وياكم 2016

وياكم 2016 الحلقة السادسة عشر الدين والجمال

الدين والجمال

(إن الله جميل يحب الجمال).

كلمة محمّدية نورانية، قالها النبي صلى الله عليه وسلم ليعطي الخلود لمعنى الجمال في الدين، وهو تصحيح لتلك الصورة القاتمة، والمخلوعة على الدين، الذي صُوّر بالعبوس، والتقطيب، والانسحاب من الحياة، والجدية الدائمة في كل شيء.

أحببتُ أن أتكلم في هذا الموضوع في زمن ظهر فيه الدين في صورة الدم، والقتل، بسبب أخطاء كثيرة ليس هذا مجال شرحها، إلا أن المهم هو تصحيح المفهوم في طرح الرؤية الصحيحة للدين.

من الأندلس الإسبانية، ومن غرناطة تحديدًا، ومن بيت أندلسي من أيام الخليفة محمد الذي سلّم الأندلس، ومع فنان تشكيلي إسباني، أندلسي الأصلي اسمه: علي قاسم، كان لي هذا الحوار:

قلتُ:

بما أنك فنان تشكيلي، متى بدأت علاقتك بالفن، وشعورك الفني؟

فقال:

في الحقيقة، كثيرًا ما أسأل نفسي هذا السؤال، فإذا بحثنا عن الأصل، أظن أن العلاقة بدأت منذ أن كنت صغيراً جداً، حيث كنت مولعاً بالجمال منذ نعومة أظافري، سواء الجمال المرئي، أو الحسي الذي يتجلى في شتى المظاهر، والحاجة الفطرية للتعبير عن هذا الجمال، واستيحاؤه، وتحويله من نفسي إلى مسلك، خصوصاً أنني مؤمن بمحاولة الوصول إلى ذلك الجمال ومعايشته كطريق موصل للجمال الإلهي، ولذلك أتقدم برؤيتي لهذا الجمال، وأحاول منحه لمن يمكنه أن يقدر الفن الذي أهبه إياه.

قلتُ:

هل لفرقة الروك الغنائية التي كنتَ عضوًا فيها في شبابك علاقة في دفعك للفن، حتى بعد تدينك، وإسلامك؟

فقال:

لا أظن أن لمروري في مرحلة من حياتي بالموسيقى علاقة بذلك، ربما في شبابي كنت أعتقد ذلك؛ ولكني الآن أرى أنه لم يكن للموسيقى أثر بارز فيما يتعلق بالتعبير الفني بحد ذاته.

من المحتمل أن طريقة تعبيري الفني الوحيدة هي عبر الرسم، والفن التشكيلي.

كذلك مر بذهني الشعر؛ لأنني أعشق الشعر، فكنت منفتحاً على أنواع مختلفة من الفن بما في ذلك الشعر، ولذلك لا أظن أن فرقة الروك كانت ملهمة لي دون التركيز عن الجانب الأخلاقي، ولكن من وجهة نظري لم يكن لمروري بالفرقة تأثير على خياري الروحي، وتلبيتي نداء الإسلام.

ثم إنني أعتقد أن فحوى الإسلام ليست في وضعه كاسم يميزك عن الناس، بل في حال وجدانك، وإيمانك بما جاء به، وبذلك يكون هذا الحال الوجداني الذي تجده، أو الذي يسوقك الله إليه هو ديننا الإسلامي الذي يقوم بدور المصفاة التي تجعلك تقيّم، وترى الوجود بطريقة أخرى.

فعلى سبيل المثال: الموسيقى بالنسبة لي دون التوغل في أقوال المذاهب الفقهية المختلفة التي تجتهد وتقول بجوازها أو حرمتها، بالنسبة لي لم أقصد ترك الموسيقى؛ ولكن الحال الوجداني الذي أعطاني إياه الإسلام جعلني أقترب من أنواع موسيقية مغايرة أكثر عمقاً من خلال تلاوة القرآن، والتمعن فيه، وهكذا تركت جانباً بعض المعايير في مفهوم ربما كنت أقبلها من قبل، لكنها الآن أصبحت لا تصلح لي، فما زلت أسمع الفن من خلال الموشحات، والأناشيد، وأستحضر من خلالها عظمة الإله.

قلتُ:

وما هو نوع الفن الذي أنت مختص فيه، ومهتم به؟

فقال:

أنا رسام تشكيلي، أقدّم أو أمثّل الواقع من زاوية رؤية شخصية، فأنا أفهم وأعتقد أن الواقع يمر من خلالي، ولهذا ففني فن تشكيلي واقعي، أحاول من خلاله استحضار لحظات معينة، تشعرني بشيء مختلف، ليس الجمال الطبيعي فقط، بل هو أمر لا يمكن توصيفه، شيء يهزني، ويرتقى بي، لهذا أحاول مشاركته عندما أرى صورة، أو منظراً، فأقوم بتمثيله، ورسمه، وتقديمه لمن بإمكانه تقديرها.

قلتُ:

هناك صورة ذهنية عند كثير من الناس أن الدين مبني على قيم ثابتة، وأوامر، ونواهي، وحلال، وحرام، ومكروه، وافعل، ولا تفعل، والفن، والإبداع يحتاج إلى انطلاق، وكسر للقيد كي يبدع الفنان! فهل تريد بطريقتك هذه تديين الفن؟ وأسلمة الفن؟ وتقييد الفن بتدينك؟ ألا يقيد ذلك من انطلاقك؟ ومن إبداعك؟

فقال:

الإسلام بالنسبة لي أعتبره تطوراً داخلياً، وتحولاً نحو الأفضل والأرقى، كما أنني لم أسلم بالأمس، بل أعيش كمسلم منذ سنين عديدة، وهذا له دور في تكوين قناعاتي، ولهذا لم أبتعد تماماً عن الفن؛ ولكنني ابتعدت عن أنواع منه لا تتماشى مع معاييرنا الشرعية، والأخلاقية، ولهذا فعند تقييم مدى جواز شيء ما شرعاً، فإن فهمي يتولى ذلك لأحكام ديني، وحالي مع الله، والأمر نفسه يحدث معي في الحقل الفني، والتشكيلي.

شخصياً أنا أفضل رسم الطبيعة، والمناظر الخلابة أكثر من رسم صور الناس، وهذه الأفضلية ليست لأني أعتمد على آراء مذهب فقهي ما؛ ولكني أثق في إيماني الذي يدلني على الحقيقة بشكل فطري دون تعقيد الأمور بما يتوافق مع عقيدتي، وهذا على الأقل من منظور شخصي يجعلني لا أعاني من نزاعات فكرية داخلية، أو تناقضات خارجية، قد تدفعني للعيش في صراع التمييز بين الحرام والحلال. أعتقد أن رسوماتي إن كانت تعكس جمالية فهي حلال، لأن كل ما هو جميل يتوافق مع ديني فهو حلال، وبكل تأكيد كل ما هو غير أخلاقي فهو حرام؛ وهذه الحدود لا أضعها أنا، بل هي التي تضع نفسها بشكل طبيعي، هي آلية يمنحها لي الإسلام، ويجعلني أعرف ببساطة ما يجب فعله، وما يجب تركه، فمثلاً: إذا رجعنا إلى الماضي قبل دخولي الإسلام تركت العزف؛ ولكني لم أفعل ذلك لأني اعتنقت ديناً بشكل أعمى، ومتعصب، بل كانت ببساطة عملية تحول أعطتني حالة انسجام داخلي تلاشت على إثرها الموسيقى تلقائياً من حياتي، فلم أحتقر الموسيقى جملة، بل احتفظت بتلك التي ترتقي بي، ومن البديهي أنني لن أستمع لموسيقى يرفضها إسلامي، أو موسيقى ذات كلمات غير أخلاقية، أو ساقطة، أو تذكر الخمر، وكل ذلك يذهب، ويبتعد عنك إذا تعاملت مع أحكام الدين بالفطرة، فتلك المكونات السلبية، أو التي لا تتوافق مع عقيدتك، سوف تتلاشى تلقائياً لأنك ترفضها، فأنا قبل إسلامي وبعده لم أقدم أعمالاً فنية بلا قيمة إنسانية، أو يمكن اعتبارها حراماً، وربما كانت الطريقة التي تتوافق مع ميولي الفنية هي الرسم التشكيلي الواقعي، وما زلت أقوم بذلك للتعبير عن ذاتي.

قلتُ:

كل إنسان صاحب صنعة أو هواية يحب أن تنتشر هوايته، فهل تشجع الشباب العربي، والمسلم على الانخراط، وممارسة الفن، والتعرف عليه؟

فقال:

بالتأكيد، فأنا أشجع كل الشباب المسلم الذي يكتشف في نفسه موهبة فنية أن يتناولها، ويطورها، ويستخدمها كطريقة دعوية، نعم كطريقة تمثل الجمال؛ لأن الجمال تصور راق من الله سبحانه وتعالى، ومن المناسب دوماً أن نتقاسمه، ونعكسه في مجريات حياتنا.

قلتُ:

أنت ترى اليوم أن المعركة العسكرية يسبقها أو يوافقها أو يلحقها معركة إعلامية أوسع، فكلنا رأى ماذا يصنع الكاريكاتير، وكيف يستغني الناس به عن آلاف الكتب! انظر ماذا صنعت الموناليزا؟ انظر ماذا فعلت الصور الساخرة بالأنبياء؟

فأنت كرسام تستخدم اللوحة، والريشة، والرسم، هل ترى أن هذا جهاد؟

فقال:

نعم وبكل ثقة، لهذا أعتقد أنه يجب على كل شاب أو شابة يكتشف في نفسه موهبة فنية، سواء كانت شعراً، أو نثرًا، أو رسمًا، أو أي شكل من أشكال الفن، يجب أن يدرسها، ويهيئ نفسه لإنجازها، وعرضها؛ كي تستفيد منها البشرية، فبرسم لوحة واحدة تعكس الطبيعة، أو أي شكل هندسي، يمكننا قول أشياء كثيرة تكشف الجمال أو القبح، ولنا مثال فيما حدث في فرنسا مند شهور، أو في خبر قرأته منذ أيام عن ممثلة أميركية زارت إشبيلية، وقامت بارتداء الزي التقليدي الذي يضعه المسيحيون على تماثيل مريم العذراء، وهذا لم يحدث في بلد آخر، بل في إشبيلية القريبة، وهي مدينة ذات هوية مسيحية قوية، فقامت الدنيا عليها، ولا نعلم إن كانت فعلت ذلك استهزاء بالدين أم لا؟

ولكن في المقابل هناك من قام بتنظيم حملة عالمية دفاعاً عن رسامي فرنسا، وصحيفة شارلي المسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم!

لهذا أعتقد أن هناك الكثير من التباين أو النفاق في مسائل كهذه.

قلتُ:

الفنان ينظر للحياة بنظرة غير نظرة الناس العاديين؛ لشفافيته، وملاحظته، واستشعاره، والقرآن الكريم كتاب بلاغي، وتصويري أيضاً، والصور الفنية في القرآن كثيرة جدًّا، بل إن بعضهم تجرأ وقال: حركة الكاميرا في قصة يوسف، وفي قصة موسى (تجوزاً)!!

أنت كفنان مسلم أندلسي إسباني عندما تقرأ القرآن كيف تتفاعل معه؟ ألا يعطيك إيحاء معيناً؟

فقال:

هو أسلوب لخلق رؤية أو مشهد عبر الكلمات، وطريقة استخدامها، وهذا يؤكد عندي على حاجة الإنسان لخلق مشاهد محسوسة، وفي هذه الحالة يخلق الله تعالى ذلك فينا عبر الأدب، وعبر كتاب يصف شخصيات، وأماكن، ومجالات، كالجنة مثلاً، فالله تعالى يصف الجنة، ويقربها من أفكار الإنسان المحدودة في هذا العالم.

كذلك السنة فإنها تصف لنا بيت النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومسجده، وشمائله، وهذا يؤكد حاجة الإنسان للمشاهد المحسوسة، وفي هذه الحالة يتعلق الأمر بوصف أدبي؛ لكنها تتحول في أذهاننا إلى مشاهد محسوسة، وهذا نوع آخر من التصوير التشكيلي، وفي أي نوع من الأدب يتحول أي وصف مسرود بشكل دقيق ومفصل عن شخص ما، أو مكان ما، يعتبر في حد ذاته وكأنه شكل منظور؛ لأن العقل سيتكيف معه، ولهذا أقول: إن الرسم يأتي بذلك الإحساس بشكل مباشر، ويعكس الشكل عبر الفن التشكيلي الواقعي، في حين أن الكلمة تخلق وصفاً آخر، وهي صورة نحتاج إليها، ويقوم ديننا بتقديم معايير، وقوانين، وحدود نتحرك داخل إطارها.

قلتُ:

لو سألتك ما هي أقرب الأعمال الفنية إلى قلبك؟ ولماذا؟

فقال:

إنها جميعها كأبناء صغار لي، فلا أعلم أي الأعمال أجمل، وأيها أختار؟ هل الأصغر أم الأقدم؟  فلوحاتي كأبنائي الصغار كلها قريبة مني، وبما أن الرسم لغة في حد ذاته، فإن كل فنان يحاول التعبير عن مفهوم محدد يشعر به هو دون سواه، وأنا أميل لمفاهيم سهلة الهضم، أو سهلة الفهم، لدى غالب الناس، سواء كان شخصاً أكاديمياً أو بسيطاً، ولهذا فقد أجد نفسي في الميول الفنية من خلال الفن التشكيلي الواقعي، فأتعايش مع مكونات أكثر من لوحة على أنها مكنونات نفسية أتعايش معها، وربما يقع اختياري على تلك اللوحات التي رسمتها؛ لأني مررت في مكان ما، وأحسست بنداء الجمال في ذلك المكان يدعوني للرسم، وأشياء أخرى تجعلني أحاول تصوير المكان، وقد أقترب من واقعية تصويرية؛ لأنه في ذلك المكان بالتحديد سواء أكان منظراً طبيعياً، أو شارعاً، أو ناحية من مدينة، فإنني أستشعر شيئاً يناديني، ويدفعني لكي أقوم برسمه، وبالتالي لا أختار لوحة واحدة، بل لوحات عدة، وليس مكاناً فحسب، أو موضوعاً فحسب، وإنما أختار كل ما يمكنه أن يلهمني التعبير عن إحساسي، ولو اخترتُ لوحة، لكانت المناظر الطبيعية هي الأقرب لنفسي.

قلتُ:

أنت ابن الأندلس، وتلحظ المعمار، والفن، والزخرفة، وحتى الحروف الأندلسية، والرسوم، فهل لاحظت أن لهذا الأدب، والفن الأندلسي أثرًا في الحضارة العالمية؟

فقال:

إذا تكلمنا عن الفن الأندلسي فقد كان متنوعاً، وممزوجاً، ومنفتحاً إلى مدى بعيد، ولذلك يصعب تحديد الفن الأندلسي – على الأقل بالنسبة لي – يصعب علي تحديد وصف الفن الأندلسي، والفن الإسلامي عموماً، على أساس أنهما نوع من الفن القومي، وأقول هذا لأن الفن داخل النطاق الجغرافي، والتاريخي الذي وجدت فيه، فالأندلس كان فيه نصارى ويهود يعيشون داخل المجال الجغرافي للأندلس، وفنّهم يعتبر فناً أندلسياً إسلامياً، ولهذا يمكن اعتبار الهندسية المعمارية لكنائس النصارى، ومعابد اليهود الذين عاشوا في الأندلس، فناً إسلامياً، ليس هذا في الأندلس فحسب، بل هو كذلك في كازاخستان، وفي غيرها من البلدان التي فيها تعايش مع ديانات، وعقائد أخرى، وبالتالي يصعب على أحد حل شيفرة الفن الأندلس، وقد يكون ذلك لأنني ولدت وترعرعت في أرض يوجد فيها قصر الحمراء، وهذه البيوت الموريسكية كالذي نتواجد فيه، أرض يصعب فيها ذلك أيضاً على الشخص الإسباني الأندلسي غير المسلم؛ لأن شواهد تاريخ الأندلس لا توجد فقط في جنوب إسبانيا، فكثيراً ما يكون الشخص الإسباني أو الأندلسي أو الغرناطي غافلاً عن ذلك الإرث الإسلامي الذي نملكه، وتلك الثروة التي منحنا إياها الأندلس في الحقل الفني، والمعماري، وحتى في الأطعمة، والفولكلور، كل ذلك ما زال كامنًا هنا، ومن المحتمل أن يكون لكل ذلك تأثيرات على تكوين شخصيتي منذ نعومة أظافري، وأن يكون طريقاً، واتحاداً لعوامل جعلتني أعتنق الإسلام، وأنطق الشهادة؛ لأنني كنت محاطاً بالأندلس، ومحاطاً بالإسلام، فالفنان مدرك واع بطبعه، وقد يكون هناك دور لطبيعة حسي الفني ليس فقط تجاه الجمال، بل تجاه ما هو رباني، فأنا كنت مؤمناً دائماً، لم أرتبط بدين محدد، حتى زمن معين ساقني فيه الله سبحانه وتعالى إلى الإسلام.

أعتقد أن تنوع الفن الإسلامي الفائق، واتساعه، يجعله يحتوي الكثير ليس فقط في المجال المعماري، وفي الصناعات التقليدية، والأطعمة، بل يحتوي الكثير من المجالات.

قلتُ:

المسلم يدين بدين عالمي، فالله رب العالمين، والقرآن ذكر للعالمين، والرسول صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، فهو دين عالمي، وهذا الدين العالمي يهتم في الرحمة بمطلق الإنسان، والسؤال: أليس للفنان المسلم نزعة إنسانية يهتم فيها بالكوارث؟ ودمعة اليتيم؟ والمشرد؟ أليس للفنان أن يوجه جهده، وريشته في ذلك؟

فقال:

الفن لغة أخرى، ولكونه كذلك فيمكن استعماله كأداة ليس فقط للتعبير عن الجمال، بل يمكن تطويع الفن ليكون أداة للاحتجاج، والنقد، والدعوة، والكفاح، من أجل الوعي، وتعزيز العدالة، وهذا ما أقوم به، فلا شك أنه يمكن استعمال الفن كأداة لنقد الظلم، والفن بالنسبة لي لا يقتصر على التعبير عن ذلك الجمال الخالص والبسيط، بل هو أيضاً أداة لمحاربة الظلم الاجتماعي، فمثلاً: أعتقد أنه من الواجب استعمال الفن كأساس للنقد على الأصعدة المحلية، والعالمية، نعم ربما يلزمنا فعل ذلك أكثر، وبالمناسبة فقد راود ذهني القيام ببعض الأعمال التشكيلية التي تتطرق لبعض الأحداث، كمعاناة إخواننا في فلسطين، وسوريا، والشيشان، وبورما، وبلدان أخرى، ومنذ زمن وأنا أفكر في القيام بأعمال لا تركز على تلك المناظر الجميلة القروية التي ذكرناها آنفاً، بل تركز أكثر على النقد تجاه الظلم، والاضطهاد، وأشكال كثيرة من الاعتداء السلبي، والشرير على البشر، ولعلي أفعل ذلك قريبًا بإذن الله تعالى.

قلتُ:

لا يمكن أن يكون الإنسان فناناً من غير أن يكون في قلبه حب، ولكن أي حب؟ فالحب هو الدافع الأول لدفع الإنسان للإنجاز، فكيف بالفن؟ وكيف يمثل عندك الحب في الفن؟

فقال:

الحب واحد، ويجمع كل أنواع الحب الزوجي، والأبوي، وأي مشاعر جميلة تجاه أي شيء، فالحب يسع كل شيء، وهذا صحيح عند كل البشر مسلمهم، وكافرهم، فهو الشرارة التي تبعث في القلب خفقانه، والحب هو الله سبحانه وتعالى، فالله في كل القلوب المحبة، وربما كان انشغالنا بسراب هذه الدنيا الذي يفقدنا عقلنا، ويحيرنا، يجعل من الصعب علينا إدراك هذا المفهوم الطاهر، فهي دنيا مظاهر تخلق حاجزاً، وغشاوة تغلف القلب، وتقسيه، ومن السهل الاعتماد على الحب لصقل ذلك، والعثور على الذات، والحب كلمة صغيرة؛ ولكنه مفهوم شاسع، وعالمي، فالله تعالى خلق بالحب هذا الكون بكل منظومته، وهذه الحياة، ومفاهيم الإنسان التي تنبع من الداخل إلى الخارج.

سؤالك قد يبدو سهلاً وبسيطاً؛ لكنه في الوقت نفسه كبير للغاية، فالحب هو ما يجعل العالم ما زال قائماً، والأرض ما زالت تدور في مسارها، وهذا هو الحب بالنسبة لي شخصياً، ونظراً لحسي الفني فإني أرى التعبير عن ذلك عبر الرسم واجباً؛ لأن الحب يحيط بنا، ونجده في دواخلنا، وخارجنا، فالحب أساس الوجود، ومن يؤمن بالله الواحد الأحد سبحانه وتعالى، يجب أن يؤمن أن الحب ملك لجميع البشر، سواء أكانوا مسلمين أم لا.

قلتُ:

أنت إسباني من مواليد غرناطة، وتحب غرناطة الأندلسية، ولا تحب أن تخرج منها إلا لضرورة، وغرناطة مدينة فنية عالمية، يأتي إليها السياح بالملايين.

كيف ترى غرناطة في سنواتها الأخيرة؟

فقال:

ربما لكوني ابن مدينة غرناطة التي عشت فيها طوال حياتي، أدّعي أن غرناطة فريدة تذهب بالألباب، وربما تجعل الكثيرين يستسلمون لها، وهي مدينة متعددة الأصول، والأنساب، والأعراق، فكثيرون هم الذين جاءوها من أماكن شتى بنية عبورها بشكل مؤقت؛ ولكنهم تعلقوا بها، ومكثوا فيها طوال حياتهم، أعرف الكثير من هؤلاء الذين يقطنون غرناطة وهم من دول وأماكن مختلفة. ثم إن غرناطة تملك شيئاً يمسك بك، كما يقال هنا في الأندلس: شيء يجعلك تمكث فيها، وتتشبث بها، ربما لا أكون مدركاً للتحولات التي مرت بها غرناطة؛ لكوني ابنها، فاليوم هناك تطور تكنولوجي، وطبي، وما زالت غرناطة تنمو ببنيتها التحتية، وبناياتها، وعمرانها، وهندستها، وما إلى ذلك، وفي الوقت نفسه أشعر بقلة إدراكي لأسرارها بسبب صغر سني.

في العقدين الأخيرين رأيت نوعاً من التدهور على صعيد أعمق، وأدق أثّر على ذلك الجمال الخالص، فمنذ عهد كان الأدباء الرومانسيون يأتون لغرناطة فيمجدونها؛ ولكن منذ عشرين أو خمسة وعشرين سنة وحتى الآن أصبحت أشعر بألم تراجع بعض قيمها، على الرغم من التطور المحسوس الذي ذكرته! ربما فقدت غرناطة جزء من وهج نورها، وجمالها، ذلك الجمال الذي طالما تغنينا به، وتكلمنا عنه، ومع كل ما قلت، ويقال، فغرناطة ما زالت عظيمة، وأشجع الجميع على زيارتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى