وياكم 2016

وياكم 2016 الحلقة الرابعة والعشرون الذات الالهية

الذات الإلهية

 

الأدب هو الكلام في صورته الجميلة، وفي صورته الأنيقة، والإنسان عندما يتكلم فإنه يعبر عن مفاهيم، وأفكار، ومبادئ، وعن مشاعر، وانفعالات، ووجدانيات.

وقد يكون الوجدان أكثر طفوحاً، وتفاعلاً، وتدفقاً، في الكلام أحياناً على المبادئ والعقل، وأحياناً يكون العكس، والأحكام العقلية تكون صارمة، بينما المشاعر تكون متوارية، ومن طبيعة الفكر المطروح أن يكون عقلانياً، إدارياً،  ولكنه لا يخلو من مشاعر، فمرة ترجح كفة هذا، ومرة ترجح كفة ذاك، ومرة تتساوي وتتداخل، هكذا هي طبيعة النفس البشرية.

بيد أن الشعر، والأدب العربي، والنثر، وكل ما يحوم حوله، يدور في فلك المشاعر، ولما جاء علماء المنطق، وقسموا مراتب الحجج من الأعلى إلى الأدنى جعلوا الحجة البرهانية في المرتبة الأولى، ثم الحجة الجدلية، ثم الحجة الخطابية، ثم الحجة الشعرية، ثم الحجة المغالطية، التي تسمى السفسطة.

وهذه الحجة الشعرية لا يأخذون فيها الشعر بمفرده، بل عموم ما يرتكز على الوجدان، ولا شك أن أشهره هو الشعر، ومن ثم سميت بالحجة الشعرية، ولكن هل الحجة الشعرية مشاعر فقط؟

إن الحجة الشعرية لا ترقى أن تكون ظناً راجحاً، ولا ترقى إلى الإلزام العقلي؛ ولكنها تتلاعب بالمشاعر، والتخييل، وتدفع إلى الإنجاز، والعمل، فقد يكون الإنسان غير متمكن من الأدلة، ولكنه يشحن المشاعر، ويلهب العواطف!!

أين تكمن المشكلة؟

عندما تكون هذه الحجة الشعرية الوجدانية قوية جداً، وتسوق مغالطات، وخرافات، وأضاليل، وتتغلب على المنطق دون استناد إلى براهين عقلية محترمة، عندها تؤسس الخرافة، والضلالة، ولذلك تعجب كثيراً عندما ترى دكتوراً استراتيجياً، أو مخططاً عميقاً، أو مدرباً محترفاً، أو عالماً في الفلك، أو في الفيزياء، ومع ذلك تجد عنده عقائد تضحك الصغير قبل الكبير!! لماذا؟

يقال: لأنه تربى عليها وجدانياً منذ الصغر في البيئة، أو القبيلة، أو العشيرة، أو الطائفة، أو المذهب، وتشربها فصارت جزء من شخصيته، فعندما يتعامل مع عالَم الفلك، أو عالم البيولوجيا، فإنه يتعامل بالمنطق العقلي، والحجج العملية الظاهرة، ولكنه عند التعبد تجده يقدم الطقوس والقرابين لتلك البقرة!!

كيف يمكن فهم ذلك؟!

وكيف لنا أن نحل هذا اللغز؟!

الجواب:

أن هناك فرقاً بين المعلومات، والعلم الذي أخذه عن وعي، ومن خلال براهين، وتجارب، ورصد في كامل اليقظة العقلية، وبين العقيدة التي تربى عليها، من خلال الحجة الشعرية، والحجة الوجدانية، وتعايش معها! وهنا الكارثة.

ولكن هل معنى ذلك أن الحجة الشعرية لا ترقى للإلزام؟

في الحقيقة أن الحجة الشعرية، سواءً أكانت نثراً أو شعراً، تحتوي أحياناً على كلام منطقي، لكنها تكون معروضة بصيغة بليغة، فتؤثر أكثر، ومن هنا كان منطق القرآن الكريم يجمع بين الحجة العقلية، والحجة الوجدانية؛ لأن الحجج العقلية، والبراهين العلمية، لا تحمل الإنسان على التنفيذ إن لم يكن معها وجدانيات، تقوي الإرادة، فعقل بدون إرادة لا يحرك الإنسان، وتكثيف الحجة الإرادية، والمشاعر، قد تدفعك إلى عمل ما لا ينفع.

كلامي في هذا المقال عن الحجة الأدبية الشعرية، وما اخترته من مقطوعات أدبية يجمع بين ما فيه إلزام، وما فيه من مشاعر وأحاسيس.

وأول مقطوعة أبتدئ بها من: كتاب: أسواق الذهب، لأحمد شوقي:

وفي أول مقطع له بعنوان: الحقيقة الواحدة، تكلم فيه عن وجود الله تعالى، والرد على من ينكر ذلك، أو الذين يشكون في وجود الله تعالى، أو الذين يظهرون الإلحاد، ويتفاخرون به عياناً، جهاراً، فماذا يقول لهم أحمد شوقي؟

يقول: يا متابع الملاحدة، مشايع العصبة الجاحدة، منكر الحقيقة الواحدة: ما للأعمى والمرآة، وما للمقعد والمرقاة، ومالك والبحث عن الله؟!

ثم يدعو إلى التأمل، فيقول: قم إلى السماء تقصّ النظر، وقص الأثر، واجمع الخُبْر والخَبر. كيف ترى ائتلاف الفلك، واختلاف النور والحلك، وهذا الهواء المشترك؟

وكيف ترى الطير تحسبه ترك، وهو في شرك، استهدف فما نجا حتى هلك؟ تعالى الله، دل الملك على الملك!

وقِفْ بالأرض سلْها من زم السحاب وأجراها، ورحل الرياح وعراها، ومن أقعد الجبال وأنهض ذراها، ومن الذى يحل حباها، فتخر له في غد جباها؟

أليس بدأها غبرات، ثم جمعها صخرات، ثم فرقها مشمخرات؟

ثم سل النمل من أدقها خلقاً، وسلكها طرقاً، تبتغي رزقاً؟

وسل النحل من ألبسها الحبر، وقلدها الإبر، وأطعمها صفو الزهر، وسخرها طاهية للبشر؟

لقد نبذت الذلول المسعفة، وأخذت في معامي الفلسفة، على عشواء من الضلال معسفة.

أولاً فخبرني: الطبيعة من طبعها، والنظم المتقادمة من وضعها، والحياة الصانعة من صنعها، والحركة الدافعة من الذي دفعها؟!

عرفنا كما عرفت المادة، ولكن هدينا وضللت الجادة، وقلنا مثلك بالهيولى، ولكن لم نجحد اليد الطولى، ولا أنكرنا الحقيقة الأولى.

أتينا العناصر من عنصرها، ورددنا الجواهر إلى جوهرها، اطّرحنا فاسترحنا، وسلّمنا فسلِمنا، وآمَنّا فأمِنّا؛ وما الفرق بيننا وبينك إلا أنك قد عجزت فقلت: سر من الأسرار، وعجزنا نحن فقلنا: الله وراء كل ستار!!

كلام في غاية الروعة والجمال.

المقطوعة الثانية لمنصور فهمي، الأديب المصري الكبير، ذهب إلى فرنسا، وكتب رسالة دكتوراه في موضوع المرأة، وكان المشرف عليه يهودياً مستشرقاً اسمه ليفي برايم، وقد ذكر في رسالته تلك أن الإسلام ظلم المرأة، بل وادعى أن كلام الجاحظ أقوى من كلام القرآن في حق المرأة، وهو صاحب عبارة: الإنسان وحده لا شريك له!! ولما عاد إلى مصر أصبح عميد كلية الآداب في القاهرة، ثم صار رئيس جامعة الاسكندرية، لكنه في أواخر حياته بعد أن جاءته نذر الشيب، وبعد جلوسه مع علماء الأزهر، عاد إلى رشده، واعترف بضعف حججه، ومغالطاته، وأنه لم يكن أصيلاً في معلوماته؛ وإنما كان مقلداً مشوشاً، وكتب في مجلة حياتك عن تراجعاته، فهاجمه العلمانيون، والحداثيون، وكل من لا يريد خيراً لمن اهتدى.

هذا الإنسان الذي لم يكن دينياً، والذي هاجم القرآن، والإسلام، كتب مقالات نشرها بعنوان: خطرات نفس، ثم جمعها في كتاب: “خطرات نفس”، كان من ضمنها مقطوعة جميلة بعنوان: أنت أنت الله.

يقول: وإذا ما انطلقت السفينة بعيداً بعيداً في البحر اللجي، وهبت الزوابع، وتسابقت الرياح، وتلبد بالسحب الفضاء، واكفهر وجه السماء، وأبرق البرق، وأرعد الرعد، وكانت ظلمات بعضها فوق بعض، وأجهد البحار جهده، وأفرغ الربان حيلته، وأشرفت السفينة على الغرق، وتربص الموت من كل صوب، وحدب، إذ ذاك يشق ضياؤك هذه الظلمات، والمسالك، وتحيط رأفتك بهذه الأخطار، والمهالك، وتمد بحبال نجدتك المكروبين، البائسين، والقلوب، والألسنة تردد: أنت أنت الله، أنت أنت الله. هذه اللوحة الأولى.

ثم يقول: وإذا ما اشتد السقم بمن أحاطت به عناية الأطباء، وسهر الأوفياء، ونام بين آمال المخلصين، ودعوات المحبين، ثم ضعفت حيلة الطبيب، ولم ينفع وفاء الحبيب، واستحال الرجاء إلى بلاء، إذ ذاك تتجلى مستوياً على عرش عظمتك، والنواصي خاشعة، والنفوس جازعة، والأيدي راجفة،  والقلوب واجفة، لتقول: “أنا قضيت“، ويقول الطبيب، والقريب، والحبيب: “لك الأمر، أنت أنت الله، أنت أنت الله“. هذه اللوحة الثانية.

أما اللوحة الثالثة: فتكلم فيها عن هذا الإنسان كيف يقف مع نفسه، ويتأمل في طريقه في هذه الحياة الدنيا، هل هو على الطريق الصحيح أم لا؟

يقول: وإذا ما باين الدنيا إنسان وباينته، إذ ينظر إلى المال، فيلقاه فانياً، وإلى الجاه، فيلقاه زاوياً، وإلى الأماني، فيلقاها زائلة، وإلى الآمال، فيجدها باطلة، وإلى الشهوات فيجدها خادعة، كاذبة، وإلى المسرات فيجدها آفلة، غاربة، إذ ذاك يستغني عن الجاه، والمال، وتشل في نفسه حركة الآمال، وبين جاه يدول، وأمل يزول، لا يملأ فراغ النفس إلا ذكرك: أنت أنت الله، أنت أنت الله.

اللوحة الرابعة: وإذا ما وقعت العين على زهرة تتفتق في الأكمام، أو تلاقت العين بعين يملأها الحسن، والابتسام، واِذا أعجب المعجبون بجمال الفجـــــــر المتنفس، وتغريد الطير المتربص، فعاود الصدر انشراحه، وملأ القلب ارتياحه، إذ  ذاك يشرق في قلوبنا نورك الجميل فنراك:” أنت أنت الله، أنت أنت الله“.

ثم يختم هذه المقطوعة الجميلة بهذا المقطع، فيقول: فيما يمس النفس من مظاهر العظمة، ومظاهر الرحمة، ومظاهر القدرة، ومظاهر الدوام والبقاء، ومظاهر الجمال، والجلال، اعتاد الناس أن يصفوك، بالعظيم، الرحيم، والقادر، الدائم، والجميل، الجليل، وأوتار القلوب تردد: “أنت أنت الله، أنت أنت الله “.

هذه المشاعر، وهذه الحجة، تجمع بين الحجة الشعرية المحضة، وتحريك المشاعر نحو معنى جميل، وهو الله، وبين الحجة العقلية العلمية التي تستند إلى أصل أصيل عند المؤمن، وهو إيمانه بالله سبحانه وتعالى، فيدفع لتحريك المشاعر، لأمر قد ركز برهانياً علمياً في نفس الإنسان، وهكذا يحيط المؤمن بحجة متكاملة من الأدلة العقلية، إلى التحريك الوجداني، فيدفعه لمعاودة الذات، والتشبع بالإيمان، ثم الانطلاق في حركة الحياة، والسلوك، إلى الله سبحانه وتعالى، وإلى الخير، وتفعيل الدنيا بما هو خير.

ومن المقطوعات الأدبية الجميلة مقطوعة للشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي، الذي مر بتجربة شكّ، وإلحاد.

هذا الشاعر عنده أربعة أبيات ترقى من الدليل الشعري الوجداني إلى الدليل العقلي، فيقول:

 

 

هل في عيون الملحدين عماء
أيجوز عقلاً أن عقلاً مبدعًا
فإذا الطبيعة أدركت وتصرفت
الله أحيا الكائنات بسره
أم في عقول الملحدين غباء
قد أبدعته طبيعة بلهاء
قلنا الطبيعة والإله سواء
وبسره تتفاعل الأشياء

هذه الأبيات الأربعة، أبيات عقلية، يُطرح فيها سؤال فيه إلزام، وتبكيت، وإحراج لهؤلاء الذين يطرحون بديلاً عن الله، ويقولون إن الطبيعة هي الخالق!!

فيقال له: من الذي خلق الله؟ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيراً.

فيقول: الطبيعة!!!

فيقال له: وما هي الطبيعة؟

فيقول: هذا الذي نراه من مادة الكون، من أشجار، وأنهار، وأفلاك، وشموس، وضوء، وهواء، وجاذبية،.. الخ، هذه هي الطبيعة.

فيقال له: فمن خلق الطبيعة؟!

إنه يدور في حلقة مفرغة، فالطبيعة هي هذه الأشياء، فمن الذي خلقها؟

لا شك أنه كلام متناقض متهافت!!

ننتقل من أبيات أحمد الصافي النجفي إلى فكرة ضرورية تقع على عقول أولادنا هذه الأيام في استشكال حله بسيط ألا وهو الخلط بين التعقل، والتصور، وهو الذي ضلّل العقول.

فالقدوس هو الذي ليس كمثله شيء، وهو المنزه عن مشابهة المخلوقات، إلا أن مشكلة العقل البشري تكمن في القياس، فيأتي ابن أبي الحديد ويضعنا أمام هذه الصورة في قصيدة جميلة ذكرها الشيخ محمد الغزالي في كتابه “عقيدة المسلم”، بأن كل ما خطر ببالك، فالله تعالى بخلاف ذلك؛ لأنه: {ليس كمثله شيء}، والله لا يقاس عليه.

فالله تعالى لا يخضع للزمان، والمكان، ولا يخضع لأحكامهما؛ لأنه خالق الزمان، والمكان، فمشابهة المخلوق للخالق ها هنا خطأ محض.

أما المشاركة في الأسماء فهي مجرد مشاركة لفظية، وليست في المعنى الحقيقي.

يقول ابن أبي الحديد: والله ﻻ موسى، ولا عيسى المسيح، ولا محمد، ولا جبريل، وهو إلى محل القدس يصعد، كلا!!

ولا النفس البسيطة، ﻻ، ولا العقل المجرد، علموا من كنه ذاتك غير أنك واحدي الذات، سرمد،  فلتخسأ الحكماء عن حرم له الأفلاك سجد.

من أنت يا أرسطو؟ ومن أفلاطون قبلك؟ يا مبلد، ومن ابن سينا حين مرد؟ ما بنيت له، وشيد، هل أنتم إلا الفراش لما رأى الشهاب، وقد توقد، فدنى، فأحرق نفسه، ولو اهتدى رشداً لأبعد.

والمقصود من هذه العبارات أن لا تجعل عملية قياس بين الخالق والمخلوق، بل آمن بالقدرة المطلقة، وبطلاقة القدرة الإلهية، ولذلك يقول الإمام الرازي في الأبيات التي تنسب إليه:

نهاية إقدام العقول عقال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا
وكم من جبال علت شرفاتها
وآخر سعي العالمين ضلال
سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
رجال فبادوا والجبال جبال

فالحقائق ثابتة في مكانها؛ ولكن كلما دخل العقل وقع في الإشكال، ولذلك هناك قاعدة تقول: (الدين يأتي بمحارات العقول؛ ولا يأتي بمحالات المعقول).

بمعنى أن الدين لا يعطيك مبادئاً، وأموراً تستحيل عقلياً؛ ولكنها قد تستغرب عقلياً، فلا تخلط بين ما هو مستحيل عقلاً، وبين ما هو مستغرب عقلاً.

فهذا شيء مستغرب؛ لأنك ما ألفته؛ لكنه قد يقع عقلاً، أما المستحيل العقلي فلا تقول به الشريعة، ولا تأمر به، وإنما تبني عليه أحكاماً عقلية.

فقصيدة ابن أبي الحديد، وقصيدة الإمام الرازي، وغيرهما من القصائد تكلمت عما يجب على العقل أن يعرفه، وما هي مهمته؟ فما سمي العقل عقلاً إلا لكي يعقل مهمته، فيجب أن نعرف أن العقل ليس المزاج، وليس الكيف، وليس القضايا الشخصية، بل هو القضايا المشتركة، والمبادئ الأولية، وهذه المباديء الأولية يستدل بها، ولا يستدل عليها، فهي الأصل.

فعندما تقول: ما هو دليلك على هذا الشيء؟ فيقول لك: فلان هو الذي قال!

فتقول له: ومتى قال؟ فيقول لك: قال قبل 30 سنة. فتقول له: قبل 30 سنة كان ميتاً!! فهنا العقل يقول لك: لا يمكن للميت أن يتكلم.

أختتم موضوع الذات الإلهية في النصوص الأدبية مع أحد الأذكياء في العالم اسمه ابن الراوندي الملحد، ومع إقراري بإلحاده، إلا أنني أقول إنه  ذكي، فيجب أن نفرق بين إقرارنا بالذكاء، والمواهب الشخصية، وبين كونه أصاب أم لم يصب، سوي الشخصية أم غير سوي الشخصية.

فالحقائق في ذاتها لا يستطيع أحد إنكارها، والحكم على متعلقاتها.

وعندما ترجم الإمام الذهبي لهذا الرجل، بعد أن ذكر ذكاءه، إلا أنه كفر، وألف كتاباً ضد القرآن، وضد النبوة، وجادل بعد أن كان مؤمناً من المعتزلة، قال: لا بارك الله في الذكاء بلا إيمان!

فما الفائدة من الذكاء بلا إيمان؟! فاللص ذكي حين يسرق؛ لكن ذكاءه ليس في محله.

ماذا قال ابن الراوندي هذا؟

قال:

كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه
هذا الذي ترك الأوهام حائرة
وجاهل جاهل تلقاه مرزوقاً
وصير العالم النحرير زنديقاً

ومعنى الأبيات: أنه كم من عاقل، وذكي، ونابه، إلا أنه لا يجد ما يقوت به نفسه، فالحظوظ دائماً ضده، والعثرات دائماً في طريقه، بينما ذاك البليد أو الأحمق ناجح في حياته، ومحقق لمكاسب، والدنيا مفتوحة أمامه!!

هذا الأمر أوقعه في شك، وارتباك، فوقع في قضية الإنكار، فاتخذ من عدم التوفيق في الحياة، ومن الألم في الدنيا، واتخذ من الدائرة الأكبر التي نسميها مشكلة الشر في الكون، وهي أحد المشاكل الخمس الكبرى في وجود الإلحاد في القرن العشرين، وهي شبهة قديمة جديدة كما يقول العقاد في كتابه: عقائد المفكرين في القرن العشرين.

وأنا أقول: إن هذا الإلحاد إلحاد نفسي، بدليل سيرة ابن الراوندي نفسه، أو كما ذكر أبو القاسم البلخي في كتابه: “محاسن خراسان” من أن الرجل عندما أزيح عن الصدارة والنجومية بين أصحابه، اتخذ منهم موقفاً، فصارت قضية شخصية، فالموقف النفسي، الانفعالي، الاستقباحي مقدم، ويجر وراءه أدلة، وبراهين، حتى يؤكد نفسه، بدليل ما جاء في الكتاب أنه في آخر أيامه، اعترف هو بذلك في توبته.

ولكن في المقابل اسمع إلى الأمام الشافعي الذي مر بالتجارب نفسها، ولكنه قرأ الكون قراءة أخرى، وفهم المشكلات، والارتباك في الحياة، بصورة متكاملة، فربط الدنيا بالآخرة، وأعطى المقدمات، وبنى عليها النتائج، فكانت اللوحة كاملة.

يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في هذه الحياة:

ومن الدليل على القضاء وحكمه        بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق

فاللبيب بائس، أما هذا الأحمق فهو طيب العيش، منعم مرفه!

ولكن هل هذا يجعل الإنسان يكفر بربه تعالى؟

هل هذا يلغي الأدلة العقلية، والبرهانية، اليقينية، بل والعلمية؟

إذن هو موقف عقلي.

وهذا ما يركز عليه الأستاذ فاضل سليمان في كثير من محاضراته في نقاش الملاحدة أنه لا يجب التركيز على الجانب العقلي الصرف فقط، بل لا بد من النظر إلى الجوانب الانفعالية، والدوافع النفسية؛ لأنها تفسر لنا ذلك.

مشكلة الشر يجب أن تعالج بروية، وعقلانية، فمتى فهم الإنسان قصة الحياة المتكاملة من أن الخير والشر لكل منهما جزاؤه وحسابه في الدنيا والآخرة، وليس كما يظن البعض من أن الشر يقع في الدنيا، ولا حساب عليه في الآخرة، بل يذهب الحق هكذا!! فمثل هذا الفكر يؤسس لمشكلة الشر، فأين هي العدالة إذن؟!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى