وياكم 2015

وياكم 2015 الحلقة السابعة عشر غربة المسلمات الاوروبيات

 

ألما السويسرية

أم سمية

 

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة                على النفس من وقع الحسام المهندِ

 

دعونا نحلّق قليلاً مع هذا البيت الشعري، الذي يصف مشهداً قاسياً أليماً على النفس، لعلّ الكثيرين منّا عاش في حياته تجربة تمثّله ويمثّلها، فالظلم مكروه مبغوض، إنْ وقع عليك من أيّ أحدٍ كان، لكنه يزداد قسوةً وحسرةً إنْ وقع من قريبٍ عليك، حبيبٍ إليك، لم تكن تتوقع بحالٍ من الأحوال أن يصدر منه ذلك، والقرابة لا تعني قرابة النسب فحسب، بل المقصود هنا أعمّ من ذلك، كقرابة الصداقة، والمحبة، والعمل، وأعظمها قرابة الدين.

لاشكّ أن الظلم الصادر من القريب جرح لا يندمل، وعثرة لا إقالة لها، وسيف باتر  يقطع كلّ آصرة، ويذهب بكل مودة.

ألهذا الحدّ ؟ ! نعم . . .  بل وأشدّ.

لن أطيل المقام عند هذا البيت من الشعر، وحتى لا يكون كلامنا ضرباً من الخيال، أو نوعاً من التهويل والمبالغة، نعرض لهذه القصة الواقعية، المحزنة في فصولها ومشاهدها، وقعت في بلد يدعى:

الحرية . . . والعدالة . . .  وحقوق الإنسان . . .

بل إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان انطلق من أرض تلك البلاد . . .

 إنها سويسرا . . . ! !

نعم. . . مرة ثانية، وثالثة، ورابعة، وعاشرة . . .

ما الذي دهاكم أيها السويسريون ؟! حتى تعاملوا المسلمين بمثل هذه الطريقة الفجّة، والأسلوب العنيف؟ !

أكُلُّ ذلك خوفاً من (الإسلاموفوبيا)، الذي بُذرت بذوره في دياركم، وبدأ يكبر ويترعرع في ربوعكم؟!

وما هو إلا كذبة صلعاء، وفرية نكراء، هدفها الأول والأخير تجفيف منابع الإسلام، حتى لا يصل بنوره، وقوته، ومبادئه العادلة، إلى عقول الغربيين وقلوبهم.

تلك هي الحقيقة التي تحاولون طمسها وإخفاءها، وليست القضية قطعة قماس توضع على رأس المرأة.

إلا أننا في قصتنا هذه وجدنا أن الذي نصب نفسه معارضاً للحجاب، بل ومفتياً بعدم لزومه للمرأة المسلمة، لم يكن من الغربيين !!

وإنما هو من أبناء جلدتنا، ويتكلم بلساننا، لكنه يضرب بسيف هؤلاء !!

هذه هي المرارة واللوعة التي عنيتها في بداية حديثي.

(ألما) . . . فتاة سويسرية، أسلمت حديثاً هي وزوجها، ولم تلتزم بالحجاب في بداية الأمر، ثم منَّ الله تعالى عليها ووفقها لارتدائه …

فماذا كانت النتيجة؟

وما قصتها مع عملها؟

وكيف واجهت ذلك الواقع الجديد؟

وما هي نصيحتها لبناتنا وأخواتنا وزوجاتنا؟

حدثتنا أم سمية فقالت:

عملتُ في عيادة طبيب للأسنان، لمدة خمس سنوات، كمساعدة له، وكنتُ في السنوات الثلاث الأولى في غرفة العمليات، ثم كُلّفتُ بإدارة الموظفين المبتدئين، فكنتُ مسؤولة عن أربعة مبتدئين، وبدأتُ كلّ سنة أتقدم في عملي ، ويعلو مكاني ومنزلي، الكل كان يحبني، ويحترمني، وأنا كذلك، لأنني أحبّ عملي، وأحاول بذل غاية وسعي، وجهدي في إتقانه.

ثم يسّر الله عز وجل لي ودخلتُ قفص الزوجية، وبعد سنة من زواجنا منَّ الله عليّ وعلى زوجي بفضله وكرمه، فعرفنا نور الحق، وقذف في قلوبنا الهداية، فأسلمنا، والتزمنا بالصلاة وأحكام الإسلام، وقد حاولتُ التركيز على ديني، وإيماني، وتوثيق صلتي بربي، غير أني لم أكن محجبة، وكنت في تلك الفترة على رأس عملي في عيادة الطبيب، نعم مسلمة ولكن غير محجبة، كان الأمر عادياً بالنسبة لزملائي في المهنة.

ومع بداية أحداث سوريا، تملّكني خوف شديد، لعلمي بتقصيري في بعض أمور ديني، وعلى رأسها الحجاب، فقررتُ من تلك اللحظة ارتداءه، وهنا بدأت حكايتي ومعاناتي، فلم يكن يخطر في بالي أن يحدث لي ما حدث.

تكلّمتُ مع مديري، وقلتُ له: إنني راغبة في ارتداء الحجاب، ولابد أن نناقش هذا الأمر، فاعتذر عن ذلك في اليوم نفسه، وقال: موعدنا غداً في نهاية وقت العمل.

في اليوم التالي ذهبتُ إلى العمل مرتدية الحجاب، كان ذلك لأول مرة في حياتي، أحسستُ وقتها بسعادة كبيرة، وانتابتني مشاعر مختلفة، فرح وسرور، وخوف وقلق، لكني توكلتُ على الله، وكنتُ على يقين أنّ منْ فعل شيئاً لله، فإن الله تعالى يحفظه، ويكون عوناً له.

جلستُ مع مديري، وبدأ يناقشني في موضوع الحجاب. . .

حاول اقناعي أنه ليس فرضاً لازماً على المرأة !! وأنك لستِ مجبرة عليه، وأنك بفعلك هذا تجذبين الأنظار إليكِ، وتكونين محل شبهة، وأن الواجب على المسلم ألا يلفت الأنظار إليه.

طبعاً هذا الكلام لم يصدر من رجل غربي، ليس على ديني وعقيدتي، بل إنه يصدر -وللأسف الشديد- من مسلم وعربي !!  ولن أذكر جنسيته.

سبحان الله ! ما هذه المفارقة العجيبة ؟!

امرأة غربية تدخل في الإسلام حديثاً، تحاول التزام  أحكامه وشرائعه، ومنها الحجاب، ثم يأتي رجل مسلم أباً عن جد، ولد في الإسلام، وعاش فيه، يحاول خلع حجاب تلك الغربية المسلمة، وإقناعها بعدم لزومه، وأهميته !!

حقاً إنه أمر غريب عجيب، يجعل المرء حيران. . .

فبدلاً من أن يكون هذا الطبيب سنداً وعوناً لهذه الفتاة المسلمة حديثاً على التزام أحكام الإسلام، يقف حجر عثرة، وسداً منيعاً أمامها، وأمام قناعاتها الشرعية.

باءت محاولاته كلها بالفشل، فلم ولن يستطيع تغيير قناعاتي، فقد اتخذتُ قراري بكامل حريتي واختياري، بعد ما درستُ الموضوع من جميع جوانبه، وأنا أتحمل نتيجة عملي هذا.

لكنني سألته إن كان هذا الأمر سيؤثر على طبيعة عملي، أم لا؟

فأجابني بأنني يمكنني مواصلة العمل، بشرط عدم الظهور أمام الزبائن بهذا المظهر !!

قلتُ: لا بأس.

وفي اليوم التالي ذهبتُ إلى العمل بحجاب ملوّن يناسب لباس العمل، حتى لا يكون ملفتاً للنظر كثيراً، والشيء العجيب في الموضوع أنه لم تكن هناك أيّة ردّة فعل سلبية من قبل زملائي، بل قابلوا الأمر بشكل طبيعي، فلكلِّ شخص حريته فيما يفعل، إلا أن الصدمة المذهلة لي كانت من طرف دكاترة العيادة، الذين عبّروا عن رفضهم التامّ والقاطع لمثل هذا الفعل، وأنه سبيل لتنفير الزبائن!!

لاحظتُ أن نظرتهم ماديّة بحتة، فلا يهمهم أمري وأمر ديني، بقدر ما تهمّهم سمعة العيادة، وعدم تأثرها من ناحية مادية.

استمر النقاش بيني وبينهم إلى نهاية الدوام، دون أن نخرج بحلّ، فلكل طرف رأيه الذي لا يقبل التنازل عنه، أو المساومة عليه.

في صباح اليوم التالي توجّهتُ إلى العمل بحجابي الملوّن أيضاً، ولما وصلتُ إلى المدخل الرئيس للعيادة شاهدتُ عدداً من الزبائن، فغيّرتُ طريقي، وتوجّهتُ إلى المدخل الخلفي؛ لأتجنّب الصدام مع أي أحد كان.

مررتُ أمام مكتب المدير، فناداني: هل أتيتِ بهذا الشكل؟!

قلتُ: نعم. قال: وهل رآك أحد من الزبائن؟! قلت: لا. فقد دخلتُ من المدخل الخلفي للعيادة.

فقال لي -وهنا كانت المفاجئة بالنسبة لي، فلم أكن أتصور أن يصل الأمر إلى هذا الحد- : يمكنك متابعة عملك اليوم، وأما في الغد فلا داعي لمجيئك بهذا المظهر !!

أصابني الذهول مما سمعتُ، وتملكتني الحيرة، لكنني استجمعتُ رأيي، وقلتُ: إن كنتَ تمنعني من العمل غداً، فلا داعي لمواصلته اليوم!

فقال: هذا شأنك، افعلي ما تشائين.

عدتُ أدراجي، وقبل خروجي من الباب، ناداني قائلاً –وبلهجة المستهزئ- : هل أنتِ سعيدة الآن؟!

بعد بضعة أيام من قرار فصلي عن العمل، وصلتني رسالة مفادها أنه تم الغاء عقد العمل بيني وبين العيادة.

مباشرة قمتُ بالاتصال بالحماية القانونية؛ للاستفسار عن هذا الفصل التعسّفي، وما الذي يترتب عليّ تلقاؤه؟!

فأجابوني بأنّ من حقّي إكمال العمل إلى نهاية المدة المتفق عليها في العقد، أو يلزم ربّ العمل بدفع تعويض عن تلك المدة بالكامل.

بلاشك أو تردد كان الخيار الثاني هو الأسهل في نظر مدير العيادة، فأجبر على دفع تعويضات تسعة أشهر بالكامل !!

سبحان الله كل ذلك من أجل قطعة قماش وضعتها على رأسي !!

بعد ذلك قمتُ بتسجيل اسمي في قسم البطالة الوزاري؛ للحصول على وظيفة جديدة، إلا أن الأمر يبدو أصعب بكثير مما أتخيّل، فلا أحد يرغب بتوظيف محجبة!!

لقد كان قراراً جائراً في حقّي، فأنا إلى الآن لم أستوعب ما حدث، وكيف لقطعة قماش توضع على الرأس أن تنفر الزبائن؟!

كان الأمر صعباً للغاية بالنسبة لي، فلو كنتُ مصابة بالسرطان –عافاني الله وإياكم منه- واضطررتُ إلى لبس الحجاب لأجله، لتعاطف الناس معي، وتقبّلوا وضعي بكل راحة، ولكن لما كان دافعي دينياً، تغيرت النظرة، وأصبحتُ موطن شبهة.

نعم. . .

إنني أشعر اليوم بالغربة في بلدي الذي ولدتُ فيه، وعشتُ فيه جميع مراحل حياتي، وكأنني لا أعرفه من قبل.

إذا خرجتُ إلى الشارع، أو ذهبتُ للتسوق، رماني الناس بأبصارهم، وكأنني كائن غريب، جاء من الفضاء، وهزّوا رؤوسهم يمنة ويسرة، وأشاروا إليّ بإشارات مفادها:

هل جُننتِ؟!

كل ذلك لأنني التزمتُ أمر ربي عز وجل، في تطبيق حكم شرعي من أحكامه، والذي يعدُّ فعله حرية شخصية للفرد، كفلها له القانون في كل زمان ومكان. . .

بَيْدَ أن الأمر يبدو كذلك. . . لكنه لغير المسلم!!

وقبل ختام حديثي أودّ توجيه رسالتين هامتين، الأولى: للمسلمات الجديدات في بلاد الغرب. والثانية: لأخواتي المسلمات في العالم العربي والإسلامي.

أما الأولى: فأنا أتمنى أن يمدّ الله تعالى كل أخواتي بقوة الإيمان، والثبات على الدين، وعدم التراجع عن التزامهنّ، وألاّ يدعن المجال لكائن من كان أن يعبث بعقولهن.

أنا أعلم أن الحفاظ على الإسلام في سويسرا وغيرها من بلاد الغرب أمر صعب، وطريق وعر، لابد من توطين النفس عليه، ثم لابد من الإيمان واليقين أن الله تعالى إنْ عَلِمَ منّا الصدق والإخلاص، فإنه لن يضيّع أمرنا، وسيكون لنا عوناً وناصراً.

أما رسالتي الثانية، فهي لأخواتي في بلاد العرب والإسلام:

فأنتنّ قدوة للمسلمات في كل مكان، فإياكنّ أن تشوِّهْن صورة الإسلام، وإياكنّ من الاغترار بالغرب، ومظاهره الكاذبة الخادعة، فنحن أدرى الناس به، وليكن دينكِ أيتها الأخت أغلى ما تملكين، وأعز عليك من كل عزيز، فإياكِ والتفريط فيه، فإنك مهما فعلتِ وقدمتِ من أجل مواكبة الغرب، والانصهار في حياتهم، والتطبّع بأخلاقهم وعاداتهم، فلن تكوني مقبولة عندهم أبداً. . . إلا بترك دينك، والتخلي عنه مطلقاً.

أسأل الله لي ولكنّ التوفيق والهداية.

تلك كانت تجربة الأخت الكريمة (ألما) أو (أم سمية) مع الحجاب، ألقت علينا بظلالها الحزينة، ومشاهدها المؤلمة، التي إن دلّت فإنما تدلّ على صدق في الإيمان، وثبات في الموقف، وتقديم لما قدمه الله تعالى، ولو كان على حساب حظوظ النفس، وتضحية بالغالي والنفيس في سبيل هذا الدين.

كل تلك المعاني الطيبة العظيمة لمسناها في قصة (ألما)، الفتاة السويسرية التي أسلمت حديثاً، وهو درس عظيم لبناتنا وأخواتنا وزوجاتنا، ودعوة لهنّ للاقتداء بمثل هذه النماذج الطاهرة العظيمة، التي قدّمت رضا الله تعالى على متاع الدنيا، ولذاتها، وشهواتها.

وهكذا نسدل الستار على أحداث هذه القصة، التي نسأل الله تعالى أن يجعل لصاحبتها فرجاً ومخرجاً.

ديبورا))

الغرب

غرب الاختيار! . . .  غرب الحرية! . . . غرب الرأي الآخر! . . .  غرب حقوق الإنسان!  . . .

شعارات براقة جميلة لامعة، لكنها في الوقت ذاته تصلح لأن تكون سلاحا ذي حدين، ترفع أقواماً، وتضع آخرين، تنصف جماعات، وتضطهد كثيرين…

لماذا؟ ولصالح من يكون ذلك؟

ما الذي يحدث في الغرب اليوم تجاه الإسلام؟ وليس تجاه ديانات أخرى أيًّا كانت، كديانات شرقية بوذية وغير بوذية، سؤال بات يؤرق الكثيرين.

نحن الآن أمام نماذج يمكن وضعها بين قوسين بعنوان (إنقاذ الغربيات من الاضطهاد الفكري)، ولعل البعض يعجب! فيقول: كيف لشرقيّ يأتي ليعلمنا أن الغرب يضطهد الآخرين فكريًّا؟!!

وهذا البعض قد يكون غربياً خالصاً، وقد يكون يعربياً من بني جلدتنا، لكنه رضع عاداتهم وتقاليدهم، وأخذها بقضها وقضيدها، ولم يميز بين غثها وسمينها، وعجرها وبجرها.

وجواباً على ذلك أقول: إن الواقع يشهد، والحقائق تؤكد تلك الهجمة الشرسة، والعنصرية المتحيزة غير المبررة تجاه الإسلام وأهله، لا لشيء سوى أنهم مسلمون.

ولعلنا من خلال هذا الحوار وهذه القصص مع ثلة من الأخوات الفضليات، والشابات العاقلات، اللاتي اخترن هذا الدين للدخول فيه، والانعتاق من ربقة المادية الصلفة، الفارغة من كل مشاعر الحياة، أقول: لعل من خلال ذلك كله – وهو القليل –  أن تتكشف الأمور على حقيقتها، وتتضح الصورة ، وتنقشع عنها الغشاوة، وبعد ذلك الحكم لكم أيها السادة، أيًّا كان ذلك الحكم…

 

وصلنا سويسرا التي يراها الجميع مهد الحرية، الانفتاح، الحضارة، حقوق الإنسان والقانون…

مكثنا فيها أياماً وليالٍ…

تجولنا بين سهولها وهضابها، وقراها ومدنها…

رأينا فيها المدنية، العمران، والمادية المبهرة…

قابلنا فيها العديد من الشخصيات… ثقافات متنوعة، عادات متغايرة، وعقول مختلفة…

تشرفنا بلقاء بأخوة لنا هناك، شرحوا لنا أوضاع المسلمين في ديار الغرب…

ما العقبات التي يواجهونها؟

ما الاضطهادات التي يتعرضون لها؟

ما هي أبرز مشاكلهم؟ وما هي أكثر احتياجاتهم؟

إلى غير ذلك من أسئلة كنا في غاية الشوق والشغف لسماع إجاباتها.

ولا شك أن للمرأة المسلمة هناك نصيباً وافراً، وحظاً عظيماً من اهتمامنا، ولذلك رغبنا في الوقوف على بعض النماذج الحية لنساء غربيات، اعتنقن دين الإسلام عن قناعة واختيار، لنرى هل كان لهذا التغير تأثير على حياتهن من قبل المجتمع، والأسرة، والعمل، و و و و، الخ.

كانت فاتحة الخير مع ديبورا، أو ليلى، كما أصبحت تتسمى بعد إسلامها، حاورتُها، وناقشتُها، أخذتُ، وأعطيتُ معها، عجبتُ كثيراً، وانبهرتُ أكثر…

ولعلك أيها القارئ الكريم توافقني الرأي بعد سماع قصتها، وحكايتها،

لا أريد أن أطيل عليكم، أو أخطف المتعة من عقولكم…

 

توجهت إليها قائلاً:

ابنتي ديبورا أو ليلى: سأدخل في الموضوع بدون مقدمات أو ممهدات

عرفينا بنفسك بداية… نريد البطاقة الشخصية لك.

فقالت:

أهلاً وسهلاً بك، أشكر لك اهتمامك بنا، وبقضايانا، فأنت من القلة القليلة التي تكلفت عناء السفر، والبحث عن همومنا وآلامنا، فشكر الله لك ذلك كله.

اسمي ديبورا شيرر، واسمي الإسلامي الذي أعتز به ليلى، عمري 19 سنة، وأعمل كمصممة دعايات، نشأت في قرية صغيرة. هذه السيرة الذاتية باختصار.

وقد كنت حريصاً على معرفة معلومات دقيقة ومنصفة في الوقت نفسه فقلت:

أخت ليلى؛ قبل طرح موضوع الاختيار والإشكال الذي مرّ عليك، أريد أن أسأل عن طريق وصولك إلى الإسلام، واختيار هذا الدين، بمعنى كيف اعتنقتِ هذا الدين؟

أجابتني قائلة:

حقيقة يا شيخ أنا لم أكن أرى أي معنى لهذه الحياة، ولم أكن أعط أي قيمة لما عندي من الثروات، أو للأسرة، أو البيت، سافرت كثيراً، لكنني تعبت نفسيًّا من هذا الوضع، كنت أبحث عن طريقة أخرج بها من هذا الفراغ النفسي، والصراع الداخلي، بل كنت أبحث عن نفسي!!

تعرفتُ على الإسلام، وأسلمت، والحمد لله، وبعد ذلك تغيرت نظرتي للحياة كثيراً، وزال عني الاكتئاب مباشرة، كنت أشعر كأن فوق رأسي صخرة عظيمة، وفي لحظة واحدة تلاشت وذهبت، كنت أشعر بأني لا قيمة لي في هذا الكون، لكني الآن أشعر أن لي رسالة عظيمة لا بد لي من إيصالها…

تنهدت قليلاً، وقالت يا شيخ: إنه شعور -بلا شك-لا يمكن شرحه بالكلام أبداً.

قلتُ في نفسي: سبحان الله! ابنة التسعة عشرة عاماً تعيش الاكتئاب، والضنك، وفراغ الروح، إذن ماذا ستقول ابنة الثلاثين، والأربعين، والخمسين؟؟

كم هو الإسلام عظيم؟!!

ثم قلتُ لها: الحمد لله، وهذا من فضل الله عليك، وكم هو قاسٍ أن يعيش المرء حيران، وبلا هدف.

ولكن قولي لي يا ليلى: وأنتِ في هذا السن الصغير (19 عامًا)، قد اخترتِ الإسلام عن يقين وقناعة، في مجتمع غربي مادي علماني ، ينظر للإسلام نظرة غريبة جدًّا . . .

كيف كانت ردة فعل البيئة المحيطة بك، من بيتٍ، وصديقاتٍ، ومجتمعٍ عامل؟

أجابت قائلة:

صدقاً يا شيخنا الفاضل لم يكن الأمر سهلاً أبداً ، خاصة داخل أسرتي وأقربائي، فكم تكون المعاناة قاسية إذا كان الأهل ينظرون إليك نظرة العداء، والخوف منك؟

بطبيعة الحال فالأسرة لم تتقبل إسلامي، كانوا مقتنعين قناعة تامة بما يصوره الإعلام من صورة سلبية عن الإسلام، ويظنون أنني قد اعتنقت ديناً يدعو إلى العنف والقسوة والإرهاب، بل والتخلف والرجعية.

أما أصدقائي فالكثير منهم قد تخلى عنّي، وقطعوا علاقاتهم بي، فكان عليَّ تقديم العديد من التضحيات، ، وكان عليَّ إقناعهم بعكس ذلك.

 

 

قلت:

صدقتِ يا ابنتي، فلا شك أن أصعب شيء في الحياة أن يقف ضد الإنسان أهله وأحبابه، وينسحب ذلك على المجتمع، ليس هذا فحسب، بل وينضاف إلى هؤلاء القانون، والجهات الرسمية!!

أنا استمعت في سويسرا عن حالات عدة، أحداثها غريبة، ومواقف رسمية تجاه بعض الفتيات، اللاتي اخترن الإسلام، شيء طاريء على أوروبا، طاريء على هذه المدنية القانونية، الديموقراطية العلمانية الحقوقية.

هل حدث معك شيء من هذا القبيل؟

أريد أن أسمع منك،  وأريد أن يسمع الإنسان الشرقي أيضاً، حتى يعرف ما الذي يحصل في هذه المرحلة التاريخية؟

فقالت:

بكل تأكيد، حدث معي العديد من المشاكل التي لم أكن أتوقعها من قبل، كالمشكلة التي وقعت مع الشرطة…

أرسلوا لي دعوة مفاجئة للتحقيق!! علماً أنه لم يسبق لي أن فعلت شيئًا يخالف القانون، فكان غالب الظن عندي أن السبب الوحيد لذلك هو دخولي الإسلام، لأن الكثير من الناس لامني على هذا القرار.

طبعاً ذهبت في الموعد المحدد،،

قالوا لي: أنت فلانة الكاثوليكية؟

ابتسمتُ؛ لأنني كنت متأكدة أنهم على علم بإسلامي.

فأجبت: لا، فأنا قد اعتنقت الإسلام.

بدأوا التحقيق معي:

كيف دخلتِ الإسلام؟ ومع من؟

وهل لكِ علاقات في الخارج؟

وهل أنتِ متزوجة؟

وهل أجبركِ أحد على الإسلام؟

بالطبع أكدتُ لهم أنه اختيار شخصي، وأنني مقتنعة باختياري، وأنني لم أكن أعرف أحداً من المسلمين قبل ذلك.

سألوني عن الجهاد، وعن ما يحصل في سوريا والعراق.

كما أنهم حذروني من الارتباط بأية علاقة بمجلس الشورى الإسلامي، وأبلغوني أن لهم علاقات بمسلمين جيِّدين(طبعاً من وجهة نظرهم) على استعداد لمساعدتي.

استغربتُ كثيراً؛ لأنني لم أكن أتواصل مع مجلس الشورى أبداً، فقد كنتُ جديدة في الإسلام، لذا اقترحوا عليَّ المساعدة، وربطي بشخص اعتنق الإسلام مؤخراً، ويتمسك بإسلام معتدل ومتسالم، وأنه غير راديكالي ولا أصولي.

وافقتُ بطبيعة الحال، وذهبتُ معهم، ووصلنا لمكان فيه شخص سويسري ألماني، اتضح لي مع الوقت أنه صوفي، علماً أنني لم  أكن أعرف الصوفية من قبل، بقينا على تواصل لمدة ثلات أيام، إلا أنني لم أشعر بالراحة في ذلك المكان،  ومع ذلك الشخص، فأفصحتُ للشرطة عن عدم ارتياحي وشكوكي، فنفوا كل ذلك، كما أن الصوفيين لم يكونوا يودُّون تَركي، وكانوا يتصلون بي دائماً، ويدعونني للبقاء معهم، وقدموا لي هدايا، وكانوا دائماً يقولون لي: إن الآخرين راديكاليون، وإن الصوفية هي الطريق الوحيد الصحيح، لكنني اكتشفت أن كل ذلك كذب، فابتعدتُ عنهم، وكافحتُ للوصول إلى الإسلام الصحيح، ولن أتركه بعد الآن إن شاء الله.

أعلنتُ ذلك للناس حولي، وللشرطة كذلك، وطلبتُ منهم تركي وشأني، وقلتُ: إنني سأكلمهم إن احتجتُ لشيء، وعليهم أن لا يتصلوا بي إذا لم أفعل. لكنهم لم يتركوني، بل كانوا يتصلون بي باستمرار، ويبعثون لي إيميلات، كما أن الشرطة جاءتني، وقالت لي: إنه يجب عليك أن لا تخالطي الرادكاليين، واستمروا بالضغط عليَّ، لكني قاومتُ وثبتُّ على موقفي، إلى أن تركوني وشأني أخيراً، والحمد لله.

قلت:

أخت ديبورا أو ليلى، ثبَّتكِ الله، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: ألم تستغربي من تدخل الشرطة في موضوع كهذا؟ في اختيار شخصي لإنسان اقتنع بقناعة فكرية عقائدية؟ وهل كان تخويفك من مجلس الشورى الإسلامي في سويسرا  له واقعية أو مصداقية؟

فقالت:

بلا شك استغربتُ من تدخل الشرطة في قضايا ليست من اختصاصها، فهذا اختياري ورأيي الشخصي، وقد كانوا يراقبون نشاطي في الفيسبوك والواتساب، وكل ما كانوا يقولونه عن المجلس كان كذباً، فقد حضرتُ الكثير من الفعاليات التي ينظمها المجلس، وكانت نظرتي إيجابية لهم، حيث وقفوا معي، وساندوني، ونوّروا طريقي، لأنني كنت متخوفةً من أي شيء قد تقوم به الشرطة.

لكن مع كل تلك العقبات والتصادمات، إلا أنك تشعر بقيمتك الحقيقية، وأنك إنسان لك كرامة، وفاعلية في المجتمع.

 

 

ختمتُ اللقاء بقولي:

ابنتي ليلى، وفقك الله،  وشكرًا لك على قناعتك، على ثباتك، على وضوحك، على شجاعتك، على ثقتك بمبدئك.

 

تلك كانت قصة ديبورا أو ليلى، الفتاة السويسرية، ذات الـ19 عاماً، رأينا فيها:

الثبات… العزيمة… الإصرار على المبدأ… التضحية… الرفق… اللين…

القلب الرقيق… الروح المؤمنة…

باختصار…

إنه دين الإسلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى