وياكم 2016

وياكم 2016 الحلقة الرابعة الترف المهلك

الترف المهلك

من المعالم والمفاخر الإنسانية التاريخية التي زرتها، ووقفت أمامها مندهشًا، ومُكبِرًا، ومتحسرًا في الوقت ذاته، قصر الحمراء في الأندلس الإسبانية اليوم.

وقفت هناك لكي أتحدث ﻻ عن التاريخ المجرد كسلسلة أحداث سياسية، وإنما عن المعنى الذي يكتنز داخل هذا التاريخ.

وسيكون حديثي من خلال وقائع أنشرها، أو أصورها، وأعرضها، ﻻ للتسلية فقط، وإن كانت التسلية مطلوبة، ولا لكي أثقف القارئ، وأثقف نفسي، مع أن الثقافة نزعة إنسانية؛ ولكن لكي يقف الإنسان على المعاني، والمفاهيم، التي تتصل بالإنسان في مسيرته الإنسانية منذ ميلاده إلى وفاته كشخص، ومنذ ميلاد الحضارات إلى وفاتها كمجموع وكتلة عامة.

أتكلم عن التاريخ ليس فقط كأحداث حروب، وهو التاريخ السياسي الذي يركز عليه الناس، وإنما أتكلم عن التاريخ الحضاري الذي لا بد ألا ينفك في نظرتنا إلى التاريخ عن التاريخ السياسي، وإن كان التاريخ الحضاري في تصوري أهم؛ لأنه يجعلنا نفهم، وندرك حقيقة التاريخ السياسي، والتفاعل المتبادل بين العنصرين، والذي من خلاله تنعكس هوية الأمّة.

نحن الآن أمام قصة من منظور حضاري، وهذه القصة هي قصة قصر الحمراء، فالناس عندما يزورون البلدان يتنوعون في سبب زيارتهم، والغاية منها، والمعالم التي ينوون التعرف عليها، إلا أن الكل مجمعون على أن كل من زار إسبانيا، ولم يزر قصر الحمراء فكأنه ما زار إسبانيا! بل  ويشكون في سبب زيارته تلك!!

فإسبانيا هي الحمراء، والحمراء هذه تسمّى قصراً؛ لكنها في الحقيقة مدينة كبيرة، وكانت آخر معقل يسقط للمسلمين في هذا البلد.

هذا هو المحور الأول في حديثي.

أما المحور الآخر الذي أتكلم عنه فهو: أن الحضارة المادية تعكس الهوية الثقافية في ملاحظ كثيرة، فمثلاً: عند بوابة الحمراء الكبيرة نجد في الأعلى تمثالاً يجسد العذراء وهي تحمل السيد المسيح عليهما السلام، وهذا التمثال قد وضع عندما سقطت الأندلس بيد القشتاليين، بينما تحت التمثال توجد آيات قرآنية، وكلمات دينية، هي من صنع المسلمين.

إذن هم وضعوا بصمتهم المعمارية من خلال عقيدتهم، ونحن وضعنا بصمتنا المعمارية من خلال عقيدتنا.

والسؤال: ما الذي ننتبه له هنا؟

إن الثقافة، والحضارة المعمارية الغربية، هي حضارة مجسدة: (صليب، جسد، المسيح، كذا)، بينما الحضارة الإسلامية حضارة تجريدية بعيدة عن التجسيم، لذلك نجد الكعبة ليست مربعة، وإنما مكعبة، والمكعب ليس مربعًا؛ تأخذك لمكعبان إلى مكعبات أوسع رياضياً تتصل من المجسد هذا المكعب إلى المجرد، إلى السماوات العليا، إلى الله سبحانه وتعالى، إلى ما بعد الوجود، إلى ما بعد العالمين؛ لأن الله سبحانه وتعالى ليس جزءً من الطبيعة.

هذا مثلاً ملحظ يلاحظه الإنسان المفكر، فالناس الذين يزورون هذا الصرح العظيم أنواع: منهم مؤرخون يأتون يقرأون التاريخ، ويلحظون التاريخ من خلال المعمار، ومنهم فنانون، ومصممون، ومطلعون على الثقافة، ومعتبرون يربطون الواقع المعماري القديم بثقافة الناس، ويستنتجون استنتاجات ثقافية في سلوك الناس اليومي، والعلاقات المتبادلة بين السلطة، والناس، وثقافتهم إلخ…

بيد أن هذه الحضارة التي كانت في الأندلس هي حضارة أندلسية إسلامية عربية، لأن الحضارة في قراءة التاريخ، وفي محاكمة التاريخ، وفي تحليل التاريخ، تنسب لمن أنشأها، ولهوية من أنشأها، فهي حضارة إسلامية، ولعل الكلام في هذا يطول.

لعل من أجمل من جسّد ذلك المعنى الشاعر نزار قباني، عندما جاء هنا زائرًا، وجاءت المرشدة الإسبانية الشقراء كما يقول، وطافت به في مرافق هذه المدينة الكبيرة الخالدة بزخارفها، وزركشاتها، وفنونها، ومعمارها ثم قالت: هذا صنع أجدادنا!! نعم قالت: هذا صنع أجدانا! فجسّد نزار قباني هذا المعنى، وأشعرها بأنك امتداد لنا، لكنك نسيتِ هويتك، ونسيتِ تاريخك، فقال قصيدته الأندلسية:

في مدخل الحمراء كان لقاؤنا.

ما أطيب اللقيا بلا ميعاد.

عينان سوداوان في حجريهما.

تتوالد الأبعاد من أبعاد.

أإسبانية أنت؟ سألتها.

قالت: وفي غرناطة الميلاد.

سارت معي والشَّعر يلهث خلفها.

كسنابل تركت بغير حصاد.

الزخرفات أكاد أسمع نبضها.

والزركشات على السقوف تنادي.

قالت هنا الحمراء زهو جدودنا.

فأقرأ على جدرانها أمجادي.

أمجادها؟ ومسحت جرحاً نازفاً.

ومسحت جرحاً ثانياً بفؤادي.

يا ليت وارثتي الجميلة أدركت.

أن الذين عنتهمُ أجدادي.

عانقت فيها عندما ودعتها.

رجلاً يسمّى طارق بن زياد.

وتعالوا معي أيها القراء الأعزاء ندخل قصر الحمراء، ونأخذ العبر، والاعتبار.

وقفت في قاعة المشوار السعيد في قصر الحمراء، فماذا تمثل هذه القاعة؟

إن كل من وقف في هذه القاعة لاحظ روح الهوية الإسلامية لهذه المعمارية العالمية التي يأتي لها الناس من كل مكان، فعلى الجدار يتكرر: الملك لله، القدرة لله، العزة لله، تتكرر هذه العبارات في القاعة الإدارية القضائية كلها التي يحضرها السلطان أو الخليفة أو الملك، محمد الخامس من بني الأحمر، حيث يكون التقاضي هنا، فيجلس السلطان في الأعلى من وراء ستار؛ ولكن لماذا يحضر محمد الخامس، ويستمع من وراء ستار إلى القضايا المهمة التي ترفع في هذه الدار (دار التقاضي، أو دار الشكاوي الكبرى)؟

لأن هنالك أزمة ثقة، حيث المؤامرات، والمكر، واللف، من أجل السلطة! ولذلك كان السلطان موجوداً داخل قصر الحمراء أكثر من الخارج؛ لضبط الأمر، وتحقيق العدالة، ولذا كانوا يقولون: خارج قصر الحمراء الطمأنينة، والأمن، أكثر من داخل القصر! ولا شك أن هذه نقطة ضعف، فكثيرًا ما أكرر أن سنن الله سبحانه وتعالى في النصر والهزيمة ﻻ تتخلف، فأحد أهم أسباب الهزائم هو قضية البنية التي تحكم إذا حدث فيها شك، وصار فيها صراع داخلي.

ثم إذا نظرنا إلى الأعلى من هذا القصر نجد شعار بني الأحمر وهو: (ﻻ غالب إﻻ الله)، في كل القصر، وهو شعار المملكة كلها، وأيضاً شعار: (وما بكم من نعمة فمن الله)، فهم كانوا شاعرين بالنعمة المادية التي أعطاهم الله تعالى إياها؛ ولكنهم في المقابل لم يركزوا، ولم يحافظوا عليها من حيث تحقيق العدالة!

وهنا يأتي التناقض! فأنت تجد قصورًا، وتجد امتدادًا ماديًّا، وعبقرية عمرانية، ونعمة، وترفًا، وفي الوقت نفسه تجد ضمورًا في العدالة، وضمورًا في التوافق السياسي، وضمورًا في التلاحم بين السلطة السياسية، وبين المجتمع.

فهذه أحد نقاط الضعف في مملكة غرناطة التي سقطت.

بعد ذلك انتقلت إلى قاعة قمارش، وأول ما يلاحظ في هذه القاعة النسق الفني المعماري الأندلسي في غرناطة،  حيث نرى تلك الصدفة الكبيرة، وفي وسطها لؤلؤة، والتي تتكرر في كل مكان، والصدفة دليل الصفاء، واللؤلؤة دليل الغنى، والترف، فهذه إشارة.

هذه القاعة تطل على حدائق غنّاءة، وقد كانت هذه القاعة جلسة استراحة لإحدى الملكات البرتغاليات! وهذا كما قلت يدل على: تصدير المعاني، وعلاقة الفن، والمعمار، بالزمان، والمكان، وبالهوية، وبالفكر المجرد.

الدكتور خوسيه ميجيل، دكتور مختص بالخط الإسباني في هذا القصر، ألّف كتابًا تكلم فيه عن الخط، والجمال، والفن، والزخرفة الأندلسية، فاكتشف أن هناك علاقة في الفن الإسلامي بين الهوية والزخرفة؛ لأنه يشتمل على عبارات، وآيات، وأشعار، وشعارات، فهذا فن ذو معنى، والمعنى متصل ببيئة، والبيئة تنتمي إلى هوية، ولذلك قام بدراسة اللغة العربية لكي يفك الشيفرة، ثم درس القرآن الكريم، فمنّ الله تعالى عليه بالإسلام من خلال هذا الجمال الإسلامي.

قاعة قمارش هذه تنتهي ببابين: لماذا؟

لأنه ليس هناك طمأنينة، فهنالك احتياط لقضية الهروب، وتحسّب لقضية الاقتحامات! والسبب كثرة المؤامرات في هذا القصر.

ولا نزال في قصر الحمراء، تلك التحفة المعمارية، أو كما يُطلَق عليها: الفردوس الأرضي، بيد أننا يجب أن نؤكد دائماً على أﻻ يأخذنا الجمال المعماري، والفن، وعبقرية البناء، عن المحتوى، وعن المضمون، وعن الحكم، وعن النظام، وعن الشعب، وعن الفقر، وعن الهزيمة، وعن النصر، وعن سنن الله سبحانه وتعالى في خلقه.

فلو أن سائلاً سأل: ما سبب هذا البناء العظيم؟

الجواب: أن يوسف الأول والد محمد الخامس، أحد ملوك بني الأحمر، الذين كانوا يحكمون غرناطة في الأندلس الإسبانية، هُزم في معركة جبل طارق، فأراد أن يعوض هذه الهزيمة إعلامياً، بمعنى: أن يشتغل، ويلعب على لعبة النفس في تصدير الأفكار لقومه، ولخصومه، فقام ببناء هذه العبقرية المعمارية؛ لكي يقول لخصومه: إنني قوي، فهذا ملكي، وهذا امتدادي، وهذه إبداعاتي!!

نلاحظ في هذا القصر تلك المساحة المكشوفة، تتوسطها بحيرة جميلة، وتحد القصر الأشجار المرتبة، وهنالك باب الدخول، وهنا غرفة العرش الذي يجلس فيها الملك، لاستقبال الوفود، والسفراء، وهنا المذبح، فإذا أراد أن يذبح لعيد الأضحى، أو لضيوفه فإنه يذبح فيه، ويراق الدم في تلك البحيرة، وهذا كله دليل على الكرم، والتنعم.

فماذا ستكون نفسية الوفد الذي يستقبله عندما يرى هذا البذخ، وهذا الإسراف؟

كان يوسف الأول يجلس في صدر غرفة العرش التي يستقبل فيها السفراء، والوفود، والملوك، ويكونون مكشوفين أمامه، يراهم من خلال نور، وهم لا يرونه!

أما مساحة غرفة العرش تلك فتقدّر بمساحة الكعبة المشرفة! وفي الأعلى هناك خمسة منافذ، تدل على أركان الإسلام الخمسة، وفيها نقش في القبة الخشبية بأول ست آيات من سورة الملك.

وأول ما يدخل السفير أو الملك أو الزائر، يجد فتحات فيها طيب، وبخور، وفيها الهدايا، فيرى النعمة، والامتلاء، والغنى، من البداية، وتكون غرف السفراء موزعة على الجانبين، وخلف السلطان هناك نافذة تطل على حي البيازين، وهو حي شعبي،  لكي يقول لهذا السفير، أو الزائر: إنني أجلس هنا في ملكي، وأنت زائر لي، وخلفي الشعب يسندني!

وتجد الكلمات المنقوشة هناك وهي كثيرة تناسب تلك الوفود، والمعنى السياسي الذي يحكم، فمثلاً من تلك الكلمات:

قلّل الكلام تخرج بسلام! فكلمة تخرج بسلام تعني أنني أنا القوي، وأنت محتاج لي، فاعرف كيف تتفاوض.

كذلك:

مَن حَسُن كلامه، وجب إكرامه.

وهكذا تتنوع الكلمات.

ولكن يبقى السؤال: هل هذه الطريقة، وهذا الإسراف، رغم ما فيها من جمال يعترف بعبقريته، ويعترف العالم بإبداعه، بل وأصبح مدرسة تتوارث، هل هذا يتناسب مع حقيقة المعركة

العادة أن هذه الجماليات، وهذا الترف، يأتي في مناط المكملات، والحواشي، أما أن يكون العسكر مكسورًا، والجيش مهلهلًا، وليس بين القائد وبين المجتمع أي سند معنوي يستند إليه، فهذه حيلة نفسية لخداع الذات، ومرحلة بعث ألفاظ الروح الحضارية، والقوة العسكرية للهلاك.

ولنقارن مواقف ملوك الأندلس بموقف الصحابي الجليل ربعي بن عامر الذي دخل على ملك كسرى، بسيفه القصير، وفرسه الأجرد من كل شيء، ورجله التي خلت حتى من النعال، وبثوبه المقطع، فدخل على ملك الفرس، على رياشه، وحرسه، وسريره المرصع بالتيجان، فيقول له: ما الذي جاء بكم يا أكلة العقارب؟

فقال له بكل عزة وقوة: الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد، إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا، إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان، إلى عدل الإسلام.

إنها رسالة إنقاذ الآخرين، وخدمتهم، رسالة تحرير البشرية من رق عبودية البشر لأنفسهم.

فعندما تكون الفكرة مقدمة على المادة، فإن المادة تخدم الفكرة ولا بد، ولكن عندما تكون الفكرة مهزومة، فإن المادة، والتقدم العمراني، يهزم الفكرة، ويعطي رسالة سلبية مفادها: أنك مهما استعرضتَ إعلامياً، وعملتَ حربًا نفسية، فإن الناس تعرف حقيقتك!

ولذا يجب علينا أن نعرف المعركة، ومعنى الحضارة، والمقارنة بين ما هو أولويات، وما هو فرعيات، وهوامش.

يجب علينا أن نقرأ الحضارات قراءة مكتملة؛ لكي لا نقع في فخ الإبهار المادي.

ومن المضحكات المبكيات في آن واحد ما يسمّى بقاعة أو صالة الأسود، والتي تسمّى تاريخياً: بالبيت السعيد أو القصر السعيد، فما هو الدافع من وراء بناء هذه القاعة الفخمة في قصر الحمراء؟

السبب باختصار شديد أنه بعد مقتل يوسف الأول والد محمد الخامس بخنجر مسموم من قبل خادمه، غيلة، وخيانة، تسلم الحكم بعده ولده محمد الخامس، وكان محمدًا هذا صديقًا حميمًا للملك بيتر الأول ملك إشبيليا، التي سقطت بخيانات كبقية الممالك الأندلسية، فدخل محمد الخامس في تنافس عمراني مع هذه الملك القشتالي، وكام محمد الخامس معروفًا بقضية الأبهة، والافتخار، وعلو الكعب في الهندسة، فمقابل قصر الحمراء، وساحة الأسود هذه، التي لم يرَ مثلها، ففي كل ساعة كانت تخرج من فم أحد الأسود رشة ماء، موزعة هندسياً وبتوقيت دقيق، لا يتخلف أحد عن وقته المحدد له، وأصل هذه المياه كانت تأتي من الجبال، فتذهب تحت هذا الصرح المعماري، ثم يخرج الماء مقسماً من أفواه الأسود، وعندما جاء المهندسون الغربيون المعاصرون لكي ينظروا إلى عبقرية الماء الذي يأتي من الجبل، وأرادوا أن يعرفوا التكنيك، والآلية لذلك، لكنهم لم يستطيعوا التوصل إلى السر في ذلك، فأفسدوا هذه التحفة الفنية الجمالية، فبدأت الأسود بدل أن تخرج الماء في كل ساعة تخرجه مجتمعة، وضاع الهدف، وبقي الجانب الجمالي في هذه الصالة.

ولأجل ذلك قام الملك بيتر فبنى قصراً سمّاه: قصر بيتر الأول، منافسة، ومزاحمة في العمران المادي!!

والسؤال: هل هذه وظيفة الملوك، والرؤساء، والأمراء، وأصحاب المسؤوليات، الذين في أعناقهم مصير أمم بأكملها، ومع من؟ مع خصم سيأتي بعد ذلك قومه ليهلكونه، ويطردونه!!

الملك بيتر هذا شرد من أهل إشبيليا 400 ألف مسلم عندما سقطت، وأجبروا على عقائد ضالة، ومورس عليهم أنواع كثيرة من الظلم، بعد أن كان هنالك تعايش حقيقي بينهم في الفترة الإسلامية.

وأنا لا أقول هذا تحيزاً، ولا تعصباً، وإنما اقرأوا التاريخ، فالحقائق تؤكد، والوثائق تثبت ما نقول.

إذن هذا المعمار كان له خط تنافسي دنيوي أرستقراطي خاص، لإشباع نزوات ذاتية، ولكن على حساب من؟

إنه على حساب من هم خارج القصر ممن يبحثون عن عمل، وممن تهددهم الهجمات المتقطعة من القلاع، وما بعد القلاع التي يتهيأ لها الإفرنج، أو القشتال، أو الذين تحالفوا ضد سقوط غرناطة.

والعجيب في الأمر أن المسلمين من أهل إشبيليا بقوا تحت حكم الملك بيتر الأول بعد سقوط إشبيليا، فأخذ يستعملهم في عمارة هذه المملكة وبنائها بالشكل الذي يناسب حضارته الصليبية، ولم يستنكف عن الاستفادة من هذه المهارات، والتخصصات، لأن الحرفيين، والفلاحين، والمهنيين، والمهندسين، كانوا في غالبهم من المسلمين! ونحن نقول دائماً: إن الحكمة أو الفائدة هي البضاعة العامة القابلة للاستيراد، والتصدير، أما الهوية بالنسبة لنا فلا.

إن هوية العولمة اليوم ذوبت الكل تحت وطأة عولمة السوق، وتسليع الإنسان، واختزال البشر في قضية المنفعه المادية، على حساب كل شيء قيمي وأخلاقي، فمن الذي يصنع لنا حضارتنا المادية اليوم؟

إنهم يصدرون لنا حضارتهم المادية، فيبنونها وفق مبانٍ استهلاكية، كالمجمعات، وغيرها، على طريقتهم، والطريقة لها علاقة بالسلوك، ولها علاقة بالهوية. هذا أولاً.

وثانياً: عندما يصدرون لنا المعمار، والهندسة، والتقنيات، فإنهم يصدرونها محملة بمعنوياتها، وإيحاءاتها، وغذائها أيضاً في كل شيء تجده في هذا الكون!

وفي المقابل علينا أن لا نبخس أنفسنا الحق من أن أمتنا كانت أمة حضارية متمدنة متقدمة تأخذ بكل الأسباب.

ولكن هل هي مبتورة، ومنفصلة عن بقية الفنون العالمية؟

كلا، فأنت كصاحب هوية مستقلة ليس معنى ذلك أنك لا تأخذ من الفنون المادية، والعبقرية الأخرى، سواءً كانت إغريقية أو رومانية أو غيرها؛ ولكن يجب عليك أن تغلب بصمتك على تلك، وأن تذوبها في بصمتك، لا أن تكون بصمتك مطموسة في الآخرين، وهذا يدخل في قضية الإنبهار، والتمكن، وهل العقيدة التي تنتمي لها مستوعبة كمفهوم عن الإنسان، والكون، والحياة كإسلامنا الشامل، أم أنها تقليد مجرد رمز آني، وعبادات في مواسم مستقلة مفصولة عن حركة الحياة، ومفصولة عن النظرة الكلية للفن، وللمعركة، وللحكم، وللحقوق، وللعبادات؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى