وياكم 2015

وياكم 2015 الحلقة السادسة ظواهر اجتماعية مؤلمة

 

ظواهر اجتماعية مؤلمة

الناس يحبون الكلام في القضايا الاجتماعية، ويلحون على المشايخ والأخصائيين للحديث عنها، والاقتراب من الواقع الذي يعيشونه، وهذا حق لهم علينا، ونحن مقصرون فيه.

هناك إشكال كبير في الظواهر الاجتماعية، فالإنسان وهو يلحظ هذه الظواهر يجب أن يلحظ المرحلة التاريخية، والعصر، والزمن المتحول الذي يعيش فيه الآن، والبيئة التي يعيش فيها، فالظاهرة الاجتماعية هي إفراز طبيعي، ولكن الخطر الحقيقي يكمن في كونها غير طبيعية ثم نتكيف معها! فالعقل يقول عن تلك الظاهرة مثلاً: هذا غلط، ومع ذلك نجد الناس تتكيف معها! والأخطر من ذلك أن الجيل الجديد الصاعد الذي يتكيف مع واقع خاطئ يجر معه الجيل القديم، فيتكيف مع الجيل الجديد، فأصبحت القاعدة مقلوبة، فبدل أن يكون هناك إصلاح وتوجيه، أصبح تكيّف من الجميع مع الخطأ، وهذه ظاهرة يلاحظها الاجتماعيون، إلا أننا والحمد لله لا نزال نمتلك معايير الصح والخطأ، والحرام والحلال، ومعايير أن تفعل هذا، ولا تفعل ذاك، معايير تستطيع أن تفرز السلوك الاجتماعي المبالغ فيه.

أول ظاهرة يجب الحديث عنها، ويلح الناس في ذلك، هي:

غلاء المهور:

وهي قضية نسبية، ففي بعض المجتمعات بدأت تسيطر عليها الثقافة الرأسمالية، والمظهرية المبالغ فيها، والتفاخر، هذه المجتمعات بدأت تقع في سلسلة أخطاء يأخذ بعضها بحجج بعض، كحلقات تؤزم المسألة أكثر، وتخرج من الظاهرة الاجتماعية التراحمية الجميلة، وهي الزواج، فتجعلها أزمة.

فالمهر لم يعد حقاً للزوجة يعطيه الرجل من طيب نفس كهدية فحسب، بل أصبح يرتبط فيه مظاهر اجتماعية كثيرة، واستعراض كبير، وتفاخر، وتنافس، وعادات وتقاليد أثقلت كاهل الشاب المقدم على الزواج، وأثقلت كاهل الوالدين، بل وكاهل الأسرة بشكل عام!

ولكن…أين الإشكال؟

الإشكال: أن يعرف المجتمع أن هذا خطأ، ثم يكون العلاج عصياً عليه رغم وجود المعرفة، فأصبحت المعرفة لا تكفي، والوعي المعلوماتي لا يكفي، ولذا فلا بد من إجراء عملي، فعندما نطالع الإحصائيات من جهة، ونسمع نداءات المتخصصين وتقاريرهم من جهة أخرى، ثم نجد مقابل ذلك مقاومة قوية ترفض التعديل والتغيير، فهذا يعني أننا نعيش أزمة حقيقية، أزمة في نفوسنا، وفي أخلاقياتنا، وفي قناعاتنا، وأننا نعيش انهزاماً أمام الواقع، وضغط المجتمع، وهذا الشيء يدل على أن أول قضية يجب أن نلتفت لها في قضية الوعي هي: مقاصد الزواج، فأين التراحم؟ وأين السكن؟ وأين البناء والتعاون على الخير والبر في أقدس بوتقة، وعلاقة إنسانية بين الأنثى والذكر، {وأخذنا منكم ميثاقاً غليظاً

ونحن عندما نناقش هذه القضايا الحساسة، فإننا نفعل ذلك من أجل التنبيه على أننا واقعون في مشكلة تحتاج حلاًّ، وحتى يلتفت إليها المختصون.

فمثلاً: من الأسباب العملية الواقعية في حياة الناس لارتفاع المهور كبح جماح الزوج عن الطلاق!! فعندما يُلزم الزوج بمهر مؤخر كبير جدًّا، فهذا يجعله يفكر عشرات بل مئات المرات في عملية الانفصال، وإيقاع الطلاق لو أراد ذلك، فكأن المؤخر أصبح حامياً للمرأة من الطلاق، ومن استهتار الزوج برابطة الزواج!!

أقول: في مثل هذه الحالة لم يعد الزواج زواجاً بالمعنى المراد منه، وإنما أصبحت العلاقة مصلحية، وصارت العلاقة على كره، وعند ذلك سوف يلجأ الزوج لاختلاق المشاكل لإجبار الزوجة على التنازل عن حقها في المؤخر! فتكون الأزمة، ولا شك أن هذه فكرة خاطئة، وهي فكرة مادية لا علاقة لها في مجتمع يقيم علاقته بعلاقة قداسة إيمانية، وتراحم اجتماعي.

كذلك من أسباب غلاء المهور: وهو موضوع مؤسف لأنه مرتبط بأولياء الأمور في مجتمعات توصف بأنها ذكورية وللأسف، وهذا الكلام رغم أننا ننفيه عن الشريعة، إلا أن التصرفات تثبت وجوده.

فبعض أولياء الأمور هداهم الله تعالى يعتبرون بناتهم مشروعاً استثمارياً في راتبها الشهري، سواء كانت ممرضة، أو مدرسة، أو موظفة، فهذا الراتب يجب أن يصب في جيب الأب، وكأن هذا ليس من حقها.

كذلك المهر المستقطع الضخم يصب أيضاً في جيب الأب الذي يأكل حراماً من حق ابنته بكسر عينها، أو بعرف سائد لا علاقة له بالشريعة! ونحن لا نقول: إن البنت لا تعطي والدها من مالها، لأن هذا حق لها دون غيرها، نحن لا نتكلم عن الأمور البديهية من بر الوالدين، والعطاء، والكرم، بل هذا الأصل أن يكون موجوداً، وإنما الكلام عن جزئية الاستغلال الجشع الظالم، وأكل الحق بدون رضا نفس، هذه هي الموازنة التي ندعو لها، فرب العالمين يقول: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة}، ونحلة: أي عن طيب خاطر، فتعطيها من غير أن ترد منه شيئاً رضا من عند نفسها، فهل هذا حاصل؟

كذلك من الأسباب وهي مشكلة اجتماعية على الصعيد النفسي، ألا وهو: الحياء، الحياء الذي وصل في العرف إلى درجة الاستسلام الجبري لما هو كائن، فتحول الحياء إلى ابتزاز! فأصبح الواحد يستحي أن يقول: لا! ولذلك لا بد أن تتولد عندنا ثقافة الرفض، وقول: لا.

كذلك من الأسباب وهو موقف نفسي، حيث يكون العريس كريماً فيقول: أنا لا أريد أن أكسر بخاطر البنت، وهذه أول علاقة معها، فكيف أبخل عليها؟! أنا أريد أن أكرمها! فتجده يضع على نفسه ديوناً يتحملها مستقبلياً على مدى سنوات في سبيل أنه لا يريد أن يكسر بخاطرها!! وهذا تصرف خاطئ، وتوجيه بعيد عن الصواب.

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين لنا في توجيه تربوي، إرشادي، قيمي، روحي، نفسي، اجتماعي، أن من يمن المرأة تيسير خطبتها، وتيسير صداقها، (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه)، ويقول صلى الله عليه وسلم: (إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤونة).

مشكلتنا الحقيقية تكمن في أننا نفكر في الآخر ماذا سيقول عنا؟!! فتحول الموضوع الفطري الاجتماعي الجميل إلى أزمة نفسية، وارتباك، وقياسات، ونظر، وهذا بلا شك سلوك غير طبيعي، ولا سوي، ومن أجل ذلك تدخلت بعض الحكومات، وتنادت بعض القبائل، والعوائل، لاتخاذ اجراءات عملية، وخطوات إيجابية، تجاه هذا الموضوع الذي بات يؤرق الكثيرين.

وننتقل إلى ظاهرة اجتماعية بدأت تنتشر، وتتزايد، فمن غلاء المهور إلى غلاء آخر يكسر الظهور!!

إنه:

غلاء الإيجار:

إيجارات السكن، وإيجارات الشقق والمنازل، فهذه الفقرة أعني غلاء الإيجار مرتبطة بتلك أعني غلاء المهر؛ لأنها ذات صلة وثيقة في التأثير عليها.

فالتكافؤ في الحياة الاجتماعية يقتضي من الزوج أن يختار لزوجته بيتاً ومسكناً معقولاً، يليق بها، وهذا أمر محمود شرعاً، بل إنه مطلوب.

ولكن هل نحن منطقيون في نظرتنا لما يحصل اليوم في إيجار المنازل في كثير من البلدان؟ هل هذا الأمر واقعي بحيث يتناسب المنزل في بنائه، وحجمه، ومساحته، وخدماته مع رواتب، ومؤهلات، ووظائف الناس، سواء كان هؤلاء الناس من المواطنين أو من المقيمين؟

لا شك أن هنالك أزمة، وهناك مفارقة فيها جشع، وفيها استغلال، وفيها إشكال كبير.

ولعل من أهم الأسباب التي فاقمت هذه المعضلة هو عدم وجود قانون يحد من جشع التاجر، وطمعه، وعدم اهتمامه بحاجة الناس، وتقدير أوضاعهم، فهو لا يفكر إلا في نفسه، وتسمين ثروته!! مما أفرز لنا بعض الظواهر السلبية التي يجب ألا تكون في مجتمعات إسلامية، تؤمن بالعفاف، والحشمة، واحترام الخصوصية، فأصبحنا نجد مجموعة من العائلات تسكن في شقة صغيرة جدًّا، تتخذ من كل غرفة مأوى لها، وربما فصلت بعض الغرف الكبيرة نسبياً أو الصالة إلى أكثر من قسم، تجلس في كل قسم منه عائلة من أب وأم وأبناء!! كل ذلك هروباً من ارتفاع إيجار الشقق غير المبرر.

فهل مثل ذلك يعقل؟!! فإذا لم يستطع الإنسان أن يجد الراحة والطمأنينة والخصوصية في بيته، فأين يجدها إذن؟!!

أين نحن من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء)؟!!

الظاهرة الاجتماعية الثالثة التي يجب الحديث عنها: هي ظاهرة:

التليفون!!      

وقد أطلقتُ عليها اسم، وثالثهما التليفون! استفادة من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يخلون رجل بامرأة لا تحل له، فإن الشيطان ثالثهما).

فنحن نعيش في زمن لا يكاد يجتمع فيه زوج وزوجته إلا كان التليفون ثالثهما.

فالحديث عن الدفء في العلاقة بين الزوجين وكيف بدأ يفتر، ويتلاشى شيئاً فشيئاً بسبب هذه الأجهزة، والأصدقاء، والجروبات، على حساب التواصل، والتراحم، والتعاطف، والتجاذب، والبوتقة التي تجمع قلبي الزوج والزوجة.

وليس الهدف من هذا الكلام هو تجريم التقنيات، فهذه أمور تواصلية محايدة في ذاتها، وديننا، وعقلنا، وواقعنا، وضروراتنا تحثنا على استخدامها، ولكن بالطريقة الصحيحة الرشيدة العاقلة المناسبة.

كذلك ليس الهدف من ذلك هو الكلام عن الأخلاقيات السيئة في التواصل الاجتماعي، والفساد، والمواقع غير الشرعية.

بل الهدف من وراء ذلك هو: كيف أن هذا التواصل جعل بيوتنا، وعلاقاتنا الزوجية، وعلاقاتنا مع أولادنا وأرحامنا جافة، منفصلة، شكلية، فهو حضور فيزيائي جسدي، واختفاء تراحمي تواصلي!! حتى أصبحنا نعيش في عالم افتراضي، مناسب لك واحد منا، وبالشكل الذي يختاره هو ويحدده.

بل أضحى التلفاز أرحم كثيراً في إيجاد الشراكة العائلية، والدفء العائلي بين الأسرة من هذه الأجهزة!!

كما أن هناك زاوية أخرى يجب الانتباه لها، حيث تقول الدراسات التي تتناول الفروق الفردية الفسيولوجية، والعقلية، والاجتماعية بين الأنثى والذكر: إن متوسط عدد الكلمات التي يتكلم بها الرجل في اليوم الواحد سبعة آلاف كلمة، بينما المرأة عشرين ألف كلمة!!

ولكن ما دخل ذلك في موضوعنا؟!!

أقول: إذا كان الأمر كذلك، فإذا استهلكتُ أنا كلماتي، ونشاطي اللفظي والحرفي مع المجموعات الافتراضية، فمتى أعطي أهلي حقهم؟ ومتى يأتي الوقت للتواصل معهم؟ !

هذه نقطة حساسة، فعشرات الرسائل يتواصل فيها الإنسان مع غيره، سواء واقعية، أو اجتماعية، أو تربوية، أو دينية، أو أخلاقية، أو صحية، أو أمنية، أو إخبارية، أو ترفيهية، يتواصل بها مع الجروبات الافتراضية، لكنه لا يرسل شيئاً منها لزوجته؛ لأن هذه الرسائل لا تهم زوجته في اعتقاده، وتصوره، مع أن الرسالة نفسها قد تكون وصلت للزوجة عن طريق عالمها الافتراضي كذلك!!

فلماذا لا تكون أنت المبادر، وأنت تجعل زوجتك في البؤرة المهمة، والأولوية في توصيل الرسائل المهمة، والإفادات أياً كان نوعها؟

المقصد من ذلك أننا نريد ترشيد هذه العلاقة من خلال الاعتراف بوجود وحجم المشكلة على الصعيد الشخصي، والذاتي مع النفس، وعلى صعيد الزوجة، والأبناء، والمحيط القريب، فنضع تقنيناً في استخدام هذه الأجهزة زمانياً، ومكانياً، لا أقول نتخلى عنه مطلقاً، ولكن لكل مقام مقال، والاعتدال مطلوب في كل شيء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى