن الكلمات التي حفظتها منه قوله: الحمد لله الذي أخذ بصري؛ كي ﻻ أنظر في وجوه الظالمين!!!

وفي كتابه: قصة أيامي، وهو مذكرات للشيخ رحمه الله تعالى يتكلم فيها عن سجنه، وعن تعذيبه، وعن السنين التي قضاها خلف القضبان، بلا ذنب، أو تهمة، وإنما لأنه رفض أن يفتي بإباحة دم فلان، أو علان، من الدعاة، والمفكرين!!

وكان يقول بعد خروجه من السجن: كانوا يستدعونني، ويحققون معي لماذا تتكلم عن عمر بن الخطاب بهذه الكثرة، وهذا التصريح؟!!!

فيقول: وأي شيء في الكلام عن عمر رضي الله عنه؟!!

فيقولون: إن في الكلام عن عدالة عمر تعريض بالكبار!!!

سبحان الله العظيم!!

فكان الشيخ مصدر إزعاج لهم، حتى عندما ينتقي القصص، ويرويها بشجاعة، وبعرض فني بارع، يصل القلوب قبل الأسماع.

ولذلك فإن الوفاء يدعوني أن أذكره، وأعرِّف الناس بسيرته، وأعدد محاسنه، وأنشر مبادئه، سواء اتفقتَ معه، أو اختلفتَ.

هذه الشخصية نموذج للثبات على المبدأ، نموذج لوضوح الرؤية، قدوة لكل الخطباء، الذين ينبغي أن تكون لهم شخصية واضحة حتى ﻻ يضطرب الناس بسببهم.

نعم الإنسان يتنوع مرونة على حسب الظروف، وكلنا يقدر المفاسد والمصالح، ولكن يجب أن لا يكون الداعية، أو الرمز، قطب رحا تطحن به الشعوب، وبفتاواه تذلل المعاصي، أو ينشر الفساد، وبكلماته يصعد الظالم، أو المتمصلح، ويكون جسراً لكل مصيبة!!

إن هذا الرجل يستحق الوفاء، ويستحق الذكرى، وأمثال هؤلاء هم الذين يخلدون في تاريخهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى