وياكم 2015

وياكم 2015 الحلقة الثالثة عشر وعي القلب

 

وعي القلب

كتاب تحرر العلم لروبرت شيلدريك، البريطاني المتخصص في علم فسيولوجيا النبات، ولديه مركز بحث للخلية، كتابه في الألفية الثالثة يقاس بكتاب دارون في الضجة التي أحدثها في مراجعة القوالب الجامدة لمفهوم العلم التي جمد عليها كثير من العلماء، هذا الكتاب أعطانا مدخلاً لمراجعة أمور كثيرة باسم العلم.

من هذه الموضوعات: موضوع أثار لغطاً كثيراً، وجدلاً واسعاً بين العلم، والدين، والمنهج العقلي ألا وهو:

هل نحن نعي بعقولنا، أم بقلوبنا، أم بتبادل العلاقة بينهما؟

ماذا يقول العلم؟

ماذا يقول الدين؟

ماذا يقول العقل؟

ماذا تقول المدارس المادية؟

ماذا يقول الإنسان المتحرّر من أي إلزام آخر؛ إنما ما يملي عليه الدليل؟

هذا الموضوع الحساس أحدث ضجة كبيرة في الفترة الأخيرة، وللوقوف على حقيقة الأمر، وأبعاد هذه القضية، قمتُ بزيارة الدكتور وليد فتيحي ليثرينا في هذا الموضوع بلغة علمية هادئة.

والدكتور وليد لمن لا يعرفه هو المؤسس الرئيسي، والتنفيذي، ورئيس مجلس إدارة المركز الطبي الدولي في جدة، عمل أستاذاً في المستشفيات التابعة لجامعة هارفارد، وقدم العديد من البحوث، والتقارير، وحاز على جملة من الجوائز العالمية.

بدأتُ حديثي وحواري معه قائلاً:

نحن يا دكتور جئناك من أجل أنك طرحت أطروحات القلب، والعقل، والعلاقة بينهما، وأنت تعلم أن الناس توارثوا أن القلب مجرد مضخة، وعملية آلية مغلقة بحتة فقط.

فماذا يقول الدكتور وليد فتيحي في هذا الموضوع؟

فقال:

لأهمية هذا الموضوع، فقد أفردت له حلقة في برنامجي: ومحياي 2، عنوانها “قلوب يعقلون بها“، فالقرآن لم يقل: عقول يؤمنون بها!! وإنما قال: قلوب يعقلون بها، ولا شك أن هذا مخالف لما تعلمناه في الطب على مدى مئات السنين، فقد تعلمنا أن القلب عبارة عن مجرد مضخة، وأن القرار يصنع في العقل، بل كل الأعمال الفكرية، والإيمانية، وصنع القرار هو في مناطق في الدماغ، وما القلب إلا عملية مضخة.

الكتب السماوية كلها تعطي القلب أهمية، ومركزية، ففي القرآن، القلب هو الذي يفقه، قال تعالى: {قلوب لا يفقهون بها}، والقلب هو الذي يعقل، قال تعالى: {قلوب يعقلون بها}، وقال: {أم على قلوب أقفالها}، وقال: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}.

ومعنى ذلك أن القلب في الكتب السماوية أكبر بكثير من كونه مجرد مضخة، وقد كان ذلك مدخل للملاحدة، حيث قالوا: إن العلم يقول: القلب مضخة، وأنتم تقولون في الكتب السماوية: إن القلب أكثر من مضخة!!

ولكن بحمد الله وكما قال الله تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم}، بدأ العلم يأتي بمعلومات خطيرة جداً، ففي عام 1994 ميلادي خرج علينا آندرو آرمر، وهو مؤسس علم الأعصاب القلبية، وقال: إن القلب نظام عصبي متكامل، فهو يحتوي على أربعين ألف خلية عصبية، ولذا فهو يستحق أن يدعى بالعقل الصغير!

أي أن القلب فيه عقل، وقد سماه بالعقل الصغير، بل إن الناقلات الكيميائية، والعصبية في هذا القلب مطابقة تماماً لتلك التي في الدماغ، ولذلك يستطيع القلب أن يعمل بمنأى عن العقل، وهذا الذي جعلنا قادرين على القيام بعملية زراعة القلب المفتوح، حيث ينزع القلب خارج الجسم، ومع ذلك يبقى القلب يعمل بدون أن يكون هناك تحكم من الدماغ!

بل لقد وجد بين القلب والعقل علاقة عجيبة جداً، فهناك أربع وسائل، وآليات للتواصل ما بين العقل والقلب:

أولها: ما يسمى: بالتواصل الكهرومغناطيسي، فوجد أن كل خلية من خلايا القلب فيها ما يسمى بالمجال الكهربائي، وهذا المجال يمكن القيام بعملية فحصه، ورصده، من أي منطقة في الجسم، وهو ما يسمى بالرسم البياني الكهربائي للقلب.

هذا المجال الكهربائي موجود كذلك في الدماغ، ويمكن قياسه بما يسمى الـ EEG  وهو الرسم البياني للعقل.

إلا أنه قد وجد أن قوة الكهرباء للقلب تعادل ستين ضعفاً عن تلك التي في العقل! وكل مجال كهربائي يولد مجالاً مغناطيسياً، فوجد أن المجال المغناطيسي الذي في القلب يعادل خمسة آلاف ضعف عما هو في الدماغ، هذا رقم واحد!!!

ثانياً: هناك ما يسمى بالتواصل عن طريق الآلية الميكانيكية، في الأذين الأيمن، وفي الأورطي، وهي عبارة عن خلايا استقبالية تحدد كمية تدفق الدم، ودقّات القلب.

ثالثاً: الآلية الهرمونية، حيث وجدنا أن هناك ستة هرمونات تفرز من القلب، هذه الهرمونات كنا نعتقد سابقاً أنها جميعاً تفرز من غدد في الدماغ، إلا أن العلم أثبت خلاف ذلك، ومن هذه الهرمونان التي يفرزها القلب: الدوبامين، والأدرينالين، بل هناك هرمون اسمه أوكسي توسين وجد أن 50% منه يفرز من الدماغ، و 50% من القلب، وهذا الهرمون هو هرمون التعاطف، والرحمة، والحب، والتقارب، والتآلف، وهو الهرمون نفسه الذي تفرزه الأم عندما تقوم بإرضاع ابنها.

رابعاً: الآلية العصبية، فكنا سابقاً نعتقد أن التحكم يكون من العقل إلى القلب عن طريق رسائل للقلب، وهو ما يسمى بالطريقة اللاإرادية العصبية، ولكننا وجدنا أن طريقة التواصل نفسها تتم من القلب إلى العقل، بل وجدنا أن كمية التحكم من القلب للعقل قد تكون أكثر منها من العقل للقلب، حيث يقول صاحب كتاب “القلب الذكي”: عندما ينبض القلب ﻻ يتدفق منه الدم فقط، وإنما هو يرسل معلومات في أشكال كهرومغناطيسية، وميكانيكية، وهرمونية.

 

قلتُ:

القلب يرسل معلومات! هذه العبارة لا بد أن نقف عندها قليلاً.

فقال:

نحن نعلم أن للقلب ذاكرة، والذاكرة من خصائص الدماغ، وهي أيضاً من خصائص القلب، ومن أجمل ما كتب في بيان هذه الحقيقة ما قام به جيري سكوارتس Gary Schwartz  بالتعاون مع باحثين آخرين، في جامعة ييلYale University ، وهي في مستوى جامعة هارفارد، بعمل دراسات في ورقة شهيرة جداً نشرت عام 1999 ميلادية في مجلة Jim، وهي مجلة محكمة علمياً، ومن أشهر المجلات في العالم في الطب، حيث درسوا 300 حالة من هؤلاء الذي تم لهم نقل قلب، ودرسوا فيه التغيرات التي حدثت لهؤلاء الأشخاص، سواءً في السلوك، أو العادات، أو الهوايات، أو التذوق، أو غير ذلك، وذكروا حالات عجيبة جداً، ومن الحالات التي ذكروها: أن شاباً نُقل قلبه لامرأة، ففوجئت هذه المرأة أنها بدأت تقول الشعر، مع أنها لم يسبق لها أن قالت الشعر قبل ذلك!! وأصبحت تحب الموسيقى الكلاسيكية، مع أنها لم تكن تحب أنواع الموسيقى الكلاسيكية أبداً!! وعندما استفسرت عن ذلك، وبحثت في سببه، وبعد مقابلتها مع عائلة ذلك الشاب المتوفى صاحب القلب، تبين أنه كان يقول الشعر، ويحب الموسيقا الكلاسيكية!!

حالة ثانية: أحد الأطفال كان يعيش في منطقة على البحر، ويحب السباحة، فمرض واحتاج لزراعة قلب، وفعلاً تم ذلك، ولكنه بعد ذلك فوجئ أهله بأنه أصبح يخاف من الماء خوفاً شديداً، فذهبوا به إلى طبيب نفسي لعلاجه، وعند إعادة الملفات السابقة، فوجئوا أن الطفل الذي تلقى منه القلب مات غريقاً!!

وهناك قصص أخرى عجيبة جداً في هذا المجال.

ولذلك يجب علينا أن نعيد النظر مرة أخرى في هذا الخلق العجيب وهو القلب، فالقلب أكثر بكثير مما كنا نظنه سابقاً من كونه مجرد مضخة، وأن الكتب السماوية كانت صحيحة في وصفها للقلب، وأن علمنا كان قاصراً، وأن هناك سيادة متبادلة بين العقل والقلب.

ومن أكثر من رأيه وثق هذا الموضوع، واحدة اسمها كلير سيلفيا في كتاب بعنوان: “تغير القلب” ففي عام 1999 وبعد عملية قلب مفتوح لها في جامعة ييل، ذكرت كلير تلك التغيرات التي حدثت لها من عادات، وسلوك، بل حتى التذوق!!!

فتذكر قصة طريفة جداً حيث أنها كانت تكره المأكولات غير الصحية، فهي امرأة تتبع نظاماً صحياً، ولا تأكل شيئاً مقلياً أبداً، وفجأة بعد نقل القلب أصبح لديها رغبة شديدة لأكل المأكولات المقلية! وخاصة الدجاج المقلي إلى حدٍّ ضايقها ذلك، لأنه أفسد النظام الذي تسير عليه.

فذهبت لكي تتعالج علاجاً نفسياً، فتقول للدكتور: أصبح عندي إدمان!! وعندما رجعوا إلى ملف المريض الذي أخذوا القلب منه، فوجئوا أنه كان يعمل في البناء (عامل بناء)، وكان يعشق أكل الدجاج المقلي! بل وجدوا أنه عندما مات كان قد وضع الغداء  الذي يأكل منه في كيس في جيبه، وهو عبارة عن دجاج مقلي!!

 

قلتُ:

ذكرتَ يا دكتور قضية السيادة المتبادلة بين العقل والقلب، فقد يحدث تضارب بينهما، فأحياناً أقتنع بضرر شيء، لكن نفسي تتوق إليه، فالعقل يقول كلاماً، ويكون القلب مضاداً له، فمثلاً: عقلي يقول: السجائر مضرة؛ لكن نفسي تقول: دعني أجربها!!

كذلك الطبيب يقول للمريض: قلّل من السكريات، لأنها سوف تهلكك، فعقله، وطبّه، وعلمه، يقول له: السكر سيقتلك؛ ولكن لذّته، وشهواته، وموطن الإرادة، وهو القلب يول عكس ذلك، فتنهزم الإرادة أمام الوعي، والعقل، والمعلومات.

كيف يكون هذا التبادل، وكيف نعيش؟

فقال:

للأسف أن معظم الناس يعيشون هذا الصراع، ولا يعلمون أنهم لو حلّوا هذا الصراع، لعاشوا في صحة كاملة، وهو توافق ما بين العقل والقلب.

أقول:

كل الخيانات سيئة؛ ولكن أعظم الخيانة هي: خيانة الذات، بأن تخون ذاتك، فأن تعلم أين الحق، ولكن مصالحك تجعلك تفعل شيئاً آخر!!

ولذلك يقول أينشتاين: إن القلب هدية قدسية، أما العقل فهو الخادم المطيع.

ووافق قوله ما قاله ابن القيم حيث قال: (والصواب أن منشأه -أي العقل- ومبدأه في القلب، وفروعه وثمرته في الرأس).

فكأن الذاكرة التي في القلب، هي التي تحث الذات التي في الدماغ، ألم تر إلى إنسان عندما يحب إنساناً آخر، فإنه لا يرى فيه إلا خيراً، وكأن القلب يأمر الدماغ ألا تر فيه إلا الخير!!!

والعكس صحيح، فالذي يأمر هو القلب.

قلتُ:

وقد جاء في الأثر: الحب يعمي ويصم!!!

فقال:

لأن القلب أمر العقل ألا يرى إلا الإيجابيات، أو السلبيات.

قلتُ:

كيف يكون التوجيه لهذا التوافق المفقود في حياتنا، وهذا التضارب بين ما يقتنع به العقل، وما تنزع إليه النفس، والشهوات.

فقال:

أعتقد أن من أجمل التوجيهات حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: ((إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكته سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها، حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكره تعالى في قوله: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون})).

وقد كنت أسأل نفسي كثيراً، فأقول: عندما يظلم الظالم، هل يا ترى أنه لا يرى الظلم؟!

ففوجئت أن دراسة تقول: إن كل مرة يرى الإنسان فيها موقفاً معيناً، ويقرر أن يعمل بضميره، ويقول للظلم: لا، فإنه تقوى عنده منطقة الدماغ المسؤولة عن المحاكمة، فيصبح لديه قدرة على رؤية مواطن الظلم.

وفي كل مرة يخون ذاته، وتقول له مصالحه الشخصية، أو الأنا: غض الطرف عن هذا الظلم، فإنه تضمر هذه المناطق، حتى أنه ﻻ يستطيع أن يرى هذا الظلم!!

ولذلك إذا كانت هناك رسالة مهمة، نخرج بها من هذا الحوار، فهي قولي: لا تستصغر، ولا تتساهل باللمم، وصغائر الذنوب، نعم قد يغفرها الله تعالى، ولكنها لو تراكمت على القلب، وتحولت كالران، فلن يستطيع الإنسان حينها أن يرى الحق، والصواب، وسيضيع العقل، ويصبح عبارة عن خادم مطيع للقلب؛ {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}؛ ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)).

فقلبك هذا بقدر ما يكون نقياً، وطاهراً، بقدر ما سيفعّل الدماغ، تفعيلاً صحيحاً، فتجد أن حياتك كلها صارت مستقيمة، ولكن إذا فسد هذا القلب، وأصبح كالران، فإن العقل لا يزيدك إلا عماء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى