وياكم 2016

وياكم 2016 الحلقة السابعة والعشرون الحضارة هوية

الحضارة هوية

من الأماكن الأثرية المهمة جدًّا في إسبانيا متحف التراث الأندلسي، هذا المتحف الضخم قام مجموعة من الإسبان غير المسلمين وقالوا: بأن هناك تاريخًا لم يأخذ حقه، وأنه يحتاج إلى بعث، فقالوا: لا بد أن يكشف ويعرض هذا التراث الذي هو مشترك إنساني، وواقع يجب أن نعترف به، فكان هذا المتحف العظيم.

وقد زرته في إحدى سفراتي إلى إسبانيا، والتقيتُ هناك بأستاذ متخصص له بصمته البحثية، والعلمية، والميدانية في التراث الأندلسي عمومًا، والغرناطي خصوصًا، وهو الأستاذ البروفيسور الدكتور: أنطونيو مالبيكا.

أستاذ في جامعة غرناطة، ومتخصص في التاريخ، له أبحاث كثيرة، وآثاره الدراسية لا سيما في القرون الوسطى في منطقة الأندلس كثيرة، حاز على جائزة البحوث العلمية الأندلسية في الأندلس.

وقد أجريتُ معه حوارًا ثقافيًّا فكريًّا في علاقة الماضي بالحاضر، ودلالة العمران والحضارة التي تركها الإنسان على غيره، وانعكاس هذه الحضارة على هويته، وهل هذا الاتصال أو الانفصال أمر إيجابي؟

قلتُ له:

نعلم جميعًا أن طبيعة الإنسان أنه كائن متحيز، فهو يتحيز لأسرته، أو لقبيلته، أو لبلده، أو للمكان الذي ولد فيه، وهذا التحيز يدفعنا أحيانًا نحن كبشر أن نقلل من نجاحات الآخرين، أو نهون منها، أو نجعلها تقليدًا، أو نطمسها بالكلية إذا كنا في غاية التعصب!

ألا ترى أن هذا إشكال كبير في تبادل الحضارات، وله أثره السلبي؟

فقال:

أظن أن المشكلة تكمن في أن الثقافات بقيت منغلقة خلال وقت طويل، وكانت هناك معارضة قوية لبعضها البعض، وهذه المشكلة قديمة قدم الإنسان، فالجماعات البشرية ظلت منغلقة تجاه جماعات أخرى جوارها، وبالغت في تقدير مميزاتها، بينما انتقصت وقللت من آراء جاراتها، لا يمكننا التفكير في التجانس بين الثقافات، ولذا يجب أن نفكر في التعايش مع أنماط ثقافية مختلفة، وتعابير مختلفة للإنسان تجاه الطبيعة، وتجاه المجتمعات، والأفراد، كما أننا نتعايش مع لغات مختلفة، ولذا أظن أن الجهل بالثقافات الأخرى لكونها مختلفة هو أعظم داء تعاني منه المجتمعات، وقد تفاقم هذا في مجتمعنا الحالي نظراً لسعينا تحديداً وراء خلق ثقافة متجانسة، لا تتماشى مع الواقع، ولهذا فإن عدم أخذ الاختلاف الثقافي بعين الاعتبار يعد فعلاً شنيعاً، بل إنه يضعف قدرة الإنسان على الاتيان بردود مختلفة على ما يحدث حوله.

قلتُ:

من خلال دراستك: ما الذي أضافه المسلمون في فلسفة العمارة، والإنجاز المعماري؟

فقال:

يمكننا اعتبار الهندسة، والجمالية الإسلامية كامتداد للعالم الكلاسيكي، ومن قام بكسر المنحى الجمالي الكلاسيكي هي المسيحية، التي أدخلت خطوطًا مختلفة، ومن ثم أدخلت ليس فقط هذه التيارات الكلاسيكية، بل حتى تيارات عميقة كانت تحدث في أماكن أخرى من المعمورة، فمثلاً: الثقافة الصينية، والثقافات الآسيوية، اقتربت من العالم الإسلامي بعد امتداد الإسلام، والمزيج من الثقافات سمحت بظهور ثقافة جديدة لكنها تعتبر وريثة ثقافات أخرى، لهذا ما نشاهده اليوم في الهندسة، والفن الجمالي الإسلامي هو موروث ثقافي تغذّى من ثقافات عدة؛ لكنه جدّد نفسه، وأفرز آثارًا مهمة كقصر الحمراء في غرناطة، الذي يعتبر خلاصة لكل الموروث التاريخي والثقافي لعالم العصور الوسطى، والذي ما زال يشع في العالم الحديث، فإن هذا الموروث امتد وسطع بعيداً عن الأندلس؛ لأنه بقي على قيد الحياة في الفن الإسباني.

قلتُ:

من خلال دراستنا لسقوط غرناطة وجدنا أن من الأسباب التي أخرت من سقوطها: مرض الطاعون الذي شغل الأوروبيين عن الزحف عليها، وأنه كانت هناك خلافات أوروبية بين القشتاليين وغيرهم، وأن غرناطة كانت كثيفة السكان.

لكن هل تعتبر المعمار الغرناطي، والقوة البنائية الهندسية، سبباً في تأخير سقوطها، وتعجيل سقوط غيرها؟

فقال:

كانت غرناطة منطقة كثيفة السكان، وذات تنظيم، ودفاعات جيدة، وفي أواسط القرن الرابع عشر عندما عرف النظام الفيودالي الأوروبي أزمة كبيرة بما في ذلك الفيودالية الإيبيرية، والممالك المسيحية، أتيحت لغرناطة فرصة للنهوض، والتسلح من جديد، والدفاع عن نفسها، ببناء مجموعة من الأبنية؛ لكن وفي الوقت نفسه أعتقد أن سر سقوط غرناطة يكمن في شيء ربما يبدو قليل الأهمية؛ ولكنني أعتبره جوهرياً، وهو انفتاح قشتالة، والبرتغال على المحيط الأطلسي، ووصولهما إلى السواحل الأطلسية للمغرب، والجزر الأطلسية، الأمر الذي أنتج أساليب وقدرات للحصول على الثروات لا علاقة لها بما كان عليه الأمر من قبل، وهذا ما استبدل غرناطة التي كانت مملكة قادرة على الِإنتاج، وتغذية سكانها بكميات وفيرة، بل وتصدير منتجاتها إلى الخارج، وهذا التغير الجوهري هو ما خلف سقوط مملكة غرناطة، فلما أصبحت المملكة غير ضرورية في النسيج الأوروبي سقطت، قبل ذلك استمرت مملكة غرناطة دون مشاكل؛ لأنها قامت بدور الصلة بين ثقافات، واقتصادات مختلفة في البحر الأبيض المتوسط.

قلتُ:

صدر كتاب من مطبعة بريل بعنوان “نظرات في علم الأركولوجيا”، وهو علم الحفريات، مقارنات بين إسبانيا، وإيطاليا، لمجموعة من المؤلفين، كان لك فيه مقالة عن الأندلس في هذا الخصوص، فنريد أن تثرينا عن هذا الموضوع؟

فقال:

إن المدينة الأندلسية ليست ثمرة مباشرة للمدن القديمة، وكي يزدهر النموذج الأندلسي للمدينة كان من الضروري أن يعرف النموذج القديم، ومن ثم نشأت المدينة الأندلسية على تصور جديد، فكانت هناك طرق عدة لتشييد المدن إحداها انطلاقاً من قلعة تتجمع حولها الحياة المدنية، إلى قرية يبنى فيها مسجد جامع، وتقوم بدور تعليمي في منطقة واسعة، والثالثة انطلاقاً من إحياء مدينة قديمة عرفت اضمحلالاً في الأندلس، حدثت هذه الحالات الثلاث فيما يتعلق بغرناطة، فإن تأسيس المدينة كانت له مميزات خاصة؛ لأن المدينة لم تكن نتيجة مباشرة لوصول العرب، بل قبل وصولهم ظهرت مدينة صغيرة تسمّى: مدينة إلبيرة في جانب من الوادي، وأسست هذه المدينة انطلاقاً من اتفاق بين السكان القرويين مع الشيوخ الذين سكنوا إلبيرة، وقد كانوا من أصل قبلي شامي، وصلوا الأندلس سنة 743 أو 744، وابتداء من هناك برزت مدينة إلبيرة، وبقيت حتى 1013 حينما انتقل سكان المدينة إلى قلعة شيدت في غرناطة سمّيت: قلعة غرناطة، وحينئذ بنى بربر صنهاجة مدينة جديدة في غرناطة، وعلى غرار إلبيرة فإن غرناطة اتبعت توزيعاً لفضاءات خصصت لمختلف مكونات المجتمع، وهكذا عكست المدينة نموذجاً لمدينة دائمة، فمثلاً: مدينة غرناطة لم تتسع قط وراء الرملة حيث توجد السهول الخصبة، لم تمتد وراء باب إلبيرة حيث توجد المقبرة الكبرى لغرناطة، لم تمتد على الشاطئ اليساري لنهر الدارو؛ لكنها امتدت فقط على ضفاف نهر شنيل، ومن جهة الشمال وصلت لتلال البيازين، وانطلاقاً من هذه الحقيقة أخذت المدينة في التكثف، وخلق إيقاعات للحياة مناسبة للبيئة التي تحيط بها، وكل المدينة تنبعث من عنصر أساسي في الحواضر الإسلامية هو المسجد الجامع، ويحدد المسجد العلاقات بين سكان المدينة، وفي الوقت نفسه العلاقة بين سكان المدينة وسكان الضواحي الأخرى، وفيما يتعلق بغرناطة فقد تواجد المسجد قرب ساحة الرملة مكان الكاثدرائية حالياً، وهو فضاء مفتوح يسمح بتواجد أعداد كبيرة من الناس من داخل المدينة وخارجها، ولم يكن هناك عوائق لدخول المدينة والتوجه مباشرة إلى المسجد؛ لأن الطريق كان مفتوحاً، ومن الممكن التجمع في المسجد دون أدنى صعوبة، والمسجد بدوره ينتج عناصر مهمة هي الأسواق، وأماكن البيع والشراء، وهذا يجعل التجمعات البشرية ليست فقط للصلاة، بل وللتجارة، ومن الضروري الأخذ بعين الاعتبار أهمية تبادل المنتوجات بين المدينة والحقول المجاورة بالنسبة للحواضر الإسلامية، واليوم نعلم بفضل علم الحفريات أن بعض المنتوجات المحلية وصلت إلى حقول بعيدة، وهذا يعني أن منتوجات من هذه الحقول البعيدة خرجت منتوجات أخرى في اتجاه المدينة، وتمت على إثرها مبادلات مستمرة؛ لأن النشاط التجاري الكبير من أعظم مميزات المدينة الإسلامية، وهذا ما يجعلها مدينة حية للغاية، وذات كثافة عالية، وتحرك مستمر للسكان من مكان لآخر، ويرتبط سكانها بعلاقات قوية جداً، وبينما يبقى فضاء المنزل كفضاء خاص بصاحبه وعائلته، كان الفضاء العمومي مكاناً يرتاده باستمرار سكان المدينة.

قلتُ:

كل الذين يزورون قصر الحمراء يقفون وقفة انبهار مع ساحة الأسود، ويتكلمون عن الفن الإجرائي الفني في قضية المياه التي تخرج من أفواه الأسود، وأنها كانت عبقرية صناعة، وعندما جاء بعض المهندسين المعاصرين لفك الشيفرة في خروج الماء من فم الأسد، ثم يتلوه الأسد الذي بعده بتوقيت منظم دقيق، على مدار اليوم، فلم يستطيعوا ذلك، بل أفسدوه!!

والسؤال: هل هذه رواية شعبية، أم لغز هندسي؟

فقال:

هناك العديد من الأمور التي تقال عن الحمراء، وقد كنت من المحظوظين حيث قمت بالحفر في ساحة الأسود، واكتشفت شيئاً لم أعرفه من قبل، وهو أن ساحة الأسود بنيت فوق منحدر شديد، فهناك منحدر كبير بين جانب من ساحة الأسود والجانب الآخر؛ ولكن المرء لا يشعر بذلك داخل الساحة، ويبدو لديه كل شيء مستو، وهذا ما يبرز أنه إنجاز هندسي عظيم؛ لأن الأساس الصخري يتواجد في بعض الأطراف على عمق يفوق الأمتار الثلاثة، هذا يعني أن أعمال الهندسة التي أنجزت هذا الصرح كانت مهمة، ومبدعة للغاية، وفي الوقت نفسه فإن نظام المياه الذي أبرزته تلك الحفريات يدل على الإمكانات التقنية الكبيرة للمملكة الناصرية.

فيما يتعلق بأهمية ساحة الأسود يمكننا قول العديد من الأمور، منها: إن ساحة الأسود فضاء خاص وشخصي للغاية، بينما كانت تقام بشكل غير منتظم، وغير مستمر، بعض العلاقات العامة في قاعة الأختين، من جهة أخرى هناك موضوع النافورة التي كتب عنها الكثير، وقيل: إنها نافورة اليهودي ابن نغريلة الذي بنى قصراً في عهد الزيريين، إلا أنه لا يوجد أي دليل يثبت ذلك؛ لأن النافورة رمز أعتقد أنه يدل تحديداً على السلالات التي تكوّن منها الشعب الغرناطي، أي أن الأسود الاثني عشر التي نراها هناك ترمز في اعتقادي إلى الاثنتي عشرة قبيلة التي كانت تستوطن مملكة غرناطة، وهو أيضاً عدد قبائل بني إسرائيل، في تواز مع حضارات أخرى، تُعتبر الحضارة الإسلامية وريثتها، ولكن النافورة تجمع عناصر أيقونية للمجتمع المسلم، وكل ما نعرفه اليوم هو أن أغلب التصورات عن نافورة الأسود ليست صحيحة، فمثلاً: ما كتب عن الأنهار الأربعة التي تولد في الفردوس، وتجتمع في النافورة نعلم أنها كتابات أتت فيما بعد، وليست إسلامية، بل مسيحية، ولهذا فما يجب استيعابه هو أن تلك النافورة رمز للشعب الناصري، ورمز لحضارة متينة، وقوية للغاية، تلقي مرساتها في ماض بعيد جداً، إنها طريقة للتعبير عن جاه وعزة الناصريين.

وفيما يتعلق بحوض النافورة الذي يحتوي على أبيات شعرية منقوشة، تحتفي بختان ابن محمد الخامس، فيمكنني القول: إن الحوض أدخل هناك قبل تشييد المبنى؛ لأنه من المستحيل أن تكون قد دخلت النافورة من إحدى الأبواب القائمة، ومنهم من قال: إن هذا يدل على نافورة قديمة كانت هناك! ولكن هذه الفرضية ليس قوية، فمن الممكن أنها أُحدثت مع نظام المياه المعقد للغاية، ثم بنيت الساحة فيما بعد.

قلتُ:

عندما زرت قصر الحمراء، وملحقاته من استراحة الزعماء، والرؤساء، وجنّة العريف، رأينا فعلًا أنها جنّة، وأنها سمّيت الفردوس المفقود، وهذا الفردوس يقتضي زرعًا، وماء، فما هي قصة الري، والزراعة، والإدارة، والهندسة الفنية لإبقاء الماء، وكيف كان الشأن هناك؟

فقال:

إن المياه هي العنصر الحيوي للزراعة، والحياة الحضرية، والحياة اليومية في الأندلس، ولهذا يستحيل تخيل الثروة الزراعية التي أنتجت هنا دون الأخذ بعين الاعتبار نظم التزود بالمياه.

وفيما يتعلق بالهندسة فيمكننا إدراك بعض الأعمال الهائلة التي تكاد لا تظهر للخارج، فمثلاً: البركة الكبيرة التي نجدها في الحمراء، التي تتلقى المياه عبر جزء من الساقية الكبرى، ويتم رفع الماء باستخدام ناعورة عمقها 19 مترًا، ومن ثم تستعمل المياه لري مجموعة من البساتين في الحمراء فوق جنة العريف، وهذا ما يجعل الحياة الزراعية متعلقة بشكل كبير بالمياه، هذه العلاقة بين الحياة الزراعية والماء تنطلق من فكرة اتحاد الحرارة بالماء، أي خلق نظام زراعي يسمح بقدرة إنتاجية أعلى بكثير من تلك التي يقتضيها المناخ المتوسطي بحد ذاته، والذي تقل فيه المياه في الفصول الحارة، ولا تستطيع النباتات متابعة نموها بنفس الوتيرة التي تنمو بها عندما تتلقى المياه، وبالتالي كل الحياة في الأندلس لا تنفصل عن الماء، لهذا فإن آلية تنظيم الأراضي من الأساس يتم انطلاقاً من المياه، ومن ثم يستحيل التفكير في أندلس ينعدم فيها الماء، وبدون الهندسة المائية التي تسمح باستغلاله، وهذه الهندسة ليست دائماً معقدة؛ لكنها هندسة ذكية جداً، بالدرجة الأولى يتحكم بها الانحدار، ويتحرك فيها الماء في ظل وجود انحدارات كافية تستعمل الناعورة لرفع الماء، أو حتى آبار الشادوف الذي يسمح بأخذ الماء عبر دلو متأرجح، وإيصاله للأراضي أو الحمامات مثلاً، أعتقد أن الذي يذهل العالم ويدهشه هو فن، وعبقرية، واحتراف هندسة المياه التي أسّسها المجتمع الأندلسي.

قلتُ:

الناس تركز على الجانب المعماري، والهندسي، والفني، والزخرفة، وتنسى مكتبات الأندلس التي عرفت بها، من مكتبات عامة، ومكتبات خاصة، ونظام الإعارة، فهل من الممكن أن تعطينا فكرة عن الكتب؟ والورق؟ والمكتبات؟

فقال:

كما أن مزاولة الأعمال التجارية كانت أساسية في الأندلس، فإن الحضارة المكتوبة كانت كذلك مهمة جداً، وبالتالي فإن انتقال المعلومة عبر الكتابة كان أساسياً، وقد كانت مجموعات الكتب متاحة في المكتبات، ما سمح ببقاء وتطور هذه الحضارة، فكان هناك تكوين ثقافي كثيف للغاية، مع أنه كان لأقلية قامت بإيصال الحضارة عبر الكتابة، وعبر الثقافة الشفهية، فالمكتبات كانت حيوية جداً، كالمكتبات في المساجد أو المدارس.

قلتُ:

وماذا عن قصة محرقة الكتب تلك المحرقة الكبيرة التي حدثت في باب الرملة؟

فقال:

كانت الكتب ركناً رئيسياً للقيام بالتعليم، وإيصال هذه الحضارة، فأقيمت محرقة كبيرة للكتب في ساحة الرملة؛ لأن سيزنيروس كان يظن أن أغلبية الكتب كانت كتباً دينية، وفي الحقيقة كان هناك عدد كبير من الكتب الدينية؛ وكتب في شتى المواضيع، أعتقد أن محرقة الكتب تنم على قلة الفهم، وعدم قدرة حضارة على استيعاب قيم حضارة أخرى، وهذا أمر حزين جداً، وينم عن عدم تطور إنساني، وحضاري.

قلتُ:

وجود التداخل والتعايش الديني، المسيحي، والإسلامي، وقليل من اليهود، هل أثر سلباً أو إيجاباً على الجانب الفني، والجانب المعماري، وعموم فكرة النهضة، في هذه البلاد الأندلسية؟

فقال:

التعايش وكل ما يمكن اعتباره تبادلاً لمبادئ ثقافية مختلفة يكون ذا تأثير جيد جداً، فقبول الاختلاف أمر أساسي لتطور الثقافة في المجتمعات الإنسانية، وفي الأندلس كان هناك تطور والتقاء مهمان جداً للثقافات المتنوعة، وهذا ما نراه بوضوح شديد في مملكة غرناطة؛ لأنها مملكة يمكننا وصفها بالعالمية، وهي في الوقت نفسه لم تفقد هويتها الإسلامية، ولهذا فهي تدمج ما هو شائع بما هو استثنائي، وتسمح بثروة من الآراء، والمظاهر الثقافية منقطعة النظير، ولكن هذا لا يعني أن الخلاف والمشاكل كانت منعدمة، بل كانت هناك مشاكل، وصعوبات، والرأي العام لم يكن مائلاً للخلافات، بل كان يتجه نحو التوافق، والحوار، والتعايش بين شتى الثقافات، وكان لكل ثقافة دور محدد تقوم به، فاليهود مثلاً كانوا متخصصين في الشؤون المالية، وتدبير المال، والثروة، بينما ركز المسلمون على التجارة، أما النصارى الذين كانوا يتعايشون هنا فكان لهم مكانهم الخاص.

وهل حدثت مشاكل؟ بدون شك.

وهل ظلت هذه المشاكل كامنة زماناً طويلاً؟ نعم بدون شك.

وهل تبلورت أفكار متشددة في جماعات سياسية معينة؟ نعم بدون شك.

لكن الرؤية العامة كانت تدعو للتعايش السلمي، وإغناء الفكر بين الثقافات في مجتمع إنساني تلعب فيه التجارة دوراً محورياً، فلأجل ازدهار التجارة لا بد من ازدهار السلام.

قلتُ:

هل من تقييم عام لحضارة المسلمين في الأندلس، وهل هي مبالغ فيها بحسب ما يتكلم مناصروها، أم أن هذه هي الحقيقة؟

فقال:

أعتقد أنه من المستحيل فهم إسبانيا دون الأخذ بعين الاعتبار تاريخ الأندلس، أي أن إسبانيا هي نتيجة للثقافة الأندلسية، وعلى الرغم من أننا ورثة مباشرون للحضارة الغربية، فإن حضارتنا الغربية متأثرة كثيراً بسنوات الهيمنة الأندلسية، أي أن القرون التي كان فيها الأندلس واقعاً سياسياً، ووجدت على شبه الجزيرة الإيبيرية، وبالتالي فهذه الآثار ليست فقط تلك المعالم التاريخية التي حفظت، ولم يتم هدمها كقصر الحمراء في غرناطة، والخيرالدا في إشبيلية، ومسجد قرطبة، وما إلى ذلك، بل هي أيضاً شبكة المناظر والمظاهر التي تحيط بنا كقلال الماء، وإنتاج زراعة مسقية مهمة جداً، والهندسة المائية التي قاموا بها، وحتى الأمر الذي يمكن أن يبدو قليل الأهمية؛ ولكنه مهم وهي لغتنا، فلغتنا على الرغم من أصلها اللاتيني، إلا أنها مليئة بالكلمات العربية، ومليئة بالعبارات الخاصة بالعالم العربي، ثم هناك تقاليدنا التي عرفت تعديلات؛ ولكنها تحتفظ بقواعدها الأندلسية، ولهذا فأنا أعتقد أنه لا يمكن فهم إسبانيا دون الأخذ بعين الاعتبار تاريخ الأندلس.

قلتُ:

سؤالي الأخير: ماذا بقي من تراث وحضارة الإسبان المسلمين بعد أن طردوا؟ وهل الإسبان يعترفون حاليًّا أم يتنكرون لجهد المسلمين في الحضارة على أرضهم إسبانيا؟

فقال:

أظن أن هناك تقدماً مهماً في الأعوام الأخيرة فيما يتعلق بمعرفتنا للثقافة الأندلسية، وهذا يعني تفاهماً أكبر مع العالم العربي، ليس فهماً عاطفياً فقط، بل هو فهم ناتج عن الفكر العاقل، لقد جلبت الثقافة العربية الرخاء والتقدم لشبه الجزيرة الإيبيرية، وخلقت عالماً لم يشهد من قبل، صحيح أنه اليوم ليس مجتمعنا المعاصر؛ ولكننا ورثة ذلك المجتمع بثقافاته الإبداعية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى