وياكم 2016

وياكم 2016 الحلقة الثالثة تحدي الارادات

تحدي الإرادات

إذا ذكرنا التحدي الإنساني فلا بد أن تتجلى الإرادة كأكبر معنى في مفهوم التحدي، وعندما نتحدث عن الإرادة، وعن التحدي، فإننا في الحقيقة نتحدث عن المشكلات، وعن الآلام، وعن الإخفاقات، وعن كل ما يواجه الإنسان مما ينغص عليه حياته، فنحن في مسيرة الحياة لا بد أن ندرك أن حياتنا ليست مفروشة بالورود، وأنها معبدة لكل سالك، وفي المقابل يجب أن نعلم يقينًا أنها ليست دائماً مليئة بالأحجار، والوديان، والخنادق، والمفاجآت الضارة، بل هي متأرجحة بين الخير والشر، وبين ما هو مقبول، وما هو مرفوض، وبين ما هو يبهج النفس، ويدخل السرور على القلوب، وما يعكر الأيام والليالي.

والسؤال المهم في هذا المقام:

ما الأسباب التي تجعلنا نختلف في استقبال هذه الصدمات، والمعكرات في الحياة؟

لا شك أن الحديث في هذا الموضوع يطول؛ لأنه يختلف بناء على نوع المنغص، أو الألم، أو الإخفاق، أو الشيء الصادم، أو المجتمع، أو اللحظة التاريخية التي تعيش فيها، والناس يفصلون في هذا تفصيلًا كبيرًا، فهذا الإنسان الذي وُلد في هذه البيئة، ولديه مشكلة كبيرة جداً، يختلف حاله عن إنسان آخر لديه المشكلة نفس؛ لكنه ولد في بيئة أخرى، فالبيئة قد تكون مدرسة، وقد تكون أسرة، وقد تكون مجتمعًا عامًا، وقد تكون وظيفة، وقد تكون مشتركة في هذا كله، إذن جدلية الحياة دائرة بين تعب الإرهاق، والصدمة، وليس مقصودي التعب العادي فكل الناس يتعبون، ولا الإرهاق الطبيعي فجميعنا يُرهق؛ ولكنني أتحدث عن حالات يصعب على العقل استيعابها، في صدمات تهز كيان الإنسان هزاً، مما تجعل هذا الإنسان ينهار، أو يفنى من الحياة، إن لم يكن يمتلك بعض الخصائص التي سوف يأتي الحديث عنها.

الفكرة الكلية التي يتفق الناس عليها جميعاً، أو ينبغي أن يتفقوا عليها، أو إن لم يتفقوا عليها، فينبغي أن ينطلقوا منها هي في الكليات التي تحكمنا جميعاً كبشر، بقطع النظر عن أدياننا، أو مذاهبنا، أو تاريخنا، أو زماننا، أو مكاننا، ألا وهي: الحياة، والإنسان، فأنت إنسان إذن أنت موجود في كون، ودنيا، وحياة، هذه الثنائية تختلف من شخص لآخر، ومن مجتمع لمجتمع، ومن ثقافة لثقافة، ومن إرادة لإرادة، ومن تحدي إلى تحدي، فمن أنا يا من تصيبني المشكلات؟ ويا من أقع في المصائب؟ ويا من تهزني الإعاقة، من أنا؟

لا شك أن الجواب يختلف من شخص لآخر؛ بيد أن في منظومتنا الثقافية، أو بعبارة أدق: في إطارنا العقائدي: أنا إنسان مكرم، بل إن ديننا يقول: إن جنس الإنسان مكرم، ولو لم يكن صاحب دين، كما قال رب العزة جل جلاله: {ولقد كرمنا بني آدم}، فكل الآدميين قبل أن يتفرعوا إلى مذاهب، وقبل أن يتقسموا بين أديان، وقبل أن يصنفوا في انتماءات، مكرمون.

إذن أنا مكرم لأنني إنسان. هذا أولاً.

ثانيًا: لأنك عاقل، فالعقل هو الجوهرة التي يمتاز بها الإنسان عن بقية المشاركين له في الحياة من الأحياء.

وما دمتَ إنسانًا، وعاقلًا، فأنت مكلف برسالة إذن، وبعد هذا التكليف والرسالة فأنت مسؤول، وعليه لا بد أن يكون هناك جزاء، وهذا الجزاء إما مكافأة، وإما عقاب.

هذه المقدمة تجعلنا ندرك جميعًا أننا في دنيا، وهذه الدنيا ليست خيمة سيرك، ولا صالة تزلج، وتسلية، ولا ملعب في نادي، بل هي موضع للاختبار، والامتحان، والتمحيص، وفق الرسالة، ووفق المصدر، والقاعدة لدينا تقول: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة}.

ودعونا نتحدث عن الإعاقة كمثال على البلاء في هذه الدنيا، فالإعاقة درجات، وأنواع، وبعيداً عن الاسم فهي تحدي في الحياة، يحتاج إرادة قوية، فكيف يتعامل الناس مع هذه الإعاقة؟

البعض منهم ييأس، والبعض الآخر ينسحب من الحياة، وقد ينتحر اجتماعياً، أو يتبرم، وقد يواجه، أو يتكيف معها، فالإعاقة تتنوع في ردود أفعالها، وفي نزولها على نفوس الناس.

قبل فترة دعيتُ إلى مؤتمر ملتقى الأمل الأول للإعاقة في إسطنبول، وقد التقيتُ على هامشه بشموس ساطعة متألقة، تأخذ منها الدروس والعبر، وهي محل فخر واعتزاز، ومنبع عزيمة وتصميم، إنهما:

الدكتور عمّار بوجس، من المملكة العربية السعودية من جدة.

والأستاذ أحمد الغول، من لبنان، من العاصمة بيروت.

توجهتُ بالسؤال للدكتور عمار قائلاً:

حدثنا عن نفسك.

فقال:

عشت ٢٦ سنة كأي إنسان طبيعي؛ إلا أن التحديات التي واجهتني كانت كبيرة جداً، بدأت دراستي في أمريكا حيث كنت أعيش هناك، درست فيها إلى الثالث ابتدائي في مدارس عادية، وليست مخصصة للمعاقين، وعندما جئت إلى السعودية صدمت، فلم تقبلني مدرسة! فحاول جدي كثيراً إلى أن استطاع أن يقنع أحد مدراء المدارس بقبولي في مدرسة بنظام الانتساب، والعجيب أنني كنت متفوقًا، ولكنهم كانوا يريدونني أن أدرس في مدارس المتخلفين عقلياً، ولكنني بحمد الله تعالى تخرجت من الثانوية بنسبة ٩٦ في المئة، وحفظت القرآن في سنتين، وتخرجت من الجامعة بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف، فكنت الأول على الجامعة، والأول على الكلية، والأول على كل من شكك بإمكانياتي، وقدراتي، والواقع في بعض الأحيان يكون أغرب من الأفلام، والروايات، كان لدي أحلام كثيرة؛ لكن أبرزها أن أكون صحفيًا، وبالفعل استطعت أن أصل لهذا الحلم، وأجعله حقيقة واقعة.

أما على الصعيد الرياضي على مستوى المملكة فأنا ممن يحب التحديات، ويعشق الصعاب، ولعبة كرة القدم فيها جميع التحديات، وفيها أصعب الصعوبات، وهذا الذي جعلني أعشق هذه اللعبة.

هذه الدنيا مليئة بالتحديات، وأنت لك القرار، فإما أن تختار، وإما أن تنهار، والإعاقة ما كانت في يوم من الأيام نهاية العالم، بل هي انطلاقة، ونقطة بداية لتحقيق أهدافك، والوصول لأحلامك، بمعنى أن تكون قاهرًا للمستحيل باختصار، فصوت الإرادة لا يعلو فوقه أي صوت؛ لأنه الصوت الذي يسمعه كل من في هذه المعمورة، لأنك إذا نطقت، وقلت: أنا هنا، فثق تماماً بأنك أنت هنا.

قلتُ:

ما هي الطاقة النفسية، والشخصية، التي ترفع من شخص المعاق، وتجعله يتألق، بدلاً من أن يتقوقع، وتجعله يتكيف، ويعيش حياته، بدلاً من أن ينسحب، ويموت اجتماعياً؟

فقال:

من وجهة نظري الشخصية أعتقد أن المعاق الذي في مثل حالتي، ويجد نفسه أمام هذا الواقع، يكون مخيرًا بين أمرين: إما أن يستسلم، وينتظر إلى أن يأتيه الموت، وإما أن يخطو خطوة إلى الأمام، ويواجه هذه الحياة، ويتقدم في مراحلها المختلفة، ويتخطى العقبات، والصعوبات، وما بين الأول والثاني يقع في تردد، ومرحلة من عدم تقبل الواقع الذي يعيش فيه.

بالنسبة لي فقد اخترت الخيار الثاني، بأن أفرض نفسي، وأثبت ذاتي، وأعيش مع واقعي، وأخرج من حدود جسدي المعاق إلى آفاق أرحب، وأوسع، إلى عالم لا يعترف إلا بلغة الثقة، ولغة الإرادة، ولغة الإصرار، فاخترت أن أعيش هذه الحياة بكل صعوباتها، وعقباتها، وأواجه كل التحديات؛ لأثبت للمجتمع أن الإعاقة الحقيقية هي إعاقة فكر، وليست إعاقة جسد.

قلتُ:

هذا يعني أن المفاهيم التي لدينا عن مفهوم الإعاقة نفسها، وعن المجتمع، هي التي تتعبنا، باختصار.

فقال:

تمامًا؛ لأن المعاق هو معاق القلب، والروح، والدليل قول الله عز وجل: {يوم لا ينفع مال ولا بنون. إلا من أتى الله بقلب سليم} ولم يقل: بعقل سليم، أو بجسم سليم، بل حدد وقال، بقلب سليم، والرسول صلى الله عليه وسلم حدد، وقال: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، فالإعاقة الحقيقية تكمن في القلب، والروح، وليست في الجسد.

توجهت بعد ذلك بالسؤال للأستاذ أحمد الغول قائلاً:

حدثنا عن نفسك.

فقال:

اسمي أحمد الغول، وعمري ٣٨ سنة، ومنذ صغري كنت أحب الرياضة كثيرًا، وكرة القدم خصوصاً، وتوظفت بالإطفاء سنة ١٩٩٦، وشاركت مع زملائي بإطفاء الحرائق، وفي سنة ٢٠٠١ و٢٠٠٢ حصلت على جائزة أفضل رياضي بالإطفاء، ثم التحقتُ بالجامعة اللبنانية، وتخصصت تربية بدنية ورياضة، وكان حلمي أن أكون مدرب كرة قدم، ولكن للأسف وقع لي حادث في عام ٢٠٠٤، وكان ذلك بعد الامتحانات النهائية في الجامعة، وبعد عرسي بثلاثة أسابيع، أدى إلى شلل سفلي، وبدأت أتأقلم مع حياتي الجديدة على الكرسي المتحرك، وكنت أفكر كثيراً كيف سأرجع إلى وظيفتي في الإطفاء، والتي تحتاج إلى حركة وتنقل؟ ولكن بحمد الله تعالى بقيت في وظيفتي، إلا أنني نقلت إلى وظيفة إدارية مراعاة لحالتي الصحية.

وفي عام ٢٠١٠ شاركت بماراثون سباق ٤٢ كيلو متر، وكان ذلك تحدي  مع نفسي هل أستطيع أن أتخطى هذه المسافة، وأصل إلى خط النهاية أم لا؟ وبفضل الله هذا ما حدث، وعندها شعرتُ أني أستطيع الوصول إلى مكان ومستوى أفضل، فبدأت من وقتها بتحقيق مراتب أولى، فشاركت في ماراثون بوخارست الدولي في ٢٠١٤، وحققت المركز الأول فيه، وكانت آخر مشاركة لي عام ٢٠١٥ في ماراثون بيروت، وحصلت على المركز الثالث، وحلمي أن أشارك بالبارلينت كينز في البرازيل، وأن أشارك ببطولة العالم.

كما أنني شاركت ببطولات البنج بونج لكرة الطاولة، وكانت أول مشاركة لي ببطولة لبنان عام ٢٠١٥، وحصلت فيها على المركز الثاني والحمد لله.

وقد أكرمني الله تعالى بالقرآن الكريم وأنا صغير، فحصلت على أخذت إجازة تعليمية فيه، وبدأت بتدريسه وتحفيظه لمجموعة من الأشخاص بمختلف الأعمار.

والرسالة التي استفدتها من هذا الحادث الذي وقع لي أن الإنسان معرّض في أي لحظة لأي مشكلة تحدث معه، أو لأي حادثة، فلا بد أن يكون إيمانه قويًّا، وأن تكون عنده إرادة قوية، ويصبر، ويضع هدفه برأسه، ويصل إليه بكل قوة.

قلتُ:

سأكرر عليك السؤال نفسه الذي سألته للدكتور عمار وهو: هذه الطاقة النفسية، والشحنة الشخصية التي جعلتك تتحدى الإعاقة، ولا تتقوقع على نفسك في البيت، أو تنسحب من الحياة، أو تزهد في الدنيا، وتنظر إلى العالم بتبرم، وإنما تصبر، وتمضي في تحقيق أهدافك، وتتجاوز العقبات، وتتكيف مع الحياة ، أقول: كيف استطعت أن تفعل ذلك؟

فقال:

كل ذلك يكون بالإيمان القوي، والصبر، والتحدي، والإرادة القوية، والعزيمة، والاستمرارية، ومعرفة القدرات، والمواهب التي تستطيع أن تقدمها، وتبرع بها في طريق النجاح للوصول إلى الهدف المنشود، وهو الفردوس الأعلى، من خلال أعمالك الصالحة، والوصول إلى رضا الله عز وجل، ولذلك اخترت هذا الطريق كما اختارها الدكتور عمّار لمواجهة مشكلتي بجدية، وإصرار، وحزم، وقوة إيمان، فبدأت بالتأقلم مع حالتي التي لم أعلم عنها من قبل، ولم أعرف مدى صعوبتها، ولم أعرف ما هي الصعوبات التي تواجهني حين أفقد الإحساس، والحركة الإرادية، بأكثر من نصف جسدي، فكانت صدمة في بداية الأمر، ولكن كل ما سبق جعلني أتغلب على نفسي، وأصبح عنصرًا فاعلاً.

وها هنا نقطة مهمة جداً يجب الإشارة إليها ألا وهي  حب الأهل، والأحباب، والأقرباء، والأصدقاء المخلصين، ومساندتهم، ودعمهم المستمر، وهذا ما أكرمني الله سبحانه وتعالى به، فأعطتني قوة في شخصيتي عشرات الأضعاف لكي أتحدى، وأستمر في طريق الوصول إلى الهدف المنشود.

قلتُ:

دكتور عمّار؛ باختصار كيف تتعامل مع سلبية المجتمع، مع صاحب الإعاقة، خاصة وأنت بهذه الإعاقة الكبيرة جداً؟

فقال:

عندما كنت في السابعة من عمري جاءتني طفلة فسألتني: لماذا لا تستطيع المشي، واللعب معانا؟ فقلت لها: هل أنت تستطيعين المشي، واللعب؟ فقالت لي: نعم، فالله تعالى جعلني أمشي. فقلت لها: كما أن الله تعالى جعلك تمشين، فقد جعلني لا أستطيع المشي!

تخيل أن يصدر هذا الرد من طفل عمره سبع سنوات، هذا إن دل على شيء، فإنما يدل على دور الأسرة في زرع الثقة، والدعم النفسي، وتهيئتي لمواجهة تحديات الحياة، فتلك هي النظرة السلبية السائدة في المجتمع عن ذوي الإعاقة.

قلتُ:

أستاذ أحمد الغول؛ أنت شخص تحب الرياضة، وتعشق كرة القدم، وإصابتك في القدم التي يُلعب بها، فلو كانت الإصابة في اليد لكانت أهون، فكيف ترى تعامل المجتمع القاسي مع هذا المعاق، أو المجتمع الذي لا يتقبل، أو الذي لا يفهم نفسية المعاق، أو ذاك الذي لديه بلادة شعورية، وموت في الحس الوجداني الاجتماعي؟

فقال:

وجدت أن الله سبحانه وتعالى وضعني أمام اختبار، تذكرت فيه قصص الابتلاء، ونحن تعلمنا من الرسول صلى الله عليه وسلم: أن الله إذا أحب عبداً ابتلاه، وأن أشدكم بلاء الأنبياء، ثم الأمثل، فالأمثل، فهنا يقف الإنسان وقفة مع نفسه: هل تريد أن تسير في طريق الاصطفاء، والكرامة، أم أنك تريد أن تستسلم لهوى نفسك، وتضعف، وتركن جانباً؟

فالإنسان القوي بإيمانه، وفكره، وقلبه، وروحه، يتجه إلى الطريق الذي رضيه الله تعالى لنا كمؤمنين.

أما هؤلاء الناس الذين لا يقدرون فأعتقد أن الإعاقة عندهم هم، وليست عندنا نحن، فأنا من خلال قدراتي، وطموحي، وصلت إلى أهدافي المنشودة، فقد تابعت دراستي الجامعية لمرحلة الماجستير في الدراسات الإسلامية في التفسير الموضوعي لبعض السور، واخترت موضوعًا هامًّا جداً وهو: الآداب والعلاقات الاجتماعية في عصرنا، عصر الإنترنت، وعصر التقدم، والتطور التكنولوجي، كما أنني وجهت قدراتي البدنية حسب استطاعتي بعد الحادثة إلى المشاركة في السباقات الرياضية عبر الدراجة اليدوية، وقد كانت بدايتي صعبة؛ ولكن مع الوقت، والاستمرار بجدية، والتدريب المستمر، وصلت إلى نتائج متقدمة، أكرمني الله تعالى بها، ووصلت إلى نجاحات، ومراتب أولى في عدد من البطولات الدولية.

قلتُ:

أستاذ أحمد؛ هل لديك تجربة في النصيحة، والتثبيت، والإرشاد، لمن هو في مثل حالك من الإعاقة، إلا أنه سلبي، أو مجروح، أو لم يستطع أن يتكيف مع الحياة، أو لشخص هو من الأصحاء؟

فقال:

لي صديق من المقربين، وهو قاضي مدني يعمل في سلك القضاء، وهو إنسان لم تصبه أي إعاقة، أو أي إصابة من هذا النوع؛ ولكنه في كثير من الأحيان التي تعترضه فيها مشكلات الحياة، أو بعض الصعوبات، سواء أكانت في الأسرة، أو في القضاء، أو غيرها، فإنه يأتيني، ويستشيرني، وأنا أنصحه، وأذكره بحكمة الله عز وجل، وعدله، والاختبار الذي نحن فيه، وإمكانية قدرتنا، وقوتنا لتخطيها بكل إيمان.

قلت:

دكتور عمّار؛ لك كلمة تقول فيها: إن الناس هم الذين يحتاجوننا، ولسنا نحن من يحتاجهم!

أريد تعليقك: كيف يتعامل الإنسان المعاق مثلاً مع المعاقين، وغير المعاقين؟

فقال:

كثير من أصدقائي يقولون: نحن نستمد القوة، والعزيمة، والإصرار منك، فدائماً نتصل بك لتعطينا القوة، والشحن، والهمم، هذا ما يخص الأصحاء.

أما ما يخص المعاقين فالحمد لله أنني استطعت من خلال المحاضرات أن أُخرج كثيرًا من المعاقين المتقوقعين في حياتهم، وداخل منازلهم، للمشاركة في الحياة الاجتماعية، فالإعاقة الحقيقية كما ذكرنا ليست هي الحركية، أو السمعية، أو البصرية، وإنما إعاقة العقل، والقلب، والروح، فعلى سبيل المثال: ظاهرة الإلحاد، وهي ظاهرة للأسف بدأت تنتشر في عالمنا العربي، هي إعاقة حقيقية، وقد حاورني أحد الأشخاص بشأن الإله، وذكر أنه إذا كان الإله رحيماً رحماناً، فلماذا يعذب هؤلاء الناس، ومن ضمنهم أنت يا عمّار بهذه الإعاقة؟ فقلت له: إذا كان الإله غير موجود، فكيف تفسر الظواهر الكونية كالليل، والنهار، والشمس، والقمر، وما إلى ذلك؟ فقال لي: لو سمحت ليس لي رغبة أن أناقش الموضوع! فقلت له: ولماذا؟ قال: لأني على يقين أني إذا تعمقت قليلاً في هذا الموضوع، فسوف أدخل في صراع نفسي مع نفسي، فهذا دليل على أن الله عز وجل موجود، ولو كره الكافرون.

قلتُ:

لا شك أن هذا نوع من أنواع الهروب، ونوع من أنواع شرائح الشّكّاك، فالملحد يهرب من مواجهة الأسئلة الكونية، والمعادلات.

ثم قلتُ:

أستاذ أحمد؛ ما هي الرسالة التي تحب توجيهها للآخرين في نهاية هذا الحوار الماتع؟

فقال:

أريد أن أوجه رسالة للجميع من خلال قول أحد الحكماء أو الصالحين حيث قال: كن إنساناً، أو مت وأنت تحاول! فالإنسانية التي نفتقدها كثيراً في كثير من مجتمعاتنا هي التي تعطيك انطلاقة مع الإيمان بالله عز وجل، وحبّك للحياة في الاستمرارية، وفي معاملاتك مع الغير، تجعل الغير يحبك، ويحب فكرك، وإيمانك، ويأخذ عبرة منك.

كذلك أقول: إذا أردت أن تعرف نعمة الله عليك، فأغمض عينيك، أو لا تستعمل رجليك أو يديك، ويمكن أن تجرب ذلك لبضعة ساعات، لا أقول أسبوع أو شهر، بل ساعات، لكي تعرف المعنى الحقيقي لما أعنيه.

والكلمة الأخيرة هي نصيحتي لنفسي، وللناس جميعًا، أن نترك بصمة في الحياة، بالحب، والخير، والحق، والمعاملة الطيبة، ونترك أثراً جميلاً عندما نغادر هذه الحياة إلى جنات النعيم إن شاء الله.

قلتُ:

دكتور عمّار؛ أنت طرحت مبادرة اسمها مبادرة عمّار، وأخذت انتشارها في وسائل التواصل، فهل لك أن تحدثنا عنها؟

فقال:

مبادرة عمّار هي مبادرة لدعم الموهوبين من ذوي الاحتياجات الخاصة، باختصار نحن نبحث عن أطفال الموهبة من ذوي الإعاقة بجميع أنواعها، وجميع الأعمار، وجميع الجنسيات، ومن كلا الجنسين، في مختلف العالم العربي، وقد طُبقت هذه المبادرة في عام ٢٠١٤ على مستوى المملكة العربية السعودية، ووقع الاختيار على أفضل عشر مواهب، وسوف يبدأ تطبيق هذه المبادرة في دول الخليج بإذن الله تعالى، وفي دول العالم العربي.

وقبل أن أختم حديثي معك يا دكتور محمد أودّ أن أشكرك على هذا الحوار الشيق الممتع، وأقول: إن المستحيل لا يوجد حقيقة إلا في قاموس الضعفاء، وأحلام العاجزين، وأوهام المساكين، فهناك فقط يوجد المستحيل، أما في قاموسنا نحن الناجحين فلا وجود له.

كانت تلك آخر كلماتهما المتدفقة فألاً، وأملاً، وهمة، وعزيمة، وقوة، وثباتًا.

وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى