وياكم 2016

وياكم 2016 الحلقة التاسعة والعشرون طليطلة مشاهدات وتاملات

طليطلة مشاهدات وتأملات

في إشبيليا في إسبانيا كنت أجلس على طاولة في مطعم قريب من الكاتدرائية التي كانت مسجداً، وإذا بثلاث راهبات أستراليات جئن من هناك لحضور مؤتمر ديني في إشبيليا.

وعندما رأينني ذا صبغة شرقية، ورأيتهن صاحبات هوية دينية، حدث بيننا انفتاح في الأفكار، فجلسنا نتناقش، وكان هدفي من ذلك كيف أوصل لهذه المجموعة التي اختلف معها عقائدياً، وأشترك معها إنسانياً، رسالة الإسلام التي أراها تتويجًا للرسالات التوحيدية؟

فقلت لهن:

إنني أرى أن آخر معقل من معاقل الإنسانية بدأ يتهاوى، ألا وهو الأسرة!

فقد كان الرئيس الأمريكي أوباما يبشر بلده، ويهنئه، بل ويبشر العالم بأسره بإقرار قانون زواج المثليين! أي قانون الشذوذ! أي قانون خروج الإنسان من إنسانيته! أي قانون ما يذكرنا بكتاب: “يا لحيوانية هذا الإنسان”، أو “يا لإنسانية هذا الحيوان”؟

فقلن:

هذا صحيح.

قلتُ:

فماذا تقلن فيما حصل؟

قلن:

كارثة.

قلتُ:

أرأيتم كيف يغلف هؤلاء هذا الانحراف، والخروج عن الفطرة بورق من السولوفان الجميل، بمصطلحات الحرية، والتطور، والخيار الشخصي، والتنوع في الانتماء الأسري، وتمديد وتوسيع مفهوم الأسرة، إلى آخر ما يزينونه من أباطيل، زينّه لهم الشيطان، وزينته لهم أنفسهم المنحرفة؟

قلن:

نعم.

فقلت:

إذن يجب علينا نحن أصحاب الديانات أن نركز على هذا الشيء.

ثم طرحت عليهن كتاب بوكانون المرشح الثالث في الانتخابات الأمريكية أيام بوش الابن، هذا الرجل كان يعمل في السي إن إن، وهو كاتب عريق، وقد ألّف كتابا ًبعنوان: “موت الغرب“، تساءل فيه: لماذا الغرب زهد في الأسرة حتى ماتت هذه الأسرة؟

فيقول: إن الذين يتكاثرون هم الشرقيون الهنود، الآسيويون، العرب، المسلمون، التايلنديون، أما الغرب الرأسمالي فكلما ذهبت إلى الشمال تتهاوى الأسرة، وتتقلص الأسرة، ويزهد بالعقد الشرعي، ويزهد بالأولاد أيضاً، لماذا؟

لأن تصور الإنسان عن نفسه، وعن الحياة قد اختلف! لماذا اختلف؟

لأنه لا توجد معايير، فمشكلة العلمانية الغربية، والحداثة الغربية، أن معاييرها إجرائية، أي أنها ﻻ تخضع لقضية الحلال، والحرام، وﻻ للأخلاق، وﻻ للتاريخ المشترك، وﻻ لدين، وإنما تخضع للحظة، وتخضع لما يدخله الإنسان على نفسه من خيارات!

إذن ما الذي أراد أن يوصله صاحب كتاب “موت الغرب” لنا؟ وكذلك صاحبا كتاب: “انتحار الغرب“، و”اختفاء مملكة الأسرة“؟

الجواب:

أنه أراد أن يوصل رسالة مفادها أن هذه المجتمعات ماتت، وهي إن لم تمت اليوم، فهي في طريقها إلى الموت، بعد أن زهدت في آخر بوتقة تراحمية إنسانية فطرية تعتصم بها، ألا وهي الأسرة، بسبب هذا الشذوذ! ولذلك أطلق عليها مصطلح: شيخوخة الغرب!

وفي الفصول الأخيرة من كتابه تساءل: هل أمريكا والغرب يخافون من الصواريخ العابرة للقارات؟

ثم بيّن أن الصواريخ الحقيقية تنطلق من الداخل من عندهم، المتمثلة بهذه الحرية الجنسية المفتوحة بلا حدود، التي ستأتي على الأخضر واليابس لديهم..

وأخذ يعدد الأمراض التي تنتج عن مثل هذا الانفتاح الجنسي المشؤوم، وأخذ يستدل على بطلانه بنصوص من القرآن والتوراة والإنجيل، لأن هناك مشتركات أخلاقية عامة متفق عليها، نعم، قد نختلف في العقيدة، ونختلف في العبادة، ولكن تبقى هناك قواسم أخلاقية إنسانية مشتركة، ومتفق عليها، لا يجحدها، أو يتنكر لها، إلا من خرج عن نطاق الآدمية، ولذلك فإن كثيرًا من المجتمعات الغربية توقن أنه ونحن ضد كلما توارى الدين عن واقع الحياة، كلما تحيون الإنسان! لماذا؟

أولاً: لأنه سوف تسيطر عليه أفكار النسبية، فيصبح كل شيء عنده نسبيًّا، وكل شيء قابلًا للنقاش، والنسبية تعتمد على اللا ثوابت، فتصبح المجتمعات العلمانية الحداثية كما قال كريستوفر ﻻش المفكر الاجتماعي، والفيلسوف الأمريكي: مرفأ بلا قلب، مجتمعات مادية، علاقاتها إجرائية، تبادلية، علاقتها في إطار المصلحة الشخصية التي تشبع الحاجات اليومية، أو دفقة الغريزة، أو الأمل المادي فقط!

ثانياً: عدم وجود ثبات، فلا يوجد إطار مرجعي، ﻻ أخلاقي، ولا تاريخي، ولا ديني، ولا غيره.

ثالثاً: أنه ينتج عن ذلك موقف خطير وهو: أن هذا الإنسان العلماني النسباني الذي ﻻ يؤمن بالثبات، والذي عنده أن المبدأ الثابت الوحيد هو التغير، سوف يقع في أزمة نفسية يطلق عليها: أزمة رهبة القدرة على إصدار الأحكام! فلا يستطيع أن يتكلم عن الحرام، والحلال، والصح، والخطأ، كل ذلك تحت إطار أن كل شيء نسبي، وأن هذه حرية شخصية! وهذا نوع من أنواع الرجعية، كما قال بعض علماء الاجتماع.

وقد تظهر معايير ﻻ علاقة لها ﻻ بأخلاق، وﻻ بتاريخ، وﻻ بعقيدة، وإنما هي نزوة فردية، فيجب احترامها، وعدم الاعتراض عليها، يضربون على ذلك بمثل: وهو اللقاء التلفزيوني الأمريكي مع أول امرأة لبست البكيني، بمناسبة مرور خمسين عام على ذلك، فكان السؤال: كيف خرجتِ بهذا اللبس، وكسرتِ التقاليد، وفاجأت الناس؟

فأجابت: المعيار والمنطلق هو شيء واحد وهو الجرأة!!

نعم، هذا هو المعيار والمنطلق لديهم، أما نحن فديننا جعل لنا ضوابط لا يجوز تعديها، فالجسد مثلاً هو ملك لله سبحانه وتعالى، لا يجوز أن أتصرف فيه كيفما شئتُ، وإنما كما أمر الله تعالى، لأنني عبد لله، والعبودية فرع عن المملوكية، فلا أتصرف به إﻻ وفق ما أراد الله عز وجل، بينما هذا الجسد عند الغرب ملك لك، فإذا أرادت المرأة أن تجهض فهي حرة في ذلك! بينما في ديننا ليس من حق المرأة أن تجهض جنينها، إن لم يكن هناك داعي مرضي، لماذا؟

لأن هذا الجنين ملك لله تعالى، وليس ملك لك.

فاختلاف المنطلقات الفكرية والعقائدية، جعلت تلك المرأة تخرج بالبكيني، وتصرح بذلك التصريح.

ثم إن السياسة الأمريكية عندما تتبنى قانون الجنس الثالث، وزواج الشواذ، فإن هذا سوف ينعكس في هوليود! وهل هنالك موقع، وبوتقة، تصدر منها تشكيل الثقافة، والمزاج، والعقل، والإغواء الفكري، والغزو الثقافي، أكثر من بوتقة هوليود عالمياً؟!

 

 

 

ثم قلت للراهبات:

يجب علينا أن نقف ضد سياسة السوق، حتى ﻻ نذوب في هذه المجتمعات، وننتهي من قضية الانتحار الاجتماعي بغياب الأسرة.

ثم تكلمت معهن قليلاً عن الإسلام، وعن عيسى عليه السلام، وتكلمت عن مريم، وودعناهن على خير.

بعد ذلك ركبتُ مع سائق تاكسي، فسألني عن وظيفتي، فقلت له: أستاذ في العقيدة الإسلامية، والفلسفة المعاصرة.

فقال: إذن أنت متخصص في الدين؟

قلت: نعم.

فقال: أنا ملحد.

قلت له: أنا رسالتي الماجستير في الإلحاد، ورسالتي الدكتوراه لها علاقة بالعلمانية والإلحاد أيضًا.

فقال لي: جميل أن ننتفع، ونتبادل المنفعة.

فقلت له: لماذا أنت ملحد؟

فقال: أنا ملحد لأنني إنسان علمي.

فقلت له: كيف؟

فقال: أي ما يثبته لنا الحس والتجربة فهو موجود، وأضرب له تحية، وما لا تثبته الحواس، والتجربة، والمجهر، والتليسكوب، فأنا لا أؤمن به؛ لأنه غيب، وأنا ليس عندي استعداد أن أجعل عقلي يؤمن بغير العلم.

فقلت له: يا أستاذ، هناك إشكال لديك.

فقال: وما هو؟

قلت: لأنك تخلط بين الدليل العلمي، مفهوم العلم، وبين الدليل الحسي، فأنت تتكلم عن الدليل الحسي، وتختزل العلم في فهمه الواسع العريض بقضية الحس، أما العلم في تعريفه المنطقي المتفق عليه فهو: إدراك الشيء على ما هو عليه عن دليل.

لكنني سأسألك سؤالًا مهمًّا: هل تؤمن بأرسطو؟

فقال: طبعاً، فمن ينفي أرسطو، ووجود أرسطو، والفلسفة اليونانية.

فقلتُ: هل تعلم أن من يتقدم لقسم الفلسفة، ويُختبر بهؤلاء الفلاسفة، فإن قال: هؤلاء لم يخضعوا للحس، ولا للتجربة، ولم أشاهدهم، ولم أعاصرهم، فبيننا وبينهم مئات السنين، بل آلافها، فليس عندي استعداد أن أؤمن بهم!! هل تعلم أن من يقول هذا الكلام فإنه يطرد ليس من كلية الفلسفة، وإنما من الجامعة ككل؛ لأنه رجل عنده خلل في التفكير، والتعبير.

ثم قلتُ له: هل تؤمن بشكسبير؟

فقال: نعم.

وبدأت أسلسل له مشاهير العالم من الفنانين، والزعماء العسكريين، والفلاسفة، ممن لم يعاصرهم، ومع ذلك هو يؤمن بهم…

فقلت له: كيف تؤمن بهؤلاء، وأنت لم ترهم؟! هذا يدلك على أن طرق المعرفة، ووسائل المعرفة أكثر مما تظنه أنت يا سيدي، فالخبر الصادق اليقيني المتواتر بشروطه مصدر من مصادر المعرفة، ولا ينكر الأخبار المتواترة إلا الملاحدة! فالمسألة مسلّم بها. هذا أولاً.

ثانياً: في كلامك أنك ﻻ تؤمن إﻻ بالعلم، ثم تحصر العلم بالحس، تناقض، فحتى فلاسفة العلم لم يقولوا بقولك! خذ على سبيل المثال: جون تيلر الملحد صاحب كتاب: “عندما دقت الساعة صفراً“، ينقل عن عالم الأحياء البريطاني ميداور، وهو ملحد أيضًا، فيقول: إن أسئلة البدايات والنهايات ليس لها علاقة بالعلم إطلاقاً، لماذا؟

لأن العلم يكشف الواقع، ويصفه، ويتكلم عن مكوناته، وعن علاقاته، فهذا أمر مشخِّص، يخضع للحس، أما قضايا أسئلة البدايات من أين أتينا؟ ولماذا أتينا؟ وماذا يريد منا؟ فهذه أسئلة ليست علمية، وإنما أسئلة فلسفية، ولذلك قال: يجب على العلم أن يتواضع، وأن يتنحى جانباً؛ لأن هذه الأسئلة ليست أسئلة علمية، وإنما أسئلة عقلية، فهناك عقل، وهنالك علم، والعقل يحكم على العلم.

لقد كان هذا الملحد الإسباني جون تيلر صاحب خلق! وهل يمكن أن يكون الملحد صاحب خلق؟

نقول: نعم، وكما قال علي عزت بيكوفيتش في كتابه: “الإسلام بين الشرق والغرب“: هنالك ملحد ذو أخلاق؛ ولكن ﻻ توجد فلسفة أخلاقية ملحدة. هذا أولاً.

ثانياً: عندما دخلت مع هذا الملحد في حوار وجدته مؤدبًا، لا يشتم الدين، بينما نجد في ملاحدة العرب من يشتم الدين، ويخطئ الدين؛ لأنهم يعيشون حالة مأزومة، فهؤلاء يحتاجون إلى علاج نفسي، وليس إلى حوار عقلي؛ لأنهم ينطلقون من انفعاﻻت ودوافع، وليس من مفاهيم، فالدافع هو الذي يبرر للمفهوم.

ثالثاً: طرحت معه الحوار في دائرة المدارسة، وليس في دائرة المناظرة، كي نستبعد البعد الشخصاني في الحوار مع الملاحدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى