مقالات

أقانيم الإله!

إلقاء نظرة على عقيدة الثالوث المسيحية

ومناقضتها للتَّوحيد الذي يزعمونه

لَعَلَّ مِن سُوء حَظّ الدِّيانة المسيحية أنَّها خرجت عَن اليهودية، وكانت مُعاصرة للعقائد الوثنية، وجاء بعدها الإسلام. وهكذا ظلَّت المسيحية في مُقارنات دائمة بينها وبين هذه الأطراف الثلاثة: اليهودية، والوثنية، والإسلام. هذه المُقارنات جعلتنا قادرين، وبدقَّة، على فَهْم العقائد المسيحية، وتصوُّر موقفها الدَّقيق من العقائد الأخرى، سواء في أوجه الاختلاف أو الشَّبه.

لا شكّ أنَّ عقيدة الثَّالُوث المسيحية تُعتبر العقيدة المسيحية المركزية([1])، أو قاعدة الإيمان بالنِّسبة لِكُلِّ العقائد المسيحية الأخرى (وأهمَّها: التَّجسُّد، والصَّلْب والفِداء). فإيمان المسيحي بالثَّالُوث هو إيمانه بالإله الحقيقي المُسْتَحِقّ للعبادة.

وبالرَّغم مِن ادِّعاء المسيحيين بأنَّ المسيح عليه السَّلام هو مصدر تعليم عقيدة الثَّالُوث، إلَّا أنَّ الفَحْص التَّاريخي للتُّراث المسيحي يدُلّ على أنَّ عقيدة الثَّالُوث، كما تمَّ شرحها في عَصْر المجامع المسكونية (القرنين الرابع والخامس الميلاديين)، لم تكن موجودة مُنذ القرن الأوَّل الميلادي، ولَم يُعلِّم بها المسيح عليه السَّلام، ولا تلاميذه، ولا حتى بولس نفسه. وأنَّ العقيدة المسيحية في الإله بدأت بما كان عليه اليهود، ثمَّ تأثَّرت بعقائد الوثنيين، فتطوَّرت عبر القُرُون، حتى وَصَلَت إلى ما كان عليه آباء الكنيسة في عَصْر المجامع المسكونية.

 العقيدة اليهودية في الإله، والتي كانت موجودة بالطَّبع قبل المسيح عليه السَّلام، ومُعاصرة له، عبارة عن وصِيَّة إلهية. وَصَفَهَا المسيح نفسه بأنَّها: “أَوَّلَ كُلِّ الْوَصَايَا”، وهي: “اسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ. الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ” (إنجيل مرقس 12 / 29). في إشارة إلى النَّص الموجود في “توراة موسى” (حسب اعتقاد اليهود)، في سفر التثنية (6 / 4).

هذا النَّصّ يَصِف العقيدة في الإله بشكل دقيق جداً، لأنَّه حسب فلسفة المسيحيين واصطلاحاتهم فيما يخُصّ الكلام عن الإله، نجد أنَّهم يستخدمون كلمتين في غاية الأهمية. الكلمة الأولى هي: الجَوْهَر، للدَّلالة على الجِنْس أو النّوع.([2]) والكلمة الثانية هي: الأقنوم، للدَّلالة على الشَّخص أو الكائن. ([3]) وبالتالي حسب العقيدة اليهودية في الإله، نستطيع أن نقول إنَّهم يؤمنون بـ “أقنوم” إلهي واحد، من “جوهر” إلهي واحد.

هذه العقيدة اليهودية في الإله مبثوثة في كتابهم المُقدَّس، “التَّناخ” (بالوصف اليهودي)، أو “العهد القديم” (بالوصف المسيحي)، وإليكم بعض هذه النُّصُوص على سبيل المثال:

   سفر الخروج 20 / 1-3: (١ ثُمَّ تَكَلَّمَ اللهُ بِجَمِيعِ هذِهِ الْكَلِمَاتِ قَائِلاً: ٢ أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ. ٣ لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي.)

سفر التثنية 5 / 6-7: (٦ أَنَا هُوَ الرَّبُّ إِلهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ. ٧ لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي.)

وهكذا نستطيع أن نختصر هذه العقيدة في الإله، بعبارة: “الله واحد”، والذي يوافق الإيمان بـ “إله واحد”، في إشارة واضحة لِعَدَم وُجُود تعدُّدِيَّة في الإله، فهو “جوهر واحد”، و “أقنوم واحد”، فعندما نتكلَّم عن الإله، لا نستخدم إلَّا الرقم واحد. وإليكم بعض النُّصُوص على سبيل المثال:

مرقس 12 / 32: (اللهُ وَاحِدٌ وَلَيْسَ آخَرُ سِوَاهُ.)

رومية 3 / 30: (لأَنَّ اللهَ وَاحِدٌ)

كورنثوس الأولى 8 / 4: (وَأَنْ لَيْسَ إِلَهٌ آخَرُ إِلاَّ وَاحِداً.)

كورنثوس الأولى 12 / 6: (وَلكِنَّ اللهَ وَاحِدٌ، الَّذِي يَعْمَلُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ.)

غلاطية 3 / 20: (وَلكِنَّ اللهَ وَاحِدٌ.)

تيموثاوس الأولى 2 / 5: (لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ)

يعقوب 2 / 19: (أَنْتَ تُؤْمِنُ أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ. حَسَنًا تَفْعَلُ.)

أيضاً بخُصُوص العقيدة اليهودية في الإله، نجد أنَّ اليهود يَدْعُون الإله باسم: “الأب”. وهكذا يعتقد اليهود أنَّ الإله هو “أبوهم”، وأنَّهم أبناء الله، وقد ورث المسيحيون هذا المفهوم من اليهود([4])، ويُطلقون على الإله اسم: “الآب”، بالمَدّ، في مُحاولة بائسة للابتعاد عن أيّ معاني جنسية تناسلية، ولكنَّهم في الحقيقة يقصدون الكلمة الإنجليزية (Father)، ويقصدون معاني الأُبُوَّة، والتي فيها من معاني الرُّبُوبية. وإليكم بعض النُّصُوص على سبيل المثال:

الخروج 4 / 22: (هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ: إِسْرَائِيلُ ابْنِي الْبِكْرُ.)

أشعياء 63 / 16: (أَنْتَ يَا رَبُّ أَبُونَا، وَلِيُّنَا مُنْذُ الأَبَدِ اسْمُكَ)

أشعياء 64 / 8: (وَالآنَ يَا رَبُّ أَنْتَ أَبُونَا. نَحْنُ الطِّينُ وَأَنْتَ جَابِلُنَا، وَكُلُّنَا عَمَلُ يَدَيْكَ.)

ملاخي 2 / 10: (أَلَيْسَ أَبٌ وَاحِدٌ لِكُلِّنَا؟ أَلَيْسَ إِلهٌ وَاحِدٌ خَلَقَنَا؟)

يوحنا 8 / 41: (لَنَا أَبٌ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ.)

يوحنا 8 / 54: (أَجَابَ يَسُوعُ: أَبِي هُوَ الَّذِي يُمَجِّدُنِي، الَّذِي تَقُولُونَ أَنْتُمْ إِنَّهُ إِلهُكُمْ)

يوحنا 20 / 17: (قَالَ لَهَا يَسُوعُ: إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلهِي وَإِلهِكُمْ.)

كورنثوس الأولى 8 / 6: (لكِنْ لَنَا إِلهٌ وَاحِدٌ: الآبُ الَّذِي مِنْهُ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ لَهُ.)

وهكذا نستطيع أن نقول إنَّ هذه العقيدة اليهودية في الإله: “الله واحد” أو “الإيمان بإله واحد”، هي عن الآب في الأساس، وقد أيَّدها المسيح عليه السَّلام، وعلَّمها. فنجد في إنجيل متى 11 / 25: (قَالَ يَسُوعُ: أَحْمَدُكَ أَيُّهَا الآبُ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)([5])، ونجد أيضاً في إنجيل يوحنا 17 / 3، أنَّ المسيح عليه السَّلام يُعلن أنَّ الآب هو: “الإله الحقيقي الوحيد”.([6])

أمَّا بالنِّسبة للعقيدة المسيحية في الإله، فقد تطوَّرت عبر القُرُون الثَّلاثة الأولى للمسيحية، تأثُّراً بالعقائد الوثنية، وانحرفت عن العقيدة اليهودية في الإله، والتي تُعلِّم أنَّ الآب هو الإله الحقيقي الوحيد، لتصل لعقيدة الثالوث، والتي تُعلِّم حسب الوصف المسيحي، أنَّ الإله جوهر واحد في ثلاثة أقانيم إلهية. هذه الأقانيم الإلهية هي: الآب والابن والرُّوح القُدُس. مع تحديد علاقات وُجُودية بين هذه الأقانيم الثلاثة.

العلاقة الأولى بين الآب والابن، تنُصّ على إنّ الابن مولود من الآب، ممَّا يجعل الابن إلهاً حقيقياً مثل الآب، فالابن حصل على جوهر الألوهية بالولادة. العلاقة الثانية بين الآب والرُّوح القُدُس، تنُصّ على إنّ الرُّوح القُدُس مُنبثق من الآب، ممَّا يجعل الرُّوح القُدُس إلهاً حقيقياً مثل الآب، فالرُّوح القُدُس حصل جوهر الألوهية بالانبثاق. وهذا ما يُعْرَف عند المسيحيين بعقيدة “وِحْدَة الجوهر” بين الأقانيم الإلهية الثلاثة.

وهذا ما نقله اللاهوتي (توماس تورانس)، عن قدِّيس المسيحيين (أبيفانيوس):

«نحن ندعو الآب الله، والابن الله، والرُّوح القُدُس الله، وعندما تَنْطِق بالـ “هوموأووسيوس” (وِحْدَة الجوهر)، فإنَّك تُعْلِن أنَّ الابن هو إله من إله (بسبب الولادة من الآب)، وأنَّ الرُّوح القُدُس هو إله من نفس اللاهوت (بسب الانبثاق من الآب).»([7])

البابا (كيرلُّس الإسكندري)، المُلقَّب بـ “عمود الدِّين”، يعترف بأنَّ العهد القديم لا يُعلِّم عقيدة الثالوث، وأنَّها عقيدة خاصَّة بالعهد الجديد:

«ولهذا فإنَّه بعد الكِرازة بالإنجيل، توقَّف سُريان تعاليم النَّاموس التي كانت تعلِّم القُدماء أنَّ الله هو واحد فقط، بدون أن تتحدَّث عن الطَّبيعة الإلهية، الثلاثة أقانيم، أو عن وِحْدة الجوهر، لأنَّ هذه التَّعاليم هي التي تحدَّث عنها العهد الجديد.»([8])

نستطيع أن نقول باختصار أنَّ عقيدة الثالوث المسيحية انتقلت من القول بأنَّ “الله واحد”، وهو الآب، إلى القول بأنَّ “الله ثلاثة: الآب والابن والرُّوح القُدُس”، مع إصرار المسيحيين بأنَّهم يعبدون إلهاً واحداً، لأنَّهم يقولون بـ “جوهر إلهي واحد”، مع أنَّ الثالوث يعني عبادة ثلاثة عدداً([9])، وهو اعتقادهم بثلاثة أقانيم.

كمثال من مرجع مسيحي، يرصد هذا التَّطوُّر من العقيدة اليهودية في الإله، إلى العقيدة المسيحية في الإله، وهو الثالوث، إليكم الآتي:

«إذا ما عُدنا قليلاً إلى الوراء، نجد أنَّ الآباء في قديم الزَّمان (أنبياء العهد القديم)، كانوا يدعون الله الآب “الإله الوحيد”، لتميُّيزه عن الآلهة المُزيَّفة، وعن كثرة الآلهة عند اليونانيين. ونرى أنَّه مع تكوين الشعب اليهودي، أُعْطِي له اسم “يهوى”، وهو الأقنوم الأول الذي بدا بوُضُوح، عبر تاريخ هذا الشعب، بينما بقي الأقنومان الآخران في الظِّلّ، إلى أن جاء يسوع، في العهد الجديد، وحدثنا عن الله الآب.

… ففي العهد القديم، عندما كان يُقال “الله”، كان المُراد به الله الآب، وليس الأقانيم الثلاثة، لأنَّ الآب يملك ويُعطي كل الطبيعة الإلهية.

… وعندما يعترف قانون إيمان نيقيا بـ “إله واحد” آب ضابط الكل، خالق كل الأشياء التي ترى ولا ترى، فهو يتابع تقليد العهد القديم في التوحيد. و”الإله الوحيد” هنا، لا يعني بصراحة وبحصر المعنى، الجوهر الإلهي، بل هو الإله- الأقنوم، أي أقنوم الأب الذي كشف عن نفسه في العهد القديم. هذا الآب بحسب إيمان نيقيا، هو رأس الوحدانية، وقِمَّتها التي فيها يندرج أيضاً الابن والرُّوح القُدُس. إنَّه تصوُّر توالدي للألوهية تنبعث من الآب، وتشع بكاملها في الابن والرُّوح.»([10])

اللاهوتي الأرثوذكسي (توماس تورانس) ينقل لنا عبارة هامَّة جداً عن الثالوث المسيحي:

«ومن هُنا تَمّ قبول صيغة “ثلاثة أقانيم (أشخاصاً)” (τρεις υποστασεις)، و”جوهر واحد” (μια ουσια)، وصارت هذه الصيغة تُعبِّر عن الفهم الأرثوذكسي الصَّحيح للثَّالُوث القُدُّوس، إذ أنَّها من ناحية تتجنب فكرة أنَّ الله أقنوم واحد (unipersonal)، كما أنَّها من النَّاحية الأخرى تتجنَّب فكرة تقسيم الله إلى ثلاثة آلهة (tritheistic).»([11])

وِفْق كلام (توماس تورانس)، يُمكننا وصف عقائد الأديان المُختلفة في الإله كالآتي:

الإسلام واليهودية: جوهر إلهي واحد (monotheism)، في شخص إلهي واحد (unipersonal).

الوثنية: جواهر إلهية مُختلفة، في أشخاص إلهية كثيرة (polytheism).

المسيحية: جوهر إلهي واحد (monotheism)، في ثلاثة أشخاص إلهية (tripersonal).

ما سبق يعني باختصار، إنَّ المسيحيين لم يقفوا عِنْد قول اليهود بأنَّ الآب هو الإله الوحيد، وإنَّما زادوا عليه الابن بالولادة، والرُّوح القُدُس بالانبثاق، وهكذا وصلوا لعقيدة الثالوث المسيحية، والتي أخذت من اليهودية الاعتقاد بجوهر إلهي واحد، وأخذت من الوثنية الاعتقاد بأكثر من أقنوم إلهي واحد.

العجيب أنَّ قدِّيس المسيحيين، البابا (أثناسيوس الرَّسُولي) صرَّح بما يدُلّ قطعاً على أنَّ العقيدة المسيحية في الإله، عقيدة وَسَط بين اليهودية والوثنية اليونانية، حيث قال:

«هو ثالوث ليس فقط بالاسم وصيغة الكلام، بل بالحَقّ والوُجُود الفعلي. لأنَّه كما أنَّ الآب هو الكائن الذي يكون، هكذا أيضاً الكلمة هو الكائن والإله على الكل. والرُّوح القدس ليس بدون وجود حقيقي، بل هو موجود وله كيان فعلي. وليس بأقل من هؤلاء الثلاثة تعتقد الكنيسة الجامعة، لئلَّا تنزلق إلى أفكار اليهود المُعاصرين الرديئة – الذين حسب قيافا – وإلى أفكار سابیلیوس، كما أنَّها لا تعتقد بأكثر من ثلاثة، لئلَّا تتدحرج إلى تعدُّد الآلهة عند اليونانيين([12])

مُشكلة عقيدة الثالوث المسيحية الرَّئيسية هي القول بثلاثة أقانيم، مع الإصرار على أنَّ هذا لا يُخالف الإيمان بإله واحد، لأنَّهم يقولون بجوهر إلهي واحد. مع أنَّ القول بثلاثة أقانيم يعني عبادة ثلاثة. وهكذا حاول آباء الكنيسة على مرّ العصور، التوفيق بين الاعتقاد بثلاثة أقانيم، والإيمان بإله واحد.

على سبيل المثال:

البابا (كيرلس الإسكندري)، عمود الدين، واجه هذا السؤال كالآتي:

«إرميا: لكن إن قالوا إنه لو قبلنا بوجود ثلاثة أقانيم، فإنه سيُمكن أن نفهم حينئذٍ أن الألوهة مُثلثة (أي يوجد ثلاثة آلهة).

كيرلس: بالنسبة لنا فإن الحقيقة الإلهية تُعلِّمنا أن الأمور ليست هكذا. لأننا قد تعمَّدنا باسم الآب والابن والروح القدس، وبالطبع لا نقول إننا نؤمن بثلاثة آلهة، لكن بألوهة واحدة مُمجَّدة في الثالوث القدوس. فلماذا إذاً تتسرع مُحاولاً أن تُخضع تلك الأمور التي تفوق العقل لأفكار بشرية، تلك الأمور التي اعتقد أنه يجب أن يُنظر إليها فقط بالإيمان الخالي من كل شك؟ لأن التساؤل عن ماهية الثالوث وعن طبيعة الألوهة هو أمر غير لائق بالمرة ويدل على عدم التقوى. وعلى عكس ذلك فإن التقوى هي أن نرغب في أن نُفكِّر بطريقة سليمة كيف أننا نسجد للثالوث القدوس الإله الواحد.»([13])

كان الحلّ بالنِّسبة للبابا (كيرلُّس الإسكندري) هو ادِّعاء أنَّ هذه المسألة «تفوق العقل»، وتبعه في ذلك كل آباء الكنيسة تقريباً، فإنَّ عقيدة الثالوث المسيحية سِرّ من الأسرار الإلهية، لا يستطيع الإنسان أن يُدركه أو يصل إليه بعقله، وكما قال البابا (كيرلُّس الإسكندري)، هذه العقيدة: «يُنظر إليها فقط بالإيمان الخالي من كلّ شكّ». وهكذا أصبح تعريف الإيمان: محض التَّصديق، بغض النَّظر عن مَدَى عقلانيته أو منطقيته.

وفي هذا، القس (منسَّى يوحنا) يقول الآتي:

«ما هو السِّر بحسب تعريف الدِّيانة؟ «هو حقيقة أعلنها الله في كلمته، وهي تفوق العقل، ولذلك ينبغي أن نُصدِّقها وإن كُنّا لا نُدركها». فلا نقول أنَّ السِّر هو ما يُناقض العقل، بل ما يفوقه ويسمو عليه.»

وفيما بعد يقول الآتي:

«إنَّ الاعتقاد بسِرّ الثّالُوث الأقدس هو أعظم إكرام تستطيع الخليقة أن تُقدِّمه لله، وذلك لأنَّ الإقرار بأنَّ الله أعظم من أن يُدرك بالعقل البشري هو أعظم إكرام له. ولعمري أي سِرّ أغمض من سِرّ الثّالُوث؟ فباعترافنا إذاً بهذا السِّر نُكرِّم الله، لأنَّنا حينئذ نُضحِّي له أعظم شيء فينا وهو العقل.»([14])

والحقيقة هي أنَّ عقيدة الثالوث المسيحية غير معقولة، لأنَّها ببساطة ليست عقيدة إلهية صحيحة، فإنَّها خالفت التَّوحيد اليهودي (وكذلك طبعاً الإسلامي)، وتأثَّرت بالعقائد الوثنية، بقولها بوُجُود ثلاثة أقانيم إلهية، ولكنَّها في الوقت نفسه تُصِّر على القول بإله واحد. وهكذا أصبحت عقيدة عجيبة، وَسَط بين التَّوحيد اليهودي والتَّعدُّدية الوثنية.

الحمد لله رب العالمين


  • [1] حسب وصف الموسوعة الكاثوليكية: ترجمة عن الإنجليزية (الثالوث هو التعبير الذي استخدم للدلالة على العقيدة المركزية للديانة المسيحية – الحقيقة التي هي أن في وحدانية الألوهية هناك ثلاثة أشخاص: الآب، الابن، والروح القدس، هؤلاء الأشخاص الثلاثة متمايزون تماماً. وهكذا، على حد تعبير العقيدة “الأثناسيوسية”: الآب هو الإله، الابن هو الإله، والروح القدس هو الإله، ولكن ليسوا ثلاثة آلهة بل إله واحد”.)
  • Catholic Encyclopedia > T > The Blessed Trinity > The dogma of the Trinity http://www.newadvent.org/cathen/15047a.htm
  • [2] كيرلس الإسكندري: حوار حول الثالوث، الجزء الأول، الحوار الأول، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، نصوص آبائية 127، طبعة ثانية مُنقحة، صـ59، 60. «الجوهر هو لكل إنسان دليل على النوع، أما الأقنوم فهو يُطلق على كل واحد في ذاته، دون أن ننسى أنه يُشير أيضاً إلى شركة الجوهر ولكن دون أن نخلط بين العام والخاص.»
  • [3] الأنبا بيشوي، من أشهر آباء الكنيسة القبطية الأرثوذكسية المُعاصرين، يُعرِّف الأقنوم كالآتي: «كلمة أقنوم باليونانية هي هيبوستاسيس، وهي مكونة من مقطعين: “هيبو” وتعني تحت، و “ستاسيس” وتعني قائم أو واقف، وبهذا فإن كلمة هيبوستاسيس تعني تحت القائم ولاهوتياً معناها ما يقوم عليه الجوهر أو ما يقوم فيه الجوهر أو الطبيعة. والأقنوم هو كائن حقيقي له شخصيته الخاصة به، وله إرادة، ولكنه واحد في الجوهر والطبيعة مع الأقنومين الآخرين بغير انفصال.» (الأنبا بيشوي: مائة سؤال وجواب في العقيدة المسيحية الأرثوذكسية، دار نوبار، الطبعة الأولى، صـ12.)
  • [4] هذا مُتَّفق مع المذكور في القرآن الكريم، في سورة المائدة، الآية 18: ﴿وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ ‌نَحۡنُ ‌أَبۡنَٰٓؤُاْ ‌ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥۚ قُلۡ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُمۖ بَلۡ أَنتُم بَشَرٞ مِّمَّنۡ خَلَقَۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ﴾
  • [5] هذا يُذكِّرنا بقوله تعالى في سورة مريم، الآية 65: ﴿رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ‌وَمَا ‌بَيۡنَهُمَا ‌فَٱعۡبُدۡهُ وَٱصۡطَبِرۡ لِعِبَٰدَتِهِۦۚ هَلۡ تَعۡلَمُ لَهُۥ سَمِيّٗا﴾
  • [6] هذا بحسب التَّرجمة البولسية للعهد الجديد، وهو الأقرب للنَّص اليوناني. أغلب الترجمات الأخرى تقول: الإله الحقيقي وحدك، والغالبية العُظمى من التَّرجمات الإنجليزية تقول: (the only true God). النَّصّ من أصرح النُّصُوص في العهد الجديد المُخالفة لعقيدة الثالوث، ولقد حاول آباء الكنيسة على مرّ العصور شرح هذا النَّص بما يتوافق مع عقيدة الثالوث، ولكن كل مُحاولاتهم باءت بالفشل لأن النَّص يُصرِّح بما لا يدع مجالاً للشَّكّ أنَّ الآب هو الإله الحقيقي الوحيد، وهذا التصريح على لسان المسيح نفسه. وقد قمت بإعداد دراسة بسيطة عن هذا النص بعنوان: «سبقك بها كيرلس! التَّحريف الوقح»، تجدونه على هذا الرابط https://bit.ly/3imPhih
  • [7] توماس ف. تورانس: الإيمان بالثالوث (الفكر اللاهوتي الكتابي للكنيسة الجامعة في القرون الأولى)، مكتبة باناريون، الطبعة الأولى – صـ352. (Epiphanius، Anc.، 2)
  • [8] القديس كيرلس عمود الدين: حوار حول الثالوث (الحوارات السبع في مجلد واحد)، ترجمة: جوزيف موريس فلتس، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، الطبعة الأولى 2014م، صـ116.
  • [9] هذا ما نصّ عليه البابا (كيرلس الإسكندري) كثيراً، خصوصاً في كتابه (الكنوز في الثالوث)، يُمكنك مُراجعة نص كلامه من هذا الرابط https://bit.ly/3AVsiSJ
  • [10] الأب ميشال أبرص والأب أنطوان عرب: المجمع المسكوني الأول نيقيا الأول 325، من سلسلة: تاريخ المجامع المسكونية والكبرى 2، طبعة أولى 1997م، المكتبة البولسية، صـ170-172.
  • [11] توماس ف. تورانس: الإيمان بالثالوث (الفكر اللاهوتي الكتابي للكنيسة الجامعة في القرون الأولى)، مكتبة باناريون، الطبعة الأولى، صـ254 و255.
  • [12] القديس أثناسيوس الرسولي: الرسائل عن الروح القدس إلى الأسقف سرابيون، ترجمة: موريس تاوضروس ونصحي عبد الشهيد، الطبعة الثانية 2005م، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، صـ81.
  • [13] كيرلس الإسكندري: حوار حول الثالوث، الجزء الثاني، الحوار الثالث، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، نصوص آبائية 90، طبعة ثانية مُنقحة، صـ10 إلى 14.
  • [14] القسّ منسَّى يوحنا: شمس البِر، مكتبة المحبَّة، صـ97 و115.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. جزاكم الله خيرا وبارك في جهودكم وتقبل منكم، لو أمكن الصورة المرفقة لا يكون فيها الصليب كامل، بل يكون منقوضا، أو مكسورا ، فقد كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يترك شيئا فيه تصاليب إلا نقضه.

  2. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    نوع الخط في الموقع غير مريح
    الرجاء مراجعة الأمر واختيار خط مناسب وعريض للقراءة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى