وياكم 2015

وياكم 2015 الحلقة العاشرة الراقصة العابدة يانينا

(يانينا)

ما الذي يدفع فتاة سويسرية من مدينة زيورخ في قلب العواصم الأوروبية أن تنتقل من عالم الشهرة، والتميز، والإعلام، والحضور الاجتماعي العريض، إلى الإسلام؟!

فتاة كانت مُجيدة، بل متفوقة في رقصة الباليه المشهورة، تلك الرقصة التي تعتبر رقصة، نوعية، كمالية، نخبوية، راقية، تزهد في هذا كله، وتنفر منه، ثم تختار عقيدة لها تصورها في الأحكام والكون والحياة، وتلتزم بها أخلاقياً وسلوكياً، وتقتنع بها كمنهج حياة!!

هل كان ينقصها المال؟ كلاّ…

هل كان ينقصها الجاه؟ أبداً…

هل كانت تعاني من قلة المعجبين والمعجبات؟ بالعكس فهم كثير…

إذن؛ ما الدافع وراء ذلك؟

كان هذا هو محور لقائنا مع الفتاة السويسرية…

رحبتُ بها في البداية، ثم قلتُ:

اسمك حتى لا أنطقه خطأ ؟

فقالت:

يانينـــــا، اسمي يانينا.

فقلتُ:

مرحباً بك يانينا، سعدنا بك، ونتمنى أن نخرج من هذا الحوار بفائدة لكل من يقرؤه.

ثم قلتُ:

أخت يانينا، أبدأ معك بسؤال مهم جداً لا بد أنه يدور في أذهان كل من يسمع بقصتك، وهو:

ما الذي يجعل فتاة مثلك شابة في مقتبل العمر، تنتقل من عالم الفن، والرقص، والشهرة، والأضواء، والمكاسب المادية الكثيرة، إلى عالم الإيمان والإسلام؟!

فقالت:

أظن المشكلة يا شيخ أن مجتمعنا هنا في أوروبا يدفع المرأة لتكون متبرجة، جميلة المظهر، متفتحة ومتحررة، بل وتقيم علاقات عابرة، فهي تقيّم بشكلها الخارجي أكثر من قدراتها وذكائها.

في يوم من الأيام لاحظتُ أن الناس حولي لا يهتمون بي، ومن أكون، وإنما يحكمون عليّ من خلال مستوى جمالي وشكلي الخارجي، وهذا بلا شك لا يعكس قيمتي الحقيقية في الحياة.

لكنني عندما أسلمتُ تعرفتُ على القيمة الكبيرة التي يعطيها الإسلام للمرأة، على عكس الغرب تماماً، فالإسلام يقبل المرأة كما هي، ويعطيها حقوقاً عديدة، ويوضح لها دورها الحقيقي، أما المجتمع هنا فهم يريدون للمرأة أن تكون كالرجل، وتلعب نفس الدور. وفي الوقت نفسه يحصرون قيمتها في جسدها، وهذا لا يمكن أن يكون صحيحاً، فعندما تكون المرأة مشهورة ونجمة، فالكل يحبها؛ للمكانة التي هي فيها، ويتم استغلالها على جميع المستويات، وبعد ذلك يتم رميها مباشرة بعد الانتهاء منها، أو بعد خسارتها لمكانتها، وهذا التعامل غير صحيح.

فقلتُ-وقد كنا نودُّ سماع بعض الأحداث في حياتها السابقة لكنها رفضت وبشدة-:

كلام جميل جدًّا، ولكن يا أخت يانينا؛ بما أنك امتنعت عن الحديث عن تجربة الماضي، وما فيها من مواقف وأحداث، أنت غير راضية عنها، وهذا بلا شك شيء طيب محمود، دعينا إذن نبدأ بالصفحة الجديدة المشرقة من حياتك، وسؤالي: كيف اخترت الإسلام؟!

فأجابت:

في الحقيقة أنا لم أكن أبحث عن دين معين، فلم يكن يعنيني هذا الأمر كثيراً، بل كنت مهتمة بالسياسة، وقد جذبت قضايا الشرق الأوسط انتباهي، وخاصة القضية الفلسطينية، التي يكمن وراءها دافع إسلامي، وعندما ذهبت هناك اكتشفت إسلاماً لم أره من قبل، لأنه خلال حياتي اليومية كنت أعرف مسلمين أتراك وغيرهم، لا يلتزمون بدينهم، ويتساهلون كثيراً، كما أنهم لا يمارسون شعائرهم الدينية، أي مسلمين بالهوية فقط.

اكتشفت أن الإسلام أكبر من الذي يتظاهر به معارفي من المسلمين، أو ما يشاع عنه زوراً أنه يضطهد المرأة، ويحرمها من حقوقها، فكثر اهتمامي بالإسلام، وأردتُ أن أتأكد بنفسي من صحة ما يقال، ذهبتُ إلى فلسطين، ورأيتُ كيف يعيش الناس هناك، وما هو حال المرأة عندهم، فوجئتُ أنها تدرس، وتذهب إلى الجامعة، وأنها ذات كرامة ومكانة مهمة في المجتمع، بل على عكس المجتمع الغربي، فالإسلام يدعوها لأن تغطي جمالها، وتحافظ عليه، وتوصلتُ إلى أن الادعاءات التي تتداول في الغرب عن الإسلام غير صحيحة.

لم أجد الإسلام البغيض الذي يصور للناس في أوروبا، بل وجدتُ أناساً كرماء، متفتحين، ومنضبطين.

لما عدتُ إلى سويسرا، اشتريتُ قرآناً، وشرعتُ في قراءته، بدءًا بسورة البقرة، وعندما قرأتها لأول مرة ثأثرتُ كثيراً، ومن تلك اللحظة علمتُ أن كل الوقت الذي مضى من حياتي  لم يكن له معنى، وأنه كان يخيّل إلي أنه جميل، لكنه في الحقيقة لا يحمل أي معنى للجمال أو غيره، بدأتُ أتعلم الصلاة قبل أن أدخل الإسلام، غيرتُ أشياء كثيرة في حياتي، إلى أن وصلتُ إلى الاقتناع بدخول الإسلام، فنطقتُ الشهادتين، والحمد لله.

قلتُ-وكلِّي إعجابٌ بنباهتها وفطنتها-:

الحمد لله، وهذا من فضل الله عليكِ.

لكن يا أخت يانينا؛ نحن نعرف  أن أمام المسلم الجديد أو المسلمة الجديدة في الغرب تحدٍ كبير، فالمسلمة من خلال حجابها، وهذا التحدي واضح وظاهر، أين وقع ذلك التحدي بالنسبة لك؟ حدثينا عن طريقة الإسلام التفصيلية في حياتك العملية.

فأجابت قائلة:

لم يكن حولي أصدقاء مسلمون ملتزمون لمساعدتي، كتبتُ رسائل لبعض المساجد، لكن للأسف لم يردوا إلى الآن على أسئلتي، لم أعلم إلى من أتجه، كل شيئ كان جديداً بالنسبة لي، فسمعتُ بمجلس الشورى الإسلامي المشهور في الصحافة والإعلام، قلتُ في نفسي: لماذا لا أتصل بهم؟ فاتصلتُ بهم، وأخذتُ موعداً، واتجهتُ إليهم، ونطقتُ الشهادة هناك، فاستقبلوني بحرارة، وساعدوني كثيراً، وعرفوني على أخوات فاضلات، وأعطوني كتباً، وساندوني حتى أستمر في ديني الجديد، وهذا كان مهماً جدًّا لي، لأنه ثبتني على الحق، علماً أنني أعرف الكثير من المسلمين الجدد حيارى، لا يعرفون إلى من يتجهون، وهذا يضعفهم ويدفعهم إلى ترك الإسلام، وهذا هو التحدي الكبير.

إن الدور الذي يلعبه مجلس الشورى مهم جداً بانتماء المسلم الجديد إلى مجموعة يتعاون معهم، ويثبت بعضهم بعضاً، وهو يلعب أيضاً دوراً أكبر في الدفاع عن قضايا المسلمين في سويسرا، وفي مساندة المسلمين في وقت الشدة.

قلتُ:

ما تفضلتِ به كلام في غاية الأهمية، ولكن سؤالي مرة أخرى عن التحديات، فالناس اليوم يفتنون في دينهم جرّاء الفوضى والفتن التي يعيشونها، وأنتم هنا في أوروبا في قمة التحديات المحكومة بقانون، وبواقع غربي مفاهيمي عملي، في خضم كل ذلك كيف تعاملتِ مع هذه التحديات؟!

فقالت:

لا شك يا فضيلة الشيخ أن هناك عقبات كثيرة، وهناك الكثير من الإشاعات ضد الإسلام، لأنهم يقارنونه بالإرهاب، أو اضطهاد النساء، هناك أخوات يمنعن من ارتداء الحجاب في المدارس، ويضطررن للذهاب للقضاء  للحصول على حق ارتدائه!!

كما أن هناك عداوة كبيرة من قبل المجتمع والسياسيين الذين يصموننا ويتهموننا بأن نوايانا سيئة، ونحن لن نتمكن من التغلب على هذا التحدي إلا إذا اتحدنا كأمة واحدة، وتغلبنا على النزاعات التافهة بيننا، قد يكون لدينا اختلاف في مسألة ما في الدين، وهذا أمر ليس بالجديد، لكن يوجد شيء أعظم من ذلك، ألا وهو اتحاد الأمة لنكون أقوياء، وجاهزين للتصدي للهجوم الخارجي، لأننا في النهاية كلنا مسلمون ومستهدفون، ونتضرر جميعاً إذا لم نحافظ على حقوقنا واستقلاليتنا.

أعجبني هذا الوعي الذي تتمتع به فتاة حديثة الإسلام، وقد وضعت الإصبع على الجرح…

ثم سألتها، فقلتُ:

يانينا راقصة الباليه، الفتاة الشابة التي أسلمت، كيف استطاعت أن تتجاوز واقع المسلمين البائس السيء الدموي، الذي أصبح حقل تجارب للفتن والدماء، بل إن هذه الصورة الكئيبة زهدت الكثير من المسلمين في واقعهم، وربما وصل الأمر عند البعض إلى حد الشك في الإسلام والعياذ بالله، كيف تجاوزتِ هذه المحنة بين النظرية والتطبيق ؟

لقد كان جوابها لي مفاجئاً جدًّا، كلمات بسيطة، لكنها تحمل معانٍ عظيمة، وتدل على عقلية نفضت عنها غبار الجهل، والتقليد، والتبعية…

أظنكم تشوقتم لسماع جوابها.

لقد قالت:

قرأتُ القرآن والسنة!! نعم، أنا قرأتُ ما هو الإسلام الحقيقي، السمح العادل، ولم ألتفت إلى أفعال المسلمين.

بهذه الكلمات النيِّرة أنهت كل إشكال قد يعلق في ذهن القارئ، لأنها لو جعلت المقياس للإسلام هو واقع المسلمين، لما فكرت يوماً من الأيام في دخول هذا الدين العظيم في نفسه، وهذا ما يدفع الكثيرين للزهد في ديننا، حيث أصبحنا عامل صدٍّ لا جذب.

لكنها حكّمت عقلها، وأطلقت العنان للنظر والتأمل، وسرّحت الفكر في نصوص الكتاب والسنة، لتصل إلى حقيقة لا يمكن الاختلاف عليها:

الإسلام دين الفطرة.

ثم توجهت لها بالسؤال-لأن إجابتها فتحت الآفاق أمامي لمرفعة المزيد-فقلتُ:

وهل عملت في مجال الدعوة؟

فقالت:

قليلاً وليس كثيراً.

 

قلتُ:

نحن لاحظنا يا أخت يانينا أن كثيراً من المسلمين الذين يأتون إلى الغرب كمهاجرين، أو يأتون كدعاة، لا يفهمون لغة الدعوة التي تناسب تفكير الغربي، فتفكير الغربي يختلف عن تفكيرنا في الشرق،  كما يقول الأستاذ علي عزت بيجوفيتش في كتابه (الإسلام بين الشرق والغرب)، أنتِ بحكم خبرتكِ ماذا تقولين لهؤلاء؟ وكيف ندعو الغرب إلى الإسلام؟!

فأجابت قائلة:

في اعتقادي أن الأشخاص الذين يقومون بالدعوة إلى الله تعالى لابد أن يستوعبوا عقلية الناس في المحيط الذي ينتمون إليه، وهذا أمر مهم للغاية، ولا بد أن يكون النقاش معهم حسب مستوياتهم.

فمثلاً: لا يمكن أن تتكلم مع إنسان لا يؤمن بوجود إله، انطلاقاً من مبدأ الألوهية، الأفضل أن تستمع لآرائه أولاً، ثم تبني عليها ما ستقوله، لأنك لابد أن تطلع على براهينه، كي تتمكن من تحديد أدلتك.

كذلك لا ينفع أن تبدأ بالتحدث عن تحريم شرب الخمر، وإدانة الشخص الذي أمامك، في حين -وللأسف الشديد- أن كثيراً من المسلمين يفعلون ذلك.

ولذا؛ فكثير من الدعاة في أوروبا يقعون في هذا الغلط، أي يدينون الناس، ولا يتفهمونهم، وهذا الشيء ينفر الناس من الإسلام، والواجب علينا أن نحتضن الناس من محيطهم، ونجذبهم إلينا، لا أن ننفرهم.

إن ما تفضلت به الأخت يانينا كلام في الصميم، يدل دلالة واضحة على أن هناك فرق بين التنظير، والممارسة العملية في جميع الأمور، وأن الهوة لا تزال تتسع بينهما يومياً، لكن الله تعالى حافظ دينه مهما حدث.

عدتُ بالسؤال مجدداً، فقلتُ:

يانينا المسلمة السويسرية التي كانت راقصة باليه، اهتدت وارتدت الحجاب، وبدأت تدرس اللغة العربية، أين تدرسين اللغة العربية؟!

فقالت:

في الجامعة، في مدينة زيورخ.

فقلتُ:

ما شاء الله. وما هي المواد التي تدرسينها؟

قالت:

أنا أدرس التاريخ الأوروبي، وتاريخ الدول العربية، والتاريخ الفلسفي، والكلام، واللغات، أدرس اللغة التركية، والعبرية، وكذلك العربية، وأدرس أيضاً دين اليهود القديم.

فقلتُ:

ما شاء الله،  ما شاء الله، وماذا عن اللغة العربية؟ هل تحبينها؟

فقالت:

بالتأكيد يا شيخنا، فهي لغة القرآن الكريم، وهي لغة جميلة جداً.

قلتُ:

صدقت، ومنذ متى وأنت تدرسين اللغة العربية؟

أجابت:

منذ سنتين تقريباً.

فقلتُ:

سبحان الله، سنتين!! ومع ذلك تتكلمين اللغة العربية أفضل بكثير من بنات وأبناء العرب، الذين باتوا اليوم يستحيون من لغتهم العظيمة، ويحاولون محاكاة الغرب في لغته، ظنًّا منهم أن تلك هي الحضارة والرقي، عجبي!!

فقالت:

اللغة العربية يا شيخنا لغة رائعة، يكفي أنها لغة القرآن الكريم.

ثم سألتها:

وهل تدرسين التفسير أيضاً؟

فأجابت بالنفي.

فقلتُ:

هذه القضية لا بد من وضعها في الحسبان.

ثم إنه خلال زيارتنا تشرفت بالتعرف على زوجها، فتبين لي أنه مغربي يحفظ القرآن الكريم، ويؤم الناس في صلاة التراويح، فأحببتُ معرفة بعض التفاصيل عن حياتها، فقلتُ:

أخت يانينا؛ هل من الممكن اختصار قصة زواجك بذلك الشاب؟

فتبسمت، وقالت:

قصتنا عادية جداً، ذهبتُ للمسجد لأتعلم القرآن، وكان هناك أخت أخبرتني أن صديق زوجها غير متزوج، وأنني إذا عزمتُ على الزواج فسوف يتقدم لي.

فقلت: نعم، كي لا أحرجها، ثم التقينا بعد ذلك على الغداء، ولم أكن أتحدث اللغة العربية، فكان صديقه يترجم، وبعد ساعة تقريباً أبدى اقتناعه بي، وعرض عليّ الزواج، فقلت: إنني أحتاج إلى مدة للتفكير، لكنه كان واضحاً لي أنه لابد من الزواج من شخص متدين، ولذا وافقت على طلبه، وتزوجنا بعد 10 أيام، والحمد لله.

قلتُ:

بارك الله لكما في هذا الزواج، وجمع بينكما على خير، وماذا عن علاقة زوجك المغربي المسلم، الحافظ للقرآن، الذي يصلي بالناس التراويح، مع عائلتك؟ وهل انسجم مع العائلة والأقارب؟

فقالت:

في بداية الأمر كانوا متفاجئين، لأنني تزوجت بهذه السرعة، وكانوا متخوفين أن أترك الدراسة، وأن أصبح ربة بيت، بمعنى ل يكون لي دور في المجتمع، لكنهم عندما تعرفوا على زوجي أحبوه كثيراً، والآن تربطه علاقة طيبة مع أهلي، كما أن زوجي يتمنى دائماً أن يسلموا يوماً ما.

قلتُ:

أسأل الله تعالى أن يقِرَّ عينك بإسلامهم، ويفتح قلوبهم وعقولهم للحق.

ثم قلتُ:

لا شك أن المرأة المسلمة في الشرق اليوم تعيش حياة انهزامية، تقلّد فيها الغرب بعاداته وتقاليده الغريبة على مجتمعاتنا المسلمة . . .

سؤالي: ما هي الرسالة التي تودين إيصالها للمسلمة الشرقية في العالم العربي والإسلامي؟!

فقالت:

كامرأة عاشت في الغرب، وعرفت الحياة بدون إسلام، أستطيع أن أقدر قيمة الإسلام، والمحيط الذي يوفره للمرأة أكثر من غيري، وأقول لكل امرأة تتشبه بالغربيات: هل حقاً ستسمحين لنفسك أن تُستعملي كسلعة رخيصة، ثم يرمى بك بعد أن يشبع الناس منها؟  لابد أن تستوعب كل امرأة كم هي الحياة رائعة في ظل الإسلام، وحفاظه لها.

تذكرتُ وهي تنطق بتلك الكلمات مقولة الفاروق عمر رضي الله عنه، لما قال: لا يعرف الإسلام من لم يعرف الجاهلية.

حقًّا، فالذي عاش حياة الضياع، والانحلال، والتيه، والفراغ الروحي، يعلم كم هو عظيم هذا الدين، الذي فرّط فيه أهله، فيا سبحان الله!!

ثم قلتُ:

لدي تساؤل أود سماع رأيك فيه:

لماذا هذه الهجمة العنصرية العنيفة،  وعدم الاستيعاب للآخر، خاصة إذا كان مسلماً، علماً أنكم تعيشون في بلد حرية، وقانون، واحترام للرأي الآخر-طبعاً كما يقولون-؟!

مع العلم-وهذا ليس خافياً عليكِ- أن كثيراً من المفكرين المنصفين في الغرب استغرب ذلك.

فقالت:

أنا أعتقد يا شيخ أن الناس في أوروبا لديهم سوء فهم لمعنى الإسلام الحقيقي، فهم ينظرون للدول العربية مثلاً، ويربطون ما يحصل فيها من أحداث، وممارسات خاطئة بالإسلام، لذا يرون في الإسلام مصدر خطر عليهم، لكنهم في الوقت نفسه ينسون، بل يتناسون أنهم سبب ما يحصل الآن من مشاكل وكوارث في الدول الإسلامية، ويقومون بالاستفادة من ثروات هذه البلدان، والتدخل الدائم في سياساتها، وفي المقابل يريدون أن يكون المسلمون عالماً حسب نظريتهم وبمقاييسهم.

أوروبا تعتقد أنها تطبق العدالة المطلقة، لكنها تطبقها فقط لخدمة مصالحها، ولا تمنح باقي العالم الحق في تقرير مصيرهم في ما يخالف آراءها، ولهذا السبب شكلوا صورة خطر وتهديد عن الإسلام، لأنه يدافع عن قيم مختلقة، ولديه نظام آخر وأنه يحد من الحريات، بالرغم أن الحرية في أوروبا مبالغ فيها إلى مدى أصبحت تنعكس سلبياً على المجتمع.

أنا أعتقد أن الإسلام فوبيا، وهو (مصطلح يعني خوف وكراهية الإسلام) ينبني على عدم فهم الإسلام، وتشويه صورته في الإعلام، لأن هذا الأخير يسوِّق صورة متخلفة عنيفة عن الإسلام، ويظهر أن المسلم يهدف لفرض نظام آخر عنوة عن الكل، في حين أن الإعلام لا يعكس العلاقة بين ما يحصل وردود الأفعال الناتجة عن السياسة الغربية الظالمة، والاستغلالية في البلدان الإسلامية.

فقلتُ:

إذن أخت يانينا؛ كيف ترين الطريقة الصحيحة والمثلى في المواجهة، وتصحيح المسار تجاه هذه العنصرية؟!

فأجابتني قائلة:

إن أول شيء يجب على المسلمين فهمه: هو المعنى الحقيقي للأمة، الانتماء للأمة لا يقتصر على الوقت الذي نكون فيه محتاجين لبعضنا فقط، بل يجب أن نظل متحدين دائماً في السراء والضراء، وندافع عن بعضنا البعض. لكن–وللأسف الشديد- الكثير من المسلمين يعتقدون أنهم سينجحون إذا امتزجوا بالغرب، وذابوا في المجتمع، وتنازلوا عن دينهم واعتقاداتهم ليتقبلهم المجتمع، لكن التجربة التي عشناها تثبت عكس ذلك تماماً، ليس صحيحاً أن نتخلى عن ديننا وهويَّتنا لكي يتقبلنا الغرب، الكثير من المسلمين مازالوا يجهلون ذلك، ويجهلون أن هناك حركة قوية ضد الإسلام والمسلمين، وإذا لم يكن المسلمون مستعدين للدفاع عن حقوقهم، والخوض في هذا الصراع بوعي وبُعد نظر، والتضحية وعدم الاستسلام، فلن تتغير الحال إلى الأحسن، لأنه من المؤكد أن الغرب لا يحب لنا الخير أبداً، وسيكون حالنا كحال ضحية العنف التي ستظل دائماً خاضعة إذا لم تدافع عن نفسها.

سؤالي الأخير الذي سأختم به هذا اللقاء المبارك:

بخصوص قضية الثقافة والحوار، هل تمارسين الحوار مع السويسريات، وتشاركين في ذلك؟

فقالت:

نعم؛ أنا أشارك في الحوار بين الأديان في المحيط الذي أنتمي إليه، وأناقش الناس الذين لديهم استفسارات وأسئلة، وأحاول أن أبين لهم أن الفكرة السيئة القاتمة المأخوذة عن الإسلام غير صحيحة أبداً.

كان ذلك هو الحوار الذي دار بيني وبين يانينا الفتاة السويسرية من زيورخ، التي أسلمت بعد أن كانت راقصة باليه، ودرست اللغة العربية، وأحبت الإسلام وذهبت إلى غزة وفلسطين، من أجل نصرة المنكوبين، وبذلت جهداً مشكوراً في ذلك…

شكراً لها ولزوجها ولهذه التضحية.

وفقها الله سبحانه وتعالى  إلى مزيد من العطاء، والنمو، وخدمة دين الإسلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى