وياكم 2015

وياكم 2015 الحلقة التاسعة عشر الاسلام والغرب

 

الإسلام والغرب

قلتُ:

يدور في أوروبا في السنوات العشر الأخيرة نقاش حول الهوية الوطنية، وغالباً ما يقود هذا النقاش إلى مهاجمة الإسلام، ومظاهر التدين في المجتمعات الغربية وصوﻻً إلى قضية الحجاب، والمآذن كما تعرف، وغيرها.

ما هو التحدي الذي يمثله الإسلام، ومظاهرة من الهوية الوطنية الأوروبية؟

وهل هناك أطراف مستفيدة من إذكاء هذا الصراع أو هذه الروح؟

فقال:

هذا سؤال مهم جداً، فحالياً هناك استراتيجية الرأسمال الأوروبي الكبير أساساً، والأمريكي كذلك، للتشهير بالإسلام لأسباب بسيطة تترتب عن الأزمة العميقة التي يعيشها الغرب حالياً، حيث أن بلدان أوروبا الـ 28 تعاني من 8.33 مليون عاطل دائم عن العمل!! ففي فرنسا وحدها هناك 5 مليون عاطل دائم عن العمل!! وفي ألمانيا هناك الملايين، والتقرير الذي صدر مؤخرا ًعن اليونيسيف حول إسبانيا ينص على أن 18 في المئة من الأطفال الإسبانيين الأقل من 10 سنوات، والحكومة طورت نظام التعويضات العائلية، والأغذية المدرسية المجانية لمواجهة هذه الأزمة الاقتصادية الناتجة عن نظام المضاربة في البنوك مما دفع الأوليغارشيات المسيطرة لهذه الدول متبوعة بالحكومات للبحث عن كبش الفداء، وبما أن هناك 5 ملايين مسلم في فرنسا من أصول مختلفة يحترمون قوانين الجمهورية، فقد قاموا بوصمهم كمسؤولين عن الأزمة، من أجل تهدئة غضب الطبقة العاملة ضد النخبة المترئسة!!

وفي سويسرا يقومون تماماً بالشيء نفسه، حيث قاموا بمبادرة لحظر بناء المآذن التي تعد مكان صلاة وتعبد للديانة الإسلامية، بحجة أنها تهدد السلام في سويسرا!! وهذه سخافة كبرى.

وفي فرنسا صدر قانون ضد الحجاب، مع أنه فعل عنصري؛ لأنه يمنع المرأة من إظهار معتقدها الديني، والدستور الفرنسي يمنح المواطنين هذا الحق، فلماذا يكون هذا الأمر ضد النساء المسلمات دون غيرهن؟! مع أن المعتقد هو حرية شخصية، وحق دستوري! وبناء على إلى ستمنع هذه النساء من الوظائف العامة! لا شك أن هذا فعل عنصري محض، يخضع لاستراتيجية رأسمالية، أي أنهم يلجأون لكبش فداء لإخفاء المسؤولين الحقيقيين عن الأزمة الاقتصادية في أوروبا الغربية، والتي ستتعمق بزيادة الفقر، وانتشار البطالة في كل مكان، والحكومات تظل عاجزة، وخائفة، وحلها الوحيد هو إيجاد كبش فداء كما فعل النازيون باليهود، والأمريكيون بالسود! هذه كلها استراتيجية، في حين أن الإسلام هو ثالث ديانة توحيدية عالمية، وفي كل مرة يذكر فيها عيسى، وموسى، ومريم، عليهم السلام في سور القرآن الكريم، تلاحظ احتراماً كبيراً تجاه المسيحيين، واليهود، وعليه فإن الإسلام هو دين سلام، وأخوة، والكتاب المقدس يؤكد هذا، لذا فالتهجم على الأمة الإسلامية المغاربية، أو من المشرق الأوسط، وغيرهما، في ضواحي باريس من خلال قوانين عنصرية، والتمييز في فرص العمل، يعد استراتيجية مقرفة دافعها خوف الحكام الرأسماليين، والشعب الفرنسي الذي سيثور يوماً ما، ويقضي على هذا النظام الاستعماري الداخلي العالمي المتوحش.

قلتُ:

كانت لك مناظرة في التليفزيون الفرنسي السويسري RTS مع أريك زينر الفرنسي المعروف بموقفه من الأجانب، والذي ﻻ يكف عن الطعن في القرآن على أنه هو مؤسس العنف عند المسلمين، وفي ذات الأسبوع كانت هناك مناظرة أخرى بين المسلم السويسري قاسم ايلي، والألماني أندريه سيل في قناة تلي سوري، وكرر التهمة نفسها ضد القرآن الكريم، وكلاكما أنت، وقاسم، كان جوابه لخصمه الذي يطعن في القرآن أنه يبتر الآيات من سياقها، وأنه ﻻ يذكر أن القاعدة الكلية هي السلم، وأن قضايا العنف هي قضايا استثنائية، وتكون في الحرب.

والسؤال: هل المشكلة في فهم النصوص القرآنية عند هؤلاء، أم هي في الصور الذهنية التي يشكلها الإعلام الغربي عن المسلمين، أم في واقع العالم الإسلامي الدامي، أم هي مقاصد ومصالح الطاعنين ونواياهم؟

فقال:

في الحقيقة أنك تسأل عن أشياء محددة جداً، فمن جانبٍ كان لي حوار مع إيريك زيمورز على التلفزة السويسرية للجانب الفرنسي، ذلك المفكر الفرنسي الحاصد للنجاحات المتتابعة بكتابه، ونظرياته حالياً في فرنسا، واللقاء الثاني في زيوريخ باللغة الألمانية، وقد حقق هذا الحوار نسبة مشاهدة مرتفعة جداً، وكان الضيف معروف بنظرياته المشابهة لنظريات إيريك زيمورز، فما هي هذه النظرية؟

هذه النظرية تجزم بأن المسلمين كلهم قتلة، ومجرمون؛ لأن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في العراق، وسوريا بالرقة تذبح السجناء، وتعتدي على النساء، وتقتل الأطفال، وغيرها من الجرائم الفظيعة؛ ولكن ما تقوم به هذه الأخيرة، أو تنظيم القاعدة، وغيرهما، والإرهاب عامة يتنافى تماماً مع القرآن الكريم؛ لأن كل سور القرآن تحث على التعايش السلمي، والتسامح مع الآخر، ونبذ الغلو، فإذا أخذنا بعين الاعتبار الديانات التوحيدية الثلاث الكبرى أي المسيحية، واليهودية، والإسلام، فهذا الأخير أي الإسلام ليس على خلاف، وﻻ يدعو أبداً للاعتداء على المسيحيين، واليهوديين، بل العكس هو الصحيح تماماً؛ لأن المسيح عيسى عليه السلام قد ذُكر في القرآن، وكذا مريم العذراء، والرسول صلى الله عليه وسلم قد تحدث عن موسى عليه السلام، وفي كل مرة يُذكر فيها عيسى أو موسى في القرآن، يستعمل ألفاظاً محترمة، وﻻ يستعمل ألفاظاً تدل على العنف أو النبذ، وهذا يدل على التسامح.

ثم المصطلح الفريد (الجهاد) الذي يتم غالباً ذكره، والذي يطرح كمشكلة بالنسبة للجميع، فالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة هو الجهد المبذول على نفسه، وﻻ يعني الفتك بغير المسلمين ككل، فالقرآن يحترم الديانات التوحيدية الأخرى.

أما بالنسبة للصورة المشهورة التي تتحدث عن الهجوم، والعنف، فهي بمعنى إذا كان هناك أحد يريد منع المسلم من الإيمان بربه، فيجب محاربته، والرد عليه بالعنف، أي الشخص الذي يريد منع المسلم من حرية المعتقد، وممارسة شعائره الدينية من الصلاة، والانصياع للقرآن، فهذه هي الصورة الوحيدة التي تتحدث عن رد فعل عنفوي ضد المتهجم.

ولذا فجميع هؤلاء المفكرين المفترين الطاعنين في الإسلام يخضعون لاستراتيجية الرأسمال الأوروبي المهيمن، والطبقات الحاكمة في أوروبا، المتخوفين من العواقب الاجتماعية للأزمة، والفقر الزاحف بأوروبا، والبطالة الجماعية، واليأس الأسري المتفاقمين، وبالتالي يجب عكس هذا الغضب على أمة أخرى تكون هي كبش الفداء، بمعنى يجب البحث عمن يتحمل كل المسؤولية!! كالقول: إن الجار المسلم هو السبب في عدم حصولي على عمل! أو العائلة المسلمة الساكنة بالقرب مني هي السبب في عدم حصولي على مسكن بسعر معقول!!

إنها استراتيجية منظمة لتشويه سمعة الإسلام، يقودها المفكرون، والإعلام، لحماية النخبة القائدة في أوروبا، ومصالحها، من غضب الطبقة العاملة التي تعاني حقاً من مشاكل عدة؛ لكن استعمال القرآن بتفسيره بطريقة كاذبة، وخاطئة تماماً، وخلق رابط بينه وبين أحداث إسلامية عنيفة كالذي تقوم به الدولة الإسلامية، أو تنظيم القاعدة، وأحداث 11 سبتمبر، هي جريمة ككل الجرائم المرتكبة من طرف القاعدة من قتل الأبرياء في بغداد، وسوريا، وذبح السجناء، وكل هذا معاكس لما جاء في القرآن؛ لأن هذا الأخير يحث على التعامل بإنسانية مع السجناء، واحترام الآخر، والمرأة لم تتواجد ليتم الاعتداء عليها، والشيء الخطر في هذا العالم هو السم الذي ينشره زيمور، ونيل، وأمثالهما.

وبما أنك ذكرت برنامجين تليفزيونين كبيرين أحدهما باللغة الفرنسية، والثاني باللغة الألمانية، فأقول: ما ذُكر فيهما هو سم حقيقي يقوم على تفسير مزيف، وكاذب للقرآن، للتشبيه بين مجرمي الدولة الإسلامية، وبين عامة المسلمين، في حين أن ما يقوم به محاربوا الدولة الإسلامية هو عكس ما جاء به القرآن.

قلتُ:

لا شك أن قناعتك، واستيعابك للحدث أفضل من استيعاب بعض من يعيش في العالم الإسلامي، والسؤال الذي سأطرحه عليك هو أيضاً من وحي الواقع، ففي سنوات مضت كانت لك محاضرة في الجزائر في الصالون الدولي للكتاب، وقد أثارت مداخلتك في المحاضرة جدﻻً كبيراً تجاوز إلى تبادل الاتهامات، عندما قلت: إن تفجيرات 11 سبتمبر تحصيل حاصل لكراهية الغرب، والحقد عليه!!

وأنا أعلم أنك قلت ذلك ليس موافقة على ما حصل في 11 سبتمبر؛ ولكنك تتكلم عن واقع أفرز هذه النتيجة.

فقال:

صدقت، فإن هجوم 11 سبتمبر 2001 في نيويورك، ومقتل ما يقارب 3000 شخص، هو نتيجة الإمبريالية الاستعمارية والاستغلالية للعالم العربي من طرف القوى الغربية، والتي أدت إلى ثورة ونفور؛ إلا أن الحادث في حد ذاته هو جرم أودى بحياة أبرياء لا حول لهم ولا قوة، ولهذا فإن هذا الحادث هو جريمة مثل أي جريمة إرهابية غير موجهة ضد جيش، بل ضد مدنيين، ويمكن تفسيره اجتماعياً، ونفسياً من خلال الأفعال الأمريكية في الشرق الأوسط التي تخلق الكره ﻻ محالة.

بالإضافة إلى خطاب أوباما الذي يؤكد على مساندته للصلح بين الفلسطينيين والإسرائيليين، في حين أنه يدعم باستمرار الاستعمار الإسرائيلي، والتفجيرات المستهدِفة لغزة!! فهذا الشيء بلا شك يخلق الكره في العالم الإسلامي؛ لكن الإرهاب بكل أنواعه، وبغض النظر عن هوية منفذيه، هو إجرام غير مقبول، ويجب التمييز بين الأسباب التاريخية، والاجتماعية، والنفسية، والفعل غير المقبول بحد ذاته.

قلتُ:

في كتابك: “كراهية الغرب“، عقدت فصلاً عن حقوق الإنسان، وقلت: إن حقوق الإنسان هي الهيكل الذي يقوم عليه النظام الدولي.

السؤال: ألا تعتقد أن أحد أسباب احتقان الشعوب العربية، والمسلمة تجاه الغرب يرجع إلى ازدواجية الغرب في تطبيق معايير حقوق الإنسان، والقوانين الدولية، فيما يتعلق باحتلال إسرائيل لفلسطين؟

وأنا أعلم أنك تعرضت لهجوم بسبب مواقفك المنصفة من كل العالم المظلوم، ووصلت الخصومة من قبل أمريكا، وإسرائيل، إلى حد أن طالبت إحداهما بتوقيفك، ومحاكمتك، والثانية بطردك من مناصبك الكثيرة!!

فقال:

ظهرت حقوق الإنسان في الغرب نهاية القرن 18 بفضل معاهدة جون جاك روسو سنة 1762، أي أن عصر الأنوار الغربية هي من أنتجت البيان الأول لحقوق الإنسان لطومس جفرسون، وبنيامين فرانكلين، الأمريكيَين المتمردَين، المعلن عنه يوم 4 يوليو 1776 في أول بيان للاستقلال الأمريكي ضد الإنجليز خلال مؤتمر فيلاديلفيا، حيث استند إليه الثوار الفرنسيون سنة 1789 تحت اسم: ” إعلان حقوق الإنسان والمواطن”، وأخيراً الإعلان العالمي الثالث للأمم المتحدة 10 ديسمبر 1948 خلال التجمع العمومي في باريس بشابو، وقد تم إخراج الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تمت المصادفة عليه من طرف كل أعضاء الأمم المتحدة، أي 194 دولة بالإمضاء عليه، وعلى الميثاق، هذه الحقوق العالمية المترابطة، وغير القابلة للتجزئة؛ إلا أن المشكلة هي ازدواجية خطاب الغرب، وبما أنني نائب رئيس اللجنة الاستشارية لمجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة، فإنني أشهد أن الحكومات الغربية كالمفوض الفرنسي، والألماني، والأمريكي، يعلنون، ويساندون حقوق الإنسان؛ لكنهم يتصرفون بعكسه عبر التعذيب الذي تقوم به أمريكا في غوانتانامو، والذي يعتبر قانونياً عندهم!! في حين أنه انتهاك لاتفاقيات جينيف، وتقريباً كل مواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الـ 31 دون أي عقاب؛ لأن الفيتو الأمريكي يحول دون ذلك، وهذا ما يضعف حقوق الإنسان، أي ازدواجية الغرب في تطبيقه؛ لأن قوة حقوق الإنسان تكمن في مصداقيتها، وعالميتها، وقيامها على الاحترام من طرف العالم بأسره، وإذا كانت الدول العظمى تساند هذه الأخيرة، ثم تتصرف عكسه في دول أخرى عبر التعذيب، والتفجيرات، واغتصاب أراضي الفلسطينيين، وتحويل المياه عن الأردن، واستبعاد شعب بأكمله، ورفض كل حلول الأمم المتحدة، وكل اتهامات مجلس حقوق الإنسان، وجميع قواعد القانون الدولي، كما أن الغرب يتفق مع كل هذا!! فمثلاً: مجزرة غزة التي وقعت في شهر يوليو 2014، خلال 5 أسابيع قصفت إسرائيل غزة عبر الجيش، والطيران، والبحرية، وهي المنطقة الأكثر كثافة سكانية في العالم بما يناهز 7.1 مليون ساكن على 365 كيلو متر مربع، فخلفت موت أكثر من 2000 شخص، وأكثر من 11000 ألف جريح، منهم مبتورو الأطراف، ومشوهون، ومكفوفون، دون أن تسجل أي ردة فعل من قبل دول الغرب، والأمريكيون سمحوا بذلك!! ومع ذلك كانت المقاومة الفلسطينية قوية رغم كل شيء، مما دفع بنتنياهو لوقف تلك المذبحة، إلا أن قتلاً جماعياً قد حصل!

وأنا أتحدث هنا كأوروبي، فهناك اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل منذ شهر يونيو2000، والمادة 2 منها تنص على أن هذه الاتفاقية توقف إذا قامت إحدى الجهتين باختراق حقوق الإنسان! في حين أن أكثر من 68 في المئة من صادرات إسرائيل توجه لواحد من البلدان الـ 28 من الاتحاد الأوروبي، فلو أن الاتحاد الأوروبي طبق مواد هذه الاتفاقية على أكمل وجه، وأوقفها بموجب المادة 2 لمدة 15 يوماً فقط، فإن جنود تل أبيب سيتوقفون عن اغتصاب الأراضي، وقتل الفلسطينيين! لكن الاتحاد الأوروبي يتواطأ دائماً مع انتهاك حقوق الإنسان الذي يذهب ضحيته الشعب الفلسطيني ضد حكومة تل أبيب، ويغضون أبصارهم عما يحدث، مع أنه يجب عليهم إيقاف الاتفاقية بموجب المادة 2 لإجبار إسرائيل على احترام القانون الدولي، وفتح المجال أمام دولة فلسطينية مستقلة، وديمقراطية، وسلمية بحدود خاصة بها.

لا شك أن الحكومات الأوروبية هم الشركاء الصامتون عن الحرمان من الحقوق، والعذاب، والمعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني، ويجب الحد من ذلك، والشعوب الأوروبية يجب أن تثور للتضامن مع هذا الشعب البطل، وأقول ذلك لأنني زرت الأراضي المستعمرة، وشهدت المقاومة.

قلتُ:

نحن إذا تجاوزنا أصحاب المصالح الكبرى، والذين سمّيتهم: سادة العالم الجدد، إلا أن الطبقة العريضة من الشعوب تائهة، ونحن قد رأينا تجربة من الغرب في خطاب الإسلام، فعلى سبيل المثال: علي عزت بيكوفيتش ألّف كتاب: “الإسلام بين الشرق والغرب“، وقد خاطب الغرب في هذا الكتاب بلغة الإنسان الذي يفهم طريقة التفكير الغربي، وتصوره للمجتمع المسلم، أي بتكتيك جديد ﻻ يفقهه الإنسان الشرقي، والسؤال: كيف ترى أنت العلاقة بين الشرق والغرب؟

فقال:

العالم الإسلامي أو الأقليات المسلمة في أوروبا، أو في أمريكا، من جانب، والعالم الغربي من جانب آخر، هناك اختلافات، وتوترات بدون أدنى شك، وهناك عنصرية خطيرة ضد المسلمين؛ لكن في هذه الحالة من التوترات يجب استحضار التاريخ، والرجوع بالذاكرة إلى الوراء، حيث أن أوروبا تعيش حالياً في إرث الحضارة الإسلامية، فعندما نستحضر الخلافة الأموية، والعباسية، والمأمون، وابن رشد، وكذا جامعات قرطبة، وغرناطة، خلال القرن الثامن مثلاً، فإن الفلسفة الإغريقية، والرياضيات، وأعظم الاكتشافات الفلكية هي من صنع العلماء المسلمين، واستغل المسيحيون هذه المعارف خلال حروب الاسترداد، وتعلموا من العلم والفلسفة الإسلامية، لأنه خلال العصور الوسطى كانت البربرية تعم، ولم يكن هناك وجود لأي حضارة مثيلة، فكانت الحضارة الإسلامية هي الأكثر لمعاناً، وبروزاً، وغنى، وسخاء، وقد ضمت موسيقيين، ومهندسين، وفلكيين، وعلماء رياضيات، وفلاسفة، أبهروا روما! في ذلك العصر لم تكن الحضارة الإسلامية معادِلة للحضارة الأوروبية الناشئة فحسب، بل كانت تفوقها بكثير، فقد كانت على مدى قرون من الزمان هي الأكثر لمعاناً، والأكثر ثراء من كل الحضارات الأوروبية، سواء في روما، أو في شمال ألمانيا، أو غيرها، ونقلت خلالها أفكار العصور القديمة من سقراط، وأرسطو، وأفلاطون، وأعيد إحياؤها، ودرست في جامعة قرطبة، وغرناطة، وغيرها، كما تم التعليق عليها، ونقدها، ونسخها لتنشر هذه الكتب بعد ذلك في أوروبا.

إذن القرون التي ظهر فيها هؤلاء العلماء المسلمون، إلى ظهور المغول، كانت هي عصر الأنوار الذهبي الذي تميز بلمعان الثقافة الإسلامية التي شكلت أساس الحضارة الأوروبية، لذلك يجب أن نعترف بفضل المسلمين علينا، وبكل ما تعلمناه منهم في العلوم، والفن، والرياضيات، والفلك، والفلسفة، والفكر، إلا أن الذي حدث  هو انقلابنا ضد هؤلاء المسلمين في الحروب الصليبية، والاستعمارات، لغصبهم أراضيهم، واستعبادهم…الخ.

هذه هي لعنة التاريخ؛ لكننا كأوروبيين يجب ألا ننسى أبداً ما ندين به لعصر الأنوار، وما منحه الإسلام لأوروبا.

قلتُ:

نحن لا نريد من الغربي أن يوافقنا على أفكارنا، كما أنه ليس مطلوباً منا أن نوافقه على أفكاره؛ لكننا نريد منه أن يستوعبنا، وأن يحكم علينا حكماً واضحاً سليماً، وليس من خلال ممارسات هنا، وهناك، وإنما من خلال العقيدة التي ندين بها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى