وياكم 2013

وياكم 2013 الحلقة السادسة والعشرون حب

الحب

 

من منا ﻻ تكون هذه الكلمة في وقعها وجرسها لذيذة على أذنه، جميلة في مخرجها من شفاه الناس؟!!

وهل تصلح الحياة بلا حب ؟!!

وماذا عساها أن تكون حياة الناس لو سلب منها الحب، وفُرِّغت من هذه العاطفة الدافئة العظيمة.

أنا أفتي أن ترك الحب ذنبٌ             آثِمٌ في مذهبي مَن لا يُحبُ
ذق على أمري مرارات الهوى             فهو عذب وعذاب الحب عذبُ

                    كل قلب ليس فيه ساكن                     صبوة عذرية ماذاك قلبُ

 

هذه الأبيات من كتاب الطالع السعيد الجامع لأسماء نجباء الصعيد، للإمام الأدفوي، من علماء القرن الثامن الهجري، وهو يتكلم في هذه الأبيات عن الحب العلوي، عن التجلّيات، عن مدارج السالكين، عن تلك السلالم التي تصعد بنا من وهدة الأرض الساحقة، واﻻلتصاق بالطين، إلى الروحانيات، والتألق في أفق رحب جداً.

إنه الحب الإلهي الذي إن تمكن من قلب الإنسان تمكناً واعياً متوازناً، فإن نظرته للحياة تتغير، وتعامله مع الآخرين يتغير، ولوكان ذلك الغير مكروهاً مبغوضاً له، لما يداخل تلك النظرة من الشفقة والرحمة، والإنصاف، للخصم.

سوف أنطلق في كلامي عن الحب من خلال مقطوعة، وميراث متداول، على الألسنة، شاع، وذاع بين المثقفين، وغير المثقفين، ونُسب إلى امرأة ظلمت كثيراً، واختلف الناس حولها، فمِن معظم لها، ومِن محقر، ومن مادح لها، ومن ذامّ….

ظلمت قديماً وحديثاً، ظلمت في الإعلام عندما صورها بصورة المغنية، والراقصة، التي تحترف تلك المهنة سعياً وراء المال، والثروة!!!

وهذا ليس بالغريب على الإعلام المشوَّه والمشوِّه، فالصورة التليفزيونية عن الرموز والأعلام كثيراً ما تكون غير دقيقة، لأنه يدخل فيها خيال كاتب النص، وخلفيته الثقافية والدينية، ويدخل فيها عدم التحري في دقة الروايات وثبوتها، إلى ذلك من أسباب تعود على صاحب القصة، وبطل الفيلم بالسوء، والتشويه.

إنها…. رابعة العدوية.

فماذا قالت رابعة العدوية في حب الله سبحانه وتعالى؟

وكيف فسر الناس هذه المقولة؟

وهل فهتمها الثقافة التخصصية، والثقافة الشعبية فهماً سليماً؟

لقد نُسب لرابعة تلك الكلمة التي تقول فيها: (يا رب؛ ما عبدتك خوفاً من نارك، وﻻ طمعاً في جنتك، وإنما عبدتك حباً فيك)!!!

نعم؛ هذه الكلمة شائعة ذائعة عن رابعة العدوية، وقد وجدنا الشرنوبي شارح كتاب الحكم العطائية ينسب إليها هذه الأبيات التي تقول فيها:

كلهم يعبدوك من خوف نار             ويرون النجاة حظاً جزيلاً
أو بأن يسكنوا الجنان فيحظوا            بقصور ويشربوا السلسبيلا
ليس لي في الجنان والنار حظ             أنا ﻻ أبتغي بحبي بديلاً

الأبيات جميلة… ولكن كيف نفسرها؟!!     

أحياناً تكون العبارة واحدة، ولكن تفسيراتها تتعدد، فما هو المنهج العلميفي مثل هذا الموقف؟!!

ذكر الإمام ابن القيم في كتابهك مدارج السالكين، أن الكلمة الواحدة يقولها اثنان، أحدهما يريد بها محض الباطل، والآخر يريد بها محض الحق!!

فما هو السبيل إذن ﻻستبيان المراد الحقيقي لهذا القائل؟!! أشار الإمام ابن القيم إلى أن المعتبر في ذلك هو حال الرجل ومعتقده، وما ينافح عنه، ويدعو إليه، أي أن الشخصية وتكوينها الثقافي يجعلني أحمل كلامه محملاً حسناً، أو محملاً سيئاً مشكوكاً فيه.

نحن نعلم أن رابعة العدوية امرأة صالحة، فهل هي حقًّا قالت هذا الكلام؟!!

إن نسبة هذا الكلام لها فيه أخذ ورد، ولكن على فرض صدوره عنها، فإنه يجب أن يحمل في فهمه حملاً حسناً.

وكمثال على حمل الكلام حملاً حسناً، ما أجاب به شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عندما سئل: عمن يقول الطرق إلى الله عدد أنفاس الخلائق. هل قوله صحيح؟

فأجاب: إن أراد بذلك الأعمال المشروعة، الموافقة للكتاب والسنة: كالصلاة، والصدقة، والجهاد، والذكر، والقراءة، وغير ذلك، فهذا صحيح. وإن أراد إلى الله طريقاً مخالفاً للكتاب والسنة؛ فهو باطل.

فقد فسّر الشيخ الكلام على وجهين؛ لأنه محتمل للحق والباطل، ولم يجزم بأن قائل ذلك قصده المعنى السيء.

وهذا يقال أيضاً في العبارة المنسوبة إلى رابعة العدوية: يا رب ما عبدتك خوفاً من نارك، وﻻ طمعاً في جنتك، وإنما حباً فيك.

فالمعنى المتبادر منها أنني ما عبدتك خوفاً من نارك؛ لأن عبادة الخائف أشبه ما تكون بعبادة المماليك، المستعبدين، الأرقاء، فهو يعبده خوفاً من نار جهنم، ولولا هذه النار، والوعيد بالعذاب لما عبد الله تعالى!!

أما القسم الآخر من الناس، فهم المقصودون بقولها: ولا طمعاً في جنتك، أي لا أعبدك رجاء الثواب، والجنان، والحور الحسان، والأنهار، والقصور، لأن هذه عبادة التجار، فهو يعبده لكي يعطيه، فالعلاقة قائمة على المصلحة، ولولا ذاك ما عبد الله تعالى!!

إذن ما هو المخرج؟!!

الجواب: أنني لا أعبدك إلا حباً فيك، لأنه سبحانه مستحق للعبادة لذاته، لكماله، وجماله، وجلاله.

فهل هذا التخريج صحيح، ومنطقي؟!!

أقول: نحن نريد أن نضع الكلام في ميزانه الصحيح، بعيداً عن المثاليات، ومخالفة القرآن الكريم الذي نصت كثير من آياته على أن العبادة لله تعالى تكون خوفاً وطمعاً، رجاءً لثوابه، وخوفاً من عقابه، كقوله جل وعلا: {يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون}، وقوله: {تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله}، وقوله:{ويدعوننا رغباً ورهباً}، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي فيها الخوف، والبكاء، وفيها طلب النعيم، والجنان.

والسؤال الحاضر في هذه اللحظة: من الذين كان يخاطبهم الله جل جلاله في هذه الآيات البينات؟!!
ألم يكن يخاطب الأنبياء عليهم السلام؟! ويخاطب عباده الصالحين؟ ألم يخلق الجنة، ويخلق النار؟ وما الحكمة من خلقهما إذن؟!!

لا شك أن هذا الكلام فيه مبالغة كبيرة، ومثالية موهومة، ولكن مع كل ذلك فمن الممكن حمل هذا الكلام على محمل حسن، بما ﻻ يخالف العقيدة.

فالقاعدة الإسلامية التربوية المتوازنة تقول: إن المسلم يعبد الله تعالى بثلاثة أركان، أشبه ما تكون برأس الطائر وجناحيه، فالجناحان هما الخوف، والرجاء، والرأس أو المقدمة هو الحب، وهو الأصل.

ويقال: إنه من الأفضل تغليب جانب الرجاء؛ حتى ﻻ يقع الإنسان في اليأس، وهذا بحسب الراصدين والمحللين من العلماء، في مقارنات دراسية عند الفقهاء.

والذي يقول: أنا أعبد الله بالحب فقط، هو إنسان غير موازن في شخصيته، وهو خلاف الواقع؛ لأننا إذا درسنا الدوافع الكبرى التي تحرك الإنسان،-ولا نريد الدخول في التفاصيل العلمية-، فإننا نجد أن تلك الدوافع تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

  • ü عواطف رادعة.
  • ü وعواطف دافعة.
  • ü وعواطف ممجِّدة.

فالعاطفة الرادعة تردعك عن الإقدام على المعائب، والمنكرات، فهي تعمل ككوابح، وهذه كعاطفة الخوف، وعاطفة الجبن، وعاطفة الرهبة.

والعاطفة الدافعة تدفعك للإنجاز، والإبداع، والعمل، والمثابرة،كعاطفة الرجاء، وعاطفة الأمل، ولوﻻ العواطف الدافعة لما قامت الحياة.

والعاطفة الممجدة، كعاطفة الحب، وعاطفة التقديس، وعاطفة الإعجاب، فهذه عواطف ممجدة.

وبين هذه العواطف ترابط، وهي في الإنسان المتزن تسير في خطوط متوازية، قائدها الحب، وهي عوالم باطنية، لا يعلمها أحد، وليست قابلة للقياس الدقيق، فنحن ﻻ نتكلم عن مصنع يعطينا قوالب منضبطة لا تتغير بتغير الظروف والأحوال، وإنما نتكلم عن بشر، تؤثر فيه أبسط الأمور، ومن هنا ولأجل ذلك كانت العبارة المنقولة عن علمائنا المتقدمين التي يقولون فيها: من عَبَدَ الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عَبَدَ الله بالرجاء وحده فهو مرجيء، ومن عَبَدَ الله بالخوف وحده فهو حروري.

والإرجاء في اللغة: التأخير، والمعنى أنهم أرجأوا العمل على القول، أي أخّروه، فأتوا بالقول دون العمل.

وأما حروراء فهي منطقة خرج فيها الخوارج، والخوارج كانوا عبّاداً زهّاداً، أكلت الأرض جباههم، ولكنهم كانوا على ضلالة.

إذن ﻻ عبادة رجاء مطلق دون خوف، وﻻ عبادة خوف مطلق دون رجاء ﻻ يعرفه الإسلام، وﻻ عبادة حب دون خوف ورجاء، بل هو توازن بين الحب، والخوف، والرجاء.

فالمسلم متوازن في قضية إقباله على الله سبحانه وتعالى، ولكن كيف نوجه كلام رابعة العدوية:

(ما عبدتك خوفاً من نارك وﻻ طمعاً في جنتك إنما عبدتك حباً فيك)!!

يقول العلماء: إن أصل الخوف هو الحب!! كيف ذلك؟!!

قالوا: إن الشيء يعرف بضده، فخوفك في حد ذاته هو حب عكسي، فأنت تخاف من المرض، لأنك تحب الشفاء، وتخاف من الهزيمة، لأنك تحب اﻻنتصار، وتخاف من الخسارة، لأنك تحب الربح، وهكذا، فالأمور تعرف بنقائضها، فالخوف يعود أصلاً إلى الحب، لأن الحب أكبر دافعية وجدانية تعطي الإنسان الاندفاع  للفعل، والإنتاج، والبناء، والإتيان بإنجازات على الصعيد النفسي، والواقعي، واﻻجتماعي.

فالمقصود منه هذه: أننا يا رب العالمين نخاف من نارك، ونرجو رحمتك، إﻻ أنك لو لم تخلق ناراً، وﻻ جنة، فأنت مستحق العبادة لذاتك؛ لكمالك، وجلالك، وقدسك، فهو الكمال المطلق سبحانه وبحمده، ولكن الله سبحانه وتعالى أعلم بالنفس البشرية، وبدرجاتها، ومداخلها، فالإنسان بطبيعته وفطرته يعمل بمقابل، وهذا أمر مشروع، ولذلك رتّب الله تعالى الجزاء والثواب على الأعمال، ليندفع الإنسان للعمل، والاجتهاد، وتحصيل أعلى الدرجات، وأسمى المقامات، إلا أن البعض لا يحركه وجود الثواب، فيتكاسل ويتباطأ، فكان لا بد من جانب التحذير، والتخويف، والإنذار، ولذلك يقول الشيخ الشعراوي رحمه الله تعالى: من الناس من يعبد الله تعالى، وقلبه متعلق بالنعمة، ومن الناس من يعبد الله تعالى وقلبه متعلق بالمنعِم!! ومع ذلك نقول: إن بينهما تلازماً.

فهذا هو الفهم الصحيح لهذه العبارة المنسوبة لرابعة العدوية، وهو الفهم الموافق لكتاب الله تعالى، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

ولكن وجدنا في المقابل من فهم هذه العبارة فهماً مغلوطاً، خاصة من أولئك الذين سيطر عليهم معنى الحب، وما فقهوا النص الشرعي فهماً تكاملياً، فالزهد أحياناً مع عدم وجود علم مأصّل منضبط، يجعل هناك شطحات!!

ومثاله: أبو بكر الشبلي من زهاد القرن الثالث أو الرابع الهجري، سمع رجلاً يقرأ قول الله تعالى:{منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة}، فصكّ رأسه، وقال: {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة}، فأين من يريد الله ؟!!

فردّ عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كما في كتابه اﻻستقامة بأن من أراد الآخرة فإنما أراد الله تعالى قطعاً؛ لأن العلاقة بين الآخرة والله جل جلاله فيها تلازم، فليست الآخرة الإنسان هي مجرد المأكوﻻت والمشروبات، والأنهار والقصور، وسائر النعيم، بل هي رضوان من الله أكبر، وفيها رؤية الله سبحانه وتعالى، وفيها رضا الله سبحانه وتعالى، وفيها الخلود.

أضف إلى ذلك إن هذه الآية نزلت في الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في غزوة أحد، فهل يمكن القول بأن الصحابة أرادوا الآخرة، ولم يريدوا الله تعالى؟!! حاشا وكلاّ.

ثم إننا ونحن نتحدث عن حب الله تعالى، نرى مظاهر في اﻻرتداد عن واجبات الله، وعن نعم الله، وعن طاعة الله، بل أحياناً عن دين الله!! وأول أمارات التراجع في التدين والصلاح هي استثقال الواجبات، ثم يتبع ذلك استحباب واستلذاذ الآثام، فيتمرد على الطاعة، ويدمن المعصية، ويترتب على ذلك الميل عن أهل الخير والصلاح، واﻻنجذاب إلى أهل الشر والفساد والخراب، وهي درجات.

ولذلك نحن بحاجة إلى محبة الله سبحانه وتعالى من غير شبهات، نحتاج أن نحب الله سبحانه وتعالى بتوازن الرجاء، والخوف، لكي تتكامل الشخصية في اﻻتجاه إلى الله تعالى.

نقول هذا الكلام لكي ﻻ يقع اليأس في القلوب والنفوس، لأن كثير من أبنائنا ييأسون، ويتراجعون، وتأتيهم أحاديث داخلية، ووساوس شيطانية، تقنّطه من التوبة، والرجوع إلى الله تعالى، وهؤﻻء يرتكبون جريمة مضاعفة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبشرهم، ويقول لهم: (ﻻ يموتن أحدكم إﻻ وهو يحسن الظن بالله)، فإحسان الظن هو الذي يجعلك تتفاءل، فإذا كبوتَ في معصية، أو انزلقت رجلك في كبيرة، أو ضعفتَ في فترة من الفترات، فقل: يا رب إني تبتُ إليك، فتب علي، فتجد أبواب السماء تتفتح، ويأتيك القبول مباشرة، إن كنتَ صادقاً وغيرتَ البيئة.

وما أجمل ما قاله الشاعر غازي القصيبي في قصيدته التي رثى بها نفسه لما بلغ  65، حيث قال:

يا عالم الغيب ذنبي أنت تعرفه         وأنت تعلم إعلاني وإسراري

وأنت أدرى بإيمان مننت به            علي لم تكدره كل أوزاري

أحببت لقياك حسن الظن يشفع لي     وهل يرتجى العفو إﻻ عند غفار       

 

هذا الحب، وهذا الإقبال على الله سبحانه وتعالى يذكرنا بقوله جل وعلا: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}،  هل تريد مغفرة حقًّا؟! إن كنت صادقاً فعليك بصدق الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم، فليست المسألة مجرد ادّعاء حب الله، بل لا بد من برهان عملي على هذا الادعاء.

ولعلي أختم كلامي بالإشارة إلى طرف من أحوال المحبين الصادقين للنبي صلى الله عليه وسلم،  فلا يمكن أن نتكلم عن حب الله سبحانه وتعالى، دون الحديث عن حب النبي صلى الله عليه وسلم،  لأن المسألة تكاملية.
فهذا الإمام القسطلاني، صاحب كتاب: المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، يتحدث عن رحلته إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: (ولما كنت سائراً لقصد الزيارة، في ربيع الآخر سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة، وﻻح لنا عند الصباح جبل مفرح الأرواح،-أي جبل أحد-، المبشر بقرب المزار، من أشرف الديار، تسابق الزوار إليه، وتعالوا بالصعود عليه، استعجاﻻً لمشاهدة تلك الآثار،-أي رؤية المسجد النبوي الشريف، على ساكنه أفضل الصلاة وأزكى التسليم- واقتباساً لمشاهدة تلك الأنوار، فبرقت لوامع الأنوار النبوية، وهبت عرف نسمات المعارف المحمدية، فطبنا وغبنا إذ شهدنا أعلام ديار أشرف البرية، فأنشدتُ:

أَلاَمِعُ بَرْقٍ يَغْتَدِي وَيَرُوحُ             أَم النُّورُ مِنْ أَرْضِ الحِجَازِ يَلُوحُ ؟      
       ورِيحُ الصَّبَا هَبَّتْ بِطَيِّبِ عَرْفِهِم             أَمِ الرَّوْضُ في وَجْهِ الصَّبَاحِ يَفُوحُ ؟

إِذَا رِيحُ ذَاكَ الحَيِّ هَبَّتْ فَإِنَّهَا         حَيَاةٌ لِمَنْ يَغْدُو لَهَا وَيَرُوح

تَرَفَّقْ بِنَا يَا حَادِيَ العِيسِ وَالْتَفِتْ          فَلِلنُّورِ بَينَ الوَادِيَينِ وُضُوحُ

فَمَا هَذِهِ إِلاَّ دِيَارُ مُحَمَّدٍ               وَذَاكَ سَنَاهَا يغتدي ويروحُ

وِإِلاَّ فَمَا للرَّكْبِ هَاجَ اشْتِيَاقُهُمْ       فَكُلٌّ مِنَ الشَّوقِ الشَّدِيدِ يَصِيحُ

وأنَّت مطايا الرَّكبِ حتّى كأّنها … حمَام على قُضُبِ الأراكِ تنوحُ    
       وَقَدْ مَدَّتِ الأَعْنَاقَ شَوقًا وَطَرْفُهَا    إِلَى النُّورِ مِنْ تِلْكَ الدِّيار لَمُوحُ 
     رَأَتْ دَارَ مَنْ تَهْوَى فَزَادَ حَنِينُهَا         وَمَدْمَعُهَا في الوَجْنَتَينِ سَفُوحُ  
        إِذَا العِيسُ بَاحَتْ بِالغَرَامِ وَلَمْ تُطِق ْ      خَفَاءً ، فَمَا لِلصَّبِّ لَيسَ يَبوحُ

ثم يقول: ولما قربنا من ديار المدينة وأعلامها، وتدانينا من معاينة رباها الكريمة وآكامها، وانتشقنا عرف لطائف أزهارها، وبدت لنواظرنا بوارق أنوارها، وترادفت واردات المنح والعطايا، ونزل القوم عن المطايا، فأنشدتُ متمثلاً:

أتيتك زائراً وودت أني          جعلتُ سواد عيني أمتطيه

ومالي ﻻ أسير على المآقي       إلى قبرٍ رسول الله فيه

ثم قال: ولما وقع بصرى على القبر الشريف، والمسجد المنيف، فاضت من الفرح سوابق العبرات، حتى أصابت بعض الثرى والجدرات، وقلتُ:

أيها المغرم المشوق هنيئاً    ما أنالوك من لذيذ التلاقي

قل لعينيك تهملان سروراً … طالما أسعداك يوم الفراق

واجمع الوجد والسرور ابتهاجاً … وجميع الأشجان والأشواق

ومُرِ العينَ أن تفيض انهمالاً … وتوالي بدمعها المهراق
هذه دارهم وأنت محبٌّ   ما بقاء الدموع في الآماق

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى