مقالات

الأخلاق بين الإسلام والإلحاد

هل تعلم لِمَ يُلقِ البعض القمامة في النهر؟ الإجابة المباشرة لأن ذلك هو الحل الأسهل، لكن في الحقيقة فإن الأسهل من ذلك هو عدم إلقاء القمامة من الأصل! ولهذا تأتي الإجابة الأخرى: وهي أن المنزل مهما كان كبيرًا فإنه لن يتسع للقمامة، ولكن النهر كبير بما يكفي لإخفاء القاذورات.

في ضوء هذا، يأتينا نهر الإنسانوية الرحب الفضفاض ليُخفي شوائب الإلحاد، حاملًا إلينا شُبهةً ذاع صيطها وانطلت على العديد من الناس، فيزعم أن الدين يفسد الأخلاق الإنسانية؛ كونه يربط الأخلاق بالثواب والعقاب، ولهذا يفتقر المؤمنون للاتساق مع ذاتهم، بل إن الأخلاق الدينية تؤسس للنفاق كما زعم بعض الملاحدة.

لذا دعونا نلقي نظرةً على صحة هذه المزاعم وحقيقتها؛ لنرى أيًا من الجبهتين تحمي الأخلاق وتؤسس لها، وأيهما تقدّم أساسًا منهجيًا لعالم أخلاقي، وأيهما يهرف بالهرطقات والسفسطة التي تتهاوى عند أول سؤال؟

حجر الأساس

في بحثه الضخم “ظاهرة نقد الدين في الفكر الغربي الحديث”، يتناول الباحث الإسلامي سلطان العميري الجدل الإلحادي الدائر حول الأخلاق والدين، فيذكر أن كل رؤية أخلاقية لا بد وأن تتأثر بالأصول الكلية لكل شخص، وعلى حسب فلسفة المرء ورؤيته للعالم والحياة تتحدد منظومته الأخلاقية ونظرته إليها، وبالنظر لهذا يمكننا تناول الأصل الكلي لكل من الإيمان والإلحاد؛ لندرك على أرض الواقع أين تقع الأخلاق في كل من المنظومتين.

وإذا بدأنا بالمنظومة الإيمانية التوحيدية سنجد أن القاعدة الأولى فيها هي الاحتكام الكامل لله عز وجل في كل شأن، فهو خالق الكون والبشر ومالك كل شيء، تلك القاعدة التي تتلاقى مع قاعدة منطقية هامة في شأن الأخلاق، وهي ثبات المصدر وسموه؛ فالمصدر الأخلاقي لا بد وأن يكون متعاليًا عن البشر ومختلفًا عنهم أجمعين، بمعنى أن يكون مطلق العلم والإحاطة والإدراك، وكامل التدبير والحكمة، فيعلم الحقائق كلها: ماضيها وحاضرها ومستقبلها، ومع ذلك كله فهو متجرد من الرغبات الشخصية والأهواء النفسية والمحاباة 

تلك المتطلبات التي يستحيل توافرها في بشر أيًا كان، ولا تجد أهلًا لها إلا الله سبحانه وتعالى.

ولهذا يقول الفيلسوف الفرنسي “جاك مارتيان” أن أي مجتمع بشري “يحتاج إلى مجموعة من القيم ذات المصدر الإلهي الذي يعلو عن الإنسان؛ أي إن مصدر القيم لا يجوز أن يُرجِع نفسه إلى الإنسان نفسه، وإلا سيكون طرفًا وقاضيًا في الوقت ذاته”، ثم يكمل قائلًا أن استقرار المجتمع مرتبط بـ “وجود حقائق مطلقة يسلّم بها الأفراد جميعًا”.

وعلى هذا، يأتي إيمان المسلم بالنصوص الشرعية التي تنزّه الشرع عن إقرار القبيح أو ذمّ الحسن من الأفعال، ففي الآية الكريمة يقول الله تعالى “وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ”، وفي الحديث القدسي نرى قول النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه: “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا”.

وبناءً على هذا يذكر “العميري” أن المؤمن يعتقد أن الله خلق الأشياء وجعل فيها صفات داخلة في ماهيتها، وهذا الاعتقاد كامن في الفطرة التي خلق الله عليها العباد، فقبح الكذب والخيانة والغدر والقتل والاغتصاب والسرقة واضح بما لا يدع مجالًا للشك، وحُسن الصدق والوفاء والمروءة ونصرة المظلوم واضح في ذاته، ولا يتصادم الشرع فيه مع المنطق حين يأمر بهذا ويحرّم ذاك.

ولأجل هذا يذكر المفكر “زكي نجيب محمود” أن مصدر المبادئ الأخلاقية راجع لصورتها التي رسخت في القلوب، إلا أنها لم تضح مبادئًا إلا عندما أيدها الوحي وزادها رسوخًا، ما جعلها قواعدًا حادةً لا تتغير ولا تتبدل ولا تزول.

شاطئ اللاشيء

على الجانب الآخر، فبالنظر إلى التصور الإلحادي للكون، سنجد أن الحياة صدفة عشوائية نتجت دون تدخل من أحد، وبهذا يضرب الإلحاد  بالمطلقات والثوابت عرض الحائط، فلا خالق، ولا ثابت، ولا مشرِّع، ومن ثم فهو يهدم الأساس الأول لوجود الأخلاق، بل يهدم الغاية من وجودها أصلًا.

فضلًا عن أن الإلحاد يرى الكون كله مجموعة من التفاعلات المادية الجامدة التي لا غرض لها ولا هدف 

الأمر الذي يُفقِد كلمتي “حسنٌ” وقبيح” أي معنى أو دلالة، فالسرقة نتاج تفاعل مثلها مثل جزئ كلوريد الصوديوم، ولهذا رأى بيجوفيتش أنه “لا يمكن بناء نظام أخلاقي على الإلحاد”.

لكن الأعجب أن نجد فيلسوف الوجودية الملحدة الأشهر “بول سارتر” هو من يقرّ بذلك، فيقول: “إن الوجودية تقول إن عدم وجود الله معناه عدم وجود القيم المعقولة كذلك، وعدم وجود الخير بصورة مسبقة؛ لأن عدم وجود الله معناه عدم وجود وجدان كامل لا متناه يعقل ذلك الخير، وبهذا يصبح القول بوجود الخير أو بوجود الصدق والنزاهة قولًا لا معنى له”.

وهو ما يوافقه الفيلسوف والمؤرخ الأمريكي الشهير “ول ديورانت” بذكره أن الفلاسفة قد أدركوا أن رفضهم للأسس الدينية للأخلاق يلزمهم أدبيًا بالعثور على أساس آخر يحمل الناس على السلوك الكريم، ليضيف أنهم “لم يكونوا واثقين إطلاقًا من إمكان السيطرة على هذا الحيوان البشري دون ناموس أخلاقي مكرس تكريسًا فوق طبيعي” .

تلك المهمة التي انبرى لها أحد هؤلاء الفلاسفة بالفعل، وهو الفرنسي “دينس ديدرو” الذي فكّر مليًا في وضع أخلاقيات طبيعية دون أسس دينية، إلا أن مهمته باءت بالفشل الذي زيّنته مقولته: “إنني لم أجرؤ على أن أخط أول سطر… ولست أخالني كفؤًا لهذا العمل الجليل”. ونحن نسأل على خلفية هذا المشهد: هل يمكن وضع أساس إلحادي للأخلاق؟

الإلزام بالهواء

بالنظر إلى الإلزام الإلحادي للأخلاق، فكما يذكر العميري، فإن كل نظام أخلاقي يفتقر ويحتاج إلى مبدأ الإلزام، والذي بدونه تتلاشى فكرة المسؤولية الأخلاقية من الأساس، في هذا السياق يمكننا النظر بقلب مطمئن إلى الإلزام الديني للأخلاق، والذي يمثل الشهود الإلهي أعظم معاييره. فالمرء الذي يدرك أن الله عليم محيط بغيب السموات والأرض، يدرك بالتبعية أنه مسؤول أمام شاهد يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور، واستحضار المؤمن للشهود الإلهي من أقوى ما يدفعه للالتزام الأخلاقي.

لكن هل يعني ذلك أن زعم الملاحدة صحيح وأن المؤمنين يتبعون الأخلاق مخافة العقاب دون إيمان بقيمتها؟ هذا ما ينكره العميري حين يقول أن حب الله وتعظيمه يلعب دورًا كبيرًا في توجيه عباده المؤمنين، فكل محب يكره إغضاب محبوبه. كما يذكر محمد قطب أن الأخلاق في الإسلام تمثل ميثاقًا بين العبد وربه، وليست محض أمور تواضع عليها البشر، ولهذا فإن الأخلاق في الإسلام جزء من جوهر العبادة ومكون من مكونات هوية المؤمن.

وفضلًا عن هذا، فإن كل إنسان عاقل يجد نفسه مدفوعًا بغاية في ممارسة كل فعل، وأي غاية تكون أشرف من رضا إله الكون وخالقه؟ خاصةً وأن هذه الأخلاقيات تجد في نفسه باعثًا فطريًا قويًا على استحسان ما حسّنه الشرع واستقباح ما قبّحه وهو ما يعبر عنه المفكر المصري البارز عبد الوهاب المسيري بمصطلح الإله الخفي، والذي يعني أن ثمّة شيئًا غير مادي كامن في الإنسان يدفعه نحو فعل الخير وترك الشر.

بينما على شاطئ الإلحاد فإن الإلزام الأخلاقي محض هراء أجوف، وهو ما نجد اختصاره الأمثل في كتاب “جيو جون ماري” الأخلاق بلا إلزام ولا جزاء، إنه الإلزام بالهواء! فالإلزام الإلحادي قد يأتي تارةً في ثوب الإلزام الاجتماعي الذي يلزم الفرد بالاحتكام إلى سلطة المجتمع وموافقة أعضاءه فيما اتفقوا على أن يكون أخلاقيًا، وقد يأتي تارة أخرى في ثوب الإلزام النفعي الذي يجعل المنفعة هي المرجعية التي تقرر ما هو أخلاقي وما هو خلاف ذلك.

بينما النظر في الموقفين سيخرج لنا العديد من المفارقات والتناقضات، فالإلزام الاجتماعي يعطّل قيمة الأخلاق من الأصل ويحولها إلى محض مصالح متبادلة بين الأفراد، فالصدق لا قيمة له في نفسه وإنما هو أخلاقي طالما توافق المجتمع على أخلاقيته، وإلا فقد يكون الصدق أخلاقيًا في الهند بينما هو فعل مشين في اليابان، كما أن هذا الإلزام الأخلاقي يدمّر أي مفهوم إصلاحي، فلو وجد المرء نفسه في مجتمع يبيح الغدر والسرقة والاغتصاب فإنه غير مطالب بالدعوة إلى إصلاح ذلك ومقاومته لأن المجتمع يتوافق عليه، وكل ما يتطلبه الأمر أن يترك هذا المجتمع وشأنه ويبحث عن آخر يوافقه.

وهي المفارقة التي يسقط فيها الملاحدة حين يهاجمون المجتمعات المسلمة ويتهمونها بالتخلف والرجعية بسبب قيمهم الأخلاقية فأين مبدأهم الذي عبدوه هنا؟ أم أنه صنم عجوة يؤكل في الحال؟!

الأمر نفسه ينطبق على الإلزام النفعي، ولكن بصورة معاكسة، إذ يجعل هذا الإلزام الأخلاق وسيلةً للذة والمنفعة الشخصية الأمر الذي يدمّر أي بنيان مجتمعي ويحوّل أفراده لحفنة من البهائم التي تتقاتل على لذّاتها ومنافعها، فما يبيحه هذا يحرمه ذاك، وما يحسّنه شخص يقبّحه شخص آخر، بلا ضابط ولا حاكم ولا ثوابت على الإطلاق.

فأي أخلاق تلك التي يزعمون؟ وأين الأخلاق الإيمانية التي يهتدي بنور ربها العباد من تلك السلوكيات الحيوانية التي لا مرجعية لها ولا شريعة؟ “أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ”

المصادر

محمد رأفت سعيد، المدخل لدراسة النظم الإسلامية.

صحيح مسلم.

سلطان العميري، ظاهرة نقد الدين في الفكر الغربي الحديث ج2.

زكي نجيب، عربي بين ثقافتين.

بيجوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب.

آدريين كوخ، الوجودية الإلحادية.

ويل ديورانت، قصة الحضارة

محمد قطب، دروس تربوية من القرآن.

عبد الوهاب المسيري، دراسات معرفية في الحداثة الغربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى