وياكم 2016

وياكم 2016 الحلقة الثامنة والعشرون التطبيع خيانة

التطبيع خيانة

لعل مما يجب لفت الانتباه له أن موضوع: التطبيع خيانة هو تصحيح لمفهوم خاطئ في حصر الدين بثوب ضيق، يتناول الشعائر التعبدية، وهذا أحد الانحرافات في سلسلة تاريخ الأمة الإسلامية، حيث بدأ الدين يتقلص من منهج حياة إلى عبادات، وشعائر تعبدية، إلى أحوال شخصية!!

الدين منهج متكامل، فهو عقيدة تنبثق منها شريعة، تنتظم كل مناشط الإنسان في حياته، من عبادات، وأخلاق، ومعاملات، والأهم هو القضاء الذي يحكم كل سلوك الإنسان، وحقوقه المالية، واعتباراته الشخصية، وأملاكه في الداخل، وفي الخارج، وفوق ذلك النظام السياسي الذي يرتب العلاقة بين القيادة والشعب، وبين هذه الدولة والدول الأخرى التي نتعامل معها، فكل ذلك مضبوط بأحكام شرعية، منها ما هو ثابت كالأخلاق، ومنها ما هو مرن ضمن قواعد عامة، لكي تستوعب الزمان، والمكان.

التطبيع خيانة

هو موضوع ديني عقائدي بالأصالة، وكل من لا يعترف بذلك، أو يعتقد أنه موضوع جديد، أو أنه ليس من الدين!! فعليه بكل حب وود أن يعيد النظر في مفهوم الدين!! وفي معنى الدين!! وفي شمولية الدين!!

ما معنى التطبيع؟ ولماذا نقصده؟ وأين الخيانة؟

هذا الكلام ليس للكبار فحسب، وإنما هو لهذا للجيل الذي ينشأ، ويمارس عليه محو الذاكرة، وتعقيم الذهن من الحوادث، والتاريخ، والحقوق المتراكمة.

التطبيع: من الكلمات المستحدثة الجديدة التي لم تعرف سابقاً في كتب اللغة، فإذا بحثنا عن هذه الكلمة في لسان العرب، أو غيره من معاجم اللغة، وجدنا أن الطبع بمعنى السجية، ونحن في لهجتنا العامية نقول لفلان: كن طبيعياً ولا تتكلف، أي ابقَ على سجيتك المرسلة كإنسان في ظرف طبيعي، والطبيعة هي السجية التي جبل عليها الإنسان.

أما التطبيع كما هو متعارف عليه دولياً فهو بمعنى: إعادة العلاقة بين طرفين معنيين، مخصوصين إلى وضعهما الطبيعي الذي كانا عليه قبل أن يطرأ على هذا الموقف صراع.

إذن الصراع شيء طارئ، فهو الذي أفسد العلاقات الطبيعية السلمية بين الناس، والدول. هذا أولاً.

ثانياً: في قاموس المصطلحات الحقوقية الدولي أن المقاطعة إجراء تلجأ إليه سلطات الدولة، أو هيئات أفرادها المشتغلين بالتجارة؛ لوقف العلاقات التجارية مع دولة أخرى، ومنع كل أشكال التعامل بين هذا الشعب، ومؤسساته، وبين تلك الدولة، ومؤسساتها؛ لرد اعتبار معين حدث بين الدولتين، وبمعنى مختصر نقول المقاطعة هي: الامتناع عن معاملة الآخرين اقتصاديًّا أو اجتماعيًّا وفق نظام جماعيّ مرسوم.

إن الحديث عن التطبيع هو حديث عن مخططات التركيع!!

ولكنه تركيع لمن؟

إنه تركيع لذلك الشعب الأبي الذي ظل يقاوم وحيداً عن بعد، ونحن نتفرج عليه!!

إنه الشعب الفلسطيني، ومقاومته، والقفز على حقوقه، ومعاناته، وتضحياته، ودمائه، وشهدائه!!!

إنه حديث عن مؤامرة التمييع!!

تمييع لماذا؟

لحالة الحرب، والكراهية من عدو مغتصب، ليس فقط لأرض معينة، ولمقدسات الأمة التي تنتمي إليها عقائدياً، وتاريخياً، بل محو كل الجرائم التي ارتكبها، ولا يزال يرتكبها يوماً بعد يوم.

فالأرشيف يشهد، والحقائق تؤكد، والأيام تثبت.

حديثي عن التطبيع أيضاً هو حديث عن كيانات عربية، دخلت في شراكة متعددة، ومنوعة، مع هذا الكيان الصهيوني الغاصب، بعضها من تحت الطاولة، وبعضها كشفت عن ذلك!

فتعالوا بنا يا شباب الأمة، وفتياتها، نتكلم عن هذا التطبيع، ونبدأ الحكاية من البداية.

كيف كانت البداية؟

في عام 1948 ذلك العام الذي نطلق عليه عام النكبة، وضع العدو الإسرائيلي يده على أجزاء من فلسطين، وعلى القدس الغربية، وفي عام 1967 الذي نطلق عليه عام النكسة، بسط الاحتلال سلطته على كامل الأراضي الفلسطينية، وأجزاء من الدول العربية، وأصبحت المقدسات الإسلامية بما فيها القدس تحت مملكته أيضاً!

في تلك الفترة لم يكن لمصطلح التطبيع وجود، ولم يكن أحد يعرفه؛ لأن الطبيعي هو أن حالة الحرب قائمة، والأمة مجروحة، والهزيمة كبيرة، ولم يكن قد مورس على الأمة بعدُ التخدير، والتضليل، والقمع، والحرب لهويتها الإسلامية، والمسح لذاكرتها التاريخية.

فلم يكن وقتها شيء يسمى التطبيع إطلاقاً؛ لأن الواقع يرفض ذلك أصلاً، وبدأت الخطة بعد ذلك بمراحل.

ثم جاءت المصيبة العظمى عام 1979، والتي أطلقتُ عليها اسم سنة الوكسة، والتي وقعت فيها مصر، أكبر دولة عربية، اتفاقية سلام مع إسرائيل!!

كانت الأمة يومها مستفزة، وعندها مناعة، ومناعتها ذاتية، فمن المحال أن تقبل بهذا الأمر، فللسلطات السياسية خياراتها؛ ولكن للشعب إباءه، وقناعاته العقائدية، والحقوقية، والتاريخية، فلم يرض بهذه الاتفاقية الهزلية المشؤومة.

وهذا الرفض والإباء لم يكن من نصيب الشعب الفلسطيني المكلوم فحسب، بل من كل الشعوب العربية والإسلامية؛ لأن المسألة وحدة شعور، ووحدة موقف، ووحدة مصير، وذلك قبل أن عربدة المعربدين، وتدجين المسلمين!

في هذه المرحلة 1979 انطلق قطار التطبيع، فالبعض ركبه جهاراً، والبعض الأخر كان بين وبين، والبعض كان يعمل من تحت الطاولة، وهكذا.

إلا أنه سرعان ما انكشف الغطاء، وظهر المستور، ولم تعد هناك طاولة أصلاً!!

فأين هي تلك العنتريات؟!!

وأين هي دول الممانعة؟!!

كله كان ضحكاً على الذقون، واستغفالاً لهذه الشعوب!!

الكل انكشف، وبقيت الشعوب البريئة، المسكينة، التي تبحث عن بصيص نور، فلا يأس عندها، ويبقى التطبيع خيانة بالنسبة لها.

والمفارقة العجيبة التي يجب أن نقف عندها هي تلك العلاقة الطردية، بين هذا العدو الغاصب، وبين هؤلاء المطبعين، ففي الوقت الذي تتفرعن إسرائيل، وتتوحش على كل أراضي فلسطين، إن كانت أراضي 48، أو القدس، أو غزة، أو الضفة الغربية، نجد مقابله تلك الهرولة المتسارعة للتطبيع من دولنا العربية!! فبدل أن يراجع الساسة السياسيون والدول  خطتهم، ويرجعون إلى نقطة الصفر مع هذا العدو؛ نجدهم يهرولون متوسلين بقبول التطبيع معه!!

على أنه في الوقت ذاته أبدت بعض الدول الغربية مقاطعتها الصريحة لإسرائيل، وقامت فيها مسيرات رافضة لذلك!! فكانت مفارقة المفارقات، مما يزيد فضحاً لهؤلاء الذين ينتمون إلينا، ويتكلمون باسمنا، ويعطون أنفسهم صفة رسمية على أنهم يحكمون قطاعات عريضة من بلاد المسلمين!!

وللعلم فإن الشعب المصري من أكثر الشعوب رفضاً للتطبيع، ونكاية بالإسرائيليين؛ فلديه مناعة ذاتية، وهذا هو المطلوب، وهذا الذي يعمل عليه هؤلاء المجرمون بإبطال فاعلية تلك الشعوب، وحماستهم، ولكنهم بإذن الله لن يستطيعوا ذلك؛ ما دام أن الوعي موجود، وأن المنطلق من ثوابت الإيمان، والعقيدة.

ولذلك فإن العدو الصهيوني يمارس استعماراً غير مباشر على كثير من الدول، هذا الاستعمار كما جاء تعريفه في الموسوعة السياسية للكيلاني يعني: أن كثيراً من الدول حرة في الظاهر؛ إلا أنها مستعمرة استعماراً غير مباشر من خلال اتفاقات ثنائية مع دول كبرى اقتصادية محتاجة إليها، وفق شروط ثقافية، واقتصادية، وعسكرية!!

هذا التصور الصهيوني، وتلك الاستراتيجية، كشفه اكاتب عميق، اسمه غسان حمدان، في كتاب وثائقي، تحليلي، طبع طبعة واحدة سنة 1989، ثم سحب من الأسواق، ومنع بعد ذلك، هذا الكتاب اسمه: “التطبيع استراتيجية الاختراق الصهيوني“.

تكلم في هذا الكتاب عن اللقاءات السرية بين المسؤولين العرب، والمسؤولين الإسرائيليين، وعن الخطط، وأماكن اللقاء، والاتفاقيات!!

ففي جانب الاتفاقيات يقول الكتاب:

أولاً: إنهاء حالة الحرب، وإقامة علاقات تستطيع فيها إسرائيل أن تعيش في أمان!

ثانياً: اعتراف كامل بالكيان اليهودي، وإقامة علاقات دبلوماسية، وقنصلية، وفتح الحدود أمام الأفراد، والسلع!

ثالثاً: إنهاء المقاطعة الاقتصادية العربية للشركات اليهودية، وإزالة الحواجز ضد حرية تنقل الأفراد، والسلع، والسماح للسفن بعبور قناة السويس، والممرات المائية!

رابعاً: إقامة علاقات ثقافية، واقتصادية، وسياحية، في كافة الميادين، والتشجيع على ذلك!

خامساً: تعهد عربي واضح، وفعال، بعدم مساعدة العمل الفدائي، ومنع الفدائيين من القيام بأي عمل يمس أمن إسرائيل، وتقديم من يرتكب مثل ذلك للمحاكمة!!

فهل بعد هذه العمالة عمالة؟! وهل بعد هذه الخيانة خيانة؟!

وللأسف فإن أحلام إسرائيل فاقت ما كنا  نتوقعه، بل بدأ بعض الكتاب العرب من المتصهينين يكتب كتابات ساخرة ضد كل أشكال المقاومة، والجهاد الفلسطيني، وأحياناً يصف العمليات الاستشهادية بالعمليات العبثية، أو الانتحارية، بل ويصفها أحياناً بالإرهاب!!

وأخطر ما في التطبيع الذي هو عملية تضليل ممتدة، ومزركشة، تستخدم فيها أفانين ناعمة، وملتوية، وذكاء شيطاني؛ أقول: أخطر ما في الموضوع أنه عندما تطرح كلمة تطبيع فإنها تحصر في الجانب السياسي، وفي الجانب الاقتصادي، وهذا قد يكون على مستويات رسمية، والأخطر هو اختراق المجتمع في شبكة علاقاته الاجتماعية، وقناعاته المبدئية، وضرب مسلماته! فهناك قضايا مسلَّمة، فبمجرد أن تضرب يبدأ التنازل!

فالتطبيع خيانة، وإسرائيل كيان صهيوني عدو، وفلسطين أرض للمسلمين، هذه كلها قضايا مسلمات، ولكن لو سألنا:

ما هي أبرز أشكال التطبيع وصوره؟

فنقول:

الإنسان كائن رمزي، فهو يرمز المعاني ليوصلها للآخرين بطريقة غير مباشرة، ويتفنن في رسمها في مخيلة المتلقي منها، وعليه فالتطبيع الرمزي.

هذا التطبيع الرمزي يأخذ صوراً مباشرة هادئة، متكررة، تطبع في الذهن، فتصبح أمراً مألوفاً لا غرابة فيه!!

ومن هذه الصور مثلاً:

أولاً: استخدامنا كلمة (إسرائيل) مجردة، دون أدنى إشارة إلى أنها دولة احتلال، بل إن كلمة إسرائيل هي اسم نبي، هو يعقوب عليه السلام، والمفروض أن نقول: الكيان الصهيوني، لا بد من ربطهم بالصهينة، لأننا لسنا ضد اليهود في هذا العالم، ولسنا من أهل العنصرية؛ ولكننا ضد الصهيوني الذي يحتل، ويقوم باستعمار إحلالي يطرد فيه الشعب الأصلي، وأهل البلد…. الخ.

ثانياً: انتشار الخرائط الجغرافية التي تثبت اسم المحتل بدل اسم فلسطين!!

ثالثاً: تكرار واستخدام نجمة داوود في وسائل إعلامنا العربية، واستمرار رؤية علم هذا الكيان الغاصب مرفرفاً، أو مطبوعاً في بعض عواصم الدول العربية، ومطاراتها، كدلالة على اختراق عقلنا الجمعي الرافض له، فيأتي هذا الشاخص لكي يستفزك، ولكنك مع الزمن تبدأ تتقبله، فتقول: هذا واقع فماذا نصنع؟!!

وانظر إلى ذكاء هؤلاء المجرمين في هذا الجانب، فعندما وُقِّعت اتفاقية السلام بين مصر والصهاينة، وبدأت مرحلة التبادل الدبلوماسي، وفتح السفارة المصرية في تل أبيب، حدث وقتها خلاف في إسرائيل: كم يكون طول سارية العلم المصري الذي سيرفع أمام السفارة؟ وكم حجمه؟ وأين سيوضع؟

فقام عزرا وايزمان في البرلمان وقال: لا داعي لهذا السخف!! فمجرد وجود علم فهذا رمز يعني قبول بالصلح، والسلام، والتطبيع، فهي قضية رمزية!!

ويأتي وزير إسرائيل مناحين بيجن، ويضع بصمة أقوى، فيقول: لن يرفرف بعد الآن أي علم عربي فوق القدس إلا إذا كان هذا العلم فوق سفارة عربية!!

إذن هو تبادل وفرض أمر واقع، وقبول بهذا الكيان رسمياً.

أما أنواع وأشكال التطبيع فكثيرة:

التطبيع السياسي:

هو تبادل كيان سياسي، ومناورات عسكرية، وتبادل أمني، وخبرات، ومعلومات، وتسليم للمطلوبين!!

التطبيع الاقتصادي:

هو تبادل في الثروات، والسلع، والبضائع، وفتح للحدود، واستيراد وتصدير، وغير ذلك!

والرابح الأول من هذا كله هو إسرائيل المحتلة، فهي الدولة القوية الاقتصادية، الأوروبية، الديموقراطية، في شرق أوسط متخلف ديكتاتوري، ظاهراً أو باطناً، فخيراته، وطريقة إنتاجه، وتعامله الاقتصادي بدائية جداً، وذاك متقدم جداً، وبالتالي سوف يستثمر تلك الثروات، وسوف نكون طوعاً له!!

ولا شك أن هذا يمتد للثروة الزراعية، والثروة السمكية، والمواصلات المائية، ومختلف أنواع الاتصالات، فالقوي هو الذي يستثمر، وهو المستفيد، أما أنت فأنت الضحية، وأنت الأرض الخام!!

التطبيع العلمي والبحثي:

هذا التطبيع عبارة عن ندوات، ومؤتمرات طبية، وجيولوجية، بمشاركة فرق عربية، وإقامة معارض، ومكتبات اختصاص، وطب، وزراعة، بل حتى الدراسات الإسلامية يقومون بدراستها!!

فهذا المستشرق الفرنسي نيكسون جاء ودرس في بلادنا العربية! وكذلك جودي الصغير جاء ودرس أيضاً، مستشرقون كبار يتبنون أن القرآن ليس كلام الله تعالى، وأن السنة مؤلفة، ومع ذلك يدرسون في الجامعات العربية!!

التطبيع الفني والأدبي:

هذا باب واسع، فهذا التهريج في المسرح، والفن، والأفلام، والجوائز، كلها داخلة في صلب هذا النوع من التطبيع.

التطبيع الرياضي:

لا شك أن أمره أوضح من أن يشرح ويبين.

ولكننا ها هنا نضع بصمة، وشهادة، ومفخرة، ونرفع القبعة، بل وندعو لهؤلاء الرياضيين الذين عاشوا هذه القضية، وكانت حاضرة في أذهانهم، فلم ينسوها، ولم يبيعوها لميدالية، أو مركز رياضي، ندعو لذلك اللاعب المعاق الذي يرفض الدخول في لعبة الشيش مع إسرائيل المحتلة، ندعو لفريق كرة القدم الذي ينسحب من اللعب أمام هذا الكيان الغاصب، عشرات الرياضيين ممن نعرفهم، وممن لا نعرفهم، الذين لهم مواقف مشرفة، وهذا أقل ما نقدمه لقدسنا، ولأهلنا في فلسطين، وللخندق الأمامي، وللناس الذين قاموا بالنيابة عنا في الصفوف الأولية يجاهدون، ويضحون.

التطبيع الاجتماعي:

الزواج، وعلاقات المصاهرة بين الإسرائيليين والعرب!! وكم حدثت قضايا اختراقات جنسية من خلال الزواج الصوري أو الشكلي؟

التطبيع السياحي:

وهذه أمنية كبيرة، وكم شاهدنا من خونة المشاهير الذين ظهروا يروجون لهذا الكيان الغاصب!

وهذا كله يأخذ طابع مصطلح الأنسنة!! فكلنا بشر، فدعونا من هذا الصراع السياسي، وتعالوا بنا نحن الشعوب نذوب في بعضنا، ونتعارف!!

نقول لهذا الساذج والمغفل: إن الشعب الإسرائيلي هذا هو كما وصفه فهمي هويدي في كتابه “مقالاتي المحظورة”: جيشٌ، كل واحد فيهم على أهبة الاستعداد في أي لحظة أن يكون جندياً مسلحاً، ويخرج عند أي نداء، أو نفير عام!!

ولذلك لا تقل لي: هذا مدني، وهذا عسكري! كلهم مسلحون، وانظروا إلى الواقع لتروا صدق ذلك.

يجب أن نفهم طبيعة الاستعمار، والاحتلال الذي حصل عند الإسرائيليين، فهو جيش حاكم لنا جميعاً.

التطبيع الديني:

وهو أخطر أنواع التطبيع، فحتى الإسلام بعقيدته، وشريعته لم يسلم من هذا العبث، فهم يوظفون الآيات القرآنية، والدين في الخيانة!! تصور إلى أين وصل حجم الجريمة؟!

نحن نتكلم كثيراً عن التأويل الباطني للقرآن الكريم، وعن تفريغ القرآن من معناه الحقيقي، أما أن تحرف الآيات الكريمة التي جاءت بالسلم الآني من أجل تقوية الصف المسلم، واسترجاع الحق، إلى تطبيع العلاقة، والاعتراف بالكيان الصهيوني، والتضحية بكل الدماء والحقوق!! فهذه جريمة الجرائم.

وانظر كيف تمادت مناهج كثيرة في دول عربية وإسلامية فقامت بحذف السور القرآنية التي تتحدث عن بني إسرائيل، وما فعلوه بأنبيائهم!!

كذلك عمل لجنة مشتركة لمحاربة التطرف الأصولي، فأنت ضد إسرائيل، إذن أنت أصولي!!

كذلك استخدام فكرة حوار الأديان، والتواصل بين الأديان، والقواسم بين الديانات التوحيدية الثلاث!! من أجل تلطيف العبارة، وتفريغ المحتوى، وطمس أثر الإسلام الحيوي الذي يتجاوز الطقوس، والمشاعر المجردة!

التطبيع الثقافي:

هناك مقالة بعنوان: “التطبيع الثقافي”، للأستاذ جميل أبو صبيح، تحدث فيها عن أبرز المثقفين المطبعين العرب، وذكر منهم: الطاهر بن جلون، وأنيس منصور، وعلي سالم، ولطفي الخولي، وأدونيس، وغيرها من الأسماء الذين يتأكلون على حساب كلمة مثقف!!!

إن المثقف الحقيقي هو ذاك الطفل الفلسطيني الصغير، الذي يفْضُل العشرات من هؤلاء المثقفين بكتبهم، وأقلامهم، وبهرجتهم، وكلامهم الزائف.

لا شك أن الحديث عن التطبيع طويل، ولكن لهل من أخطر أنواع التطبيع هذه الأيام: التطبيع في مواقع التواصل الإلكتروني!!

ففي السنوات الأخيرة بدأ بعض الشباب الدخول إلى تلك المواقع، والتواصل مع أناس يكتبون بالعبري، فيظن أنهم من عرب فلسطين المسلمين، ثم بعد ذلك يستدرج هذا الشباب بعلاقات عاطفية، ثم يقع بارتباطات، ثم يوظف جاسوساً!!

كذلك المواقع الإباحية، فغالب تلك المواقع تدعمها إسرائيل، وهذا أمر معلن عنه، من أجل إغراق الإنسان بالشهوات، ليتحول إلى حيوان هائج على مدار الساعة، فلا علاقة له بقضايا أمة، بل لا علاقة له بذاته! فهي تخريب للمخ، وإهدار للصحة، وتلويث للنفسية، بل تدمير للجانب الصحي!

أخيراً أقول:

إن الحق ﻻ يسقط بالتقادم، فهذه قضية عقائدية، فكل المعاهدات لا تلزم المسلمين، والواجب علينا جميعاً الاعتصام بكل شيء رمزي، أم فكري، أم مادي، رأسه العقيدة، فالحقوق حقوق، والعدالة عدالة، وها نحن نرى أهل فلسطين بعملهم هذا قد هدموا فكرة واستراتيجية وخيانة التعامل مع إسرائيل، ونحن مع كل حركة مجاهدة، ومبادرة ذاتية صادقة بإرادة مخلصة، تواجه تلك القوة العسكرية الضخمة المعادية والمعتدية.

نعم لقد فضح هؤلاء الأبطال هذا العالم المنافق، فهم القوة، وهم الأمل، وهم النصر، نقبل أيديهم، وأرجلهم، بما يقومون به من انتصار للمسجد الأقصى، ولحقوقهم المشروعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى