وياكم 2015

وياكم 2015 الحلقة الثانية والعشرون الخلق من العدم

الخلق من العدم

سننطلق سويًّا في رحلة كونية ماتعة رائعة رائقة، مع عالم فيزيائي عربي شهير، كرّس حياته للدراسات الفيزيائية العلمية، وربطها بحقائق هذا الدين، ويقينياته…

هذه الرحلة العلمية ﻻ تنفصل عن العقيدة، والإيمان، وتصور الإنسان عن الكون، والحياة…

هو عالم ألتقيه لأول مرة رغم شهرته الواسعة، وعطاءاته العلمية.

إنه الدكتور والأستاذ البروفيسور محمد باسل الطائي، أستاذ الفيزياء الكونية في جامعة اليرموك في المملكة الأردنية الهاشمية.

بعد الترحيب، وموفور التقدير والاحترام بالدكتور الفاضل، دار بيننا هذا الحوار الطويل، الشائك في كثير من موضوعاته، لأن جل الموضوعات التي نوقشت هي موضوعات علمية بحتة، قد تصعب وتشكل على بعض المتخصصين، فضلاً عن غيرهم.

بدأتُ حواري مع أستاذنا قائلاً:

لا شك أن موضوعنا الذي سوف نطرقه من أدق الموضوعات، وهي موضوعات تناسب تخصصك الدقيق، وأنت خير من يتكلم في هذا المجال، أﻻ وهو الخلق من العدم.

والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن، والذي هو مجال أخذ ورد، منذ بداية العقل الفكري الفلسفي، إلى وقتنا هذا….

هل هذا الكون الذي نعيش عليه خلق من شيء سابق عليه؟ أي من مادة أسبق منه؟ وماذا يقول العلم الفيزيائي البحت في هذا الموضوع؟!

لأن هذا السؤال كما يقول نديم الجسر في كتابه قصة الإيمان، معضلة عقلية، فهناك إجابات تتعدد، هل الخلق جاء من العدم المحض، أم من مادة موجودة تشكل هذا الكون؟!

فأجاب: قبل أن أجيب على هذا السؤال من ناحية علمية، أشير إلى أن هناك رأيين فلسفياً في هذه القضية:

الرأي الأول: القائل بأن الكون خلق من شيء، وهذا الشيء هو المادة القديمة، وعليه فالكون قديم، ليس له بداية في الزمان أبداً.

وقد تزعّم هذا القول أرسطو، ومعظم فلاسفة اليونان، ومن فلاسفة الإسلام ابن رشد، وابن سينا، والفارابي، فابن رشد يتعرض لذلك في كتابه: (فصل المقال)، وكذلك في كتابه: (تهافت التهافت)، الذي رد فيه على أبي حامد الغزالي في كتابه: (تهافت الفلاسفة)، وللعلم فإن ابن رشد لا يصر على أن الكون قديم، ولكنه ﻻ يمنع من أن يكون قديماً، ويقول: إن ها هنا واسطة بين الله، والإنسان، والكون.

الرأي الثاني: وهم المسلمون على وجه التحديد، الذين قالوا: إن الكون خلق من ﻻ شيء.

وهذا قول المتكلمين.

قالوا: لأننا إذا قلنا إن الكون خلق من شيء، فإنه يصبح بذلك شريكاً للباريء، وهذا يعني أن هناك مادة أولية موجودة مع الله تعالى، والله تعالى خلق الكون منها، وهذا مناقض لاعتقادنا أن الله كان وﻻ شيء معه، والعالَم هو كل ما سوى الله جل جلاله. لماذا؟!

لأن الله جل جلاله مستقل عن العالم، وليس جزءاً من العالم، وﻻ داخلاً فيه، وليس العالم هو الله، أو شريكاً له، كما يقوله بعض الفلاسفة، فهذا هو موضوع الشيئية.

قلتُ: والمؤمنون يصرون على هذا الرأي؟

فقال: نعم؛ بينما غير المؤمنين يقولون إن الكون قديم، إلا أن رأيهم هذا تغير! حيث اعترفوا بسبب اﻻكتشافات العلمية أن الكون خلق من العدم، ومن تلك الاكتشافات توسع الكون، في العشرينيات من القرن الماضي، على يد هابل وشركائه في الرصد الفلكي، فوجدوا أن المجرات تتباعد عن   بعضها البعض بسرعة عالية، فلو تخيلنا أن الأجسام التي حولنا تتباعد عنا، فلو رجعنا بالزمن تدريجياً، فلا بد والحالة هذه أن تكون هذه الأجسام انطلقت من مكان واحد، أو موضع واحد، أو نقطة معينة، وهذا ما سمي بعد ذلك باﻻنفجار الكوني، ليس لتفسير توسع الكون فحسب، وإنما لتفسير وجود العناصر الطبيعية في الكون، وهي الهيدروجين، والهيليوم، بنسب محددة معروفة.

فلماذا كانت هذه النسب؟ لماذا يوجد الهيدروجين في الكون بنسبة 76%، والهيليوم بنسبة 23%، وبقية العناصر 1%؟!

فكان ذلك هو سبب نظرية اﻻنفجار العظيم، التي تقول إن الكون خلق من عدم، ولذلك تغيرت آراؤهم بسبب ذلك.

قلتُ: ومع ذلك يستمرون على عنادهم، وعدم إيمانهم. ولكن ما هو العدم من المنظور الفيزيائي البحت، من خلال تخصصك؟!!

وقبل أن أسمع إجابتك، سأذكر لك كلاماً لفيزيائي شهير، يتبني الإلحاد، ويتفانى في الدفاع عنه، ألا وهو الدكتور لورانس كراوس، حيث يقول: (إن أبسط أنواع اللاشيء هو النوع المذكور في الإنجيل، والذي يقول إن اللاشيء هو مساحة فارغة ﻻ نهائية، فراغ مظلم ﻻ نهائي كما يقول الإنجيل، وكما تعلمون ﻻ شيء في داخله، ﻻ جزئيات، ولا إشعاعات، ﻻ شيء، حسناً هذا النوع من اللاشيء تبين أنه مليء بالأشياء، أو على الأقل أنه أكثر تعقيداً مما كنت تتخيل؛ لأنه نظر لقوانين ميكانيكا الكمّ والنسبية، نحن الآن نعرف أن الفراغ هو كالمشروب المغلي الذي يبقبق بالجسيمات اﻻفتراضية، والتي تظهر وتختفي من الوجود في كل لحظة، في واقع الأمر لهذا النوع من اللاشيء، إذا انتظرت فترة طويلة كفاية فستضمن لك قوانين ميكانيكا الكمّ إنتاج شيء ما في الواقع، بمجرد تطبيق قوانين ميكانيكا الكمّ على الجاذبية نفسها، الفضاء نفسه يصبح متغير ميكانيكي كمّي، ويتقلب داخل وخارج الوجود، ويمكنك حرفياً من خلال قوانين ميكانيكا الكمّ خلق الأكوان، خلق الزمان، والمكان، حيث لم يكن هناك أي من المكان والزمان من قبل).

ما رأيك في كلام لورانس كراوس؟! نريد تبسيطاً لكلامه، وما هي قناعتك؟!

فقال: في الحقيقة إن لورانس كراوس هو أحد علماء الكونيات الذين نشأوا في الفترة الأخيرة، وبالرغم أن لديه جهوداً ﻻ بأس بها، إلا أنه يصر على أن الكون خلق من عدم!! ليس هذا فحسب، فأنا أقول إن الكون خلق من عدم، وأثبتُّ ذلك بحساباتي.

لكن السؤال: هل الكون خلق نفسه؟

هذا بالضبط ما يقوله كراوس، وهو رأي ستيفن هوكنج كذلك، أن الكون خلق نفسه من العدم، على أساس أن العدم هو اللاشيء، وللعلم فإن هذه القضية ناقشها المتكلمون قديماً، فالمعتزلة قالت بشيئية العدم، مستندين في ذلك على أن حقيقة الشيء كما يقول الجويني في كتاب الشامل في أصول الدين: (حقيقة الشيء المعلوم، والعدم معلوم فهو شيء)، فردت الأشاعرة عليهم: الأشياء تتألف من جواهر، فإذا كان العدم شيئاً، فما جواهر العدم؟!

فقالت المعتزلة: جواهر العدم مثل جواهر الوجود، إﻻ أنها غير متحيزة، أي ﻻ تشغل مكاناً، أو حيزاً، لأن العدم نفسه ليس مكاناً بالضرورة، أي ليس مكاناً فضاءً مثل الفضاء، العدم هو العدم.

كذلك أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى ناقش موضوع خلق الكون من العدم في كتابه: (تهافت الفلاسفة) بعمق شديد، وبدقة، وقال بعدم ضرورة وجود المخصص أو المرجح؛ لأن المرجح هو إرادة الله في الخلق.

ما سبق جميعاً هو جانب فلسفي.

أما الجواب على ذلك من جانب علمي عميق، فأقول: ما هي شيئية العدم؟

الحقيقة أن هذا الأمر قام على نظرية تسمى نظرية المجال الكمّي، وبموجب هذه النظرية لما طوّر ميكانيكي الكمّ، لكي يوضع في إطار نظري شامل جاءت هذه النظرية، وتبين بالفعل من خلال الرياضيات أن الأشياء لها حد في القياس.

فمثلاً: النظارة أمامي موجودة، كيف؟

فيزيائياً أقول: إنها قابلة للقياس، فأنا أراها وأستعملها، وأرفعها، إذن لها وزن، ولها كتلة، ولها طول، ولها عرض، إذن هي قابلة للقياس، فالنتيجة أن الأشياء الفيزيائية هي الأشياء القابلة للقياس.

هل هناك أشياء غير قابلة للقياس؟ الجواب: نعم.

مثال ذلك: الملائكة فهي كائنات غير فيزيائية، كذلك الجن هي حقيقة قرآنية، ولكنها غير قابلة للقياس، لأننا لا نستطيع رؤيتها، أو قياس طولها، أو عرضها، أو وزنها!!

فهذه الأشياء غير القابلة للقياس ليست فيزيائية.

نأتي إلى مصطلح العدم، العدم يعني: (اللاشيء)، ولا زلنا نتكلم عن كراوس، اللاشيء ليس بالضرورة عدم الغياب المطلق للأشياء، هو ليس الغياب المطلق فيزيائياً،        بمعنى أن بإمكاني أن أتخيل وجود أرانب حولي مثلاً، ولكن الأرنب الواحد ينبغي أﻻ يبقى في الوجود أكثر من ثابت بلانك، على كتلته، في مربع سرعة الضوء، ولو تحسب هذا الرقم يطلع عشرة قوة ناقص 45 ثانية!! أي: واحد أمامه واحد على واحد، أمامه 45 صفر جزء من الثانية!! وهذا القدر غير قابل للقياس.

إذن أنت تستطيع أن تفترض وجود أشياء أيًّا كانت، لكنها تكون غير قابلة للقياس، بمعنى أنها غير موجودة فيزيائياً.

قلتُ: أي أن الفرض الذهني قابل للطرح، لكن الوجود لهذا الفرض غير متحقق!

فقال: تماماً، فتحقق وجود الأشياء كما نعرف الوجود، وكما نعرفه في الفيزياء، ليس وجوداً فيزيائياً.

أين تكمن مغالطة كراوس، ومغالطة ستيفن هوكنج في كتابه التصميم الأعظم؟!

المغالطة تكمن في قولهم إن قوانين ميكانيكا الكمّ، والجاذبية، تستطيع تحويل العدم إلى وجود!!!

والحقيقة أننا إذا افترضنا أن العدم مؤلف من أرانب، أو من أسماك صغيرة، فكيف تتخلق هذه لتتحول إلى حقيقة؟!

لا يمكن أن تتحول إلى حقيقة ما لم توجد قوة خارجية هائلة، إما قوة نووية، أو قوة كهربائية، أو قوة مغناطيسية، أو قوة جاذبية، هذه القوى الأربع التي يمكن أن تحول المعدوم إلى حقيقة، أو موجود، وإلا فإن العدم لو بقي 100 ألف مليار سنة فسوف يبقى عدماً.

ولذلك وجدنا ستيفن هوكنج يقول في كتابه: التصميم الأعظم: (الجاذبية هي التي تخلق)!! لماذا؟

لأن الجاذبية تعمل على استطالة زمن وجود الأشياء، فلو تخيلتَ حولك باقات من الورد، وتبقى جزء ضئيل جدًّا من الثانية، فلو استطال هذا الزمن بتأثير خارجي، لتحول الورد إلى حقيقة، ولكن المشكلة أن الزمن المسموح بأن تتواجد فيه هذه الورود قصير جدًّا.

إذن اﻻستطالة تأتي من مجال القوة، فإذا وجدت قوة، أو أثرت قوة خارجية، على العدم، مثل قوة الجاذبية، فإن العدم يتحول إلى خلق، (إلى جسيمات)، أي يتحول إلى حقيقة، وهذا ما عملته في رسالتي الدكتوراه عام 1978، وقد ذكر ذلك هوكنج بعد عشر سنوات!! وهو لم يشتغل فيها، بل اشتغل في البلاكوه، فكيف انتبه لذلك؟!

عندما اشتغل بالثقوب السود، التي هي مجالات جذبية قوية هائلة، وجد أن العدم ينفلق إلى طاقة سالبة، وطاقة موجبة، فقال: إن الجاذبية تحول العدم إلى وجود!!

قلتُ: لقد وقع هنا في المغالطة الرياضية، والمنطقية، والفيزيائية!

فقال: إذا كان العدم كما يقول كراوس هو اللاشيء الفيزيائي، فاللاشيء الفيزيائي ﻻ يتحول إلى شيء إﻻ بوجود قوة خارجية، وهو يقول فيما نقلتَ عنه: إننا لو جمعنا الجاذبية مع ميكانيكا الكمّ ظهر الوجود!! فمن أين جاءت الجاذبية؟! والجاذبية ليست عدماً!!

قلتُ: حبذا لو اختصرتَ لنا الكلام السابق بشكل عام.

فقال: الادعاء بأن العدم يخلق نفسه، أو يتحول إلى شيء، وهو ما يسمونه تقلبات الفراغ، أو تقلبات الخلاء، حيث تتحول ذاتياً إلى وجود، فهذا غير صحيح قطعاً بدون وجود قوة خارجية، وهم يعترفون بضرورة وجود القوة الخارجية، من إرادة، وقدرة، هذه القوة الخارجية نسميها نحن المسلمين الله جل جلاله، فماذا يسميها كراوس، وهوكنج، وأمثالهما؟!!

قلتُ: خاصة أنهم يؤمنون بالبج بانج.

فقال: نعم؛ فكيف حصل البج بانج أصلاً؟!! قالوا: من تحدب شديد في الزمان والمكان!!

أما تحدب المكان فمفهوم، ولكن ماذا يعني تحدب الزمان؟!

تحدب الزمان هو: استطالة الزمان.

وسأضرب لك مثلاً بسيطاً عن كيفية إيجاد شيء من ﻻ شيء، والأمثال تضرب ولا تقاس.

أقول: لنفترض أن موظفاً يعمل في بنك ما على الصندوق، وكل نصف ساعة يأتيه المسؤول، ويعدّ عليه كمية المال التي لديه، والتي جمعها من العملاء، هذا الشخص في مثل هذه الظروف يصعب جدًّا أن يختلس أي مبلغ من المبالغ، أو أن يتصرف بهذا المال في البورصة مثلاً، ولكن لو كانت المراقبة تتم مرتين فقط، في الصباح، وآخر النهار، فإنه من السهل أن يتصرف بهذا المال، كأن يتعامل به في البورصة في الصباح، ويربح بعض المال، فإذا انتهى من ذلك أعاد المال إلى الصندوق، فإذا جاءه المسؤول وعدّ عليه المال، وجده صحيحاً لا نقص فيه.

فالزمن هو الذي منحه هذه الفرصة، وقدم له هذه الخدمة، فاستطالة مدة المراقبة المالية أعطته سماحية لأن يهرب المال، ويعمل به، ثم يعيده كما كان.

فهذا الموظف حصل على المال من لا شيء، لأنه في الحقيقة لا يملك رأس مال للعمل فيه.

أمر آخر: هل القول بشيئية العدم كما تقوله المعتزلة فيه محظور؟!!

الأشاعرة يقولون: نعم؛ لأنكم بهذا القول تجعلون شريكاً لله سبحانه وتعالى، وهو العدم.

فقالت المعتزلة: هو ليس شريكاً لله تعالى؛ لأن الجواهر المعدومة غير متحيزة، وبالتالي هي ليست جواهر حقيقية، بل جسيمات افتراضية، فهو شيء بالنظرية.

قلتُ: لكن جمهور العلماء يطلقون العدم ويقصدون به العدم المحض، أو اللاشيء، ﻻ جواهر ولا معدومات!

فقال: فيزيائياً ﻻ يوجد عدم. ولكن كيف غاب عن كراوس، وستيفن هاوكنج، وغيرها من العقول تلك المبادئ العقلية المحضة، التي هي أقرب ما تكون إلى البداهة، حيث أن الشيء ﻻ يخلق نفسه؟!! وأنا ﻻ أتهم كراوس، أو ستيفن هوكنج بالجهل، ولكنني أشير إلى مغالطة، وليس جهلاً، وهو إغفال أن الجاذبية تحتاج إلى من يوجدها.

قلتُ: هذا صحيح فعلاً، فقد طوى هذه الصفحة، هروباً من السؤال الأكبر!

دعني أنتقل معك إلى مسألة مهمة، لا بد من التنبيه عليها، خاصة في هذه الأوقات التي انفتح فيه العالم بعضه على بعض.

أقول: هناك هموم كثيرة، وغيرة، وشباب مخلص يعتزون بدينه، ويرى أن ما يطرح ضد الله سبحانه وتعالى من الإلحاد، واللادينية، هو مجرد مغالطات، فتكون منهم اجتهادات في الرد على مثل لورانس كراوس، أو ستيفن هاوكنج، أو غيرهم من علماء الطبيعة الغربيين، ويجتهدون في ذلك.

ما هو تقييمك لهذا الجهد العربي الإعلامي المطروح، ضد الإلحاد العلمي الغربي؟!

فقال: كما نعلم جميعاً فهناك كتب ودوريات كبرى تصدر في الغرب بهذا الاتجاه، مثل كتاب: التصميم الأعظم، لستيفن هاوكنج، الذي أخذ شهرة كبيرة، وقد كتبتُ عليه ردًّا بمضمون الكلام الذي ذكرتُه قبل قليل، كذلك لورانس كراوس ألف كتاباً، سمّاه: شيء من ﻻ شيء!! في الوقت الذي كان أساتذته يقولون: ﻻ شيء من ﻻ شيء، قبل أن يكتشفوا اﻻنفجار العظيم.

على أية حال من الجميل أن الشباب العلميين، والمثقفين، يسلكون هذا المضمار، ولكن الحقيقة أن هذه قضية تخصصية عميقة، وهناك جهود شبابية مشكورة، ومبدعة، ولكن الإشكالية أن يتصدر لهذا الأمر من ليس من أهله، فيقع نتيجة ذلك في أخطاء قد تكون كبيرة أحياناً!

والبعض قد تكون الحجة التي يقدمها غير كافية للرد، أو أنها ضعيفة، أو قاصرة، فالذي يحدث أن الملحدين يتخذون من ذلك ذريعة للتشبث بأفكارهم، حيث أن الذين يردون عليهم ويناقشونهم ضعفاء، لا يملكون حجة على أقوالهم، بل هو الجهل، والخرافة …الخ.

في الحقيقة نحن بحاجة إلى عقول، وأناس جادّة ومتخصصة تعمل بهذا الموضوع.

قلتُ: هناك مقولة للإمام أبي حامد الغزالي في مقدمة كتابه تهافت الفلاسفة: أن ضرر الشرع ممن ينصره ﻻ بطريقه، أكثر من ضرره ممن يطعن فيه بطريقه، وهو كما قيل: عدو عاقل، خير من صديق جاهل.

بالنسبة للغرب هناك نشاط غربي مدعوم، ومؤسسي، وهو لا يصدرون شيئاً من الكتب والأبحاث إلا إذا كان بقوته المطلوبة، وعبقريته، وإتقانه، وتطوره. وهذا خلاف وضع المسلمين والعرب.

فقال: ليس فقط الكتب، بل هناك ندوات كثيرة يقومون بها، فإن أصدرنا نحن كتاباً، أو كتابين، فهم يصدر عنهم مائتا كتاب في هذا الحقل أو الموضوع مثلاً، وإن نحن عملنا ندوة واحدة، فإنهم يعملون 150 ندوة، أو200 مؤتمر، وهكذا!!

قلتُ: أنا التقيتُ ورأيتُ فيديوهات من ملاحدة عرب، يستشهدون بكاكو.

فقال: ولكن كاكو ليس مرجعاً علمياً، بل هو فيزيائي نظري، ثم تحول إلى نجم تليفزيوني!!

قلتُ: وكتابه فيزياء المستحيل مترجم؟!

فقال : نعم؛ مترجم.

قلتُ: أنا لدي معادلة تقول: الانبهار يؤدي إلى الانصهار، والانصهار يؤدي إلى الاندثار!!

فأحياناً كثيرة الانبهار يعطل ملكة النقد، فكل الناس تخطيء، ومن ثم كما قال الخليل بن أحمد الفراهيدي، أبو اللغة واللسان: ﻻ يعرف الإنسان خطأ أستاذه إﻻ عندما يدرس عند غيره من المتخصصين!!

فالواحد يكتشف المتخصص من غير المتخصص بهذه الطريقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى