وياكم 2016

وياكم 2016 الحلقة الخامسة عشر البيت الاندلسي

البيت الأندلسي

إذا قيل الأندلس فأول ما تبرز كلمة قرطبة، فقرطبة هي الأندلس، هي لحظات الانتصار، والقوة، والزهو، والحضارة.

والناس عربًا وعجمًا يأتون لزيارة إلى قرطبة يزورون من أصقاع الدنيا، ولكن الذكي الفطن هو الذي ﻻ يكتفي بالزيارة والمشاهدة فقط، وإنما يلتفت إلى الهوية، والتاريخ، والحضارة.

وفي هذه الزيارة سعدت بلقاء الأستاذة سلمى الفاروقي، زوجة الفيلسوف الفرنسي، والمفكر الكبير روجيه جارودي رحمه الله، في بيتها الأندلسي، والتي قامت هي وزوجها على مشروع قنطرة قرطبة، والقلعة التي أصبحت متحفًا فيما بعد، وجرى بيننا حوار طويل، أرجعتنا فيه إلى تاريخ المسلمين، وحضارة الإسلام في الأندلس.

وأول ما بدأت به حواري قولي:

كل الذين دخلوا هذا البيت الجميل شعروا بارتياح نفسي، ونحن نعلم أن حضارة الأمة ترتبط فيها الأفكار بسلوك الناس، وبمدارسها، وبثقافتها، وبعمارتها، فهي وحدة واحدة، ﻻ تنظر مجزأة، فما قصة هذا المشروع (البيت الأندلسي)؟

فقالت:

هناك أشياء قد تبدو صغيرة، ولكنها في أنفس الناس كبيرة، ومن الأشياء التي أحب أن أذكرها، وأبدأ بها عندما تأتي مجموعة من الزائرين، سواء أكانوا من الإسبان، أو الفرنسيين، أو من أي بلد آخر، أن أستسمحهم باستقبالهم باللغة العربية، وأحييهم بتحية الإسلام؛ لأنهم داخلون بيتًا من القرن الثاني عشر، وأفرح جداً عندما أرى معظم المجموعة تعرف الجواب، فيكون ردهم: وعليكم السلام ورحمة الله، فهذا شيء بسيط؛ ولكن له أثر في الناس، كما أننا نحن كعرب يجب أن نهتم بلغتنا، ونعتز بها، وأذكر أنني عندما ذهبت إلى جينيف للعمل مع الوفد السعودي لدى الأمم المتحدة، وجدت ان العاملين في المكاتب الدولية التابعة للأمم المتحدة يتكلم كل واحد منهم بلغة بلاده، فالألماني يتكلم بالألمانية، والإيطالي يتكلم بالإيطالية، وهكذا، فكنت أفعل مثلهم، فأتكلم وأرد على الهاتف بالعربية، فلماذا نحن ﻻ نهتم بهذه الجزئيات، مع أن فيها أثرًا كبيرًا؟

فالمدخل مع هؤلاء هو مدخل لحضارة تركت آثارًا، وما زالت، فكل حجر في مسجد قرطبة له قصة تعكس عظمة هذه الحضارة، وما تحمله في طياتها من علم، وحكمة، وجمال، فلا بد للواحد منا أن يعتز بهذه اللغة.

قلتُ:

دعينا ننتقل من الحديث عن اللغة إلى موضوع البيت الأندلسي، فالذي أعرفه أن الفيلسوف روجيه جارودي كانت له قصة مع رئيس بلدية قرطبة الذي كان شيوعياً، ومع ذلك فقد رحّب بفكرة البيت الأندلسي، وفتح الباب له، فكيف كان ذلك؟

فقالت:

الحقيقة أن رئيس بلدية قرطبة خوليو انديتا من الأشخاص المحترمين جدًّا، ومازال، وكان رئيس الحزب الشيوعي الإسباني، وكان يعشق شيئًا اسمه الحضارة العربية الإسلامية، وكان يريد أن يُشعِر كل من يأتي إلى قرطبة بأهميتها في التاريخ، فدعا زوجي سنة 1986، لأن تكون هناك جامعة عربية أوروبية في الأندلس؛ ولكن زوجي قال له: إنني ﻻ أريد أن أكون جزءً من هذه الفكرة ، ولكن إن أعطيتني أي صرح في قرطبة، فسوف أحوّله إلى متحف أُبرِز فيه دور قرطبة من القرن الثامن إلى القرن الثالث عشر، فقال له: إن شئت القلعة التي تقع قريبًا من قنطرة قرطبة على النهر، فمن الممكن أن تتنازل البلدية عنها.

ومن بديع التقدير أن زوجي كان يدافع عن الحرية، وكان اسم القلعة بالإسباني (كاﻻ ورا)، أي القلعة الحرة، وهي لا تزال تعرف بهذا الاسم حتى الآن، فأخذ بالتفكير في كيفية التصميم، والتخطيط لإنشائها الليالي العديدة، حتى أصبح الحلم حقيقة.

قلتُ:

وهل تعاطف أحد من العرب أو من غيرهم مع هذا المشروع، من خارج الأندلس؟

فقالت:

لأن طموحات جارودي كانت أكبر من أحلامه؛ حيث أنه كان يريد أن تصل عظمة الأندلس لكل قلب زائر من خلال زيارة هذا المتحف، فقد كانت تكلفة المشروع عالية جداً، ومن فضل الله تعالى أنه عندما طرحنا الفكرة لعدة جهات كان التجاوب معها كبيرًا، ومن هؤلاء الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى، فقد تبرع بمئة ألف دولار من ماله الخاص، وكذلك رابطة العالم الإسلامي، إلا أن أكثر من تبرع، ورحّب بالفكرة، وتبنى باقي المشروع كان الأمير طلال بن عبد العزيز، فقد كان حماسه لهذا المشروع كبير جداً، وعندما افتتحنا القلعة عام 1987 دعا إلى عقد مؤتمر تحت عنوان: المؤتمر الإبراهيمي، ودعا إليه شخصيات مهمة، كان من ضمنهم رئيس اليونسكو مختار امبو، كما حضره من الكنيسة البروتستانتية الأستاذ ألبيرد توري، وآخرون من الكاثوليك، والأرشبيشب.

قلتُ:

وماذا عن فكرة هذا البيت الذي نحن فيه؟

فقالت:

فكرة هذا البيت جاءت عندما كنت أذهب إلى القلعة فأصادف بيوت المدينة القديمة، وكانت السيدات مالكات تلك البيوت يدعونني إلى زيارة بيوتهن، فكان لكل بيت طابعه الخاص، فكنت متحمسة أن أعرف المزيد عن هذه البيوت، ولكن وبكل أسف بعد مرور عشر سنوات تقريباً بدأت هذه البيوت تباع لبعض الناس، وتُحوَّل إلى شقق للإيجار، وبالتالي بدأت معالم المدينة القديمة تطمس، فاقترحتُ على زوجي أنه لا بد لنا أن نصنع شيئاً حتى يشعر الناس بأهمية هذا التراث، فقلت له: ما رأيك لو فتحنا بيتنا للزيارة؟ فرحب بالفكرة كثيرًا، وأعانني عليها، حتى أصبح البيت كما تراه الآن.

وللعلم فإن قرطبة لم تكن مركز إشعاع حضاري لعدة قرون فقط؛ وإنما ساعدت كثيراً على انتشار الحضارة، فقد كانت أول بلد في أوروبا في صناعة الورق، وعند العودة إلى أواخر القرن الحادي عشر نجد أن مكتبة الخليفة آنذاك فيها ما يفوق الخمسمائة ألف مخطوط، في حين أن مكتبات أوروبا لم تصل إلى مئتي مخطوط!!

قلتُ:

ذكرتِ أنكم كنتم تعانون من مواقف متشددة في قرطبة من قبل المسيحيين، فمثلاً: لم تكوني تستطيعين الصلاة في مسجد قرطبة! بل حتى اسم المسجد تم تغييره!

فقالت:

هذا صحيح، فقد تغير اسم المسجد من مدة قريبة، ليس هذا فحسب، بل إن الكنيسة سجلت مسجد قرطبة باسمها عام 2006!! مع أن ملكية المسجد تعود لأهل قرطبة، ففي إسبانيا قانون يخول الكنيسة بتسجيل أي شيء باسمها دون اتباع الطرق الشرعية التي يتبعها أي شخص في ذلك، وقد علمنا بتغيير اسم المسجد واستيلاء الكنيسة عليه من خلال الصحف، حيث قاموا بدفع مبلغ زهيد لتحقيق هذا الأمر، وقد تم لهم ذلك، فقمنا بتوكيل أحد المحامين لرفع قضية بهذا الخصوص؛ لإرجاع الحق إلى أصحابه، وللعلم فإن هذا المسجد يدر سنوياً ما بين 13 مليون و15 مليون يورو سنويًّا من خلال زيارات السياح!!

والحقيقة التي لا بد من الاعتراف بها أنهم مع كونهم تجاوزوا حدودهم، إلا أننا مقصرون في عملنا وواجبنا تجاه تاريخنا وتراثنا.

قلتُ:

هناك من يطرح بأن قضية توصيل الفكرة، والرسالة، تتنوع في وسائلها، ويجب أن نواكب العصر لأجلها، فالمتاحف مثلاً صورة من صور توصيل الأفكار، فاليهود خدموا أنفسهم بمتاحف متنقلة، ومتاحف ثابتة، وأكبر متحف هولوكوست في أمريكا، وهذا من حقهم، والسؤال: هل فكرة إقامة بيت أندلسي هنا في قرطبة كانت من هذا المنطلق؟

فقالت:

ميلاد الفكرة كانت في البداية بأن يشعر أهل قرطبة، وزوارها أن هناك حضارة ما زالت قائمة في هذه البيوت المحيطة بالمسجد؛ لأنهم بدأوا بتحويل هذه البيوت إلى شقق جديدة منقطعة الصلة عن الماضي.

والأشخاص الذين يأتون لزيارة قرطبة، إنما يأتون لكي يروا ويعيشوا التاريخ الذي يسمعون عنه قبل مجيئهم إلى قرطبة، وكان زوجي جارودي يقول دائماً: قبل أن يطالب الشخص بحقوقه، لا بد أن يقوم بواجباته، ومن واجب كل عربي مسلم أن يهتم بتاريخه، وهذا جزء من التاريخ، وجزء من التراث العربي الإسلامي.

قلتُ:

أذكر أن زوجك الفيلسوف الراحل روجيه جارودي ألقى محاضرة في مدريد بعنوان: عيسى نبي الإسلام، ومع أن هذا العنوان يكاد يكون صادمًا، إلا أن ردة الفعل تجاهها كانت طيبة، مما يدل على أن الناس عندما يبصّرون بالحقيقة فإنهم يقبلونها، فهل من الممكن أن تعطينا نبذة عن هذه المحاضرة؟

فقالت:

هذه المحاضرة كانت أمام راهبات تابعات للكنيسة، وكان ذلك منذ ثلاثين سنة تقريباً، فأعجبوا كثيراً بالمحاضرة، وقالوا: لا بد أن نقرأ أكثر، ونفهم أكثر؛ ولكنهم لم يكن بيدهم أي سلطة بالنسبة لسياسة الكنيسة نفسها حتى يغيّروا منها، وقد نشرت هذه المحاضرة باللغة الفرنسية، والإسبانية، في كتيّب صغير، يباع هنا في المنزل الأندلسي.

قلتُ:

كيف رأيتِ تفاعل العرب والغربيين الذين توصلين لهم رسالة قرطبة؟ ودورنا الحضاري من خلال هذا المنزل الأندلسي الجميل؟

فقالت:

ﻻ بد أولاً أن نصلح ما بيننا وبين الله سبحانه وتعالى فهذا أهم شيء؛ لأن الأعمال بالنيات، ولكل امريء ما نوى، فأنا دائماً أتبتل إلى الله سبحانه وتعالى، وأطلب منه أن يرينا الحق حقًّا، والباطل باطلًا.

ثانيًا: هذا البيت من فضل الله تعالى أتى إليه رجال فضلاء من جميع أنحاء العالم، قريبون إلى الله سبحانه وتعالى، وزادت بركة البيت بوجودهم، ومن فضل الله تعالى أننا نقيم محاضرات، وندعو أناسًا لإلقاء محاضرات، ونطرح أسئلة، ويكون هناك تفاعل كبير.

ومن هؤلاء الزوار الذين أتوا إلى هذا البيت، دكتور من حلب، وهو إمام مسجد، وشاعر، وكان في طريقه إلى المنزل قد كتب أبيات شعر، وعندما قرأها علي، قلت له: كأنك نزعتها من ذاتي، فقال لي: هي لك يا سلمى.

عنوان هذه القصيدة: الدار الباكية، وهي تعبر عما أشعر به، يقول فيها:

عانقتها وهي تبكي من أسى الدنس.

دار البها والمعالي دار أندلس.

قالت جفوت ومالي سجيتكم.

أين الهوى أين نجوى الصبح والغلس.

طأطأت رأسي وجمر القلب يسمعها.

وحرقة حبستها شهقة النفس.

ومال جفني على الذكرى يقبلها.

لما تطيب عطر الروض بالحرس.

قد كان عهد وداد طهره عبق.

وطارق ينشر العلياء كالقبس.

جئنا بأرواحنا لا النفس تدفعنا.

وﻻ مطامع سراق ومختلس.

وجاء من بعدنا من قومنا زمر.

من فاسق أو بشغل اللهو منغمس.

وفي الزبور وذكر الله قد كتبت.

كلمات حق بنور العز والقدس.

الأرض للصالحين الله يورثها.

والذل آت لأهل العهر والدنس.

فتحت جفني وعين المجد دامعة.

المجد يبكي ودمعي جد محتبس.

أغضيت من خجل والدار ترمقني

ﻻ عذر لي أبداً يا دار أندلس.

قلتُ:

صدق، ﻻ عذر لنا، ولا شك أن القلب يبكي، والعين تدمع، ولكننا نستلهم المعاني، وندعو لمعنى الصبر، والمثابرة، واستئناف الحياة من خلال ذلك.

وأختم معك بهذا السؤال:

ما هي الرسالة المركزة الجوهرية التي تريدين توصليها لمن يأتي إلى هذا البيت، الذي هو عبارة عن مزار ثقافي، حضاري، سياحي؟

فقالت:

الهدف بناء الإنسان الكامل الذي يرضي الله تعالى، والذي خُلِق ليكون خليفة الله تعالى على الأرض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى