مقالات

لماذا حرية الإرادة مشكلة نفسية/فلسفية ؟ -2/2

– يقدم الإسلام تصورًا بسيطًا يفهمه كل ذي عقل يقرأ القرآن.

فالله عز وجل خلق الخلق كلهما سائرين مسيرين لا يملكون الحيود عن مشيئة الله قيد أنملة، ولا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، فالمخلوقات بطبيعتها ناقصة، ضعيفة، شاهدًا لعظمة الله -عز وجل- ولقدرته الكاملة، فلأجل ذلك كان الخلق مفتقرًا في وجوده إلى الله -عز وجل- ومحتاجًا إلى رحمته تبارك وتعالى، فكان من رحمة الله عز وجل أن أخضع الخلق لعبادته: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْكَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾. فخضعوا مذعنين وسلموا ممتثلين لشهودهم مشهد العظمة والقدرة الإلهية، فكان كل شيء في هذا الكون وخارجه قائمٌ بقيومية الله تعالى ومؤتمرٌ بنواميسه، فهو الحي، القيوم، الشهيد، الرقيب، الحفيظ.

ولـمَّا كانت المخلوقات مجبولة على الطاعة ومنقادة نحو العبادة، كان هناك (الإنسان) ذاك المخلوق العجيب الذي نلاحظ رغم كونه مخلوق فيزيائي مادي كسائر المخلوقات إلا أنه يتفرد بظواهر نوعية لا مثيل لها في أي مخلوقات أخرى، كما يقول عبد الوهاب المسيري: “ولكنَّ هناك جانبًا آخر للطبيعة البشرية متجاوزًا للطبيعة/المادة، وغير خاضع لقوانينها، ومقصورًا على عالَـم الإنسان ومرتبطًا بإنسانيته، وهو يُعبِّر عن نفسه من خلال مظاهر عديدة، من بينها: نشاط الإنسان الحضاري (الاجتماع الإنساني، الحس الخلقي، الحس الجمالي، الحس الديني). ومن المظاهر الأخرى لهذا الجانب: أنَّ الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يطرح تساؤلات عمَّا يُسمَّى العلل الأولى، وهو لا يكتفي بما هو كائن، وبما هو معطى، ولا يرضى بسطح الأشياء، فهو دائم النظر والتدبر والبحث، يغوص وراء الظواهر؛ ليصل للمعاني الكلية الكامنة وراءها، والتي ينسبها إليها، وهو الكائن الوحيد الذي يبحث عن الغرض من وجوده في الكون، وكلها تساؤلات تجد أصلها في البنية النفسية والعقلية للكائن البشري؛ ولذا: سُمِّي الإنسان الحيوان الميتافيزيقي”[1].

هذا التفرد ناتج لما وهبه الله عز وجل للإنسان ولم يهب مثله لأي مخلوق قُ، فبعد أن خلق الله الخلق، عرض الأمانة عليهم، والأمانة تحمل معانٍ عدة، ولكن بنفس الدلالات، فهي العقل، والقدرة على الاختيار، وحرية الإرادة، أو بشكل مجمل هي القوّة التي بها قامت التكاليف الشرعية من أجل إقامة حكم الله في أرضه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾.

وبحمل الإنسان للأمانة وامتلاكه لحرية الإرادة بين أداء التكاليف الشرعية وبين التفريط فيها، قامت خلافة الإنسان في الأرض، قال ابن جرير: “فكان تأويل الآية على هذا: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ مني، يخلفني في الحكم بين خلقي، وإنَّ ذلك الخليفة هو آدم ومن قام مقامه في طاعة الله والحكم بالعدل بين خلقه. وأمَّا الإفساد وسفك الدماء بغير حقها فمن غير خلفائه”[2].

وبالنفخة الإلهية في آدم: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾. حصل التكريم الإلهي للإنسان، فكان أشرف وأعظم مخلوقات الله، واستحق سجود الملائكة له تكريمًا للنفخة الإلهية التي وهبها الله إياه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، وبذا فقد تمَّ تسخير الكون كله للإنسان حتى يستطيع أداء أمانته فيه ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾.

لكن أليس الإنسان واقعٌ في النهاية تحت مشيئة الله وقدر الله؟ فكيف تفترق حرية إرادته عن القدر الجبري الذي سيّر الله به خلقه؟

لقد قدّم الإسلام مفهوم حرية الإرادة بشكل متوافق تمامًا مع عقيدة القضاء والقدر، بل إن اتحادهما معًا هو نورٌ على نور، وأحدهما دون الآخر يحدث خللًا في النظام العقدي الإسلامي مباشرة.

فالله تعالى يتصف بالعل، وهو بكل شيء عليم وقد أحاط بكل شيء علماً، يعلم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، وقد كتب في اللوح المحفوظ كل ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.

والكتابة لا تعارض الفعل الحر للإنسان. ولله المثل الأعلى، فالله عز وجل هو خالقنا وهو أعلم بنا من أنفسنا، فكونه عالماً بما ستؤول إليه اختياراتنا لا يتعارض مع التخيير الذي وهبنا إياه فترك لنا حرية الاختيار بين الكفر و الايمان وبين الطاعة والمعصية.

ولذلك لما استشكل الصحابة هل يتركون العمل بسبب القدر السابق؟ أجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا، اعملوا، فكل ميسر لما خلق له”، ثم قرأ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى. وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى. وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى}.

ومشيئة الله في الكون نافذة نفاذ مطلق، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يحدث في كون الله شيء رغماً عنه أو خارج مشيئته حاشاه سبحانه. لذا فإن المشيئة -التي ترادفها الإرادة- تنقسم إلى قسمين: الإرادة الكونية والإرادة الشرعية : أما الإرادة الكونية فهي كل ما أراده الله عز وجل في الوجود، خيرها وشرها، قديمها وحديثها، ما يحبها الله وما يبغضها.

أما الإرادة الشرعية فهي ما يحبه ويرضاه الله عز وجل سواء وجد أم لم يوجد، كقوله تعالى: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} فالله يريد من جميع الناس أن تؤمن وأن تتوب ولكنها ليست إرادة كونية وإنما إرادة شرعية أي في مساحة التكليف واختيار الإنسان الذي يختار أن يتوب أو ألا يتوب.

ولا يغوي الله عباده إلا بأعمالهم وبما في قلوبهم: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}.

وكذلك يهدي عباده لما يقصدون الخير بضمائرهم: {إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا}.

فالإنسان إذا طلب الهداية باختياره الحر الواعي، هداه الله سواء السبيل، وإذا ابتغى غير ذلك فلا يلومن سوى نفسه.

لقد أكد الإسلام أن الله هو خالق كل شيء، بما في ذلك أفعال العباد كلها بما فيها الكفر و الإيمان والطاعات والمعاصي {والله خلقكم وما تعملون} والثواب والعقاب يتحددان على أساس اختيار الإنسان لأفعاله كونه مخيراً بين الإيمان والكفر وما يترتب عليهما من طاعة وعصيان عموماً.

وفي نفس الوقت الذي ترك الله فيه لبني آدم حرية اختيارهم، فقد نبههم إلى معنى حرية الإرادة وما يستلزمه من مسؤولية في العديد من الآيات: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَة}. ويوم القيامة ترد الأعمال إلى أصحابها: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ}. وما من إنسان إلا وهو مجازى عما يقترف من أعمال، {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}.

([1]) عبد الوهاب المسيري، «الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان»، دمشق، دار الفكر، (2002م)، (ص/ 12) .

([2]) ابن كثير، «تفسير القرآن العظيم »، (1/218) .

‫2 تعليقات

  1. موضوع جميل
    عندي سؤال
    لماذا يذكر الله تعالي في القران أكثر من مرة بأن أكثر الناس لايؤمنون / كافرون/ فاسقون / لا يشكرون/ لا يعقلون/ لا يعلمون ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى