وياكم 2015

وياكم 2015 الحلقة الثالثة داعية من امريكا

 

داعية من أمريكا (أروع حلقات فن الدعوة)

هذا لقاء مفتوح مع المفكر والداعية الأمريكي المسلم الأستاذ خالد ياسين.

قصته طويلة، لن أدخل في تفاصيلها، كاعتناقه للإسلام، وحياته أيام الجاهلية، ولكنني سأدخل مباشرة؛ لأنه مفكر، وباحث اجتماعي، وقارئ متمرس يحلل المجتمع، ويحلل العلاقات المتشنجة، والمتصارعة في العالم.

طرحت عليه السؤال شبه التقليدي لكنه بالنسبة لمفكر لن يكون تقليدياً، فقلت له:

نحن اليوم نعيش في عالم عربي وإسلامي ضعيف، ومتراجع حضارياً، في شتى المجالات، العسكرية، والسياسية، والتربوية، والاجتماعية، والاقتصادية، وغيرها، وما فيه من مشاكل داخلية، وعرقية، وطائفية.

وفي المقابل هناك عالم متطور اقتصادياً، ومنتصر عسكرياً، ولديه حقوق إنسان، ومجتمع قانوني مدني، كأوروبا، وأمريكا الشمالية.

كيف لأمريكي مثلك من عالم متطور يعتنق الإسلام، ومنذ 45 سنة؟!!

ولماذا يقبل الغرب على الإسلام، رغم ضعف المسلمين، وانتصار الآخر في كل مجالات الحياة؟

فقال:

الذي فهمته من سؤالك أنه كيف للمسلمين بصورتهم الحالية وهم ضعفاء، ومجزأين، وغير منتجين، وصورتهم قاتمة، وليسوا متطورين، في حين أن الغربيين مليئون بالحيوية، والطاقة، ومنتجون، ولديهم كل المؤسسات، والمصادر المنتجة، فإذا كان الأمر كذلك لماذا يعتنق الشخص الغربي الإسلام كديانة، خصوصاً وأنه يرى صورة المسلمين السلبية في بلدانهم؟

أقول بكل بساطة جواباً على ذلك:

لماذا نحتاج الملح في طعامنا؟

لماذا نحتاج السكر لقهوتنا؟

لماذا نحب ونشتاق لسماع الإيقاع المتناسق أو الشعر؟

لماذا نحب عطر الزهور؟

لماذا نحب مذاق التفاحة؟

لأنه يضيف شيئاً لحواسنا، ويضيف اللذة للطعام، ويعطي شعوراً وإحساساً للقلب والروح.

المسلمون اليوم فقدوا روح الإسلام، فأصبحوا مثل الصخر، والخشب، لديهم اللغة، ولديهم الحضارة، وأنت من الخارج تستطيع أن ترى المعالم، وترى النقوش الإسلامية، أما من الداخل فالمسلمون يفتقدون الإبداع، وفقدوا الطاقة، وفقدوا التفكير النقي، وسنّة رب العالمين لا تتغير، فعندما وصل المسلمين لهذه المرحلة من التراجع، فتح الله تعالى باب الإسلام للغربيين، وللشعوب الأخرى الذين لديهم الروح والإحساس حينما يستنشقون عطر الإسلام، وعندما يتذوقون الإسلام من مصادره، وعندما يرون ديناميكية السنة، وقوة القرآن، فهذا يعطيهم الدافع لاعتناقه، حتى وإن رأوا وضع المسلمين حالياً فإنهم يتجاهلون وضعهم، ويعتنقون الإسلام، وبعد مرور عشرين سنة أو ثلاثين سنة سيكونون هم قادة الإسلام لدى قومهم، وفي بلدانهم، ولن يكونوا أوصياء على الحرمين الشريفين، فالله وهب هذه الوصاية للعرب هناك في الجزيرة العربية، ولا يستطيع أي شخص أن ينتزع هذه الوصاية منهم؛ لأن الله أعطاهم إياها، ولن يكون الغربيون هم الحافظين للغة العربية؛ لأن الله أعطى العرب اللغة، ومنحهم أسباب الحفاظ عليها، فالله أعطى العرب أشياء لا يستطيع أحد أخذها منهم، أعطى سكان مكة ماء زمزم، أتعلم عندما اكتشفت أمّنا هاجر ماء زمزم وهي جالسة مع ولدها وأتى بعض العرب، واستأذنوها أن تسمح لهم بالشرب منه قالت: هذا الماء لي، ويجب أن تدفعوا لي مقابل الشرب منه! مع أنهم رجال، وكان يمكنهم أخذه بالقوة، ولكنها حينما أجابتهم بطريقة مهذبة استجابوا لها، ودفعوا لها المال مقابل الاستفادة من الماء، ومنذ ذلك الوقت أصبح ماء زمزم ملكاً للعرب، الكعبة تحت وصايتهم، والحرمين تحت وصايتهم، ونطاقهم؛ لأن الله يريد حماية الحجاج، ويريدهم أن يشربوا من ماء زمزم، فأعطاهم هذه الوصاية. هذا أولاً.

وثانياً: الله تعالى يريد حماية القرآن، فأعطى القرآن للعرب؛ لأن لديهم اللغة لحمايته، ولكن الروح الإسلامية ليست مثل الكعبة أو الحرمين أو ماء زمزم، الروح الإسلامية تسبح من جيل لآخر، ولكل الأمم، والله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، والله يعطى البركة لمن يشاء، فالله سبحانه وتعالى وعد في القرآن الكريم أن القوم الذين يمتلكون اللغة والقرآن، ولا يقومون بالدعوة الإسلامية سيغيرهم، ويبدلهم بقوم آخرين.

قلتُ:

إذن نحن نحتاج إلى الفكرة الأساسية التي سمعتها من كثير ممن أسلموا، أنهم فصلوا بين واقع المسلمين وحالهم، وبين الإسلام ككتاب، وسنة، وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فأنتم قرأتم الكتاب، السنة، السيرة، وفصلتم.

فقال:

هذا صحيح؛ لأن الإسلام يختلف عن المسلمين، الإسلام هو المنبع، والمسلمون هم النتيجة فقط، والله سبحانه وتعالى لا يبالي بالذين يشربون من النهر، الله تعالى يجعل النهر نقياً، ونظيفاً، فإذا وجد الله سبحانه أن الذين اتبعوا دينه لم ينهلوا من نهر الخير لفترات طويلة، فإنه يتركهم لما يريدون، ويستبدلهم بأناس آخرين، ويجعلهم ينهلون من السنة، ويرفع منزلتهم.

فبعد رحيل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وبعد خمسة أجيال، وهب الله تعالى الإسلام بكل عظمته لغير العرب؛ لذلك نرى الإمام البخاري، والإمام مسلم ليسا من العرب، فالله تعالى يعطى الإسلام للناس بناء على إخلاصهم، وما فهمته عن الإسلام بمعرفتي البسيطة أن ما أعطاه الله للشعوب من فوائد الإسلام أصبحت ملكهم؛ ولكن روح الإسلام تطوف على الناس فتستقر في قلوب مستحقيها، وقد تنتقل من أناس لا يستحقونها لآخرين قلوبهم طاهرة!

ألا ترى محمد بن القاسم لما كان عمره ١٧ سنة هزم الهند، كأسامة بن زيد رضي الله عنه حينما قاد الجيوش وعمره لا يتجاوز الـ 18 عاماً!

ألا ترى أن الله تعالى لم يعط الكبار كل شيء، لم يعط خالد بن الوليد كل شيء، فخالد بن الوليد لديه منصبه؛ ولكن الله تعالى ولّى قيادة الجيش لأسامة بن زيد؛ لأن الله يريد الشباب الذين لديهم الروح، والمعرفة، والطاقة، وإذا كانوا كذلك سيأخذون الإسلام  لكل مكان.

قلتُ:

علي عزت بيغوفيتش المفكر الكبير في كتابه العظيم: “الإسلام بين الشرق والغرب” يقول: يجب على المسلم أن يغير استراتيجيته، وتفكيره في الدعوة، أي فن الدعوة لغير المسلمين، فما هو التحدي؟ وكيف؟

فقال:

لقد قرأت هذا الكتاب، وهو يقول: إذا أراد المسلمون تغيير استراتيجيتهم للدعوة، فيجب عليهم أن يقوموا بذلك بما يناسب متغيرات ديناميكية الحياة التي يعيشونها، فإذا أراد المسلمون نشر الدعوة في مجتمع مختلف عن حضارتهم بطريقتهم، لن يستطيعوا فعل ذلك، ولن يتقبل المجتمع الآخر ذلك! وهذا ما أقوله للصغار دوماً: يجب علينا استعمال اللغة الحضارية المعاصرة، يجب علينا استعمال مواقف مشابهة، ولغة مفهومة للجميع، لا يمكننا استخدام لغة أناس يعيشون في مجتمع مغلق، ثم نسعى لتعميمها على الآخرين.

فمثلاً إذا قال لي أحدهم: من هو معلمك؟ أقول لهم: معلمي الأساسي الشيخ خالد الحلواني في مكة؛ ولكن هذا لا يعني شيئاً للأوروبيين!!

فأقول لهم: لدي معلمون كثيرون، ومصادر عديدة، فأنا أقرأ من مجلة بلو بيرد، ومجلة فورشن، وأراجع القوانين من الملخص لجامعة هارفرد، وأتابع يوميات وول ستريت، وجريدة التايمز الأسبوعية، وجميع المصادر الاقتصادية!

هذه هي المعلومات المواكبة للعصر التي أتابعها، ولكن من أين أتيت أنا بهذه المصادر؟

إنها المصادر الكبرى للمجتمعات الغربية، ولذلك حينما أعرض عليهم هذا، سوف يتقبلون ما سأقوله لهم، وبالطبع أنا أستمد مصادري من أمهات الكتب، ومن القرآن، والسنّة، بالدرجة الأولى، لكنني أحاول أن أوصلها لهم بلغتهم لا بلغتي، يجب أن أوصلها لهم بلغة ومصادر يفهمونها.

لذا أعتقد أن الشباب الذين يعيشون في مجتمعات غربية اليوم خصوصاً يحتاجون إلى أمور ثلاث إذا كانوا يريدون التقدم للأمام، وأنا لا أتكلم عن إيمانهم، وإنما أتكلم عن أمور أخرى، إذا كانوا يريدون أن يكونوا مؤثرين، ومنتجين، ويحترمهم الآخر، عليهم أن يفعلوا ثلاثة أشياء:

أولاً: يجب عليهم أن يطوروا خطة حياة، وأنا لا أتكلم عن التعليم ، فالتعليم خطة مؤسسية تؤهلك للمشاركة في المجتمعات، ولهذا يجب عليهم التعلم؛ ولكن خطة الحياة التي أتكلم عنها أمر مختلف، فهي أن تكتب، وتبحث، وبعدها تفكر، ثم تسعى لتضع تصوراً لخطة حياتك، أين تريد أن تكون بعد خمس سنوات، أو عشر سنوات؟ وكيف ستحقق ذلك؟

هذه هي خطة الحياة، وهذا أمر مؤكد من لديه خطة للحياة والتعلم فإنه يتبوأ المناصب القيادية؛ لأنهم يمتلكون رؤية.

ثانياً: يجب عليهم أن يتعلموا مهارة تطوير المجال المستقبلي، وهذا يعني أنه بإمكانك أن تصبح طبيباً، أو مهندساً، أو نجاراً، أو عامل بناء، أو معلماً، مهما كنت؛ ولكن يجب عليك أن تدرس أموراً أخرى لتطوير مستقبلك، ويجب عليك أخذ دورات في الاقتصاد، واللغة، والكتابة، وتطوير الذات، ودراسة علم الاجتماع، والتاريخ، فإذا أتممت مثل هذه الدورات في فترة خمسة شهور لكل تخصص مثلاً، ثم درست لمدة خمس سنين، فإنك حتماً ستجد نفسك في المقدمة.

ثالثاً: يجب أن يستوعب أبناؤنا ما هي متطلبات الحياة، والديناميكية للقيادة، والتدريب على القيادة؟

أي ببساطة: كيف سيستوعبون مفاهيم القيادة إذا لم يدرسوها؟

أتعلم أن الرسول عليه الصلاة والسلام تنبأ أن أسامة بن زيد سيكون قائد الجيش، لماذا؟

لأن أسامة كان بجوار الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان الرسول يعلمه القيادة، وكيف يكون قائداً.

ثم: من كان والد أسامة؟

إنه زيد بن حارثة، وكان أيضاً إنساناً، منظماً، ومخلصاً.

ولذلك فأبناؤنا إن لم يتعلموا القيادة فسيتحولون إلى تابعين، فأنت لا يمكنك أن تحصل على قياديين من مجرد التعليم، وإنما تحصل على قياديين من التثقيف، فالله سبحانه وتعالى وصف الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: {ليطهرهم ويزكيهم}، ليس فقط يطهر قلوبهم، أو يعلمهم العلم، بل يربيهم وهو المقصود بالتزكية في أخلاقهم، وتصرفاتهم، وسائر شؤونهم، لذا إن كان ثمة شخص متعلم لديه خطة حياة، ولديه مهارة تطوير المستقبل، ويمتلك معرفة جيدة بالعالم، والمجتمعات، ويحوز التدريب الكافي للقيادة، وحسن الأخلاق، ومنضبط في إسلامه، فإن هذا الشخص سيكون قائداً، ولن يمانع حتى غير المسلمين في أن يكونوا تحت إمرته.

قلتُ:

هناك لغز نريد أن نحله ألا وهو: أن صورة المرأة المسلمة في العالم الإسلامي عند الغربي، وفي المجتمعات الديموقراطية الحقوقية كأوروبا وأمريكا، أنها مظلومة، وأنها تابعة للرجل، وأنها لا حرية لها، وأن حقوقها نصف حقوق الرجل، إلى غير ذلك من ادعاءات، إلا أننا في المقابل نجد المرأة الغربية اليوم تدخل في الإسلام أكثر من الرجل الغربي في أوروبا، وفي الولايات المتحدة الأمريكية، وفي أمريكا الشمالية! كيف لنا أن نفهم ذلك؟

فقال:

هناك ظاهرة في الغرب ترى أن المرأة المسلمة محبطة، ولا تحصل على حقوقها، وأنها غير متطورة، ولا منتجة، وأن مكانها المنزل، ولا يجوز لها الانخراط بالمجتمع، ويجب عليها متابعة زوجها!! وفي المقابل فالمرأة في الغرب حرة، ولها حقوقها الدستورية، كما أنها متحررة، وعاملة، وتستطيع أن تفعل ما تريد.

ولكن لماذا المرأة في الغرب تتقبل الإسلام أكثر من الرجل الغربي، وهي ترى هذه الصورة السلبية للمرأة المسلمة؟!!

والجواب على ذلك من خلال تجربتي، فأقول:

الحمد لله الذي رزقني سبع بنات، وسبع أخوات، ومن واقع الخبرة أستطيع أن أقول: هناك شيء في الرسالة الإسلامية يعمل على تخطي كل هذي المتناقضات؛ لأن القرآن الكريم حينما يتحدث فإنه يخاطب قلب المرأة كما أنه يخاطب في ذات الوقت عقلها، فالمرأة للإسلام كالخبز للفرن، لذلك نجد المرأة تتجه للإسلام؛ لأن الإسلام يعطيها الدفء، ويعطيها القيمة الذاتية، ويعطيها الروح، ويعطيها الكرامة، وهي تشعر بذلك على الحقيقة. هذا أولاً.

ثانياً: عندما تقرأ المرأة سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ترى فيه رجلاً حقيقياً، ليس رجلاً ذو عضلات، أو رجلاً غنياً، أو رجلاً لعوباً، بل ترى رجلاً حقيقياً يمتلك قيماً، ويتحمل المسؤوليات، ويحفظ كرامة أمه، وزوجته، وجيرانه، وكل النساء يرغبن بالحصول على رجل مثل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى الرغم من كوني أنا، وأنت، وكل مسلم لسنا كسيدنا محمد لأننا ضعاف؛ إلا أن المرأة تفضل الاقتران برجل ضعيف إذا كان يتحلى بسيرة هذا النبي، وأخلاقه، عن رجل لا يعرف الدين، ولا الأخلاق، ولا القيم.

فالإسلام يجلب الكرامة للإنسان، والمجتمع، وحتماً فإن المرأة حينما ترى شخصاً بإمكانه أن يحمي أطفالها، ويحفظ كرامتها، وقيمتها في المجتمع، ويقدس القيمة العائلية، فإنها ترغب بتصديقه، واتباعه، والإسلام كما نعلم يضمن ذلك كله، ويرجح كفة القيمة العائلية، والذي يحافظ على العائلة هي المرأة، لذلك فإن المرأة التي تقرأ القرآن، وسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولو لم تكن أسلمت، فإنك تجدها تحترم الإسلام والمسلمين، هذه هي ظاهرة القرآن، وهذه هي ظاهرة السنّة النبوية، فالذين يستمعون بحرص للسيرة النبوية يرون في النبي محمد الرجل الحقيقي، ومن ينصت إلى القرآن، يسمع حوارات راقية لم يألفها من قبل، لذلك ومن خلال تجربتي في الدعوة يمكنني تأكيد حقيقة هي: أنه مقابل كل رجل يعتنق الاسلام هناك امرأتان تسلمان، وفي بعض الأحيان ثلاث!! لماذا؟

لأن المرأة عادة ليس لديها غرور، أما الرجل فيتملكه الغرور، وزيف الكبرياء، فإذا حاورت رجلاً فقد يرد عليك بردود خاوية؛ بسبب غروره، أما المرأة فليس لديها إلا الرحمة التي تغلف قلبها، ولذا فهي سهلة الإقناع والاقتناع؛ لأنها تريد الرحمة، المرأة كالإناء كلما زدته ماء امتلأ بالخير؛ أما الرجل فهو عكس ذلك تماماً، فهو يحب الاستحواذ.

الرجل دائم الكلام، والثرثرة، أما المرأة فكثيرة الاستيعاب، والتقبل، لهذا أول من اعتنق الإسلام عن طريق سيدنا محمد من هي؟ إنها امرأة! خديجة رضي الله عنها.

عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعمل في تجارتها، رأته أمنا خديجة حيوياً ذكياً، صادقاً، فاختارته، سيدنا محمد لم يخترها، بل هي من اختارته، كما أن أول شخص ساعد سيدنا محمد عليه السلام عمه أبو طالب الذي كان تاجراً، وأول امرأة تلقت الإسلام من سيدنا محمد كانت زوجته، وكانت أيضاً تاجرة، فالله سبحانه وتعالى جعل محيط الرسول صلى الله عليه وسلم مليئاً بالتجار، ولذا إذا كان الإنسان رجل أعمال، تجد طاعة زوجته له مطلقة، لماذا؟

لأن الرجل يعطي النفقة للمرأة وهي تقدر ذلك، فالنساء مخلصات، ويتبعن الرجل إذا كان بالنسبة لهن مثالاً يحتذى.

لذلك أقول لأخواتنا المسلمات إذا كن ذكيات، ومتعلمات، ولديهن الإحاطة، والمعرفة: أنتن من سيكون المنطلق الأساسي للدعوة؛ لأن بمقدورهن إقناع نساء أخريات باعتناق الإسلام، والإيمان به، وإذا دخلت المرأة الإسلام، سيتبعها أطفالها لهذا الدين، وإذا اعتنقت المرأة والأطفال الإسلام، فالرجال سيلحقون بهم حتماً، هذه هي ظاهرة الإسلام كيف ابتدأ؟ وكيف نما؟

قلتُ:

إن الشبهات، والتشكيكات، والطعونات في مكانة المرأة في الإسلام التي يتناولها العلمانيون العرب، والمستشرقون الغربيون، واضحة، وكثيرة، فمثلاً: يتكلمون في تعدد الزوجات، ويتكلمون في ميراث المرأة، ويتكلمون في شهادة المرأة، ومع ذلك لم يؤثر هذا في المسلمات الغربيات، بينما ربما بعض المسلمات يرتبكن، ويتشككن!

فما الذي يجعل المسلمة الغربية بهذا اليقين؟

فقال:

هذه الأسئلة مهمة، وقد سمعناها من قبل، فالمشككون الملاحدة غير المتدينين والمستشرقون ينظرون للإسلام دوماً من الخارج فقط، ولأنهم ينظرون من الخارج، فلن يتمكنوا من معرفة جوهر الإسلام، لذلك تجد الأحكام التي يطلقونها على الإسلام خاطئة دوماً.

وسأعطيك مثالاً يقولونه للمرأة دوماً: ميراث المرأة في الإسلام نصف ميراث الرجل، وهذا ليس عدلاً بزعمهم؛ ولكن ما لا يفهمونه في الإسلام أن الله تعالى السميع العليم هو أحكم الحاكمين، ولأنهم لا يفهمون حكمة الله تعالى فإنهم يقعون دوماً في الخطأ، فالله تعالى أعطى المرأة الابنة نصف ميراث الرجل؛ لأنها لا تشارك به أحداً، ولا يشاركها فيه أحد، فهو لها وحدها مدى الحياة، أما الرجل فإنه يأخذ حصته كاملة؛ لأنه ينفق على ابنته، وزوجته، وأمه، وعمته، وكل نساء عائلته، لذلك أعطى الله تعالى الرجل حصته كاملة؛ لأن جزءً منها سيرجع إلى نساء عائلته.

ولأن هؤلاء القوم لا يفهمون هذا الكنز من الحكمة فهم لا يرونه هكذا.

كذلك في مسألة حجاب المرأة، وأنه يجب عليها تغطية نفسها، في حين أن الرجل ليس كذلك! أقول: لو كانوا يعقلون لعلموا أن الله تعالى جعل المرأة هي الكنز، فمثلاً: لو كان لدي مجوهرات، ولآلئ، وذهب، فأين سأضعها؟ حتماً ستكون في البنك.

والسؤال: هل يمكنك أن تجد هذه الكنوز ظاهرة على سطح الأرض؟

بالطبع لا، فإن بحثت عنها، فستجدها في بطن الجبال، أو تحت الأنهار، فحكمة الله تعالى اقتضت أن تتستر المرأة وتتغطى؛ لأن الستر لها بمثابة كنز، فإذا فقدت المرأة هذا الكنز، فإنها تفقد العائلة، والكرامة، وكل شيء، لذلك أمر الله تعالى المرأة بالستر؛ لأنها هي أثمن من كل كنوز الذهب، والمجوهرات، وطلب منها أن تتحجب؛ لأنها الكنز الحقيقي.

هناك من يقول: إن المرأة لا تستطيع العمل في العالم الإسلامي، أو لا تستطيع أن تقود الشعوب، أو لا تستطيع أن تكون إماماً في الصلاة، ولذلك فالمشككون ينتقدون، ولا يعلمون حكمة الله سبحانه من أحكامه، فلا يوجد في العالم من يضع جيشاً من النساء، وفيلقاً من النساء، ضد جيش من الرجال، ومن يقول في العالم الغربي: إن النساء سواسية مع الرجال، أقول لهم: حسناً ضعوا جيشاً من النساء ضد جيش من الرجال في ساحة المعركة!! لن يفعلوها؛ لأنهم يعلمون الفرق بين الذكر والأنثى، لذلك هم يتكلمون من الخارج، ولا يعلمون ما يوجد في الداخل، فهم دائما على خطأ.

ولذا فإن المرأة الغربية عندما تستمع إلى هذه القيم الإسلامية فإنها تقتنع، وتعتنق الإسلام، وهذه الروح الإسلامية لا توجد في الخارج، بل تأتي من الداخل، فإذا استمعت المرأة لحكمة الله سبحانه وتعالى، وفهمت القيم العظيمة للإسلام، دخلت فيه، وحينها ستجد العلمانيين، والملحدين، والمشككين، يدخلون الإسلام؛ لأنهم سيتذوقون الإسلام، وسيشعرون به، وكل من يتذوق، ويلمس، ويشعر بشيء جميل سيقبل عليه.

قلتُ:

ما هي المشكلة الكبيرة التي يمكن أن نحلها لكي يفهمنا الغرب، ويفهم الإسلام بطريقة صحيحة، ويقبل عليه؟

فقال:

أعتقد أن النجاح في عقول الناس هو نجاح خارجي، فالناس لا تفهم النجاح الداخلي، لهذا فهم يخسرون عائلاتهم، ويخسرون هواياتهم، ويخسرون أخلاقهم، ومبادئهم، ويخسرون كل شيء، فقط لأنهم يريدون المغامرة، والشرب، والرقص! لأنهم فقدوا مبادئهم من الداخل، لذا إن أردت أن تقنع شعوب الغرب بالإسلام، فيجب أن لا يتعارض طرحك مع طباعهم، وحينها سيفهمون ذلك لاحقاً، يجب أن نواكبهم بالعلم، وأن نواكبهم بالتعليم، وأن نواكبهم بالتجارة، وأن نواكبهم بحب العائلة والمجتمعات.

يجب أن ننتج مواداً، وأن نقدم خدمات، فالعالم اليوم يريد منك إنتاجاً، وخدمات، وليس مجرد أفكار للمواد، والخدمات.

يجب علينا مواكبتهم بالنجاحات والإنتاج، يجب أن نواكبهم بالتطور، يجب أن نواكبهم بسلوكنا، يجب عليهم فهم وحب الإسلام من خلال سلوكنا، فإذا عاملتُ جاري كأنه صديق لي، ولو لم يكن صديقي، فإنه بعد مرور الوقت سيصبح صديقي.

لو أننا نبتسم في وجوههم وهم يعبسون في وجوهنا، ولو أساؤوا لنا بكلمات معيبة، فلا ينبغي علينا أن نردها لهم، وإذا عاملونا معاملة سيئة، لا نعاملهم بالمثل، بل نتعامل معهم بطريقة جيدة، لأن لدينا أخلاقاً عالية، ونحن صادقون، وكرماء معهم، كما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره).

فالدعوة لا تكتمل بالكلمات، الدعوة تكون بالسلوك والأخلاق، لذلك عندما دخل الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة لم تكن أولى كلماته: ادخلوا دين الله عز وجل، بل كانت أول كلماته: (أطعموا الطعام، وأفشوا السلام على من عرفت، ومن لم تعرف)، لماذا قال هذه الكلمات؟

لأنه من الضروري أن ندعو الناس إلى طعامنا لحصول الألفة، والطمأنينة، فإذا أكلوا معنا سيتعرفون إلينا.

ثم السلام، حيّوا الناس بالتحية المثلى للجميع، ليس فقط التحية للمسلم، أو لصديقك، أو لأبناء بلدك، بل أبلغ التحية لجارك، وزميلك، وصديقك، ولكل الناس في الحي، وفي العمل، كن الأول في العمل، واحتفِ بزملائك، وكن طيباً مع الناس من عرفت منهم، ومن لم تعرف.

كانت هذه آخر نصائح الأستاذ خالد ياسين، أسأل الله تعالى أن تكون بلغت القلوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى