وياكم 2016

وياكم 2016 الحلقة الرابعة عشر خيانة الامراء

خيانة الأمراء

من إسبانيا، ومن مدينة إشبيلية تحديدًا، سأنطلق في حديثي عن الخيانات الكبرى، فالبداية يجب أن تكون منها، ولكن: لماذا؟

لأني الذي كان يحكم إشبيلية أحد الذين يملكون ثقافة، ويملكون قصوراً بديعة ليس لها مثيل، ويملكون تاريخاً مجيداً من آبائهم وأجدادهم، ويملكون، ويملكون…

إنه المعتمد بن عباد حاكم إشبيلية.

فكيف بدأت القصة؟

المعتمد بن عباد ملك، وحاكم كبير.

المعتمد بن عباد مثقف، وشاعر رومانسي.

ولكنه قدم حظ النفس، وحب الملك على حقوق المجتمع والشعب.

فإن قال قائل: وبأي شيء بدى ذلك؟

فالجواب:

في أمور كثير، ومواقف عديدة، يعز حصرها، والاتيان عليها جميعها، ولكن نذكر منها ما ينوب عن غيرها.

فمن ذلك:

ذلك القصر الفخم الذي كان يسكنه المعتمد بما فيه من جماليات، وترف، وأناقة، وكل من زار إشبيلية، ودخل هذا القصر، علم صدق ما أقول، وعدم مبالغتي.

ومن ذلك: أنه سار يومًا مع وزيره ابن عمار فقال شطر بيت من الشعر، وأراد من ابن عمار أن يكمله، فلم يستطع ابن عمار ذلك، فسمع صوتًا من بعيد يكمل له البيت!  فلما سأل عن ذلك علم أنها جارية يقال لها: اعتماد الرمكية، فسألها: أذات زوج أنت؟ قالت: لا، فتزوجها، وجعلها في مكان مرموق، فكانت لها الحظوة  والمنزلة.

وذات يوم رأت اعتماد امرأة تبيع اللبن مع بناتها، وهن يخضن في الطين تحت المطر، فأعجبها هذا الموقف وطلبت من المعتمد أن تفعل ذلك! فماذا صنع المعتمد تلبية لطلبها، وحرصًا على رضاها؟

لقد صنع لها حوضاً في قصره، ملأه بماء الورد، والكافور، والمسك، والعنبر، فجعلت هي وجواريها يخضن في المسك، والعنبر، والكافور!!

نحن نتكلم عن هذا الترف، والإسراف الذي عاشه هؤلاء الملوك، وعلاقة ذلك بالخيانة، وباللهو عن مهمات الأمّة، وعن أعداء الأمّة، فهذا الرجل هو أحد الذين كان يحيط بهم القشتاليون، والصليبيون، الذين يتربصون بممالك الإسلام كل شر، بل ويتربصون به هو، ومع ذلك لا يلتفت إلى هذه الأخطار المحدقة به، بل يعيش حياة اللهو، والعبث، وعدم المبالاة!

لا بد أن نكون صرحاء مع أنفسنا، فهذا الواقع الذي عاشه هؤلاء الحكام الأندلسيون، انعكس سلبًا على الشعوب المسكينة المستضعفة، قتلاً، وتشريدًا،  وتنصيرًا، وهو واقع نعيشه هذه الأيام، وإن اختلفت الأسماء، والألقاب، والمواقع.

وكل ما نراه من آلام ونحن نتكلم عن التاريخ في جانبه الاعتباري، والمفاهيمي، فإنه يندرج تحت آية قرآنية عظيمة، لخصت لنا السبب الرئيس في هذا الضياع، والانكسار، إنه قوله تعالى: {فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى}! لاحظوا كيف لعب الشيطان على وترين: وتر الخلود، ووتر الملك، فالإنسان لا يملك الطاقة الكافية، ولا يمتلك الزمن الكافي، ونزعة الخلود بارزة لديه، فكل حياتنا من أجل تأمين المستقبل، والحياة، فالخلود يحققه في وهم الإنسان الملك، فالذي يملك هو الذي يحكم، والشعور بالخلود يزيد الملك، فبالملك تحقق كل رغباتك، البناء، الذهب، الغريزة، السطوة، تحقيق الذات في مد السيطرة كل شيء تحققه بنزعتي الخلود والملك، وكلاهما يكمل الآخر، ويعتمد على الآخر، ويدفع الآخر دفعاً قوياً في قضية الاستمرار، هذه المسألة إن لم تكن محاطة بأخلاقيات وقيم تحدها وترشّدها، أو بقانون أو شعب يمسك هذا النظام، أو ذلك الحاكم، فإنها ستنقلب إلى أهواء وشهوات، ومصالح شخصية لحظية مقدمة على مصالح الأمة العامة، ومن هنا شُرعت القوانين، النظم، كي يضبط هذا الحاكم فلا يستبد، ولا يعتبر نفسه إلهاً، فتقل الخيانات، ويكون هناك توافق بين الحاكم وبين الشعب في المصلحة المشتركة.

ومن هنا نفهم مقولات السلف التي تدعو إلى صلاح الحاكم، فهذا الإمام عبد الله بن المبارك، الزاهد العابد كان يقول: لو كانت لي دعوة مستجابة، لجعلتها في صلاح الأمير! لماذا؟ لأنه بصلاح الأمير أو الحاكم أو الخليفة أو السلطان تصلح الأحوال، ولذلك يجب أن يكون الإصلاح من فوق، ويجب أن يكون الوعي من السقف الأعلى.

كيف حدثت خيانة المعتمد بن عباد الأندلسي؟

المعتمد بن عباد لما رأى ألفونسو السادس يحاصره، أراد أن يؤمّن نفسه، فدخل معه في اتفاقية ومعاهدة صلح وسلام! فماذا كانت بنود هذه الاتفاقية في عصر الضعف والممالك؟

أولًا: أن يدفع المعتمد بن عباد الجزية لألفونسو السادس!!

ثانيًا: أن يستولي ألفونسو السادس على أراضي المسلمين كطليطلة الجنوبية، بشرط أن يعطيه الأراضي الشمالية.

ثالثًا: أن لا يعترض المعتمد بن عباد على ألفونسو إذا أراد أن يستولي على أي بقعة من ديار المسلمين في الأندلس!! وهذه نقطة خطيرة جدًّا، وقد تُخرج الإنسان من الملة إخراجاً كلياً.

وتمت المعاهدة ببنودها المجحفة، والمخزية، ثم أحسّ المعتمد بالخطر، وأن معاهدة ألفونسو له ما كانت إلا للتقوية، وللتجييش، وللهجوم، فماذا فعل؟

أراد أن يستعين بدولة المرابطين التي يقودها يوسف بن تاشفين، ذلك القائد العظيم، الذي يشبَّه بالخلفاء السابقين كعمر بن عبد العزيز، وصلاح الدين الأيوبي، الذين حققوا العدالة والإنصاف من أنفسهم، فقيل للمعتمد: تستعين بابن تاشفين من بلاد المغرب؟ والله لن يتركك، وسينزع الملك منك! فقال كلمته الخالدة، التي ليتنا نفقه مضامينها، ورمزيتها، ومعناها، ودلالتها، قال: (والله لأن أرعى الجمال عند ابن تاشفين خير لي من أن أرعى الخنازير عند ألفونسو)، وجاء ابن كاشفين وانتصر في معركة الزلاقة الخالدة، وأخّر سقوط الأندلس قرونًا، وكان له من البصمة الإيجابية الشيء البارز، وأعاد الكيان المسلم ورتبه ثم انسحب؛ ولكن هل حفظ المعتمد بن عباد هذه الأمانة؟ أم أنه رجع إلى سيرته الأولى، ونكص على عقبيه؟

للأسف هذا الذي وقع، حيث عاد المعتمد بن عباد إلى سيرته الأولى في الترف والبذخ والإسراف، واللهو واللعب، وبدأ يفرض الإتاوات على المسلمين الفقراء، ويأخذها، ويعطيها جزية لألفونسو! بل وبدأ ينظر بأطماعه إلى الممالك المسلمة بجواره، فلا يسلم منه المسلم، ويسلم منه ألفونسو!! فما كان من ابن تاشفين إلا أنه قرر بعد أن توكل على الله تعالى أن يعود مرة أخرى بمراكبه من المغرب إلى بلاد الأندلس لكي يؤدب هذا الإنسان الذي أفتى كثير من الفقهاء بردته وخروجه عن الإسلام،  كما قال الإمام المؤرخ البرزالي، وعندما وصل ابن تاشفين إشبيلية، كسر جيش المعتمد بن عباد رُغم مقاومته لجيش المسلمين العادل، وأسر المعتمد ولم يقتله، بل ذهب به إلى المغرب، وسجنه في منطقة تسمى أغمات، ومات هناك وحيدًا فريدًا، شريدًا طريدًا!!

أين ذهب ملكه، وقصوره المشيدة، وبذخه، وترفه؟!! هل يستحق الإنسان أن يُضحي بكل هذا في سبيل مصلحة شخصية فتكون هذه النهاية؟!

ولننتقل إلى مثال آخر على الخيانة للأمة، وللتاريخ:

إنه المتوكل بن الأفطس!

هذا الإنسان كان يحكم إمارة بطليوس المسلمة، وله رسالة بعث بها إلى ألفونسو، وإلى أمراء الصليب عندما هددوه، تقطر عزة، وكرامة، وإيماناً، ويذكّر ألفونسو بهزائم أجداده أمام الأمراء المسلمين السابقين من أجداده، وكيف كانوا يدفعون لهم الجزية!! قصة طويلة عريضة، مشحونة بالإيمان، والاعتزاز بالله سبحانه وتعالى، وحقوق المسلمين.

ولكن حتى لا نُخدع بالرسائل، والإعلام، والبهرجة لأي طاغوت، لأننا نحكم على الإنسان من سلوكه، ومواقفه، وأفعاله، لا من كلامه، ولكن المشكلة أن أكثر الناس يصدقون كلام الكثير من الطواغيت، وشعاراتهم، ومؤتمراتهم، وما يصنعه لهم الإعلاميون، هذا الطاغوت المتوكل بن الأفطس عندما علم بقوة دولة المسلمين المغاربة من المرابطين، وعلى رأسهم ابن تاشفين الأمير العادل، الذي بدأ يُعيد اللحمة للأمة في الأندلس، ويقويها، تحالف ابن الأفطس مع ألفونسو نفسه الذي أرسل له تلك الرسالة، وقدّم له هدية عبارة عن منطقة لشبونة المسلمة، ومنطقة شنترة، مقابل معاونته ضد ابن تاشفين ليبقى على ملكه وعرشه!!

إلا أن المرابطين هزموه، وكسروا شوكته، وأسروه، وجاؤوا به هو وأولاده الثلاثة، فأفتى العلماء بقتله وأولاده الخونة المجرمين؛ لأن هذا مصير كل مجرم، وعندما قُدم للقتل وكان قد طلب أن يصلي ركعتين، فلم يسمح له الناس بذلك، وهجموا عليه وقتلوه شر قتلة!!

أما الخائن الثالث من أمراء الأندلس فهو: ابن الأحمر!

أمير غرناطة، وهو أيضاً من أجل تثبيت ملكه ضد خصومه من المسلمين، ومنافسيه، أو ضد بقائه في حكمه، وقّع معاهدة مع القشتاليين، والصليبيين، وكان أحد أخطر هذه الشروط بعد الجزية أنه إذا طُلب منه الملك القشتالي مساعدة ضد أعدائه من المسلمين فلا بد أن يستجيب، ويدفع بجيش المسلمين من غرناطة مع القشتاليين لقتال المسلمين!! وقد حدث ذاك فعلاً عندما حاصر الملك القشتالي إشبيلية، ما كان من ابن الأحمر هذا إلا أن بعث له بخمسمائة فارس، أحاطوا بإشبيلية وثغورها سبعة عشر شهراً إلى أن سقطت، وقُتل، وهُجر، وشرد منها أربعمائة ألف مسلم!!

فبأي حق، وبأي دين، وبأي عقل، يحدث كل هذا؟!!

إنها عبادة الكراسي، والغرور الذاتي، والتركيز على الشخص، واعتبار المناطق والناس أملاك للحاكم، وولاء لنزوات خطيرة قذرة في سبيل ذلك، هكذا كان المصير، فمثل هؤلاء دمّروا الأمة ومزقوها قديماً، وقدّموا الأمّة قرباناً لمصالحهم الشخصية، ولكنهم فُضحوا وهتكت أستارهم قديمًا، وها هم يُفضحون حديثاً، ويتساقطون، والأيام تُرينا بهم ما نراه الآن.

فما موقف المثقف؟ وما موقف المفكر؟ وما موقف القاضي؟ وما موقف الأديب؟

إن المفكر والأديب والقاضي والعالم إذا أصبحوا أبواقاً للطواغيت، فعند ذلك يستوي الفكر والحذاء! كما قال نزار قباني:

يا رجال الدين يا ملح البلد      من يصلح الملح إذا الملح فسد

نحن نريد علماء من نماذج علماء الأندلس الذين قاموا بمهمتهم، وبرّأوا ذمتهم، فأخذوا يخلصون النصح للأمراء، ويتجولون على أهل الصدق من العلماء والقضاة، يكتبون الرسائل، ويطوفون البلاد من أجل الاستنجاد، وعلى رأس هؤلاء: الإمام ابن حزم الأندلسي الفقيه، صاحب كتاب “المحلي”، والذي تفخر به إسبانيا، هذا الرجل لم يكن منكفأ على نفسه، وإنما كتب، وتكلم، وأدان، فما كان جزاؤه إلا أن حاربه السلاطين، وحرقوا كتبه؛ لأنه قال كلمة الحق! فخرج منسحباً إلى موطن أجداده الذي ولد فيه في الأندلس.

وهذا محمد الإشبيلي والد الإمام أبي بكر بن العربي، المفسر الكبير، يرسل رسالة مشهورة في التاريخ إلى أبي حامد الغزالي: يستفتيه فيها بحكم الاستنصار بابن تاشفين الملك العادل الذي جاء من دولة المرابطين لكي ينصر الممالك الإسلامية، ويدحر الصليبيين، فوقفوا ضده سداً منيعاً، وتحالف أصحاب المصالح الأندلسية والممالك الخاصة مع الصليبيين لأجل ذلك، فأفتى أبو حامد الغزالي فتوى طويلة، تكلم فيها كلاماً قاسياً في حق هؤلاء الخونة، وأنه تجب معاقبتهم، وتأديبهم، واسترجاع حقوق المسلمين.

ومن هؤلاء العلماء والأئمة أبو الوليد الباجي الفقيه الأندلسي، الذي قتله المعتضد؛ لأنه نصحه بأنه سبب في سقوط مدينته!!

وتتالى الفقهاء والقضاة على ذلك، حتى جاء مؤتمر قرطبة الذي جمع قضاة كثيرين من كل مكان؛ لكي يستحثوا دولة الموحدين لنصرتهم على هؤلاء الخونة، وتخليص الأمة من شرورهم، وفعلاً نصروهم.

حقًّا كانوا قضاة على مستوى كبير من الورع، والتقوى، والعمل من أجل مصلحة الأمة، لا قضاة يبيعون دينهم بالدرهم، والدينار، ويبررون للظالم ظلمه وفجوره، وكأنهم ألعوبة في أيديهم.

لا شك أن الخيانات الكبرى يجب أن يوضع لها حد، ويجب أن تكشف، ولكل واحد منا دوره في ذلك، حسب موقعه، وطاقته، وقدرته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى