وياكم 2016

وياكم 2016 الحلقة الثالثة عشر انسانيات

إنسانيات

من الجوانب التي يجب الحديث عنها، والتفتيش فيها، وسبر أغوارها، دواخلنا التي نسترها عن الآخرين، ومشاعرنا التي تنعكس على علاقاتنا، فالإنسان عقل مليء بالمعلومات والمفاهيم، وتلك المشاعر تتدفق أو تجمد، تنبسط أو تنقبض، وتفاعل العقل مع المشاعر، أو انسجام المشاعر مع العقل يولد سلوكاً، وعمليات هذا التفاعل لها ألف تحليل، وتحليل.

وتعالوا بنا نتكلم عن بعض الجوانب الإنسانية، عن اليتم الاجتماعي حينما يكون للإنسان أهل، وبيت، وأصحاب، إلا أنه يشعر باليتم الاجتماعي، ويشعر بالحرمان في وجوده بين الناس، كيف ذلك؟

سأذكر مثالاً بسيطاً في البداية، ثم أدلف منه إلى تفصيل الموضوع كي ننتبه لذلك الجمود، وموت الإحساس الذي في قلوبنا، لأن ما تكرر تقرر عادة، سواء في الجوانب السلبية.

المشهد الذي سأذكره يتكرر كثيراً، وفي بيئات متنوعة، فمثلاً: يجلس جماعة من الناس في مكان معين، ويضم المجلس الغني والفقير، والرئيس والمرؤوس، والسيد والخادم أحياناً، ومن جنسيات مختلفة، ويبدأ الحوار، وتبدأ السجالات ليست العلمية، ولكنها الدنيوية المادية، فهذا ينوي شراء سيارة فارهة بآلاف الدنانير، وذاك يسأل عن قطعة أرض في المكان الفلاني معروضة بمبلغ خيالي، لكن مستقبلها مزهر، وثالث يستشير أهل الخبرة في شراء شقة في بلد أوروبي، أو بلد عربي، أو أو….الخ تلك المواضيع.

أما هؤلاء المساكين الذين يجلسون في ذيل المجلس، فيسمعون ويتحسرون، ليس حسداً، وإنما حسرة ألا يجدوا ما ينفقون به على عوائلهم التي متى على الواحد منهم أكثر من عام ولم يسافر لرؤيتهم؛ لقلة ذات اليد، أو ذاك الذين لا يجد أقساط مدارس أبنائه، أو ذاك المسكين الذي لا يستطيع شراء إبرة لزوجته لعلاجها من السرطان؛ لأنها بمئات الدنانير!!!

أقول: أين الحس الاجتماعي الذي يجب أن يخيم علينا؟

لا بد أن نراعي في مجالسنا حال الجالسين، ومتى نتكلم؟ وماذا نتكلم؟

لا بد أن نلحظ هذا الملحظ النفسي، التربوي، الشعوري، الإنساني.

وما أجمل الشعور بمعاناة الناس، والعمل على مساعدتهم، والسعي في حاجاتهم، ولكن كيف تكون هذه المساعدة؟ وأين تكون؟ وماذا تعطي لصاحبها؟

مما لا شك فيه أن هذه المساعدة للآخرين تمنح صاحبها من الراحة، والطمأنينة، والسعادة، وانشراح الصدر، ما يمكن إنكاره، فقبل أن يدل عليها الدليل الشرعي، نجد أن الحس الواقعي، والدليل الحسي، يثبت ذلك ويؤكده.

إلا أننا إذا أردنا أن نعرف الثواب والأجر الذي وعد به هذا الإنسان الذي جعل من نفسه مقصداً يقصده الناس لفك كربهم، وتفريج همومهم، فلنسمع هذا الحديث العظيم عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول: ((ما من مسلم يغرس غرساً، أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة))، وفي رواية: ((ما من مسلم يغرس غرساً إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقة، وما أكل السبع منه فهو له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة))، يرزؤه أي: ينقصه.

فإذا أكلت الدابة من حديقتك، أو مزرعتك، أو من زرعك ولو كان في الصحراء فأنت مأجور على ذلك، ولو استظل الإنسان بهذا الزرع فأنت مأجور، فأنت تحقق عبادة بهذا المعنى العظيم الواسع جداً من خلال هذه السلوكيات التي قد تفعلها من غير نية، ومن غير شعور.

قد يقول قائل: هل لا بد أن تكون عبادة؟ فلو فعل هذه الأمور إنسان غير مسلم أصلاً، فهل يؤجر؟

أقول: إن النزعة الإنسانية موجودة في الناس جميعاً؛ لكنها حينما تأتي في الإطار الديني فإنها تتحول إلى عبادة، وتربطك بالإطار الواسع لفهم الإنسان، والكون، والحياة، وبالأساس الذي جئت به إلى هذا الوجود، والمسير الذي تعيش فيه، والمصير الذي تنتهي إليه.

بل انظر إلى أي حد وسّع الشرع دائرة المعاونة والمساعدة، حيث جاء في الحديث: ((وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه، صدقة))، فكل عمل تقوم فيه بمساعدة الآخرين هو صدقة لك، فالشعائر التعبدية من صلاة، وصيام، وزكاة، وحج، هي صدقة مادية، وهي مشهورة، ومعروفة؛ ولكن أن يفتح لنا المجال، فتتحول كل سلوكياتنا إلى عبادة إذا تحققت النية الطيبة، والقصد الحسن، وتوارت قضية الاستعراض، والرياء، والسمعة، وغالب الإنسان نفسه، فانطلق من الداخل لا من الخارج، من أصالته، وطيبته، فهذا هو مفهوم العبادة الحقيقي المتكامل، والذي يتجلى فيه هذا الإنسان.

وسأضرب مثلاً عجيباً لمعنى الشفقة، والرحمة بين الخلق، وما يجب أن يكونوا عليه من حب للمساعدة، وتفريج الهم، وتنفيس الكرب، خاصة في ظل ما نراه هذه الأيام من سفك للدم الحرام، وفي ظل جفاف عواطف الناس وتبلد مشاعرهم، وفي ظل طغيان الجانب المادي على حياة الكثيرين، وفي ظل قصرهم مفهوم العبادة على الأركان الخمسة دون سواها!!

هذا المثل يذكره من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم في جانب العطف والشفقة وفيوض الرحمة ليس لإنسان مثلك، وإنما لحيوان بهيم، بل لحيوان مستقبح في الشريعة، ألا وهو الكلب!!

فهذا رجل قد قتله الظمأ والعطش، ينتهي به المطاف إلى بئر فيه ماء، وعن هذا البئر شاهد موقفاً محزناً قطّع نياط قلبه، وكاد أن ينسيه ما به من عطش! إنه كلب مسكين أصابه ما أصاب هذا الرجل من ظمأ وتعب، بل إنه من شدة عطشه كان يلحس التراب، والطين الرطب الذي حول البئر، فماذا قال هذا الرجل؟ قال: (لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغني)، لقد شعر بمصيبة هذا الكلب، وأنه يعاني مثل ما يعاني هو! فماذا صنع؟

نزل إلى البئر، وملأ خفه ماء، وصعد وسقى الكلب! فماذا كان جزاؤه عند ربه جل وعلا؟ لقد غفر الله له بسقيه لهذا الكلب!!

سبحان الله! تفعل خيراً مع كلب، وتحسن إليه، فيكون الجزاء المغفرة، فما ظنك لو أحسنت إلى إنسان مثلك،؟! بل إلى من هو من أقرب المقربين عليك؟!!

وجاء في بعض الروايات الصحيحة أن الذي فعل هذا الفعل مع الكلب امرأة بغي، أي فاجرة! زانية! ومع ذلك غر الله لها بهذا المعروف الذي صنعته!!

لقد تعجب الصحابة من هذه القصة، فهذه مفاهيم جديدة لم تكن معروفة لديهم من ذي قبل، لأنه دين سماوي، ولهذا بادروا إلى سؤال النبي صلى الله عليه وسلم: ولنا في البهائم أجر؟!!أي إذا أحسنّا إلى الحيوان، وعاملناه برفق، فهل نؤجر على ذلك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم كلمته الخالدة التي يجب أن تطبع بالنور على جبين الدهر، وهو رسالة واضحة وصريحة إلى هؤلاء الذين ينادون بحقوق الحيوان، وينشؤون جمعيات للرفق بالحيوان، لكنهم في المقابل لا يقيمون وزناً للإنسان خاصة إن كان مسلماً موحداً!! فقال صلى الله عليه وسلم: ((في كل كبد رطبة أجر))، والكبد الرطبة كناية عن كل ما فيه حياة، فإن أحسنت إليه فأنت مأجور.

ودعونا ننتقل إلى نقطة أخرى في هذا الموضوع وهي أن البعض قد يحسن إلى من هم في مستواه العلمي، والمادي، والثقافي، والاجتماعي، لكنه لا يلتفت أبداً إلى ذلك الفقير، والمعدم، وعامل النظافة، والخادم في البيت، وغير هؤلاء، فهل كان ذلك هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟!

نقول: معاذ الله أن يقع ذلك ممن هو رحمة مهداة للعالمين جميعاً وليس للمسلمين خاصة، فها هو عليه الصلاة والسلام يفتقد يوماً امرأة عجوز كانت تقم مسجده صلى الله عليه وسلم، وتقوم على تنظيفه، والعناية به، وهي امرأة لا يعلم اسمها، ولا قبيلتها، ولا توجد أي معلومات عنها، ومع ذلك كان لها شأن عند نبي الهدى صلى الله عليه وسلم، فلما افتقدها النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يهتم بجميع أفراد رعيته، ويتفقدهم، ويسأل عن أحوالهم، ولا يفرق في ذلك بين غني وفقير، وكبير وصغير، ورجل وامرأة، بل الكل عنده سواء، فلما سأل عنها أخبره الصحابة أنها ماتت، ودفنوها ليلاً!! فعظُم الأمر على النبي صلى الله عليه وسلم، وحزن لهذه المرأة المسكينة، وقال لهم: ((أفلا كنتم آذنتموني؟))، أي: لمَ لم تخبروني بذلك قبل أن تصلوا عليها، وتدفنوها؟! كم أنت رحيم يا سيدي يا رسول الله؟!

ثم قال: ((دلوني على قبرها))، فذهب، وصلى عليها، وهي في قبرها!!

إنه درس في الإنسانية، لأنه نبي الإنسانية جمعاء صلى الله عليه وسلم.

ولذلك نقول: إذا تعاطفت مع الآخرين من أهل المصائب، والحاجات، وإذا دخلت الرحمة إلى قلبك، فأنت بذلك تحسن إلى نفسك أولاً، وتجد ذاتك، وتعرف نفسك من داخلها، فقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشكى إليه قسوة قلبه، وجفاءه، وغلظته، فبماذا أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال له عليه الصلاة والسلام: ((إن أردت أن يلين قلبك، فأطعم المسكين، وامسح رأس اليتيم))، فالله سبحانه وتعالى يقول: {ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً}، وضع كلمة: ((على حبه)) بين قوسين، فهو يطعم الطعام، وينفق النفقة لهؤلاء على الحب، أي برضا نفس، وفرحة قلب، ليس غصباً عنه، ولذلك قال الله تعالى في الآية الأخرى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}.

فمتى ما خرج الخير من داخل الإنسان، وشعر بالآخر، فإنه يرتقي في سلم الإيمان والخير والفضيلة.

من المواقف الجميلة التي تدل على إحساس مرهف، ومشاعر صادقة تجاه الآخرين ما ذكره الإمام السبكي في طبقات الشافعية عن الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي يقول وقصده رجل يطلب منه شيئاً، فأعطاه ما أمكنه، ثم أنشأ يقول:

يا لهف نفسي على مال أفرقه … على المقلين من اهل المروءات

إن اعتذاري إلى من جاء يسألني … ما ليس عندي من إحدى المصيبات

فالإمام الشافعي رحمه الله تعالى الذي كان فقيهاً؛ ليس الفقه المعلوماتي، والأصولي، والفكري؛ وإنما الفقه السلوكي، جاءه محتاج من أهل الشأن، فأعطاه ما استطاع أن يعطيه، ولم يوفّه حقه، وكم هو صعب عندما يأتيك إنسان يحسن بك الظن أنك تستطيع أن تساعده، لكنه لا يعرف حقيقة ظروفك الخاصة، فأنت لا تستطيع أن تساعده بالذي يستحقه، فهذه كسرة قلب، فأعطاه الإمام الشافعي ما استطاع، ثم ذكر تلك الأبيات التي تدل على مدى التحسر والحزن الذي أصابه لأنه لم يعطه ما طلب كاملاً!

كم هي مصيبة عندما يأتيك محتاج، ويقصدك، فإنه ما قصدك إلا بعد أن فكر طويلاً لمن يذهب، ومن سوف يساعده؟! فأنت خطرت بباله!! أليس هذا  كرماً؟ أليس هذا  فضلاً؟ أليس هذه نعمة؟

فمن فضل الله تعالى عليك حاجة الناس إليك! لكن المصيبة عندما تكون عاجزاً عن القيام بهذه المساعدة، هنا يقع الشعور المتناقض في الإنسان، لا أقصد التناقض السيء؛ ولكنه حب العطاء، ويقابله العجز عن هذا العطاء! إلا أن الإنسان يحاول جاهداً أن يسدد، ويقارب.

ومثال آخر:

قيس بن سعد بن عبادة صحابي، ابن صحابي، هذا الرجل كان يستدين من أجل الفقراء، وفي أحد الأيام جاءته امرأة عجوز وقالت له: أشكو إليك قلة الجرذان في بيتي!!، وهذا كناية على فقر أهل هذا البيت؛ لأنه لا يوجد فيه طعام مطلقاً، ولو كان فيه طعام من حبوب أو غيرها لجاءت الفئران! ففطن لها سعد وعلم مرادها، فقام بسد حاجتها.

وفي موقف آخر له: عندما ألَــمَّ به المرض استبطأ مجيء الزوار من إخوانه لعيادته، فلما سأل عن ذلك، قيل له: يا قيس، إنهم علموا بذلك؛ ولكن الحياء منعهم من المجيء إليك!! لماذا؟

قالوا: لأنك لك دين على كل واحد منهم!!

أتدرون ما هو القرار الذي اتخذه قيس بن سعد بن عبادة؟!،

قال: لا بارك الله في مال يمنع زيارة الإخوان لأخيهم. ثم أعلن أن كل من عليه دين لقيس بن سعد بن عبادة فهو في حل منه. فما جاء المساء إلا وكسرت عتبة بابه من كثرة الزوار!!

ننتقل من الصحابة إلى التابعين، ونختار منهم على سبيل المثال: الربيع بن خثيم، وهو تابعي كبير من تلاميذ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، الذي قال له: (يا ربيع لو رآك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبك، يا ربيع أنت من المخبتين)، هذا الربيع كان جالساً يوماً، فدخل عليه ولده، فقال: يا أبتِ، لقد صنعت لك أمي حلوى، وأرسلتها معي لتأكلها، فقال: هاتِها، وإذا برجل كبير في السن، ممزق الثياب، يسيل لعابه على ذقنه، يدخل عليه، فقال الربيع: (ضعوها بين يدي هذا المسكين)، فأكلها حتى أتى على آخرها، ولعابه يسيل عليها! فقال له ابنه: يا أبت، أرسلتها لك أمي كي تأكلها، فما ذقت منها شيئاً، وأطعمتها رجلاً معتوهاً لا يدري ماذا أكل؟! فقال الربيع بن خثيم: إن كان هو لا يدري؛ فإن الله تعالى يدري! ثم تلى قول الله تبارك وتعالى {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون، وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم}.

نفسيات كبيرة جداً.

ومن الروايات التي قرأتها في سيرة عمر بن عبد العزيز: أنه كان مستلقياً يوماً في الحر، وكان خادمه يهف عليه، فتعب الخادم ونام، فانتبه عمر بن عبد العزيز من نومه، فوجد الخادم نائماً يعرق، فأخذ عمر بن عبد العزيز المروحة، وبدأ يهف، ويبرد على هذا الخادم!!

ما أجمل أن يكون العطاء، والمساعدة، وتقديم الخدمة، شعور ذاتي، وثقافة عامة في المجتمع، وتكون من الكبير قبل الصغير، ومن الرئيس قبل المرؤوس.

كم نحن بحاجة لمثل هذه الأخلاق، والآداب، مع أنفسنا، وأزواجنا، وأبنائنا، وخدمنا، ومن نحن مسؤولون عنهم، ومن هم تحت ولايتنا وسلطتنا.

نحن بحاجة إلى فهم معنى العبادة بمفهومها الشامل الكبير، فليست هي صلاة، وصيام، وزكاة، وحج، فقط كما يظن كثير من الناس، بل هي صدق في المشاعر، وإحساس بالآخرين، وعطف ورحمة، ورفق وشفقة، وعون ومساعدة، وكلمة طيبة، وفعل حسن، فإن لم يكن لا هذا ولا ذاك، فليس أقل من أن تكف شرك عن الآخرين، وترحمهم من الأذى، فإنها صدقة منك على نفسك، كما قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى